2013/10/31

هل تؤدي "التسوية" الى تقسيم السعودية؟

د. ليلى نقولا الرحباني
الثبات

تتجه الأزمة السورية - ولو ببطء - للدخول في مسار التسوية المفترَض أن تظهر بشائرها بعد أن يرتّب الأميركيون وضع حلفائهم ووكلائهم من الأوروبيين والأتراك والسعوديين، والذي سينسحب بسرعة على المعارضة السورية التي ستذهب صاغرة إلى "جنيف-2" حالما يأمرها ممولوها بذلك.

وهكذا، يبدو أن التفاهم الروسي - الأميركي الذي ظهرت تباشيره في ملف الكيمائي السوري سينسحب على ملفات عدّة ستظهر تباعاً، مما حدا بالمملكة العربية السعودية لأن تظهر حنقاً وحَرَداً غير مسبوقيْن في العلاقات السعودية - الأميركية، وجعلت العجائز السعوديين يتخلوْن عن تحفّظهم ودبلوماسيتهم المعهودة في التخاطب الإعلامي، وإطلاق المواقف في القضايا الإقليمية الراهنة، ومنع "الائتلاف السوري" من القبول بالذهاب إلى التسوية، ما دفع الأميركيين إلى التهديد بالاتكال على معارضة الداخل التي أعلنت منذ بداية المعارك بأنها مع الحل السلمي وتقاسم السلطة مع النظام.

ويبدو أن الأميركي الذي يتجه إلى الاستقلالية والاكتفاء الذاتي في النفط والغاز - كما يقول الخبراء الأميركيون - بات يدرس خياراته الاستراتيجية المستقبلية على ضوء هذا المعطى الجديد، والذي قد يكون أحد الأسباب الأساسية في تغيير الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أن تجارب العراق وأفغانستان المكلفة باتت نماذج تخشى الإدارة أن تكررها في سوريا، مما يجعلها تدفع أثماناً مضاعفة في المستقبل، تفوق أي تنازلات اليوم قد تقدّمها من ضمن تسوية شاملة في المنطقة.

عاجلاً أم آجلاً ستظهر التسوية في سوريا كتتويج لنضوج تسوية كبرى بين الأميركيين والروس، بعد أن يكون الأميركي قد اقتنع نهائياً بأنه لا مناص من أن يتقاسم النفوذ في منطقة الشرق الاوسط، وهو ما سينسحب على العديد من الملفات الاستراتيجية وعقود الإعمار والنفط وغيرها، مما يضيف خسائر إضافية إلى مجموعة الخاسرين في الميدان السوري، وتبدو مؤشرات التسوية الكبرى في معطيات عدّة، منها:

- الدخول الروسي الاستثماري في المنطقة، والذي بدأ يظهر في مجالي النفط والطاقة بشكل خاص. ففي مجال الطاقة النووية، على سبيل المثال، أعلنت الأردن عن اتفاق بين الحكومتيْن الأردنية والروسية لإنشاء أول محطة نووية في الأردن، ويشتمل على اختيار تكنولوجيا المفاعلات النووية الروسية، والمقدَّم من شركة "أتوم ستروي إكسبورت" كجهة مزودة للتكنولوجيا النووية، كما يشتمل على اختيار الشركة الروسية "روست أتوم أفرسيز" كشريك استراتيجي ومستثمر مشغّل للمحطة النووية الأردنية الأولى، علماً أن الأردن تُعدّ من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، ولم تكن الحكومة الأردنية لتوقّع مشروعاً كهذا مع الروس لو لم يكن الأميركي وافق على ذلك مسبقاً.

- نقاش سياسي وإعلامي وأكاديمي في الولايات المتحدة، يبحث في مدى جدوى استمرار معادلة "الأمن مقابل النفط" في الخليج، أي أن الولايات المتحدة الأميركية لن تعود ملزمة على تقديم الحماية للمشيخات الخليجية مقابل سيطرتها على النفط والغاز ومنابعه وأنابيبه بعد اكتشاف الـ«شايل» الأميركي.

- انتصار روسيا في تثبيت حكم بشار الأسد، عنى في ما عناه انتصارها في حرب أنابيب الغاز التي كانت ستهدد مصالحها الاقتصادية في أوروبا فيما لو انتصرت المعارضة السورية "الإخوانية" المدعومة من قطر، والتي كانت تخطط لإيصال الغاز القطري و"الإسرائيلي" إلى أوروبا عبر سوريا. الخاسر في حرب الأنابيب هذه كانت "إسرائيل" الداخلة إلى الدول النفطية حديثاً، وأوروبا التي تعاني من أزمة اقتصادية هائلة، وحيث تبلغ أسعار الغاز فيها ثلاثة أضعاف ما هي عليه في الولايات المتحدة الأميركية، علماً أن كلفة الإنتاج الصناعي العالية جداً تجعل القدرة الأوروبية على المنافسة الصناعية في الأسواق العالمية صعبة جداً.

إذاً، دخل الروس معركة تثبيت الحكم السوري، وانتصارهم فيها من خلال تسوية كبرى سيضمن لهم مصالحهم الاقتصادية في الشرق الأوسط وأوروبا معاً.

وهكذا، وإن لم يستدرك نفسه، سيجد "الائتلاف السوري" نفسه خارج هذا الحراك الدولي المتَّجه إلى تكريس صفقة "بوتين - أوباما"، أما الخاسر الأكبر فعلياً فقد تكون المملكة العربية السعودية، التي هدد جورج بوش يوماً بأن الحرب على الإرهاب تعني القضاء على الفكر التفكيري الذي يدرَّس في المدارس التي تنشئها المملكة العربية السعودية في شتى أنحاء العالم، وهو ما يحتّم تقسيم المملكة إلى دول عدّة. فهل يمكن أن تعود نظرية التقسيم هذه إلى الظهور مجدداً داخل الإدارة الأميركية إن ظهر أن الحكم السعودي بات عائقاً أمام تحقيق المصالح الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط؟

2013/10/27

الحريق السوري: هل يعود الأخوان!!!

د. ليلى نقولا الرحباني

مباشرة بعد معركة القصير، وبعد عجز أظهرته تركيا وقطر قائدتا المعارضة السورية المتمثلة بالإخوان المسلمين عن إسقاط نظام الرئيس السوري خلال مدة عامين ونيّف، اتخذ الأميركيون قرارًا بازاحة السيطرة الإخوانية عن المعارضة السورية وفصائلها المسلحة، واستبدالها بالقيادة السعودية الوهابية، التي أعطيت مهمة عنوانها "تعديل موازين القوى على الأرض".
وما إن انقضت الأشهر الأولى، حتى ظهر جليًا أن وكلاء السعوديين في المعارضة السورية المسلحة أعجز من أن يقوموا بهذه المهمة، وإن الميدان السوري سيغرق السعوديين كما أغرق القطريين والأتراك وسائر القوى الغربية المتحالفة معهم من قبل، فحاولت المعارضة العاجزة أن تستجلب التدخل العسكري الأميركي المباشر، لكنها فشلت، وانقلب السحر على الساحر، وبدل أن يسقط نظام الأسد، أعيد تعويمه بتسوية روسية أميركية عنوانها " تدمير السلاح الكيميائي السوري".
ويبدو من الهستيريا التي أصابت المملكة العربية السعودية، ومن موجة التفجيرات المتنقلة التي أصابت سوريا والعراق وروسيا وأشعلت الساحة الطرابلسية اللبنانية، أن الحنق السعودي بات ينذر بسياسة انتقامية تدميرية لن تتوانى عن اشعال المنطقة، وحصد الابرياء الذين باتوا يدفعون الثمن مزدوجًا؛ ثمن الحرب وثمن التلويح بالتسوية.
ويتضح من مسار الحركة الدبلوماسية، ومن السياسة السعودية الجديدة في المنطقة، أن تغييرات جدية ستطرأ على خريطة التحالفات والترتيبات القادمة في المنطقة، والتي يبدو أنها قد تتجلى في السيناريوهات التالية:
1- السيناريو الأول: أن يكون ما يحصل الآن، وما يظهر أنه غضب سعودي على الحلفاء الأميركيين، لا يعدو كونه "توزيع أدوار" مرسوم ومحدد، وقد أراده الأميركيون وخططوا له، للحصول على مكاسب إضافية من الطرف المقابل خلال المفاوضات، باعتبار أن لديهم حلفاء غاضبين وحانقين ويجب أن يحصلوا على حصص من "الكعكة" السورية، وإلا استمروا بالحرب وأطالوا أمدها واستمروا في تفجير الساحات الواحدة تلو الأخرى.
هذا السيناريو، يفترض أن يطالب الأميركيون بتنازلات هامة وكبيرة من الروس والايرانيين، بذريعة الحَرَد والحنق السعودي، ولكن الطرف المقابل ليس ساذجًا، ولن يقدم للأميركيين في السياسة ما لم يستطيعوا أن يحصّلوه بواسطة الميدان، وهو ما سيدفع الى تواضع أكبر من قبل الأميركيين وحلفائهم.
2- السيناريو الثاني: أن تكون المملكة العربية السعودية فعلاً حانقة وغاضبة وهي تحاول تدمير الهيكل على مَن فيه، حتى لو أدى الى التهديد بإفشال الخطط الأميركية الذاهبة الى تسوية سيحين أجلها عاجلاً أم آجلاً. وبهذا السيناريو، قد يصبر الأميركيين على السعوديين قليلاً، ولكن حين يحين أوان الحل وتنضج التسويات في مختلف أرجاء المنطقة الممتدة من أفغانستان مرورًا بالخليج ووصولاً الى الشرق الأوسط، فإن الأميركيين سيضيقون ذرعًا بالسياسة السعودية الوهابية، وسيدفع العجائز السعوديين ثمنًا كبيرًا لهذا التمرد، وقد يكون في الداخل السعودي بالذات.
يعرف الأميركيون جيدًا الامكانيات السعودية وحدودها، ويعرفون أنه لا يمكن لأي طرف أن يحتكر الهيمنة على المعارضة السورية، وكما تمّت إزاحة العناصر الإخوانية السابقة من الائتلاف السوري، واستبدالها بشخصيات تدور في الفلك السعودي، يمكن إعادة تعويم بعض الشخصيات السابقة، أو دفع شخصيات جديدة الى دائرة الضوء بتنسيق مع تركيا وقطر الطامحتين الى استعادة نفوذهما في المعضلة السورية.
هنا، سيعود مشهد المنطقة الى التبدل من جديد، فلا نستغرب عودة قطر الى لعب دور محوري في التسوية القادمة، باعتبار أن الأمير القطري الجديد الشيخ تميم يستطيع أن يقطع مع السياسة القطرية التي أدارها وزير الخارجية السابق حمد بن جاسم، ويمكن له أن يلعب دورًا وسيطًا بين المعارضة والنظام السوري.
أما تركيا، فقد تكون قدرتها على المساهمة بالوساطة السياسية أصعب قليلاً باعتبار أن أردوغان قد حوّل المسألة السورية مسألة شخصية بينه وبين الاسد، لذا سيكون للأتراك "مهمة" تحجيم نفوذ القاعدة والجماعات المسلحة التي تأتمر بالأوامر السعودية، المتواجدة على الحدود التركية - السورية، على أن تأخذ حصتها من التسوية المفترضة من خلال إشراك بعض الشخصيات السورية المحسوبة عليها في الحكومة الانتقالية الجديدة.
من هنا يمكن أن تُفهم سياسة الانفراج في العلاقات التركية العراقية، وتصريح داود اوغلو الأخير، خلال لقائه مع نظيره العراقي، وهو بالمناسبة اللقاء الأول منذ بدء الأزمة في سوريا في آذار 2011، والذي أكد خلاله أوغلو، اعتقاد بلاده "أن حل الأزمة السورية لا يأتي بالوسائل العسكرية بل بالسبل السياسية والديبلوماسية، وأن بلاده تسعى لحل سلمي للأزمة في سوريا"، وهو ما ينسجم مع التصريحات الأميركية حول الأزمة.
في المحصلة، وأيًا تكن السيناريوهات، لن تستقيم الأمور في المنطقة إلا بحل سياسي بات يبدو في الأفق، ويظهر أن ايران ستقطف فيه حصة الأسد.

2013/10/24

سوريا... تسوية لم تنضج والشيطان في الميدان

د. ليلى نقولا الرحباني
الثبات


        ناقض وزير الخارجية الأميركي جون كيري ما كان قد أعلنه الرئيس باراك أوباما في خطابه في الأمم المتحدة، من أن الشعب السوري يقرر مصيره بنفسه، حين هدد بأن إعادة انتخاب بشار الأسد لرئاسة الجمهورية العربية السورية سيمدد أجل الحرب، مع العلم أن إعادة الانتخاب - إن حصلت بشفافية وبمراقبة دولية - ستشير إلى أن الشعب السوري قد اختار من يريده، وما على الدول العالم التي تدّعي الديمقراطية سوى أن تحترم خيار الشعب السوري وحقّه في تقرير مصيره، واختيار نظام الحكم الذي يناسبه.

يتضح من التصريحات الأميركية ومما يتمّ تسريبه حول اجتماعات "أصدقاء المعارضة السورية"، أن الأميركيين لا يحملون طلباً عاجلاً ومُلحاً للمعارضين السوريين الذين يدورون في فلكهم لدفعهم إلى طاولة المفاوضات في "جنيف-2"، وما زال كيري يطمح إلى أن يكون "الائتلاف السوري" - أو ما يسميه "المعارضة المعتدلة" - هو المظلة لأي معارضة تضطلع بمهمة محاورة النظام والوصول إلى تسوية معه، بينما يصرّ الرئيس السوري بشار الأسد على جعل "المعارضة الداخلية الوطنية غير المرتبطة بالخارج" هي المحاور للسلطة حصراً.

الاختلاف على الطرف المفاوض للسلطة لا يبدو تفصيلاً في مسار التسوية المتصورة في سورية، فالأميركيون لا يمكن أن يقبلوا إلا بطرف محسوب عليهم مئة بالمئة، ولا يمكن لأي سلطة انتقالية أن تحظى بثقتهم ما لم تكن قد قطعت تعهدات مسبقة لهم، خصوصاً في ظل الإدراك الأميركي أن تكرار سيناريو العراق في سورية يبدو محتمَلاً إلى حد بعيد، لاسيما مع تزايد نفوذ "القاعدة" واحتمال خروجه عن السيطرة، والوصول إلى واقع تتحقق فيه لـ"القاعدة" دولة تهدد الشرق الأوسط برمّته، وقد ينتقل مداها إلى الجوار الأوروبي.

ولعل الهستيريا التي اجتاحت المملكة العربية السعودية بعد التراجع عن الضربة العسكرية والإعلان عن ضرورة الوصول إلى تسوية سلمية، وسياسة الحَرَد التي استخدمتها في الأمم المتحدة، هي التي تدفع الأميركيين إلى التريّث قليلاً في إعلان الخطط التي أعدّوها للمرحلة الانتقالية، أو لما بعد مؤتمر جنيف، علماً أن الجميع يدرك أن انعقاد "جنيف-2" دونه عقبات كبرى، وإنّ مجرد انعقاده لا يعني انتهاء التسوية والوصول إلى حل الأزمة السورية المتشابكة والمعقّدة، والتي تتداخل فيها العوامل الإقليمية والدولية، والعوامل الراديكالية الأصولية، والتي تجعل من الصعب عودة سورية إلى ما كانت عليه بـ"كبسة زر"، أو بمجرد مؤتمر دولي.

واستطراداً، يمكن القول إن أي تسوية أو أي لقاء في جنيف أو غيرها، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المحطات التالية:

- وقف العنف، وعمليات نزع السلاح وإعادة إدماج المقاتلين، ودون هذه العملية صعوبات هائلة ترتبط بوجود "القاعدة"، وبمقاتلين من دول أجنبية وعربية لا تريد دولهم استعادتهم بالتأكيد، كما ترتبط بمصالح الدول التي تموّل هؤلاء، ومدى استعدادها لوقف الدعم والتمويل، إن لم تحصل على حصتها من التسوية المقبلة.

- عودة اللاجئين، والبدء بمسيرة الإعمار وتنمية المناطق، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وهذه تتطلب جهوداً دولية، وأموالاً طائلة، ودونها أيضاً تعقيدات ترتبط بمسار التسوية المحتمَلة بين الأطراف الدوليين، وكيفية تقسيم عقود إعادة الإعمار، ومَن يحصل على ماذا.

- البدء بعمليات الإصلاح السياسي، والسير بخيار "دمقرطة" المؤسسات، والذهاب إلى انتخابات رئاسية شفافة ونزيهة، تعكس فعلياً خيارات الشعب السوري وتفضيلاته، وتعطيه الحرية في تقرير مصيره بنفسه، ودون هذه أيضاً صعوبات هامة وأساسية، ويبدو أنها تفترض التقدّم في المرحلتين السابقتين مسبقاً، فكيف يمكن الوصول إلى هذه الخطوة بدون فرض الأمن والاستقرار، وفي ظل خروج مناطق عديدة عن سيطرة الدولة؟ وكيف يمكن التأكد من عدم ممارسة الضغط على الناخبين في ظل انتشار السلاح في أيدي المواطنين في معظم المناطق السورية؟ وكيف يمكن التأكد من صحة التمثيل وعدالته في ظل وجود الملايين من السوريين خارج البلاد؟

في المحصلة، يبدو أن التسوية المرتقَبة، ولو كان بشائرها تلوح في الأفق، إلا أنها ما زالت بعيدة المنال، ولا شكّ أن ما قاله الرئيس بشار الأسد في مقابلته الأخيرة يعكس ثقة بالنفس لن تدفعه إلى تقديم تنازلات لفئة معارضة كل ما تملكه هو بعض العبارات الغربية المشيدة بـ"اعتدالها"، بينما هي في الواقع لا تعكس تمثيلاً على الأرض، لا ميدانياً ولا شعبياً.. وإلى أن تنضج التسوية، يبقى الميدان هو الحكم والفاصل.

2013/10/20

السعودية وسياسة الحَرَد المستجدة....

لأول مرة في تاريخها تنتخب المملكة العربية السعودية لشغل مقعد غير دائم في مجلس الأمن، إلا أن المملكة اعتذرت عن قبول العضوية وبررت اعتذارها بما أسمته "فشل" المجلس في التعامل مع قضايا المنطقة الراهنة، بالاضافة الى " أن أسلوب وآليات العمل وازدواجية المعايير الحالية في مجلس الأمن تحول دون قيام المجلس بأداء واجباته وتحمل مسؤولياته تجاه حفظ الأمن والسلم العالميين على النحو المطلوب، الأمر الذي أدى إلى استمرار اضطراب الأمن والسلم واتساع رقعة مظالم الشعوب واغتصاب الحقوق وانتشار النزاعات والحروب في أنحاء العالم."

ولعل البلدين الوحيدين اللذين أبديا تفهمًا للموقف السعودي كانا تركيا وفرنسا. وإن كان الموقف التركي لا يعدو كونه نوعًا من تبييض الوجه والكلام الذي لا يقدم ولا يؤخّر، فإن الموقف الفرنسي يشير الى حدّ كبير الى "ازدواجية معايير" فرنسية أيضًا، فإن كانت فرنسا تتفهم وتؤيد الأسباب وراء الاعتذار السعودي، فمن الأجدى لها أن تعتكف هي أيضًا عن المشاركة في جلسات مجلس الأمن الى أن يتم اصلاحه.

والحقيقة، إن الأسباب الواردة في بيان الخارجية السعودية، لا تبدو مقنعة خاصة أن ما اعتبرته السعودية "إخفاقات مجلس الأمن" هي ليست بجديدة بل هي مستمرة منذ تأسيس الأمم المتحدة، ولم تعترض السعودية عليها من قبل. بينما يمكن تحليل الأسباب التي تدفع السعودية الى القيام بذلك ما يلي:

قرار سعودي بممارسة سياسة "الحَرَد" تضاف الى قرار سابق بإفشال أي تسوية للحل في منطقة الشرق الأوسط لا تأخذ بعين الاعتبار مصالحها ونفوذها الاقليمي. ويمكن تشبيه السياسة السعودية الحالية بسياسة "الطفل الذي يريد أن يقتص من والديه بالامتناع عن الأكل، وإحراق المنزل".

لعل سياسة الحرد السعودية كانت قد تجلت سابقًا، في امتناع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن عدم إلقاء المملكة كلمتها أمام اجتماع الأمم المتحدة الشهر الماضي، ولم يقبل بتوزيع الكلمة حتى، مما أثار استياء مساعد الأمين العام للأمم المتحدة جيفري فيلتمان، وتوجيهه كلامًا قاسيًا بحق السعوديين.

ويحرد السعوديون اليوم، لأنهم ببساطة يعتبرون أنفسهم قد تعرضوا لخديعة كبرى من قبل الأميركيين، فهم قد أدخلوا الى الميدان السوري من الباب العريض، بعد فشل الوكيل الاخواني في القيام بالمهمة الموكلة اليه باسقاط النظام السوري، فاعتقد السعوديون أنهم باتوا قوة اقليمية لا يمكن للأميركيين الاستغناء عنها أو باختصار انهم باتوا الممر الرئيسي لاي اتفاق أو تسوية يمكن أن تحصل في منطقة الشرق الأوسط، وإن الأميركي قد يمهلهم لتحقيق الانجازات الميدانية مدة زمنية كافية كما أمهل المحور السابق.
وقد يكون هذا الوهم هو الذي قاد الامير بندر بن سلطان الى الذهاب الى حد تهديد الرئيس الرئيسي فلاديمير بوتين، معتقدًا أنه يستطيع أن يستعمل مع بوتين سياسة "العصا والجزرة" بأن يغريه بستة عشر مليار دولار وبضمانات نفطية، مقابل تخليه عن بشار الأسد وإلا.... تقويض الأمن القومي الروسي بواسطة المنظمات الارهابية المنتشرة في روسيا والتي تسيطر عليها السعودية، بحسب ما ذكرت التقارير نقلاً عن بندر.

هو الوهم نفسه، الذي أوصل الى محاولة زجّ الأميركيين في مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج في سوريا، كادت تؤدي الى حرب اقليمية ومنها الى حرب عالمية ثالثة، ترقبها العالم بقلق وخوف كبيرين. وهي سياسة الانتقام المميت التي تطرح علامات استفهام كبيرة جدًا حول تزامن حصول سلسلة تفجيرات ارهابية في العراق لم يسبق لها مثيل حصدت خلال عيد الأضحى ما يقارب 250 قتيلاً، وانفجار المعارضة السورية وتناثرها أشلاءً، وتعرّية الجيش الحر وسقوط الائتلاف السوري بالضربة القاضية، وظهور داعش لتقيم دويلة القاعدة على الحدود السورية العراقية وعلى الحدود السورية التركية، وانتشار سيارات القتل المفخخة في لبنان الخ....

إن سقوط الاوهام، وظهور الحقيقة العارية بأن للدول الكبرى مصالحها، وإن الولايات المتحدة الأميركية باتت تجد مصلحتها اليوم في التسوية والحل السلمي وفي التفاهم مع المحور الآخر وعبر وكيله الاقليمي: ايران، وتجاهل الادارة الأميركية لوكلائها السابقين ومصالحهم الخاصة، قد يدفع مجموعة المتضررين الى سياسات عشوائية منها "الحرد" ومنها محاولة تدمير الهيكل على من فيه، أو إحراق المنزل انتقامًا من الوالدين، وهو ما ينبئ بأيام سوداء ستعيشها شعوب المنطقة الى أن تنضج التسوية بشكل نهائي.

 

2013/10/13

العالم العربي... موسم خلط الأوراق


د. ليلى نقولا الرحباني
يطلّ الاسبوع وفي جعبته تطورات هامة، قد تؤدي الى إعادة فرز للقوى السياسية الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط والخليج على أبواب عيد الاضحى، فالجولة المقبلة للمفاوضات بين مجموعة ( 5 + 1 ) وطهران المقررة في 15 و16 تشرين الأول في جنيف، ستكشف حقيقة النوايا الأميركية والاوروبية تجاه طهران، وستكشف مدى صدقية الابتسامات والتحيات المتبادلة بين الطرفين.

ولعل مؤشرات خلط الأوراق المنتظر في المنطقة، والتي - إن حصلت- قد تدفع الى تسوية سياسية على مستوى المنطقة ككل، وستؤدي الى إطفاء الحريق المستعر في كل من سوريا والعراق ولبنان، تظهر من الساحة السورية بالتحديد، ومن نشاط القوى المعادية للدور الايراني، ومن تصريحات الغربيين أنفسهم، وهي على الشكل التالي:

توجّه اسرائيلي الى فرنسا بعد واشنطن، للتحذير من خطورة التقارب مع ايران، فقد بحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند هاتفيًا الملف النووي الإيراني، وكما اوباما قبله، لم يستطع نتنياهو على الاستحصال من الرئيس الفرنسي سوى وعد بـالحزم، بدون وعود على تغيير المسار الانفتاحي تجاه ايران، انطلاقًا من الادراك أن القطار قد سار ولا امكانية للفرنسيين على ايقافه، وتطبيقًا لمقولة (رحم الله امرئ عرف حدّه فوقف عنده).
توجّه سعودي الى فرنسا أيضًا، فقد أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل محادثات مع نظيره الفرنسي لوران فابيوس في باريس تركزت على الوضع في سوريا، ومناقشة موضوع الانفتاح الغربي على ايران. ولعل السعودي يخشى أن يذهب الغربيون الى تسوية كبرى مع ايران تزيد من نفوذها الاقليمي، بدون الأخذ بعين الاعتبار وجهة النظر السعودية ونفوذها في منطقة الخليج ومصالحها في الشرق الاوسط. والمعضلة التي يواجهها الطرفان السعودي والفرنسي، أن الإدارة الأميركية لم تكشف لحلفائها ما هي الأسس التي على أساسها قامت بالصفقة الكيميائية مع روسيا، ولم تحفظ لهما ماء الوجه خلال المباحثات الممهدة لها مع الروس، فالسعودية وفرنسا هم الدولتان الوحيدتان اللتان أعلنتا أنهما مع الرئيس اوباما في أي ضربة عسكرية يشنّها ضد سوريا، واندفعت السعودية الى تقديم عرض مالي كبير مقابل الضربة، قال عنه جون كيري بأنه مغرٍ بشكل لا يمكن رفضه. وبالرغم من كل ذلك لم تقم الولايات المتحدة الأميركية باستشارتهما أو التنسيق معهما حينما تراجعت.
والآن، يشتكي حلفاء أميركا بأنها تعتمد سياسة الغموض حول ما تقوم به مع الجانب الروسي في شأن المؤتمر المنوي عقده جنيف 2، إذ إنها تعلن بأنها تريد مسارًا انتقاليًا في سوريا، لكن لا أحد من الحلفاء في صورة ما يجري بين الجانبين الروسي والأميركي، ولا أحد يعرف تحديداً كيف تخطط هذه الإدارة مع الجانب الروسي لرسم خريطة هذا المسار الانتقالي.

إن الانهيار الذي تعاني منه المعارضة المسلحة بكافة فصائلها، سيجعل من قتال الكل ضد الكل الذي تمارسه، يبقي على الأقوى والأكثر تنظيماً وتمويلاً بينها، وهو (القاعدة وأخواتها)، التي سيستعملها النظام وأعداؤه على حد سواء. يستفيد النظام من سيطرة القاعدة للقول أن ما أعلن عنه سابقاً بأنه يحارب الارهاب نيابة عن العالم قد ثبتت صدقيته، أما أعداء النظام من القوى الاقليمية فسيستخدمونها للدفع نحو المطالبة بالمزيد من المكاسب في الحل السلمي وإلا هددوا بالاستمرار في تمويلها.

هكذا، وفي خضّم التبدلات الحاصلة التي ستؤدي الى خلط الاوراق مجدداً، يشعر المعارضون وداعموهم الاقليميون بالقلق والخشية مما ستحمله الايام القادمة. فقد بات الجميع مدركًا أن صفقة الكيمائي ستعود فتنتج صفقة أخرى يتقاسم فيها الاطراف أعباء التخلص من القاعدة، وستكون المعارضة السلمية الوطنية وبعض الشخصيات المعتدلة من الائتلاف - التي لم تستدعِ التدخل الخارجي أو تلوّث يدها بدماء السوريين هي المحاور للنظام - حصراً في جنيف 2 وهو ما طالب به بشار الأسد منذ البداية. لذا لا حلّ أمام هؤلاء إلا الاتفاق على معادلة لابلاغها بشكل واضح للحلفاء الأميركيين، أنه لا يمكن أن يكون هناك حل سياسي وتسوية في المنطقة بدوننا، فإما أن تؤخذ مصالحنا بعين الاعتبار، أو أن الحرب ستستمر لمدة طويلة، وقد يكون هذا جوهر اللقاء السعودي الفرنسي في باريس.

 

2013/10/10

"الإسلاميون الجدد".. وسياسة الانتحار الجماعي

د. ليلى نقولا الرحباني
الثبات      
يوماً بعد يوم تتكشف فصول جديدة من الصراع الدامي في سورية، والذي بات أشبه بعملية انتحار جماعية يقاتل فيها الكل ضد الكل، في حرب قد يكون عُرف مصدر شرارتها، وكيف بدأت، لكن لا يمكن لأحد التكهّن بنهايتها أو بأسس حلّها. ولعل الأزمة السورية الطويلة والصمود الذي حققه نظام الأسد في سورية، والتحالف الدولي القوي الذي لم ينفضّ من حوله على الرغم من كل الظروف، هو ما عاد وقلب الأوراق في عالم عربي انتفض فجأة على حكامه الديكتاتورييين ليحلّ محلهم فوضى عارمة واقتتال وعنف وإرهاب، وليضرب الحلم التركي بإعادة زمن "الخلافة"، وليحطم الحلم السعودي باستعادة زمن الشريف حسين وأحلامه بحكم دولة عربية كبرى.

وهكذا، وفي زمن التغييرات السريعة التي حصلت بوتيرة أسرع مما تخيل الجميع يوماً، يمكن رصد مشهد الانتحار الجماعي، خصوصاً مشهد انتحار "الإسلاميين الجدد" بفروعهم المختلفة:

أ- يقوم "الإخوان المسلمون" في مصر بعملية انتحار غير مسبوقة، فهم تحوّلوا من ممسكين بالسلطة بطريقة تعسفية ديكتاتورية، إلى ممارسة عملية الانتحار الجماعي من خلال ممارسة العنف ضد الجيش المصري، وضد الشعب، وتعكير صفو المناسبات الوطنية الكبرى، في مشهد يشير إلى أن هؤلاء لا يتمتعون بحس وطني ولا قومي، وأن المصالح الضيقة وطمعهم بالسلطة قد أعمى بصيرتهم وبصرهم، وجعلهم يتخطون جميع الخطوط الحمراء.

لقد كشف "الإخوان المسلمون" عن وجه عنفي خطير جداً بعد فقدانهم السلطة، وهم وإن كانوا لم يتورعوا عن استعمال العنف في مرحلة الثورة وما بعدها، إلا أن ما يقومون به اليوم في مصر من قتل وإجرام  يسقط عن تحركاتهم أي ادّعاء بحق مسلوب، أو شرعية حكم أو سواها.

ب- ولعل تخطي الخطوط الحمراء بشكل مقلق، بات سياسة "إخوانية" بامتياز، فها هو حزب "العدالة والتنمية" التركي يندفع إلى تسهيل مرور "القاعدة" وأخواتها للقتال في سورية، في سياسة خطيرة ومميتة يعرف الأتراك قبل غيرهم خطورة نتائجها، فالمشهد العراقي - السوري ما زال ماثلاً للعيان، وتدفع سورية ثمناً هائلاً لوجود "القاعدة" على حدودها، ولعل سياسة الانتحار تتجلى أيضاً في دفن الرؤوس في الرمال، ففي وقت تعلن السلطات التركية عن بناء جدار على الحدود مع سورية بارتفاع مترين، ووضع أسلاك شائكة فوقه لمنع العبور غير القانوني ووقف حركة التهريب، يتمّ تسريب معلومات عن إرسال الجيش التركي طائرات مقاتلة إلى الحدود السورية، بهدف منع القوات الجوية السورية من الاقتراب من المناطق الحدودية بين البلدين، ثم منعها من شن غارات على هذه المناطق، وهي بالمناسبة المناطق التي تتمركز فيها "داعش"، وتحاول السيطرة عليها لإنشاء "دولة القاعدة" على الحدود مع تركيا.

ج- أما الوهابيون الذين هالهم بداية التقارب الأميركي - الإيراني، والابتسامات الموزَّعة في نيويورك، وخشوا من تسوية يدفعون ثمنها، ومن تخلٍّ أميركي عنهم بسبب إخفاقهم في تنفيذ المهمة المكولة إليهم، فاندفعوا إلى تفكيك هياكل المعارضة السورية السياسية والعسكرية، فقضوا على "الجيش الحر" وكفّروه، وعرّوا معارضة الخارج وجرّدوها من إمكانية الادّعاء بتمثيل - ولو محدود - للقوى الشعبية في سورية.

د- وقد يكون من مؤشرات الانتحار الجماعي أيضاً، الانفصال عن الواقع الذي تعيشه الأطراف في سورية، خصوصاً المعارضة منها. لقد كان مؤكداً أن الإدارة الأميركية لا تريد أن تحارب، لا قبل الأزمة المالية الداخلية ولا بعدها، وقد ظهر جلياً من أزمة الكيماوي السوري أن الإدارة الأميركية ستفعل أي شيء لتتجنّب المواجهة العسكرية المباشرة، وهكذا دفعت المعارضة السورية ثمناً للوهم المتمثل بالقدرة على دفع الكبرى لأن تكون أدوات في أيدي دول إقليمية توهمت بأنها تستطيع أن تهدد وتبتز بوتين، وتدفع أوباما إلى تبني خيارها في إسقاط بشار الأسد بالقوة العسكرية.

مقابل كل هذا الانتحار، تحاول إيران الدفع نحو ممارسة سياسة "الانخراط الإيجابي"، فها هي تنتزع من الدول الكبرى إقراراً بدورها الإقليمي، والتعهد بعدم العمل على تغيير نظامها، والاعتراف بحقها في امتلاك التقنية النووية السلمية، وهناك مؤشران هامان يدلان على عمق الأزمة التي تواجهها الدول الإقليمية المواجهة لإيران:

- تبدّل سياسة إدارة أوباما نحو الحلفاء النفطيين التقليديين للولايات المتحدة، فالرئيس الأميركي يتصرف وكأنه توصل إلى استنتاج أنه ليس في حاجة إلى إرضاء الدول النفطية الخليجية.

- رغبة إيرانية بالتوجّه للأصيل، وعدم القيام بمبادرات تؤدي إلى تنازلات للوكيل، فالثمن الذي يعتقد الإيراني أن عليه دفعه ثمناً للتسوية، سيدفّعه للولايات المتحدة الأميركية، وما على الوكيل حينئذ إلا القبول بنتائج التسوية.

النتيجة أنه لا يمكن لسياسات انتحارية أن تصنع مستقبلاً، والسؤال الأخطر: ما الذي يمكن أن يقدم عليه هؤلاء في حال اقتنع الأميركيون بأن إيران قادرة على تحقيق التوازن والاستقرار وتأمين مصالحهم في المنطقة؟

2013/10/06

هل أسقط المتضررون جنيف 2 ؟

د. ليلى نقولا الرحباني

بتزايد نفوذ تنظيم القاعدة بمتفرعاته المتعددة في المناطق التي تسيطر على المعارضة السورية، تكون الامور قد اتجهت الى تعقيد القضية السورية أكثر فأكثر، ودخولها مرحلة جديدة من الاستنزاف الذي يحصد المزيد من الضحايا والخراب وتدمير الدولة السورية ونسيجها الاجتماعي. ولعل سيطرة داعش الميدانية على بعض المناطق السورية، يعطي مؤشرات عدّة على دخول الميدان السوري مرحلة جديدة مختلفة عما سبقها، وتبرز هذه المؤشرات بما يلي:

أولاً- قلق تركي من قرب تشكّل إمارة القاعدة على حدودهم المباشرة. وبالرغم من ان المسؤولين الاتراك لا يصرّحون، وقد تكون العنجهية الاردوغانية ترفض الاعتراف بخطورة ما يحدث لأن في ذلك تداعيات كبيرة على مستقبله ومستقبل حزبه في السياسة التركية المستقبلية وخاصة الانتخابات القادمة. فعليًا، يدرك الأتراك تمامًا صوابية ما قاله الرئيس السوري بشار الأسد؛ من أن تركيا ستدفع غاليًا ثمنًا لدعمها مقاتلي المعارضة السورية المتشددين، وسماحها لمقاتلي القاعدة بالمرور عبر أراضيها لمقاتلة الجيش السوري. وقد يكون الادراك التركي لهذا الواقع، مردّه الى تجربة الحليف الأميركي مع  تنظيم القاعدة،  حيث أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون كانت قد اعترفت سابقًا بأن الولايات المتحدة الأميركية هي من اخترعت هذا التنظيم - وبتمويل مادي وبشري مباشر من السعودية- ، لمقاتلة الاتحاد السوفياتي في افغانستان، لكن سرعان ما انقلب عليها وضربها في عقر دارها. ومن هذا الادراك التركي ولو غير المعلن، والقلق من قوة نفوذ تنظيم (داعش) على الحدود التركية السورية، يمكن القول أن تجديد التفويض الذي أعطاه البرلمان التركي للحكومة بإرسال قوات تركية إلى سوريا (إذا لزم الأمر)، وضد أي تهديد واضح، سيؤدي عاجلاً أم آجلاً لتدخل عسكري تركي في سوريا، فقد لا يكون هناك تهديد أوضح من قيام دولة للقاعدة على الحدود التركية مباشرة مع كل ما يستتبع ذلك من خطر على الأمن القومي التركي.

ثانيًا- نزع الشرعية عن الجيش الحر، وقد تكون هذه الضربة المباشرة التي سددها الخليجيون للغرب بعدما ظهرت بوادر الانفتاح الغربي الايراني، والحديث الأميركي عن تسوية في سوريا يحبكها الروسي والايراني ويدخل الاميركي طرفًأ فيها. وهكذا أظهر المتضررون من التسوية أن لا شيء أسمه "معارضة معتدلة" وأن الجيش السوري الحر الذي عوّل عليه الغرب، للدخول في تسوية تؤدي الى انتقال السلطة، ما هو في الحقيقة إلا واجهة أو ستار يتستر خلفه أكثر المقاتلين تطرفًا وراديكالية. يومًا بعد يوم، سيجد الأميركيون أن التسوية المفترض بروزها في عقد مؤتمر جنيف 2، باتت أبعد من ذي قبل بعد سيطرة القاعدة وانفراط ما سمي يومًا (الجيش السوري الحر). وبسقوط ورقة التوت عن الجيش السوري الحر، وباعلان الفصائل المسلحة عدم اعترافها بالائتلاف السوري المعارض ورئيس حكومته المعيّن، يكون الغرب الآن أمام مأزق، قد يدفعه الى تأجيل جنيف 2.

وهكذا، استطاعت الدول الاقليمية الممولة للجماعات المسلحة أن تعقّد الأمور وتجعل من التسوية السورية المتصورة في جنيف 2، تبدو بعيدة المنال أو غير واقعية أقلّه في المرحلة الراهنة. ولكن المسار الموازي الذي اتخذه الغرب وهو العمل على تسوية اقليمية شاملة مع القوة الاقليمية الكبرى أي الجمهورية الاسلامية في ايران، قد يجعل من التسوية تأخذ أشكالاً أخرى غير جنيف 2، فعندما يحلّ الاميركيون الأمور العالقة بينهم وبين ايران ويتفقون على متطلبات الانخراط الايجابي الايراني في المنطقة، الذي يحفظ الاستقرار ويؤمن للاطراف الكبرى مصالحها ويحفظ التوازنات بينها، ستحلّ المشاكل الاقليمية العالقة دفعة واحدة، وسيجد الخليجيون أنفسهم قد خسروا "الوكالة" الغربية، وقد تستعيد المنطقة المفردات الغربية الشهيرة - التي لطالما سمعها اللبنانيون في التسعينيات- بأن النظام السوري هو عامل استقرار في المنطقة.
د. ليلى نقولا الرحباني
 

2013/10/03

العلاقات الإيرانية – الأميركية ... استياء "إسرائيلي" وقلق خليجي

د. ليلى نقولا الرحباني
كان التقارب الأميركي الإيراني، أو ما ظهر بأنه كسر للجليد بين الطرفين، أمراً مقلقاً لكل من الخليجيين و"الإسرائيليين" على حد سواء، بالرغم من أن كلام أوباما فيما بعد وخلال لقائه نتنياهو، والتصرفات الإيرانية الحذرة في نيويورك، تشير إلى أن كسر الجليد الذي حصل ما زال يحتاج إلى كثير من الجهود الدبلوماسية قبل أن يتحوّل إلى تسوية ناضجة يمكن أن يعوَّل عليها للبدء بمسيرة الحلول المستعصية في المنطقة ككل.

من الواضح أن الاستياء "الإسرائيلي" من الكلام الدبلوماسي الإيراني المنمَّق والمفعَم بلهجة الانفتاح على الغرب، هو الذي جعل نبرة نتنياهو أعلى من ذي قبل، في ظل توجه واضح وحازم لإدارة أوباما بالتفاوض مع إيران، وحلّ الخلافات المزمنة بالطريقة الدبلوماسية، خصوصاً أن استطلاعات الرأي الأميركية - وآخرها استطلاع نشرته محطة "سي أن أن" الأميركية - أظهرت أن ثلاثة من كل أربعة أميركيين يؤيدون المفاوضات والتوصُّل إلى حل دبلوماسي مع إيران، بالإضافة إلى أن الأزمة الاقتصادية الأميركية المستجدة لا تسمح بالمغامرات التي يريدها نتنياهو، كما قد يكون "الإسرائيليون" قد استشعروا الخطر حين ظهر أن الرئيس باراك أوباما قد قدّم لإيران - في خطابه في الأمم المتحدة - ما لم تحلم به، وما كانت تصرّ عليه منذ سنوات، وهو الاعتراف بشرعية نظامها والتعهد العلني بعدم تغييره، ثم الاعتراف بدور إيران الإقليمي، بالإضافة إلى فتح الباب أمام تخفيف العقوبات الاقتصادية تمهيداً للتفاوض على ملفها النووي.

أما القلق الخليجي، والذي قد يعتبره البعض مشروعاً، فيتأتّى من أن التقارب الإيراني الأميركي سيتيح المجال ليس فقط للحوار حول الملف النووي الإيراني فحسب، بل سيفتح الباب لمسار تفاوضي يطاول عدداً كبيراً من الملفات، تبدأ في أفغانستان، مروراً بالعراق وسورية ولبنان وفلسطين، ولا تنتهي بشبه الجزيرة العربية وملفاتها المتعددة، خصوصاً ملف البحرين واليمن، وقد تكون الهستيريا التي أصابت نظام الحكم في البحرين، مردّها إلى هذا القلق بالذات، والخوف من أن تكون إحدى نتائج التسوية المفترَضة السماح للمعارضة بالمشاركة في الحكم، على حساب السلطة السياسية القائمة حالياً.

وقد يكون من بواعث القلق الخليجي أيضاً، أن أوباما اعترف عملياً بدور إيران وروسيا في التسوية السياسية المحتمَلة في سورية، محدِّداً أسس التسوية بالتفاوض معهما، وبمخاطبتهما دون سواهما من الدول الفاعلة في الأزمة السورية، وبهذا الأمر يكون الرئيس الأميركي قد حيّد الدور الخليجي عن رسم معالم المستقبل السوري، وهو ما يجعل مجموعة الخاسرين تدفع باتجاه تأزيم الأمور ميدانياً في الداخل السوري، ومحاولة تأجيج الصراع السُّني - الشيعي في مناطق أخرى، وافتعال توترات أمنية حيث يجب.. كل ذلك بهدف رسم معادلة أساسية قوامها "كما تمّ التعبير عن الاقتناع بأن أي تسوية محتمَلة في الشرق الأوسط غير ممكنة من دون الجمهورية الإسلامية في إيران، فإنها لن تكون ممكنة أيضاً من دون المملكة العربية السعودية".

من هنا يجب قراءة مشهد الاقتتال والإلغاء بين المجموعات المسلحة في سورية، حيث يبدو أن التقاتل والتصفية قد يكون هدفها إما حجز مقعد للقوى المموِّلة لها على طاولة المفاوضات في "جنيف - 2"، وإما عرقلة التسوية وتأجيلها إلى أن يحصل شيء ما يعيد الأمور أشهراً إلى الوراء، وتدفع الغرب إلى عملية "إعادة تفويض" للوكيل السعودي بالملف السوري، وإلا فإن الوكلاء مستعدون لسنوات طويلة من الاقتتال والعنف، ما دامت القوى الفاعلة لم تأخذ بعين الاعتبار مصالح من كانوا رأس حربة في المشروع الغربي في سورية.

وهكذا، إن ما يمارَس في المنطقة برمتها، وليس في سورية فحسب، هي لعبة "عض أصابع مرعبة"، فقد سقط الرهان على ضربة عسكرية تطيح بالأسد، كما أن الرهان على قرار جديد من مجلس الأمن بسبب عدم الامتثال السوري يبدو غير واقعي، وقد استطاع النظام السوري أن ينتزع اعترافاً دولياً بسيادته وسلطته الفعلية من خلال القرار 2118، ولعل تشديد القرار على مسؤولية السلطة السورية في تطبيق القرار الدولي، يجعل من المستحيل المطالبة برحيل الأسد قبل الانتهاء من تنفيذ الاتفاق الكيميائي، والذي وضع سقفاً زمنياً لتدمير الأسلحة الكيمائية السورية في وقت متزامن مع الانتخابات الرئاسية السورية في العام 2014، وهذا يعني أن أي مطالبة برحيل الأسد قبل هذا الوقت ستبدو ضرباً من الخيال.

إذاً، بقاء الأسد في السلطة لغاية الانتخابات الرئاسية بات أمراً محتّماً، لا بل إن حكومته باتت شريكة فعلية للعالم في التخلص من السلاح الكيميائي، لكن ماذا لو اقتنع الغرب بأن الأسد وحكومته هما شريكان فعليّان في التخلص من الإرهاب التكفيري؟ قد يكون هذا ما يخشاه العرب والأتراك في الواقع.