2015/10/29

مخاض "فيينا السوري" ... وكسر الإرادات

د. ليلى نقولا
في تقدُّم لافت، تمّت دعوة إيران إلى المحادثات التي يرعاها الروس والأميركيون في فيينا، لبحث أسس مفترَضة لحل الصراع السوري، وآلية للسير في مسيرة العدالة الانتقالية في هذا البلد الذي يشهد حرب كونية على أرضه منذ ما يزيد على سنوات أربع.

الأكيد أن الأميركيين استطاعوا تحقيق اختراق في العملية التفاوضية من خلال الضغط على السعوديين للقبول بالجلوس إلى الطاولة مع الإيرانيين لبحث النزاع السوري والوصول إلى حل، والذي لم يكن منطقياً وواقعياً أن يكون بدون الحديث مع كل من الإيرانيين والسوريين.

لكن التفاؤل بقرب السير الأكيد بالحل السياسي أو الاتفاق على مقومات أدنى للحل ما زال مبكّراً لأوانه، فمقابل هذا الارتياح الذي فرضته دعوة إيران إلى المفاوضات الجارية في فيينا، تظهر بوادر التصعيد من خلال ورود تقارير من الميدان السوري تفيد أن الدول الإقليمية الداعمة للمجموعات المسلحة قد استوعبت الضربة الأولى لمجموعاتها، وانطلقت إلى مرحلة الردّ، وذلك من خلال تزويد الإرهابيين بصواريخ صينية مضادة للطائرات، يمكنها تعطيل حركة المروحيات الروسية التي تؤمّن الإسناد الجوي للجيش السوري على علوّ منخفض، لكنها غير قادرة على إصابة المقاتلات الروسية التي تحلّق على علو مرتفع، بالإضافة إلى تأمين التنسيق العملياتي (ولو عن بُعد) بين كل من "داعش" و"جبهة النصرة" لتشكيل قوة هجومية لقطع طرق الإمداد على الجيش السوري في حلب.

وهكذا نجد أن الصراع السوري قد دخل مرحلة جديدة تتجلى أسسها في ما يلي:

1-      تسعير الميدان بشكل كبير، حيث يجد كل طرف من الأطراف المتحاربة أن كل تقدُّم يحرزه في الميدان سيمنحه أوراق تفاوض أكبر وأهم على طاولة المفاوضات. وعليه، فإن العملية العسكرية الروسية سيقابلها تدخُّل أميركي أكبر في العمليات الحربية، ولو أن الظاهر سيكون أن الدول الاقليمية (تركيا - قطر - السعودية) هي التي تقوم بالمواجهة، لكن في حقيقة الأمر لا يستطيع أي من هؤلاء التصرُّف بدون توجيه ورضى أو خارج إرادة الولايات المتحدة الأميركية.

2-      بموازاة الميدان، سيبدأ مسار تفاوضي صعب جداً، سيكون قوامه التنازلات المتبادَلة من الطرفين للوصول إلى ما يمكن القول إنه أفضل الممكن لكل طرف ليتمكّن من ادعاء انتصار ما مقابل ما سيخسره. وللوصول إلى هذه النقطة، على الدول الداعمة للمجموعات المسلحة أن تتنازل عن شرط رحيل الأسد أو عدم اشتراكه بالانتخابات الرئاسية المقبلة، على أمل أن يحوّلوا المعركة العسكرية لإسقاطه إلى معركة انتخابية يستعملون فيها الأموال، وأصوات السوريين المهاجرين، خصوصاً في أوروبا، بالإضافة إلى التجييش الإعلامي ضده، فيكون سقوطه الذي يريدونه. في المقابل، سيكون على النظام السوري أن يقبل برموز من المعارضة يعتبرها الآن خائنة للوطن، وتقديم العديد من التنازلات في ما خص إدماج المقاتلين في الجيش، والسير بالعدالة الانتقالية التي تتطلب القبول بآليات قد لا يتصوّر البعض أن النظام سيقبلها الآن.

3-      وبموازاة الميدان والسياسة المترافقَيْن، سيكون مسار غربي، وعلى صعيد الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، يمهّدان إعلامياً وتسويقياً لكل خطوة من الخطوات التي تصل إليها المفاوضات، فعلى سبيل المثال، نجد أن الاعلام الغربي، وتصريحات المسؤولين الغربيين اليوم بات تسوّق لفكرة مفادها "سيبقى الأسد في الحكم لإدارة العملية الانتقالية، لكن عليه أن يرحل في مرحلة لاحقة"، وهي نقيض لكل ما جرى تسويقه في السابق من أنّ الأسد فقد شرعيته وقتل شعبه وعليه أن يرحل قبل البحث بأي حل، وممنوع عليه الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

انطلاقاً مما سبق، يمكن القول إن الدخول الروسي القوي إلى الميدان السوري، وإن موازين القوى الميدانية التي كانت سائدة، والتي أوهمت البعض بأن بإمكانهم تحقيق مكاسب سياسية والهيمنة على سورية من خلال الأدوات الإرهابية، قد انقلبت الآن، وما كان مستحيلاً في السابق بات صعباً، وما كان صعباً صار ممكناً.. وعليه، ستدخل الأزمة السورية في 30 تشرين الأول مساراً جديداً لا يقلّ صعوبة وخطورة عما سبقه، ويبقى الميدان هو الحكم والمقرر لكل ما سيأتي.

2015/10/22

ماذا لو لم يتدخل الروس؟


د. ليلى نقولا
في منتصف الصيف المنصرم، غرق الإعلام بموجة من التصريحات المتفائلة والمتبدّلة، والتي تحدثت عن "تغيير ما" في النظرة الغربية والإقليمية تجاه الحرب السورية، وأن الشروط السابقة والخلاف حول مستقبل الرئيس بشار الأسد قد انتهى؛ فلم يعد جون كيري يكرر الموقف الأميركي المعروف منذ سنوات أربع بأن "الأسد فقد كل شرعيته وعليه أن يرحل"، بل بات يتحدث عن ضرورة "التفاوض معه"، مستكملاً سلسلة من التصريحات التي أوحت بتطور ما في الموقف الأميركي، ولو غلّفه كيري بضرورة التفاوض مع الأسد لإقناعه بالرحيل في مرحلة ما من التفاوض.

ومع كيري، برز حديث رجب طيب أردوغان في موسكو، معتبراً أنه يمكن للأسد أن يبقى في مرحلة أولية من المرحلة الانتقالية، على أن يرحل في مرحلة لاحقة، وترافق هذا مع حديث مشجّع للأوروبيين حول ضرورة التفاوض مع الأسد، بينما بقيت السعودية وحدها تغرّد منفردة، معتبرة على لسان وزير خارجيتها أنه "لا مكان للأسد في سورية".

وبالتزامن مع كل تلك التصريحات العلنية، والتي دفعت البعض للتفاؤل بإمكانية الذهاب إلى حل سياسي في سورية، كان المحور الغربي ومعه حلفاؤه الإقليميون يُعدّون خطة يتصورون أنها ستقلب موازين القوى الميدانية، وتؤدي إلى احتلال دمشق وإسقاط الأسد عبر هجوم برّي ينفذه الجيش التركي بذريعة إقامة "المنطقة الآمنة"، وتحدثت تقارير صحفية حديثة أن الاستخبارات الروسية والإيرانية كشفت خطة بدأ التحضير لها في غرفة العمليات التركية لهجوم على حلب وحمص وصولاً إلى قطع طريق بيروت - دمشق، "كمقدمة للإغارة الواسعة على العاصمة السورية واقتحامها في شهر تشرين الأول (الحالي)، فضلاً عن هجوم واسع هدفه السيطرة على حمص والدخول من سهل الغاب إلى تخوم مدينة اللاذقية الساحلية".

ولعل الكشف عن هذه الخطة الغربية التي أفشلها التدخل العسكري الروسي في سورية، يوضح الكثير من الأمور التي كان يشوبها بعض الإبهام، وذلك على النحو الآتي:

1-      الهجوم المفاجئ للاجئين السوريين على أوروبا، بعد سنوات أربع من البقاء في دول الجوار الإقليمي السوري، متحدّين الموت ورحلات العذاب الطويلة. ينجلي اليوم هذا الغموض، فقد كان أردوغان بحاجة إلى تغطية أوروبية لتدخّله العسكري في سورية، بحجة إقامة المنطقة الآمنة التي سيقيم فيها اللاجئون، ولو قُدّر له الحصول على الموافقة الأوروبية بسرعة - قبل التدخّل الروسي - لانقطع سيل اللجوء السوري إلى أوروبا بقدرة قادر!

2-      تراجُع "تيار المستقبل" عن الوعود التي كان قد قطعها والتسويات التي كان بصدد الدخول فيها، ثم تعنّت "المستقبل" وحلفاؤه ومعهم بعض قوى 8 آذار في إعطاء العماد عون أي فرصة لمكسب أو إمكانية النفاذ إلى تسوية مقبولة، والذي ترافق مع الحديث عن عزل العماد عون وكسره.. وذلك لاعتقاد هؤلاء أنه ما هي إلا شهور وتسقط دمشق بيد الحلف التركي - السعودي، فيسهل اجتثاث المسيحيين، ويعود لبنان إلى حكم "الترويكا" التي حكمته خلال التسعينات.

وهكذا، يبدو أن التصريحات المتفائلة بقرب الوصول إلى حل سياسي في سورية لم تكن سوى نوع من إراحة الأجواء الدولية وذرّ الرماد في العيون، للانقضاض على دمشق فجأة بعد تمهيد الأرضية الدولية لذلك، بحيث يكون إسقاط سريع للنظام يُسقط في يد الإيرانيين والروس معاً.. وبالنتيجة، يمكن القول إن السيناريو المتفائل بأن تنسيقاً ما تمّ بين الأميركيين والروس تدخّل على أثره الروس في سورية، لم يكن حقيقياً وواقعياً، وإن الخلاف الروسي الأميركي على سوريا أعمق مما يظهر للعلن.. ويتضح أيضاً أن التدخّل الروسي الذي فاجأ الجميع في سورية قد أحبط مخططاً جهنمياً قوامه احتلال تركي لسورية، كان سيُغرق الشرق الأوسط في أتون من التطهير العرقي وإبادة الأقليات الدينية.

2015/10/15

بعد الدخول الروسي... كيف سيكون شكل الحكم اللبناني؟


د. ليلى نقولا
لا يشذّ لبنان وسياسيوه عن العالم الذي ينظر مترقباً ومشدوهاً، بانتظار أن يتبلور مصير الحملة الروسية على الإرهابيين في سورية، والتي تترافق مع هجوم برّي يتقدم فيه الجيش السوري على محاور عدّة، بينما اكتفى الأميركيون بالردّ - لغاية الآن - بإلقاء السلاح للمجموعات الارهابية وقصف محطتين للكهرباء في حلب، بذريعة استهداف عناصر "داعش" الذين يسيطرون على المحطة منذ أكثر من عامين، والذي أدّى إلى تدمير المحطات بالكامل، وحرمان حلب من الكهرباء.

وفي لبنان، يستمر مشهد المراوحة وتقطيع الوقت، وانتظار تبلور نتائج الحرب السورية، والتي كلما دخلت منعطفاً مختلفاً وتبدّلت موازين القوى فيها، تبدّل المشهد السياسي اللبناني، وتبدّلت مواقف بعض الأطراف اللبنانية، للتناغم معها، وانتظار فرصة مؤاتية لقضم المزيد من حقوق الآخرين، أو من حقوق المواطنين.

مع بداية الحرب في سورية، حلم "تيار المستقبل" وباقي المجموعات التي تدور في فلكه، بسقوط وشيك لسورية، وأن قيامهم بدعم "الثورة السورية" سيتيح لهم حكم لبنان وسورية معاً، وأن القضاء على النظام السوري سيكون مقدمة للقضاء على المقاومة في لبنان، والثأر لحرب تموز 2006 وما بعدها، لكن حساب الحقل السوري لم يطابق بيدر "تيار المستقبل" ومن ورائه السعودية وقطر وتركيا والحلف الغربي، فصمد السوريون، ووعت المقاومة خطورة ما يتهددها، فانخرطت في الحرب السورية في أوائل عام 2013، وبدّلت موازين القوى على الأرض.. وساهم سقوط المشروع "الإخواني" بحلحلة العُقد اللبنانية وتشكيل حكومة وحدة وطنية ما زالت تترنح لغاية اليوم، ولا تسقط.

استمرت حال التهدئة، ودخل الرئيس سعد الحريري في حوار مع العماد ميشال عون، وتمّ الاتفاق على تفاهمات داخلية سرعان ما أتى سقوط جسر الشغور وتقدُّم المجموعات المسلحة السورية على حساب الجيش السوري ليسقط التفاهمات اللبنانية بالضربة القاضية، ويؤدي إلى سيادة منطق وفكر إلغائيَّين مارسهما "المستقبل" وانخرطت فيهما بعض المجموعات السياسية الأخرى، وعاد البعض إلى المنطق الذي ساهم مع عوامل عدّة في إشعال الحرب اللبنانية في 1975، وهو منطق العزل والكسر لفئة من اللبنانيين.

ومع دخول الروس اليوم، يسود منطق الانتظار لانجلاء غبار المعارك، وعلّ التسوية في لبنان تأتي مكمّلة للتسوية في سورية، وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن اتجاهات عدّة للحل:

1-      أن يؤدي الانتصار الميداني الروسي - السوري للاتيان برئيس ينتمي إلى المحور المنتصر.

2-      أن يدخل الروس في تسوية شاملة في المنطقة، بعد تغيير موازين القوى التي تدفع الغرب وحلفائهم الإقليميين بالقبول بالذهاب إلى الحل السياسي، ويبقى السؤال هنا: هل ستسمح موازين القوى للروس بالوصول إلى تسوية تأتي بالرئيس السوري بشار الأسد ومعه رئيس لبناني ينتمي إلى المحور الذي يمثّلونه، أم أن عليهم أن يتخلوا عن أحدهما؟

3-      أن ينهزم الروس في سورية، فتتمّ الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، ومعه يأتي رئيس لبناني يشبه ميشال سليمان.

الأكيد أن الروس لن يُهزموا في سورية، وأن المحور المتشكّل من حدود لبنان إلى سيبيريا مروراً بسورية والعراق وإيران يمتلك الكثير من مقومات القوة التي تجعله عصياً على الانهزام، بينما يعاني الحلف المقابل من تصدعات داخله، وتمرّ أذرعه الإقليمية بفترات من عدم الاستقرار والتوتر، ما قد يجعل من الصعب جداً عليهم الانتصار أو إغراق الروس في المستنقع السوري.

والأكيد، بحسب ما صرّح الروس، أنهم يريدون توظيف أي انتصار ميداني في خدمة تسوية شاملة مع الأميركيين في المنطقة، فما الذي يمكن أن يكون عليه شكل الحكم القادم في لبنان؟

في البداية، من الضروري التأكيد أن الدول ليست جمعية خيرية، وليست ذات مبادئ عقائدية، وأن الروس سيأخذون بعين الاعتبار مصالحهم بالدرجة الأولى، لكن، سواء كان الروس أو الأميركيون أو سواهم، فإن قرارات الدول الكبرى لم تعد بالنسبة إلى شعوب المنطقة قدراً محتوماً، ومن يراهن على أن الروس يستطيعون حسم كل شيء في المنطقة مع الأميركيين يبدو واهماً، ولنتذكر في هذا المجال التصريحات التي أطلقها بوغدانوف خلال عامي 2012 و2013 حول مصير الرئيس السوري، وإبدائه آراءً حول رؤية موسكو بأن على الأسد ألا يترشّح للرئاسة عام 2014.. فها هي موسكو اليوم تعيد النظر وتعتبر الرئيس السوري من صلب استراتيجيتها في المنطقة.

وقياساً على ذلك، فإن موازين القوى المحلية اللبنانية يمكن أن تلعب عاملاً حاسماً في تحديد هوية وصورة وشكل الحكم اللبناني بعد التسوية وقبلها، شرط أن يتحلى اللبنانيون بالصبر والقوة وصلابة الإرادة لفرض ما يريدونه على القوى الكبرى، وللقول للعالم: انتهى عصر الأوامر الخارجية، وجاء عصر القرار اللبناني الحر.

2015/10/08

التدخل الروسي: تنسيق أم مواجهة قادمة الأميركيين؟


د. ليلى نقولا
بعد أن أستطاع الروس فرض حظر جوي واقعي فوق الأراضي السورية، تتسارع التقديرات والتكهّنات حول مستقبل الأزمة السورية، في ظل تغيّر موازين القوى على الأراضي السورية، وانقلاب المشهد الميداني رأساً على عقب، بعدما كانت المجموعات المسلحة قد استطاعت في الأشهر القليلة الماضية توسيع رقعة نفوذها.

وبما أنه معروف في علم العلاقات الدولية، أن الميدان يلعب لصالح السياسة وليس العكس، انطلاقاً من مقولة كلاوسفيتز إن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى، فما هي السناريوهات التي يمكن أن يخلقها التدخل العسري الروسي في سورية؟

السيناريو الأول: أن يكون الأميركيون والروس قد اتفقوا مسبقاً على التدخل الروسي؛ حيث يقوم الروس بما لم يستطع الأميركي أن يقوم به لجهة ضبط تصرفات حلفائه الإقليميين، وإعادتهم إلى بيت الطاعة الأميركي، بعد أن شهدت الأعوام الأربعة الماضية جنوح السعوديين والأتراك إلى ما يشبه التمرد، أو على الأقل التململ و"تكبير الحكي" ضد السياسة الأميركية، ونذكر منها التهديد السعودي بالبحث عن حلفاء آخرين.

بهذا السيناريو، يقوم الروس وحلفاؤهم بالقضاء على المعارضة المسلحة التابعة للأتراك والسعوديين، خصوصاً "جيش الفتح"، ما يدفع الدولتين الإقليميتين الراعيتين للمجموعات المسلحة للذهاب مرغمتين إلى حل سياسي في سورية، بعد فرض الميدان السوري إيقاعه على الجميع، وتكبيدهم خسائر كبرى.

وقد تكون لهذا السيناريو تصوراته المحقة والمترافقة مع إمكانية فشل حزب أردوغان في الانتخابات التركية المزمع إجراؤها في الأول من تشرين الثاني المقبل، والتي قد تؤدي إلى أزمة سياسية داخلية، تترافق مع القلق الاقتصادي المتنامي، وهبوط سعر صرف الليرة التركية. أما بالنسبة إلى السعودية، فإن الممكلة المتهالكة بحروب الأمراء في الداخل، تعيش أسوأ كوابيسها في حرب خرجت إليها في اليمن، ولا تعرف كيف تنهيها.

السيناريو الثاني: أن يكون الروس قد استغلوا التردد الأميركي في المنطقة، وفشل خططهم السياسية والعسكرية على مدى سنوات أربع، فأتوا في لحظة تاريخية مفصلية، وتدخلوا حيث الحلف الغربي في أسوأ لحظات له منذ اندلاع الحرب السورية، ليحصّلوا مكاسب استراتيجية كبرى سيحصدونها في ملفات عدّة، أقله في "الشرق الأوسط" وأوكرانيا، وكسر العقوبات الدولية التي أنهكت الاقتصاد الروسي.

في هذا السيناريو، نجد أن الأميركيين أعلنوا فشل برنامج تدريب "المعارضة المعتدلة"، وانهيار "غرفة الموك" على الجبهة الجنوبية، وقيام الفصائل الجنوبية بالبحث عمن يؤمّن لها المال، وبعضهم قرر الذهاب إلى أوروبا.

أما الأوروبيون، وبالرغم من أن للهجرة السورية إلى أراضيهم تأثيرات اقتصادية جيدة، لكن عدم قدرتهم على تحديد مَن يدخل ومَن لا يدخل، وإمكانية اندساس الإرهابيين بين اللاجئين، بالإضافة إلى القلق من تنامي نفوذ أحزاب اليمين المتطرف في أنحاء أوروبا، تجعلهم أكثر قُرباً لتفهُّم الدوافع الروسية، والترحيب الضمني بأي واقع جديد يمكن أن يفرضه هذا التدخل، وهكذا يكون الروس قد استطاعوا النفاذ من نافذة تناقض المصالح بين الأميركيين والأوروبيين.

وخارج إطار السعودية وسياستها المعروفة بالهروب إلى الأمام، والتصعيد كلما لاحت بادرة انفراج ما في القضية السورية، والتي أخرجت أبواق الفتنة لتعلن "الجهاد" ضد الجيش الروسي، ولتحرّف المراد من قول أحد المسؤولين في البطريركية الروسية، فتحاول جعل القضية حرباً بين المسيحيين والمسلمين!! يحسب الأميركيون والأوروبيون والأتراك خطواتهم ومواقفهم من التدخل الروسي بدقّة، ويحسب كل منهم هامش الخطأ الدقيق الذي يمكن أن يؤدي إلى حرب عالمية بالأصالة، بعد أن استمرت أعواماً أربعة بالوكالة على الأراضي السورية، فتبرز التصريحات الدولية والإقليمية التي تتعامل مع قصف الروس لأدواتهم على الأرض كأمر واقع لا مفر منه، وتكتفي بإبداء "القلق" والرغبة في التنسيق.

وهكذا، وبغض النظر عن أي من السيناريوهات، يملك التوصيف الأقرب إلى الواقع، يبقى الثابت المشترك بين كل السناريوهات أن الروس والأميركيين لن يتقاتلوا مباشرة فوق الأراضي السورية، كما يمكن القول إن الروس قد حققوا أهدافاً عدّة منذ اليوم الأول لحملتهم الجوية، وفرضوا أنفسهم لاعباً دولياً لا يمكن تخطيه في منطقة "الشرق الأوسط".. والأكيد، أن ما بعد التدخل العسكري الروسي في سورية مختلف عما قبله، والأكيد أيضاً أن هذا التدخل قد أدخل "الشرق الأوسط" برمّته في انعطافة جديدة، سيحدد مصيرها نجاح الحملة العسكرية الروسية، التي ستترافق حتماً مع تقدُّم برّي سيقوم به الجيش السوري وحلفاؤه على الأرض.. ويبقى الميدان الحَكم وصاحب القرار.