2019/12/23

لبنان: فشل الاستقواء بالخارج


ليلى نقولا
ليس أمرًا جديدًا أن يلجأ اللبنانيون الى الخارج كلما شعروا بأن ميزان القوى الداخلي ليس لصالحهم، وأن "التغيير" المنشود من قبلهم لا يمكن تحقيقه بمفردهم، فيلجأون الى الخارج يغرونه بمصالح ومكاسب، لمساعدتهم على أبناء وطنهم وخصومهم السياسيين، ثم يحمّلون هذا الخارج نتيجة فشلهم ويعلّقون عليه كل مصائبهم.

لم يعد سرًا، أن "الانقلاب" الذي حاولت قوى 14 آذار القيام به، مستغلة غضب الشارع اللبناني، من الأزمات الحقيقية والمفتعلة التي سبقت حراك 17 تشرين الأول، قد فشل..علمًا أن الإدعاء الآذاري والمستقبلي، بخيانة حصلت من قبل الولايات المتحدة كسبب لهذا الفشل ما هو إلا مجرد تعمية لفشلهم الحقيقي في التعامل مع الوقائع، ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

- الخطأ الأول، إن لم تكن الخطيئة الأولى، ارتكبها سعد الحريري بنفسه، عندما وجد نفسه محرجًا في التعامل السعودي معه منذ عام 2017، وعدم قدرة السعوديين على تخطي فكرة سوّقها بعض 14 آذار لديهم، بأن "الحريري ضعيف أمام جبران باسيل وحزب الله". وهكذا، بقي الحريري مكبلاً خلال فترة حكومته بالحنق السعودي منه، لذا عرقل كل إمكانية للسير بالمشاريع الاصلاحية التي من المفترض أن تقوم بها حكومته لإنقاذ الوضع، وعطّل بالتعاون مع قوى أخرى أمور المواطنين في الوزارات التي يتولاها التيار الوطني الحر، درءًا لشبهة الضعف أمام باسيل.

- الخطأ الثاني، استغلال بعض القوى السياسية من 14 آذار، التحولات الاستراتيجية في المنطقة، ورغبة الأميركيين في تعديل توازن القوى في المنطقة بعد الانسحاب من سوريا، وحاجتهم لاستخدام كل من لبنان والعراق لتشكيل كماشة للنفوذ الروسي في الشرق الاوسط، وتقليص نفوذ ايران في كلا البلدين... تحيّنت قوى 14 آذار الفرصة لتسوّق نفسها "الآداة" المناسبة لذلك.

المشكلة التي يقع فيها دائمًا هؤلاء، أنهم يقعون ضحية الحرب النفسية التي يقومون بها للتهويل على خصومهم، فيكذبون الكذبة ويصدقونها بأنفسهم.. فماذا يعني تسويق كذبة "أن حزب الله والتيار الوطني لم يعد لديهما جمهور، وان الحراك سحب البساط كليًا من تحت أرجلهما وتمت تعريتهما في الشارع؟" ومن يصدق كذبة "أن الشارع اللبناني الذي نزل في 17 تشرين الاول، نزل من أجل نزع سلاح حزب الله"؟ التي تمّ تسويقها في الإعلام الغربي.

- الخطأ الثالث، وهو نفسه الذي وقعت فيه قوى 14 آذار من قبل، بين عامي 2005 و 2008، حين استمروا يتعهدون بالقضاء على حزب الله، ويتلقون الدعم الأميركي لذلك، الى أن تلقوا هزيمة 7 ايار 2008... خطأ هؤلاء اعتقادهم أن الاميركيين لا يعرفون التشابكات والتعقيدات اللبنانية ولا يدركون الأحجام الحقيقية للقوى اللبنانية.

بالنتيجة، إن صراخ قوى 14 آذار بخيانة أميركية لهم بعد زيارة هيل الى لبنان، مردود لأصحابه... واقعيًا، لقد قدم الاميركيون الدعم الاعلامي والسياسي لهذه القوى وللحراك الشعبي، وساهموا بكل ما يملكون من نفوذ في المؤسسات اللبنانية وفي الاقليم لمساعدة الحراك على تحقيق تغيير شامل في السلطة و"النظام"، ولم يتحقق شيئًا بعد مرور 65 يومًا.. فما المطلوب أميركيًا أكثر؟ هل المطلوب أن يضحي الأميركيون بكل مصالحهم في لبنان، وبكل ما قاموا باستثماره على مدى عقود، للاستمرار في دعم قوى سياسية أثبتت أنها غير قادرة لا شعبيًا ولا سياسيًا على تحقيق الأهداف التي نزلت من أجلها؟...

بالنتيجة، التاريخ يبدو المعلم الأكبر، وهذا التاريخ يعلّمنا أن لبنان لا يُحكم انفراديًا، وأن الحوار طريق الخلاص، وهي الدعوة التي وجهها الرئيس عون الى الجميع في بداية الأزمة، لكنها لم تلق آذانًا صاغية من أحد.

2019/12/16

هل تبدأ "أزمة" الحريري بتكليفه؟

ليلى نقولا
بالرغم من تأجيل الاستشارات النيابية التي كان سيجريها رئيس الجمهورية اليوم، إلا أنها ستشكّل فصلاً جديدًا من فصول الحكاية الطويلة التي بدأت في 17 تشرين الأول والتي لا يبدو أنها ستنتهي بسهولة، أو على الأقل لن تنتهي قبل حصول تطور دراماتيكي كبير في المنطقة ينهي الكباش الحاصل بين المحاور الاقليمية، إما انتصارًا لأحدهم وقلب موازين القوى يدفع الآخرين للتسليم بواقع جديد، أو تفاهمًا على رسم خطوط جديدة تريح لبنان والعراق وتنقلنا الى مرحلة جديدة من ربط النزاع الى أن تنفجر الأزمات مجددًا.
وبالرغم من التوّقع بتكليف الحريري تشكيل الحكومة المقبلة في الاستشارات النيابية، إلا أن تشكيل حكومته دونه عقبات هامّة قد تجعل من مهمة التشكيل أصعب بكثير من المعارك التي قام بها الحريري للوصول الى التكليف، ونذكر بعض المشاكل على سبيل المثال لا الحصر:
- ضعف التكليف "الطوائفي"، خاصة على صعيد التمثيل المسيحي ، بعدما أعلن كل من التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية (في بيان فجرًا) أنها لن تسمي الحريري لتشكيل الحكومة المقبلة ولن تشارك في الحكومة المقبلة. وبالرغم من أن تيار المردة استنقذ الحريري وأعلن أنه سيسميه، لكن حجم الأصوات التي سينالها مسيحيًا لا تعطيه تكليفًا "ميثاقيًا" واسعًا.
وبالتالي، إذا أصرّت القوات على عدم المشاركة في الحكومة، واستمر التيار الوطني الحرّ والرئيس عون بالامتناع عن المشاركة في أي حكومة برئاسة الحريري، فعندها سيكون من الصعب أن يتخطى الحريري هذه العقدة المسيحية، حتى لو أتى بمسيحيين من أصحاب الاختصاص المشهود لهم بالكفاءة.
- تعنّت الحريري وإرسال الرسائل الشديدة اللهجة الى الشركاء في السلطة، بأن تسميته في الاستشارات النيابية لا تعني أنه ملزم بإعطائهم وزراء في التشكيلة الحكومية المرتقبة، وأنه مصرّ على تشكيل حكومته "بنفسه" من إختصاصيين مستقلين. وهذا، إن دلّ على شيء، إنما يدل على أن الحريري منفصل عن الواقع، فكيف ستتخطى حكومته الثقة في مجلس النواب، إذا تخطى بالأساس عقبات التأليف الأولية؟
- يبدو من الإشكالات التي حصلت في وسط بيروت، وتصادم القوى الأمنية مع المعترضين على عودة الحريري الى السلطة، أن إجماع الساحات الذي شاهدناه في الفترة الأولى من الحراك، دونه اختلافات جوهرية كبرى، تختلف باختلاف الجهات المموّلة ولا تنتهي بالمطالب المتشعبة، والرؤيات المتباينة.
لا شكّ إن احتجاج شبان من طرابلس وصيدا على إعادة تكليف الحريري، وخروج قوى الأمن الداخلي ووزيرة الداخلية ريّا الحسن من "سباتهم" بعد خمسين يومًا، يعني أن الاشتباك يخفي وراءه صراعًا سنيًا سنيًا، تجلّى في اشتباك دموي في ساحة النجمة وساحة الشهداء.
وإذا كانت بعض العناصر الاستخباراتية، أرادت من خلال دعوة "شباب الخندق" للنزول للاشتباك مع المعتصمين، ومن خلال إطلاق هتافات ضد الرئيس برّي والسيد نصرالله، في محاولة لاستجلاب الشباب "الشيعي" للاشتباك مع المتظاهرين... فهي محاولة رخيصة، لتحويل الأنظار عن حقيقة ما يجري وأن جزءًا كبيرًا من الشارع المتنفض لا يريد للحريري أن يعود على حصان أبيض باسم الحراك، وذلك من خلال تحويل الموضوع الى اشتباك شبابي مذهبي.. محاولة فوّتها الثنائي الشيعي بدعوة أنصاره الى عدم الانجرار للفتنة، مهما كلّف الأمر.
وهكذا، لا يبدو أن أزمة الحريري السياسية ستحلّ بتكليفه، بل قد تبدأ فعليًا منذ لحظة تكليفه.. أزمة استجلبها لنفسه، حين انخرط في مشروع الانقلاب على حلفائه، وحاول ركوب موجة الشارع وموجة الخارج لمحاولة الاستفراد بالسلطة في بلد يدرك الجميع أنه محكوم بالتوافق وأن لا سلطة مهما علا شأنها وبلغت قوتها تستطيع أن تتخطى الآخرين أو تحكم البلد منفردة.

2019/12/09

هل يدفع لبنان ثمن الانكفاء السعودي السابق؟


خلال المرحلة الاولى، شكّلت موجات "الربيع العربي" ضربة لحلفاء المملكة العربية السعودية، وذلك تطبيقًا لاستراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما، بالتحالف مع الإخوان المسلمين، وتعويم الدور التركي على حساب الدور السعودي التقليدي في المنطقة. أما في المرحلة الثانية، فقد استدركت السعودية وبادرت الى دعم الثورات المضادة، واستعادت نفوذها في العديد من الدول، وإن لم يكن بنفس الزخم الذي كان عليه في مرحلة ما قبل الانتفاضات العربية.

وهكذا، استعر صراع النفوذ في المنطقة، وبات على المملكة أن تقاتل على جبهتين: جبهة الصراع المذهبي مع ايران، وجبهة الصراع على الزعامة السنية مع تركيا.

ومع بدء حرب اليمن، وتغيّر القيادة في السعودية، ومجيء قيادة شابة قطعت مع السياسة التقليدية التي كان يمارسها مجموعة من الكهول السعوديين المخضرمين، انكفأت السعودية عن العديد من مجالات نفوذها التاريخية في المنطقة ومنها على سبيل المثال، لبنان والعراق.

سمح الانكفاء السعودي عن ساحاتها التقليدية، بدخول كل من تركيا وقطر والامارات كأطراف فاعلين يحاولون سدّ الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه السعوديون. وإذا كانت الحركة التركية القطرية تأتي في مسار متعارض مع السعودية،  فإن الإماراتي وجد فرصته في الدخول شريكًا للسعودية ومنافسًا لها في الوقت نفسه، وهو ما تجلى بشكل واضح في اليمن، حيث دعمت السعودية "القوى الشرعية" بينما دعمت الامارات "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي يدعو الى الانفصال.

في المقابل، سمح الانكفاء السعودي عن كل من لبنان والعراق، بزيادة مساحة النفوذ الايراني فيه، فتمددت صداقات إيران في العراق بعد الانتصار على داعش الى البيئة السنية، وبات لها تحالفاتها مع العديد من العشائر السنية في الانبار وغيرها. أما في لبنان، فقد أدّى الغضب السعودي من تعاظم نفوذ حزب الله، وعدم قدرة تيار المستقبل على منع هذا الأمر، الى إبقاء الدعم السعودي لحزب القوات اللبنانية دون سواه، ما سمح بالمزيد من تآكل رصيد الحريري سياسيًا وماديًا.

محرجًا أخاك لا بطلاً، دخل الحريري في التسوية الرئاسية عام 2016، بعدما وجد نفسه في حالة إفلاس مالي، وتراجع سياسي، فاستطاع الاستحصال على موافقة سعودية سرعان ما تبددت، فكانت قضية اختطاف الحريري في السعودية وإجباره على الاستقالة عام 2017، لتقويض التسوية ومحاولة إعادة التوازن مع النفوذ الايراني، بعدما كان جعجع قد أبلغ السعوديين أن التسوية كبّلت الحريري وأنه بات "دمية في يد حزب الله"... معركة خسرها السعوديون أمام إصرار الرئيس عون ووزير الخارجية اللبناني جبران باسيل على إنقاذ الحريري مهما كلف الأمر.

مع بدايات هذا العام، أعرب الخليجيون عن رغبة في العودة الى الساحة البنانية، وبرز الاستياء الاماراتي السعودي من محاولة تركيا التغلغل في الساحة الطرابلسية، وكانت قمة دلائل العودة الفاعلة، زيارة الحريري الى الامارات، قبل الحراك مباشرة، وإعلانه عن مساعدة مالية ستقدمها الامارات للبنان... ثم حصلت الانتفاضة، واستقال الحريري.

لا شكّ أن جزءًا كبيرًا من المشاكل التي يعانيها لبنان اليوم تأتي نتيجة انعدام التوازن في النفوذ بين محورين (الايراني- الخليجي)، ومحاولة التعويض أقله بإستعادة التوازن  إن لم نكن بكسره لصالح الخليجيين.

من هنا، يمكن فهم معضلة الحريري اليوم: من جهة هو يريد إعادة تثبيت نفسه وحزبه كحجر زاوية في  النفوذ الخليجي في لبنان بدل سمير جعجع، لذا يحتاج الى أن يظهر نفسه بمظهر من يستطيع كسر نفوذ حزب الله والتيار الوطني ويأتي بحكومة 14 آذار صافية، ومن جهة أخرى هناك موازين قوى شعبية وواقعية لا يمكن تخطيها في لبنان، وبالتالي يحتاج تشكيل الحكومة الى تدوير زوايا ودخول في تسويات مع الأفرقاء الآخرين، أي مقاربة حكومية مشابهة لما كان سائدًا قبل الحراك وهو ما لن يرضى به الخليجيون.

2019/12/02

لبنان والعراق: إعادة التوازن أو قلب الموازين؟

د. ليلى نقولا
تتشابه الازمات في كل من لبنان والعراق، ويشهد البلدان تظاهرات مستمرة منذ شهر تشرين الأول الماضي، وإذا كان العراقيون قد انجرفوا نحو العنف، فإن ميزان القوى اللبناني غير المتكافئ يجعل من الصعب الانجرار الى العنف والفوضى، بالاضافة الى قرار حاسم للقوى الامنية بعدم التعرض للمتظاهرين أو السماح بانفلات الامور نحو الفوضى والعنف.

فعليًا، هي ليست المرة الاولى التي تتشابه فيها الاحداث في العراق ولبنان، ويمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الانتخابات النيابية التي حصلت في أيار 2018، والتي أفرزت تغييرًا في موازين القوى السياسية السياسية في كلا البلدين، ففي لبنان أعطت الانتخابات الغالبية النيابية لكل من التيار الوطني الحر وحزب الله وحلفائهما، وفي العراق حصدت الاحزاب المتحالفة مع إيران الحصة الأكبر.

لطالما عرف كل من لبنان والعراق، شراكة نفوذ قسرية بين كل من الولايات المتحدة الاميركية وايران، حيث سيطر "التوازن النسبي" على هذه الشراكة، وبقي الهامش -الذي يمكن للطرفين أن يتنافسا ضمنه- متقاربًا... إلا أن الانتخابات العراقية، وتوزيع السلطات أعطت أرجحية واضحة للنفوذ الايراني في العراق، حيث باتت الرئاسات الثلاث تدور في فلك النفوذ الايراني أوما يطلق عليه اصطلاحًا في الداخل العراقي بمعادلة "3- صفر" لصالح إيران.

أما في لبنان، فبعد وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية، نتيجة التسوية الرئاسية مع الرئيس سعد الحريري، أتت الانتخابات البرلمانية لتقلب المعادلات النيابية المستمرة منذ عام 2005، وهو ما أعطى أرجحية سياسية لتحالف (التيار الوطني الحر و8 آذار) على فريق 14 آذار.

مبكرًا، استشعر السعوديون ضرورة تغيير موازين القوى، وأرادوا الانقضاض على التسوية الرئاسية، فكان خطف الحريري في السعودية وإجباره على اعلان استقالته... ثم تطورت الأمور بعد الانتخابات النيابية في كلا البلدين، فكانت تجربة القصف الاسرائيلي الذي طاول كل من الداخل العراقي والضاحية الجنوبية لبيروت في نفس الفترة الزمنية. إلا أن التهديد بحرب اسرائيلية لم يستطع تغيير موازين القوى، واستطاع حزب الله أن يرد ويهدد الاسرائيليين مدعومًا بموقف رسمي واضح من قبل رئيس الجمهورية ووزارة الخارجية.

اليوم، تحاول بعض الأطراف الاقليمية والدولية استغلال الحراك الشعبي في البلدين لتعديل موازين القوى السياسة أو على الاقل إعادتها الى ما كانت عليه قبل تلك انتخابات عام 2018، ومن هنا نفهم الدعوة المتشابهة في كل من العراق ولبنان الى إسقاط الحكومة، والدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة، على أن يقوم البرلمان الجديد (حيث يتوهم البعض في لبنان أنه سيكون ذا غالبية  من قوى 14 آذار) بانتخاب رئيس جمهورية جديد.

وهكذا تكون النتيجة لبنانيًا، انعدام القدرة على الذهاب الى الفوضى والفتنة لانها ليس في صالح من يريدها، وانعدام أفق التغيير في الشارع (الخطة الاولى) وانحسار هذا الخيار لصالح خيار التغيير عبر حكومة تكنوقراط مستقلين (الخطة الثانية)، ولم يبق إلا محاولة الكسب عبر الضغوط الاقتصادية والمماطلة السياسية وقيام الحريري بوضع شروط عالية، للوصول الى حكومة ذات أرجحية لقوى 14 آذار، وستسقط أيضًا ... وعليه، قد تطول الأزمة اللبنانية قليلاً، إلا أنها في النهاية ستصل الى تسوية يرعاها الغربيون، تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الحقيقية على الارض (التيار الوطني الحر وحزب الله وحلفائهم)، ولا تهمّش تيار المستقبل.



2019/11/25

لبنان: حين يصبح التدخل الاوروبي مطلوبًا بقوة


فجأة ، وبدون مقدمات، تمّ قطع الطرقات في لبنان وبدون تبنٍ واضح من أحد أو من قبل "تنسيقيات" الثورة. وتشير التقارير الى أن قطع الطرقات بدأ في المناطق التي لتيار المستقبل نفوذ فيها، وامتد الى المناطق الأخرى. وربط البعض هذا الأمر بجلسة مجلس الأمن التي ستنعقد اليوم، بينما ربطها البعض بجولة الموفد البريطاني ريشارد مور اليوم الى بيروت، وفي جعبته بعض الاقتراحات لتسوية الازمة الحاصلة، وجميعها لا يصبّ في مصلحة الرئيس الحريري الذي ما زال يعلّي من سقف شروطه، وكأنه لا يدرك حجم التعقيدات التي تطبع الساحة اللبنانية.

يشبه الوضع في لبنان اليوم، الأزمات المفتعلة التي حاول بعض الخارج والداخل نقلها الى لبنان تزامنًا مع الحرب السورية، فقد انقسم اللبنانيون ضمن محورين: جزء مع الدولة السورية واستقرارها، والجزءالآخر أراد أن يكون من ضمن الحرب على سوريا، وجنّد نفسه في خدمة مشروع "إسقاط الأسد"... كانت المشكلة حينها، كانت في انقسام المحور الخارجي الأخير الى نظرتين في التعامل مع لبنان: جزء مع نقل المعركة الى الداخل اللبناني، وتصدّرت هذا الخيار الدول الخليجية بشكل أساسي، بينما حرص الأميركيون والغربيون على إبقاء مظلة فوق لبنان، تحرص على دعم الاستقرار وعدم انفلات الوضع الى مرحلة لا يمكن السيطرة عليه.

أما اليوم، فنبدو أمام مشكلتين:

- الاولى تتجلى في ممارسة الإدارة الأميركية الحالية سياسة "التصعيد ذا السقف الأعلى" في جميع الملفات الدولية، وحتى في الصراع الداخلي في الولايات المتحدة. وقد رأينا مقدمات هذا التصعيد في اختلاف رؤية الإدارة الأميركية للملف اللبناني عن الإدارات السابقة، فنرى مثلاً أن الإدارات الأميركية السابقة - وبالرغم من كل المساعدات التي أعطتها للجيش للبناني- لم تحاول الضغط على الجيش للوصول الى ما لا طاقة له على فعله، وأهمها التلويح بتوكيله "نزع سلاح حزب الله" مقابل المساعدات العسكرية!.

- المشكلة الثانية، تتجلى في توكيل الخليجيين بالموضوع اللبناني، والكلّ يعلم كيف حلّ هؤلاء مسألة اليمن والمسائل الدولية الأخرى.  واقعيًا، إن النظر في الشروط التي يضعها الحريري لعودته الى السلطة تُظهر أن واضعها إما منفصل عن الواقع اللبناني، أو يريد الذهاب الى خيار "لنا أو للنار" وهي الوصفة نفسها التي استخدمها العاهل السعودي محمد بن سلمان في اليمن. وكلنا يذكر كيف تمّ تهديد لبنان بـ" عاصفة حزم" أخرى خلال أزمة اختطاف الرئيس الحريري في السعودية، وإجباره على الاستقالة.

إن أي عاقل يريد الوصول الى حلٍ سياسي للأزمة الراهنة، يدرك أن الاطراف الأخرى لن تقبل شروط الحريري، بإعطائه "الحق الحصري" بتسمية الوزراء التكنوقراط جميعهم، كما إعطاء حكومته ( أو مجلس إدارته) صلاحيات تشريعية استثنائية لتقوم "وحدها" بدور المجلس النيابي والوزاري في آن!! على أن تكون أولى مهماتها وضع قانون انتخابي جديد يمهد لانتخابات نيابية مبكرة (مفصلة على قياس المستقبل وحلفائه، بما أن القانون القديم قد أطاح بغالبيتهم النيابية السابقة).

اليوم، وبعد مرور ما يزيد على شهر من عمر الأزمة، يبدو أن الأوروبيين استدركوا خطورة تسليم قيادة الملف اللبناني للسعودية وحلفائها الخليجيين، لذا يهرعون الى الإمساك به قبل انفلات الوضع،  فلبنان ليس اليمن، وإدخاله في حرب أهلية ستنقلب على صانعيها حتمًا. يدرك الغربيون - خاصة الفرنسيين والبريطانيين- أن الحفاظ على الاستقرار الهشّ، وتشارك النفوذ في لبنان مع قوى اقليمية، يبقى أفضل من "الوصفات" التصعيدية، التي ستدفع الأطراف الداخلية المتضررة حتمًا الى مقاومتها "مهما كلّف الأمر"، علمًا أن الرئيس الروسي ينتظر " الفرصة الذهبية" التي ستسمح له بالدخول الى البوابة اللبنانية من الباب العريض كمنقذ من "الفوضى المفتعلة أميركيًا " بحسب وصف السفير الروسي في لبنان.


2019/11/18

هل تنجح خطة الحريري في العودة الى الحكومة؟

بعد مرور شهر على احتجاجات لبنان، يبدو أن الحراك اللبناني الذي بدأ بمطالب شعبية محقّة لا يختلف عليها أحد في لبنان، تحوّل في جزء كبير منه الى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، والتفاوض عبر الشارع وقطع الطرقات.
الجميع يعلم أن قطع الطرق كان من تدبير وتنفيذ قوى سياسية محددة، أرادت أن ترسل رسائل الى أطراف السلطة الآخرين أن الفوضى ممكنة، وأن ميزان القوى غير المتكافئ سياسيًا وشعبيًا وأمنيًا يمكن الالتفاف عليه عبر "توسيع رقعة الفوضى" و"إغراق الجيش اللبناني بالحوادث والتصويب عليه لتكبيله"، بالاضافة الى سفك دماء الأبرياء على الطرقات، لاستغلالها لتحقيق مكاسب سياسية لا يمكن تحقيقها بالأطر الدستورية الطبيعية.
وفي أواخر الأسبوع الماضي، وبعد اتخاذ الجيش قراراً حاسمًا بفتح الطرق، كان واضحًا انسحاب بعض قوى الأمر الواقع من الطرقات لاعتقادها أن قطع الطرق بات يضرّ بها أكثر مما يفيدها، باستثناء سعد الحريري. وهكذا نرى أنه بالرغم من القرار الحاسم للجيش وخروج شركائه من الطرقات استمر قطع الطرق في البيئات المحسوبة على تيار المستقبل، ترافقت مع رسائل سياسية إعلامية، تتحدث عن أن "التخلي عن الحريري سيكون كارثيًا" وقول الحريري أن شركاءه في السلطة "سيعرفون قيمته بعد ستة أشهر"، وأن إصرار القوى السياسية عليه، تعني أن عليهم أن يقبلوا بأن يشكّل حكومة منفردًا وعلى "على ذوقه"!.
واقعيًا، إن ما يطلبه الحريري يعدّ انقضاضًا على كل المفاهيم الديمقراطية، فالحكومات تشكّل عادةً من الغالبية البرلمانية، وإن تعذّر القيام بذلك، تقوم الكتل النيابية بالاتفاق على حكومة إئتلافية، أو ما نسميه في لبنان "حكومة الوحدة الوطنية". أما التعامل مع الحكومة اللبنانية وكأنها شركة خاصة لرئيس الحكومة، يختار هو بنفسه كامل أعضاءها، فهذا ما لم يعرفه أي نظام ديمقراطي في العالم. مع العلم، أن سجّل الحريري في إدارة الشركات الخاصة ليس مشجعًا، ولنا في سعوديه أوجيه، وتلفزيون المستقبل وسواه عبرة واضحة.
المشكلة التي يواجهها اللبنانيون اليوم، أن السعودية بالأساس لا ترغب بالحريري وهي تفضل الفراغ والفوضى على حكومة مشابهة للحكومة السابقة، لذا هو يريد أن يعطي الحكام السعوديين أساسًا قويًا للقبول بعودته الى الحكم، أي الاطاحة بحزب الله والتيار الوطني الحر من الحكومة كليًا، وهذا أمر متعذر داخليًا وعمليًا.
 أما على الصعيد الخارجي، فيظهر ان الدول الأوروبية (فرنسا خاصة) كانت قد أعلنت مرارًا أن تطبيق مقررات "سيدر" غير مرتبطة بالحريري نفسه بل بحكومة تتمتع بالمصداقية والقدرة على تنفيذ الاصلاحات... ويبقى أن ننتظر موقف الاميركيين، هل يؤيدون الاستمرار في المماطلة والفراغ، أو يقررون أنه آن الأوان لعودة الاستقرار؟ الأمر مرتبط بالتأكيد، بمصلحتهم في الأمرين، فعندما يصبح الفراغ عبئًا عليهم وعلى حلفائهم سيسهّلون ولادة الحكومة العتيدة، بالحريري أو بغير الحريري. 

2019/11/11

حراك لبنان .. الانقلاب!

بعد مرور ما يزيد عن ثلاثة اسابيع على الحراك اللبناني والتظاهرات التي نزل اليها عشرات الالوف من اللبنانيين صارخين يطالبون بأبسط حقوقهم الانسانية؛ من كرامة وعيش كريم وحكم القانون ومحاربة الفساد ومساءلة المسؤولين، بدأت تنكشف محاولات استغلال وجع الناس من قبل بعض الداخل والخارج لتحقيق انقلاب سياسي بكل ما للكلمة من معنى.
وتتجلى وجوه هذا الانقلاب السياسي في ما يلي:
١- محاولة الانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية التي أفرزت موازين قوى سياسية تعطي أرجحية واضحة للتيار الوطني الحر وحزب الله وحلفائهما.
عادةً ان تكوين السلطة في كل الدول الديمقراطية يأتي عبر االانتخابات النيابية، وبالتالي ان الفئة التي تحصد الاغلبية النيابية تشكّل الحكومة وتكون الاطراف السياسية الاخرى في المعارضة للمراقبة والمساءلة. ما حصل في لبنان بعد الانتخابات النيابية، هو تشكيل حكومة وحدة وطنية، وبالتالي اشراك الجميع في السلطة وهو ما نتج عنه تعطيل لمؤسسات الدولة وتعطيل الانتاج الحكومي بسبب الكيديات السياسية داخل الحكومة.
اليوم، وبعد الحراك الشعبي واستقالة الحريري، يحاول المستقبل والقوات والاشتراكي والكتائب وبعض وجوه الحراك، مدعومين من الخارج، الدفع لتشكيل ما يسمى "حكومة تكنوقراط مستقلين او محايدين"... وهذا يعني اخراج الغالبية النيابية من الحكومة، في منطق غريب عن كل الاصول الديمقراطية المنطقية.
وهذا الاقتراح الذي يدعمه الخارج بقوة، يهدف واقعياً الى اخراج حزب الله والتيار الوطني الحر من الحكومة. وبما ان الغالبية النيابية هي التي ستمنح الحكومة الثقة، وبالتالي لا يمكن عمليًا تشكيل حكومة من دون موافقتها، فاذًا سيحاول الطرف الآخر الضغط عبر الشارع للي ذراع الاكثرية، وذلك عبر تكرار نفس السيناريو الذي دفع الامور الى الانفجار الشعبي، اي: التهديد بانقطاع البنزين، ضغط المستشفيات، الخبز، الحرائق الخ....
٢- سمعنا تصريحات متعددة من بعض أصوات الشارع للدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة، ويلاقيها بعض الاصوات من تيار المستقبل التي تتحدث عن ضرورة اجراء انتخابات نيابية مبكرة لان " القانون الانتخابي لم يكن عادلاً، ولان موازين قوى غير متكافئة قد فرضته" بحسب زعمهم...
الحقيقة التي يحاول المستقبل التعمية عليها، انهم وحلفاءهم كانوا يسيطرون على الغالبية في مجلس النواب السابق والذي أتى نتيجة انتخابات ٢٠٠٩. وعليه، فإن  القانون الانتخابي النسبي مع الصوت التفضيلي، هو نتاج مجلس نواب كان يسيطر عليه المستقبل وقوى ١٤ آذار. وبالتالي، يريد المستقبل وبعض قوى الحراك المدني الذهاب الى انتخابات مبكرة ببساطة لانهم لم "يتوفقوا" في الانتخابات التي حصلت السنة الماضية.
٣- الانقلاب على التسوية الرئاسية: كان واضحًا منذ خطف الحريري في السعودية ومحاولة اجباره على الاستقالة، ان هناك اطرافًا اقليمية وداخلية باتت مستاءة من التسوية وتريد الانقلاب عليها. كان الهدف من استقالة الحريري في السعودية، اغراق لبنان بالفتنة... واليوم، شاهدنا بأم العين، التحريض الطائفي الذي حصل مباشرة بعد اعلان الحريري استقالته، ومسارعة بعض نواب المستقبل لدعوة الرئيس عون للاستقالة!!

في المحصلة، لقد استوعب لبنان الموجة الاولى والثانية من محاولات الانقلاب، واستدرك الرئيس عون بحكمته ما يحاك للبنان، وحمل بيده كرة النار بالرغم من كل التصويب الذي يطاله.
وعمليًا بات هناك ٣ اطراف متشابكة تحدد مصير الحكومة المقبلة:
- الشارع الحقيقي والناس الموجوعة التي لن تقبل باستنساخ نفس الحكومة السابقة.
- الغالبية النيابية التي بيدها تقرير مصير الحكومة عبر تسمية رئيسها واعطائها الثقة.
- الخارج وينقسم الى طرفين: المؤسسات والدول المانحة والتي تريد حكومة توحي بنوع من الثقة. والاهم بالتأكيد، الاميركيين الذين يستطيعون فرض مزيد من الضغوط الاقتصادية على لبنان في حال اختارت الغالبية النيابية حكومة مواجهة، كما انهم يسيطرون على قرار الدول والمؤسسات المانحة وقادرون على منعها من مساعدة لبنان.

2019/11/04

الثورة في لبنان: هل دخلنا مرحلة الخطر؟

د. ليلى نقولا - الثبات

وهكذا وفي الاسبوع الثالث دخل لبنان مرحلة هامة من مراحل الثورات الملونة، ولمن لا يعرف  "الثورات الملونة" يكفي ان يقرأ عن ثورات صربيا وأوكرانيا وجورجيا وغيرها...

أهم من كَتَبَ - أو بالاحرى علّم- كيفية صياغة هذه الثورات كان الأميركي جين شارب، في كتبه حول اللاعنف، وخصوصا في كتابه "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" الذي يعدّ المرجع لجميع الثورات السلمية في العالم، والذي ابتدع فيه وفي غيره من الكتب 198 وسيلة على الثوار استخدامها في ثورتهم اللاعنفية.

ومن بين أشهر الذين كتبوا في موضوع " الثورات الملوّنة " سفير الولايات المتّحدة الأميركيّة في روسيا مايكل ماكفويل Mcfaul، ( غادر منصبه عام 2014) ونستعرض بعض كتبه حول خصائص تلك الثورات الملوّنة، وبالأخص ما تمّ تطبيقه في لبنان:

- تنتج عن رفضٍ عامٍّ من الشعب للقائمين على النّظام السياسيّ ولسياستهم يستتبعه شعورهم بالحاجة إلى تغيير هذه الوجوه وهذه السّياسات.

– تقوم كردّة فعلٍ على الفساد المستشري في مؤسسات الدّولة متوازية مع تحرّك المجتمع "المدنيّ" والوسائل الإعلاميّة.

– تتميّز بكونها احتجاجات واسعة في الشوارع والميادين غالبًا ما تكون مليونيّة، تتّسم بالتّنظيم الشديد والغضب إلّا أنّها في الآن عينه تستخدم الطّرق السلميّة للتعبير عن آرائها.

– ترفض أثناءها قوّات الأمن والجيش التعامل بالشدّة مع المتظاهرين بدافع ذاتيّ أو مصلحيّ، تنأى بنفسها فلا تقف مع طرفٍ على حساب آخر بل تنتظر من ينتصر.

وبعد تكرر استخدام هذه الوسيلة للتغيير السياسي ونقل البلاد من من ضفة سياسية الى أخرى، حيث تحولت الدول المستهدفة بالثورات الملونة من النفوذ الروسي الى السير في الفلك الأميركي، بدأت الحكومات المستهدفة تغيّر من مقارباتها للمواجهة.

لقد تبين في روسيا، وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقيّة أن المشاركين في التظاهرات تلقّوا دعمًا مادّيًّا، يتفاوت بين قبض الأموال مباشرةً قبل التظاهر إلى توفير وجبات الطّعام والشّراب كما والأعلام، كذلك الشارات الملوّنة وخيام المبيت؛ فتعلمت تلك الدول ان لا تواجه "الثوار" بالسلاح، ولا الغازات المسيّلة للدموع، فتبدو للعالم المترقّب والصحافة العالمية على أنّها أنظمة ديكتاتورية، بل استخدمت نفس الوسائل التي استخدمها ممولو تلك الثورات ومنظموها.

وهكذا، يدّل التاريخ ان فشل تلك الثورات في تكوين "الصدمة" المطلوبة لتأمين انتقال سياسي من محور الى آخر، عادة ما يدفع الممولين الى الانتقال من "السلمية" الى استراتيجية "الدم المطلوب لتشكيل صدمة" (وهو ما حصل في كل من فنزويلا ومصر وأوكرانيا وإيران) حيث يقوم بعض القناصة أو أفراد يلبسون لباسًا عسكريًا حكوميًا بالاعتداء على المتظاهرين السلميين لتحريض الرأي العام ضد النظام، ولكسب التعاطف الذي لم يحصل لأن الحاكم لم ينجرّ للعنف.

وهكذا، وبالرغم من مطالب الناس المحقة والتي تشبه الى حدّ بعيد مطالب الناس في كل الدول النامية، إلا أن نتائج تلك الثورات لم تأتِ - ولا مرة - لصالح الناس المقهورين، بل ان ممولي تلك الثورات وداعميها والمحرضين عليها لطالما كانت أهدافهم أبعد من مكافحة الفساد ومعالجة الازمات الاقتصادية، بل هدفها سياسي بحت، وبالاخص سياسي يتعلق بالسياسة الخارجية للدولة وانتقالها من محور الى محور آخر.

وعليه، فإن المراقب يدرك ان من سرقوا صيحات الناس في لبنان اليوم، يريدون الانقلاب على نتيجة الانتخابات النيابية التي أتت لصالح محور ضد آخر، والانقلاب على التسوية ، وأخذ لبنان الى محور يعادي سورية ويمتنع عن الدعوة الى عودتها الى الجامعة العربية ويمتنع عن إعادة اللاجئين إلا من ضمن الحل السياسي لاستخدامهم ورقة في ملف التفاوض الاخير، فما هي خطتهم القادمة بعد فشل المرحلة الاولى في تشكيل الصدمة الملائمة للانتقال الى الضفة الأخرى؟.

2019/10/28

هل من خريطة للصراعات الاقليمية والدولية في حراك لبنان؟ ـ

د. ليلى نقولا - الثبات
بعد مرور 12 يومًا على التظاهرات في لبنان، وبعد أن هدأت موجة السباب والشتائم والغوغاء، وانتقلت الى مرحلة أخرى من التخطيط والتنظيم وكشف الوجوه، يمكن لنا إدراج بعض الملاحظات على الحراك كما يلي:

أولا- في الحراك العفوي: بالطبع نزلت الناس الى الساحات في أول أيام التظاهر بشكل عفوي وطبيعي لأنها لم تعد تحتمل كل هذا الفساد السياسي المفضوح والعلني، ولكن المقدمات التي سبقت الحراك لم تكن بريئة اطلاقًا:

الأزمات المفتعلة وبتدبير منظم تشي بأن شيئًا كان يُحضّر منذ فترة... فجأة، انهار كل شيء أمام أعين المواطنين؛ التهديد بانقطاع البنزين اسبوعيًا (ابحثوا عن الكارتيلات)، انقطاع الخبز (كارتيلات)، انقطاع الدولار من السوق (مصرف لبنان)، الحرائق والتي تبين أن معظمها مفتعل وغيره...

ثانيًا: يُلاحظ أن مجموعات التواصل الاجتماعي التي تضع عنوان الثورة وحسابات التويتر والواتساب وغيرها التي تدعو للثورة والتي تركّز على السيد نصرالله باعتباره جزءًا من منظومة الفساد، هي مجموعات أنشئت في منتصف أيلول الماضي، وليس مع بدء الحراك، أي بالتزامن مع الازمات المفتعلة التي ذكرناها سابقًا. يضاف الى ذلك المعلومات الموثقة عن تدريبات إعلامية لمواكبة التظاهرات وميدانية شبابية حصلت خلال شهر أيلول وقبله.

ثالثًا: تزامنت الأزمات والتحضير للحراك، مع تطورات هامة في المنطقة:

- في الاسبوع الاخير من أيلول وأول تشرين الاول، ترامب يعلن انسحابه من الشرق السوري وترك الاكراد لمصيرهم. وكان واضحًا منذ البداية أن هناك تفاهمًا أميركيًا روسيًا تركيًا إيرانيًا على ترتيبات الشرق السوري. وبالتأكيد، إن الانسحاب الأميركي من سوريا (باستثناء مناطق النفط) يفترض تعزيز النفوذ الأميركي الموجود اصلاً في كل من لبنان والعراق، لمنع ايران من زيادة نفوذها في البلدين، وهذا منطقي في العلاقات الدولية. 

- اقليميًا: من الطبيعي أن نتوقع أن تقوم بعض الدول الخليجية بمحاولة تعويض ما خسرته في سوريا بعد سنوات من الحرب والتمويل والتسليح، لهزّ النفوذ الايراني في المنطقة، من ضمن الصراع السني الشيعي.

- كما نلاحظ تجسد الصراع السنّي السنّي بشكل الحرب الناعمة، فنجد أن القطريين والاتراك يموّلون بعض الساحات كطرابلس على سبيل المثال لا الحصر، بينما تموّل السعودية والامارات ساحات أخرى، منها تظاهرات القوات اللبنانية على سبيل المثال لا الحصر.

- انفجرت التظاهرات في العراق، قبل لبنان بحوالي اسبوعين بشكل متطابق مع تظاهرات لبنان (تظاهرات شبابية لا قيادة لها، تدعو الى مكافحة الفساد وإلغاء النظام الطائفي وضد كل الاحزاب وغيرها ...) الفارق الوحيد أن تظاهرات العراق اتخذت شكلاً دمويًا منذ بداياتها.

ويلاحظ أن التظاهرات في العراق كانت في المناطق الشيعية بشكل كبير واتخذت شكل المطالب التي تطالب بإخراج النفوذ الايراني من البلاد، وتحدثت الحكومة عن وجود قناصة مجهولين يقومون بقنص المعارضين والشرطة معًا وطلبت من الجمهور مساعدتها في التعرف إليهم.

من هنا، قد يكون الخوف من دخول قناصة الى المشهد اللبناني، تستغل قيام القوى الامنية بفتح الطرقات أو الاشتباك مع المعتصمين لشيطنة القوى الامنية، وقتل المتظاهرين ودخول البلاد الى فوضى أمنية لا تبقي ولا تُذرّ... وقياسًا مع العراق، قد تقوم غرف سوداء باتهام حزب الله بقتل المتظاهرين، إذ سارعت بعض الجهات في العراق الى الحديث عن "ملثمي الفصائل المسلحة"، فيما راجت رواية أخرى عن وجود عناصر إيرانية تطلق النار على المتظاهرين، بينما تحدثت روايات رسمية أن العنف كان من قبل المتظاهرين أولاً مما اضطر القوى الامنية للردّ بالعنف.

وهكذا نستنتج، أنه وبالرغم من أحقية وجع الناس والمظالم المتراكمة منذ ثلاثين سنة ولغاية اليوم، وبالرغم من الفجور السياسي الذي فاق كل التوقعات، ورفض الامتثال للقضاء، وبعد التقارير عن صفقات فساد بالارقام والوثائق بدون محاسبة ومساءلة... إلا أنه من السذاجة عدم توقّع تدخلات سياسية داخلية تريد استغلال وجع الناس لتحقيق كيدية سياسية ومحاولة قلب موازين القوى الحكومية والانقضاض على التسوية الرئاسية، وجهات خارجية تسعى لفوضى في لبنان لقلب الموازين القوى الاقليمية بين محور خسر في سوريا يريد التعويض في لبنان والعراق، ومحور انتصر من مصلحته استقرار الوضع في كل من لبنان والعراق.

2019/10/21

لبنان: دروس انتفاضة الناس

لا شكّ ان الانتفاضة الشعبية التي عمّت مختلف المناطق اللبنانية، كانت نتيجة طبيعية لتفاقم أزمات السلطة السياسية التي أمعنت في صمّ آذانها عن صرخات الناس، واستسهلت فرض الضرائب والسرقات المكشوفة على مرأى من الجميع ومنعت كل إمكانية للمساءلة والمحاسبة وعطّلت القضاء والجهات الرقابية.

وأما وقد وصلت الأمور الى ما صلت إليه، يمكن استخلاص دروس مبكرة، ولو أن الانتفاضة الشعبية لم تصل الى خواتيمها بعد، ولا أحد يعرف كيفية إتجاه الأمور على الأرض بعد إعلان الحكومة ورقتها الاقتصادية، وهذه الدروس تتلخص في ما يلي:

أولاً، أثبت الشارع اللبناني أن ذرائع التستر بالطائفية والمذهبية لمنع المساءلة والمحاسبة للفاسدين وسارقي المال العام لم تعد تنطلي على أحد. لقد مسّت الازمة الإقتصادية كل مواطن لبناني في رزقه ومستقبل اولاده وقوتهم، لذا لم تعد تعنيه كل الخطوط الحمراء التي ابتدعوها لحماية أنفسهم وسرقة المال العام. كما أثبت أنه يمقت التعجرف السياسي والفوقية التي يعامله بها سياسيوه.

ثانيًا: إن الأزمات سواء الحقيقية أو المفتعلة التي ابتدعها أهل السلطة لإحراج بعضهم البعض أو لإحراج العهد، انفجرت في وجه الجميع دون استثناء. وبالرغم من أن الشارع قال كلمته ضد الجميع، إلا أن البعض حاول استثمار الشارع لتصفية حسابات سياسية، كدعوة فرنجية وجنبلاط الى استقالة باسيل وكأن باسيل هو المتهم بسرقة المال العام والسيطرة على مقدرات الدولة لمدة ثلاثين عامًا، وهو الذي استفاد من وجود السوريين ليخلق له كونتونات طائفية زبائنية.

ثالثًا: كان لافتًا مطالبة "القوات اللبنانية" باستقالة الرئيس، وهو أمر خطير جدًا من الناحية القانونية والسياسية وحتى المسيحية.

من الناحية القانونية، إن التعديلات الدستورية التي أتى بها الطائف عام 1990، انتزعت صلاحيات رئيس الجمهورية وأنيطت بمجلس الوزراء. وهكذا، لم تعد السلطة الاجرائية منوطة برئيس الدولة بل بمجلس الوزراء مجتمعًا.

وهكذا أصبح المسؤول الأول في السلطة الإجرائية هو رئيس مجلس الوزراء ولم يعد رئيس الجمهورية كما كان قبل تعديلات الطائف. وهكذا يكون رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للحكومة، كما تمّ تكريس استقلاله عن رئيس الجمهورية في إدارة شؤون الحكومة ان لجهة وضع جدول أعمال مجلس الوزراء ام لجهة ترؤس اجتماعاته ودعوته الى الانعقاد، الأمر الذي أدّى الى نقل مركز الحكم في لبنان من قصر بعبدا الى السرايا الكبير.

وأكثر من ذلك، فإنه باستثناء مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، لا يحق لرئيس الجمهورية ممارسة ما تبقى له من صلاحيات، من دون توقيع رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصين (المادة 54 من الدستور).

وهذا يعني أن الرئيس غير مسؤول عن سياسة الحكومة بل هو حَكَم بين اللبنانيين، لذا فإن مسارعة القوات الى المطالبة باستقالته تعدّ نوعًا من الهرطقة الدستورية والخيانة العظمى للمسيحيين.

تعدّ رئاسة الجمهورية اللبنانية آخر موقع مسيحي في شرق تمّ تهجير المسيحيين منه، وبالتالي إن إضعاف موقع الرئاسة واستسهال إقالته كما تريد "القوات"، يعني استكمال مسلسل تهجير المسيحيين من المشرق وهو المخطط الذي يبدو أن "القوات اللبنانية" هي رأس حربة فيه.

وبالنتيجة، لقد قال الشارع كلمته بالفعل وأوصل رسالة شديدة اللهجة الى المسؤولين، ولكن المطالبات المبالغ فيها كاستقالة النواب وحلّ السلطة بأكملها وغير ذلك، تبدو إما نوعًا من الإنفصال عن الواقع أو التآمر على الوطن، إذ أن سيناريو كهذا - أقلّه- سوف يؤدي الى انهيار الليرة المترنحة أساسًا، وقد يستفيق اللبنانيون على 5000 ليرة مقابل الدولار الواحد. لذا، إن الاتعاظ والتغيير مع حفظ الاستقرار الأمني والاقتصادي يبقى الحل المقبول حاليًا ولو لم يكن الحل المرتجى.

2019/10/14

الأكراد والخطأ التاريخي للأقليات

في خضم الحديث عن دعوة الاكراد للجيش السوري للدخول الى مناطقهم وردّ العدوان التركي، تتحدث وسائل الاعلام العربية والغربية عن غدر ترامب بحلفائه وخذلان العالم للأكراد... وفي حديث لمجلة فورين بوليسي، يتحدث مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية في سوريا ،  بأنه "سيكون هناك تنازلات مؤلمة" للحكومة السورية وحلفائها الروس، معتبرًا ان الاكراد  لا يثقون بهم... ومن الصعب "معرفة من يجب أن تثق به...".
عمليًا، يتحمل الأكراد في سوريا المسؤولية الكاملة عما آلت اليه الاوضاع في شرق الفرات، اذ من غير الممكن تصوّر ان الاكراد لم يتوقعوا هذا المصير، فالولايات المتحدة الأميركية تخلت سابقًا أكراد العراق، والمسيحيين في العراق ولبنان وغيرهم...
بمراجعة بسيطة وشاملة للدعم الأميركي للحلفاء، نجد العديد من الحالات التاريخية، نستذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
- الدعم الأميركي للرئيس اللبناني كميل شمعون الذي انخرط في حلف بغداد متكلاً على مشروع أيزنهاور، مما ادى الى ثورة في لبنان عام 1958، بتحريض من عبد الناصر آنذاك. قام الأميركيون باستعراض إنزال المارينز على شواطئ لبنان، ثم انتهت المناورات الاستعراضية باتفاق أميركي مع رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وهو العدو السياسي اللدود للرئيس شمعون، اللواء فؤاد شهاب.
- عام 1982، بعد الاجتياح الإسرائيلي الثاني، وعلى أثر ترحيل المقاتلين الفلسطينيين عن لبنان، قام الأميركيون بإنزال المارينز على شواطئ بيروت، متذرعين بأن السياسة الأميركية تهدف الى استعادة لبنان سيادته واستقلاله كما صرح الرئيس الأميركي رونالد ريغن. واستمر الوجود الأميركي السياسي والعسكري خلال عهد الرئيس أمين الجميل، لكن ذلك لم يعطه قدرة على الحكم. وكلنا يذكر التصعيد الكلامي الذي أطلقه الجميل من واشنطن، معتبراً أن كل طلقة سورية تستهدف بيروت، سيرد عليها باستهداف دمشق، ولا ينسى أهل بيروت ذلك اليوم المأسوي الذي تساقطت فيه القنابل من كل حدب وصوب على مدينتهم وأحيائهم، ولم يحرّك الأميركيون ساكناً، بل لم يكترث الأميركيون حين أرغمت القوات اللبنانية الرئيس الجميل على القبول بالنفي القسري فور انتهاء عهده.

- دعوة السفير الأميركي جون ماكارثي من إهدن الى قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، للوفاء بوعده والتحرك ضد الجنرال ميشال عون، الذي كان رأس السلطة التنفيذية آنذاك. وبسرعة، أطاع جعجع الأوامر وأدّت «القوات اللبنانية» بقيادة سمير جعجع المهمة المطلوبة منها بالضبط، فدخل السوريون المناطق «الشرقية» بدعم أميركي واضح. وبالرغم من ذلك، رأت الإدارة الأميركية أن سجن قائد “القوات اللبنانية” ومحاكمته وإدانته في عهد الرئيس الياس الهراوي، أمر لبناني داخلي لا تستطيع التدخل فيه.
هي إذًا دروس تاريخية يجب أن تضعها الاقليات نصب عينيها، فلا الدول جمعيات خيرية ولا يُعرف عن الأميركيين التزامهم بحليف بعد أن يكون قد أدّى مهمته وبات عبئًا عليهم.

2019/10/07

شرق الفرات: أين يمكن أن يصل أردوغان بتهديداته؟

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال اجتماع حزبي أنه سينفذ عملية عسكرية جوية وبرية شرق نهر الفرات في سوريا، وهاجم فيها الولايات المتحدة بسبب الدعم الذي تقدمه للأكراد. وقال أردوغان: "أجرينا استعداداتنا وأكملنا خطة العملية العسكرية في شرق الفرات، وأصدرنا التعليمات اللازمة بخصوص ذلك، وسنقوم بتنفيذ العملية من البر والجو". وأضاف غامزًا من قناة الأميركيين من دون أن يسميهم: "نقول لمن يبتسمون في وجهنا ويماطلوننا بأحاديث دبلوماسية من أجل إبعاد بلدنا عن المنظمة الإرهابية إن الكلام انتهى".

وادعى أردوغان إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أدرج مسألة انسحاب قوات بلاده من منطقة شرق نهر الفرات وإحلال القوات التركية مكانها، لكن من هم حوله لم يعملوا إلى الان بتوصياته. وهكذا، يبدو أن خطة تسيير دوريات مشتركة بين الأتراك والأميركيين قد باءت بالفشل.

واقعيًا، من الصعب التفكير بأن أردوغان سيتجرأ على القيام فعلاً بتلك الحملة العسكرية، متحديًا الولايات المتحدة الاميركية التي حذّرت على لسان المتحدث باسم "البنتاغون" من القيام بعملية عسكرية دون تنسيق معها... لكن، يمكن القول أن التهديد الذي أطلقه أردوغان، يحقق له مصالح عدّة، أبرزها ما يلي:

1- يريد أردوغان أن يستغل الإحراج الذي يعانيه ترامب في الداخل بعد الهجوم الديمقراطي عليه ومحاولة عزله، فيحقق بعض المصالح أو التنازلات في الملف السوري. في هذا الاطار، يريد أردوغان من ترامب أن يوكله بأمر الجغرافيا السورية بالنيابة عنه، وذلك في حال أعاد ترامب التأكيد على رغبته في الانسحاب.

2- يدرك أردوغان أنه حتى لو وافق ترامب على تلك العملية، فإنه لا يستطيع أن يقوم بها من دون موافقة كل من إيران وروسيا. والأكيد أن الايرانيين والروس يفضّلون أن ينفذ أردوغان تعهداته في إدلب، مقابل التوصل الى حلّ لمسألة شرق الفرات. فإذا كان الحل العسكري غير ممكن للتخلص من البؤرة الارهابية في إدلب، فلن يكون بإمكان أردوغان اللجوء الى الحلّ العسكري لحل مسألة شرق الفرات بالمقابل.

بالنسبة لكل من إيران وروسيا، يُفَضَل أن تقوم تركيا بنشر قواتها على حدودها مع سوريا، على أن ينتشر الجيش السوري في المناطق السورية المحاذية، والتي يسيطر عليها الأكراد اليوم. يدرك كل من الروس والايرانيين أن التلاعب بالجغرافيا وتقسيم الدولة السورية سواء عبر الموافقة الأميركية على إنشاء كونتون كردي أو إنشاء منطقة آمنة يسيطر عليها الجيش التركي بذريعة إسكان واستقبل اللاجئين من تركيا وأنحاء أوروبا، قد تتحول الى "دومينو" يهدد الشرق الأوسط برمته.

وعليه، لا يبدو من السهولة على أردوغان شنّ تلك الحملة، وسيبقى شرق الفرات مرتبطًا بإدلب فإما أن تحلّ القضيتان بالتوازي أو تستمر المماطلة الى أن يحين أوان الحلّ النهائي.


2019/09/30

عزل ترامب: هل يؤدي الى حرب أهلية أميركية فعلاً؟

ينشغل الرأي العالم الأميركي والعالمي بالحملة الديمقراطية في الولايات المتحدة والتي تتحدث عن إمكانية عزل الرئيس دونالد ترامب، بسبب ما يقال انه خالف القانون الأميركي بطلبه من رئيس خارجي (الرئيس الأوكراني) مساعدته على الإطاحة بمنافسه جو بايدن عبر التحقيق في ملابسات وشبهات تورط بالفساد له ولأبنه في أوكرانيا.
واقعيًا، إن مسار العزل وإمكانيته لا يمكن النظر اليها ضمن المسار القانوني وحده، علمًا أنه مسار صعب أيضًا. قانونيًا، تبدأ إجراءات عزل الرئيس من الكونغرس الذي يسيطر فيه الديمقراطيون على الأغلبية، لكن الإدانة الفعلية يجب أن تصدر من مجلس الشيوخ الذي يتمتع فيه الجهوريون بأغلبية واضحة، علمًا أن إقالة الرئيس تتطلب ثلثي المجلس أي 66 عضوًا.
هذا في المبدأ، أما في الواقع فيمكن النظر الى معطيات عدّة تفرض نفسها على عملية المساءلة، وهي موازين القوى السياسية والشعبية.
بالنسبة لموازين القوى، يخطئ العديد من الباحثين حين يعتبرون أن ترامب هو في مواجهة "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة، فلو كان كذلك لاستطاعت تلك الدولة الاطاحة به منذ السنة الاولى. قد يتأتى عدم إدراك هذا مباشرة، لعدم فهم الناس ما الذي تعنيه الدولة العميقة، فالدولة العميقة ليست مجرد "مجتمع الاستخبارات". وعندما يتم اعتماد فهم أكثر دقة للدولة الأميركية العميقة والتكامل التكافلي فيما بينها، وعلى مساحة الكرة الارضية، يمكن تمييز أن الادارة الأميركية الحالية هي فصيل من هذه الدولة العميقة يتصارع مع فصيل آخر استمر حاكمًا لفترة من الزمن.
بالتدقيق، نرى أن إدارة ترامب وقراراته، تعمل لصالح عمالقة المال في وال ستريت، مجموعات النفط وخاصة النفط الصخري، شركات السلاح ( أو ما يسمى المجمع الصناعي العسكري) والبنتاغون (زاد موازنة الدفاع بشكل غير مسبوق) بالاضافة الى القوميين البيض والكنائس الانجيلية المتعصبة... أما المحيّدون من اهتمام ترامب، فهم وزارة الخارجية، وكالات الأمن القومي والاستخبارات المتهمون بالتجسس على ترامب ومحاولة تقويض حكمه، و شركات سيليكون فالي ممولي حملات التظاهر عليه ....
وبهذا المعنى، يمكن توصيف ظاهرة ترامب، بأنها قد تمثل انقلابًا قوميًا أبيض من جانب قطاع مستاء من داخل الدولة العميقة نفسها، وهذا القطاع أو الفصيل يعتقد أن بإمكانه إعادة وتنظيم هيكلية الدولة العميقة لإخراجها من أزمتها وبالتالي تجنيب النظام العالمي العميق من أزمة ترددية تواكب الأزمة الداخلية في الولايات المتحدة.
أما على الصعيد غير الرسمي، فيمكن القول أن احتمالات عزل ترامب قد تدفعه الى تحريض أنصاره على تقويض الاستقرار، ويمكن لفت النظر الى ما حصل في شارلوتسفيل عام 2017، حين اندلعت اشتباكات عنيفة في المدينة، وأظهرت الصور ووسائل الاعلام رجالاً بيض مدججين بالسلاح يشتبكون مه متظاهرين منددين بالعنصرية، بشكل تحولت معه المنطقة الى ساحة حرب فعلية، وقتلت فتاة بعد أن قامت سيارة بدهس المتظاهرين.
وهكذا، يبدو من الصعوبة بمكان عزل ترامب قانونيًا، بالاضافة الى الانقسام الذي ستثيره هذه الحملة التي يقودها الديمقراطيون اليوم... الواضح، أن الدولة العميقة دخلت في حرب حقيقية بين مكوناتها. باختصار، إن فرع الدولة العميقة الذي يدعم ترامب يعتقد أنه في مهمة فريدة وخاصة: إنقاذ الدولة العميقة من التدهور الناجم عن إخفاق الإدارات الأميركية المتعاقبة. هم في حرب وجودية، لإنقاذ "الرأسمالية" من أولئك الذين يريدون تدميرها، ولإعادة هيمنة الولايات المتحدة على العالم.





2019/09/23

المحكمة الخاصة بلبنان: ماذا في اتهام عياش مجددًا؟

أعلنت المحكمة الخاصة بلبنان أنها رفعت السرية عن قرار اتهام صدر بحق سليم جميل عياش، المنتمي إلى حزب الله، واعتبرت أن هناك قضايا متلازمة مع قضية اغتيال الحريري، وهي حوادث اغتيال كل من مروان حمادة وجورج حاوي والياس المر بين عامي 2004 و2005.

وبالتصديق على قرار الاتهام هذا، يعني أن المحكمة فتحت قضية جديدة بعدما شارفت قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري على الانتهاء مع ترقب صدور الحكم النهائي في الأشهر المقبلة.

وبموجب القرار الاتهامي، تم إسناد خمس تهم إلى عياش في قرار الاتهام، وهي: "مؤامرة هدفها ارتكاب عمل إرهابي، الانتماء الى جمعية أشرار، ارتكاب أعمال إرهابية، قتل السادة غازي أبو كروم وجورج حاوي وخالد مورا عمدًا، ومحاولة قتل السيّدين الياس المر، ومروان حمادة، وسبعة عشر شخصًا آخر عمدًا".

وهكذا، تكون المحكمة قد أطالت عمرها المفترض بفتح قضايا جديدة وسحب الاموال من المكلف اللبناني، وهي التي تكلّف سنويًا ما يزيد على 120 مليون دولار، تدفع نصفها الدولة اللبنانية، والنصف الآخر من الدول المانحة.

أما قراءة القرار الاتهامي، فتشير الى نيّة المحكمة بالاستمرار في اتهام حزب الله كمنظمة، بالرغم من أن القانون الجنائي الدولي، يؤكد على مبدأ "المسؤولية الجنائية الفردية"، باعتبار ان من ارتكبوا جرائم دولية كبرى هم أشخاص طبيعيون، ساهموا بشكل أو بآخر في تلك الجريمة من خلال التحريض أو التنفيذ أو تسهيل الجريمة، أو غضّ النظر عنها.

إن اعتماد عبارة "مجموعة أشرار"، تمكّن المحكمة – بحسب القانون الجنائي الدولي- من اتهام وإدانة "جميع من ينتمي إلى الحزب". وهذه الإدانة يمكن أن تتم بموجب مبدأ قضائي مستحدث في القانون الجنائي الدولي يطلق عليه اسم "المشروع الجنائي المشترك" joint criminal enterprise، والذي تعتمده المحاكم الدولية منذ عام 1999، وبالتحديد منذ الحكم الذي أصدرته محكمة يوغسلافيا في قضية تاديتش، والذي اعتبر علامة فارقة في القضاء الجنائي الدولي، والسابقة التي اعتمدت عليها المحاكم الدولية الأخرى لإدانة المتهمين بموجب "القصد المشترك" أو "الهدف المشترك"، وهو ما ورد في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان صراحة أيضًا.

ويمكن تلخيص هذا المبدأ بما يلي: يعتبر كل عضو في "مجموعة منظمة" (وهنا اعتبرت المحكمة صراحة أن حزب الله هو مجموعة أشرار) مسؤول مسؤولية جنائية فردية عن الجرائم التي ترتكبها المجموعة ضمن الخطة المشتركة أو الهدف المشترك، وهذه الإدانة مختلفة بالطبع عن الإدانة بالتحريض أو المساعدة.

وهكذا، نجد أن قرار المحكمة الذي لم يأخذ حيّزًا كبيرًا في الاعلام اللبناني، وتعامل معه اللبنانيون كخبر مرّ مرور الكرام، يستكمل الهدف الذي أنشئت من أجله تلك المحكمة.

ويبقى أن نشير الى أن السياسة التي تتدخل دائمًا في تحقيق العدالة الدولية أو منعها وتقويضها، وحيث تعتبر تلك المحاكم دائمًا محاكم المنتصرين... وعليه، لن تستطيع المحكمة أن تحقق أي هدف لمن أنشأها إلا إذا انتصر ميدانيًا (وهذا بات أقرب الى المستحيل)، فالمنتصر يكتب التاريخ، ويسنّ القانون، ويقيم المحاكمات للمهزومين، ويدّعي التفوق الاخلاقي.


2019/09/16

كيف تحلّ قضية العميل فاخوري؟

طغت قضية العميل عامر فاخوري العائد الى لبنان، على الحيّز الاعلامي والسياسي وذلك بسبب قيامه بممارسة التعذيب والقتل العمد والترهيب على الاسرى المعتقلين في سجن الخيام خلال وجود الاحتلال الاسرائيلي في لبنان، وحيث كان العميل يشغل رتبة آمر السجن وقتذاك.
وتبدو الهبّة الشعبية -التي حصلت لغاية الآن- ممتازة إذ شكّلت ضغوطًا على الدولة اللبنانية لإعتقال العميل، ولكنها اكتفت برفع شعار "عدم عودة العملاء الى لبنان"، وهو أمر يعدّ قاصرًا عن التعامل مع ملف هؤلاء المرتكبين وخطورته.
برأيي، على الحملة الشعبية التي يقودها الأسرى المحررون أن لا تكتفي برفع شعار عدم العودة بل يجب عليها المطالبة "بعدم إفلاتهم من العقاب"، ومحاسبة من قام بتنظيف ملفاتهم عام 2014 خلال حكومة الرئيس تمام سلام.
يقصد بالإفلات من العقاب عدم التمكّن،  قانونًا أو فعلاً، من مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ومنها الجرائم ضد الانسانية والتعذيب.
وتتعدد أوجه وطرق الإفلات من العقاب، ويمكن إدراج هذه الأوجه في شكلين:
أ- الإفلات بحكم القانون وذلك من خلال قيام الدولة بمنح العفو لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ب- الإفلات من العقاب بحكم الواقع وهذا لا يحدث فقط عندما تفشل السلطات في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ولكن أيضًا عندما لا يتم التحقيق بشكل فوري وبجدية وفقًا للمعايير الدولية، وهو ما يسمى الإفلات من العقاب بحكم الواقع.
أما الشكل المموه للإفلات من العقاب بحكم الأمر الواقع أيضًا، فهو عندما يُحكم على المرتكبين بعقوبات لا تتفق مع خطورة الانتهاك (وهذا ما حصل بالفعل مع عملاء اسرائيل) أو عندما لا تضمن السلطات الوطنية تنفيذ الحكم، أو ببساطة، عندما يُحرم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من الحق في العدالة، ويقيد وصولهم إلى المحاكم، أو لا ينظر إلى القضايا بشكل يتماشى مع المعايير الدولية المعمول بها. وقد يحدث أيضًا عندما يتم التلاعب بالأدلة أو عند إطالة أمد التحقيقات إلخ...
برأيي، لا يكفي أن يُمنع مرتكبو الجرائم الكبرى من زيارة لبنان، بل إن محاكمة هؤلاء وصدور مذكرات توقيف بحقهم وملاحقتهم في جميع أنحاء العالم، تؤدي خدمة كبرى ومنفعة لمستقبل لبنان بحيث تشكّل هذه رادعًا لكل من تسوّل نفسه التعامل مع العدو الاسرائيلي ومساعدته على فوز  قواته في لبنان مستقبلاً، كما يُكسب الدولة اللبنانية والقضاء اللبناني شرعية أكبر في نظر مواطنيها خاصة.
وهكذا، يستطيع أصحاب الحق والمتضررون من ممارسات هذا العميل وغيره، رفع دعاوى وإلزام الدولة اللبنانية بمقاضاته انطلاقًا من القانون الدولي الذي يقرّ بأن للأفراد في هذا الاطار حقوقًا لا تسقط بالتقادم، وفي الوقت نفسه يضع "التزامات مرتبطة بهذه الحقوق على الدول"، وذلك انطلاقًا من القانون العرفي والمعاهدات الدولية ذات الصلة.
ويتضمن قانون المعاهدات واجب المقاضاة عن الانتهاكات الجسيمة، وهذا الواجب تتضمنه معاهدات جنيف الأربع لعام 1949، كما نجده، على سبيل المثال، أيضًا في اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة، واتفاقية منع التعذيب وباقي العقوبات (الخاصة) بالإنسان، وكلها تتضمن التزام وواجب الدولة لمقاضاة جريمة التعذيب والابادة.
وعليه، يبدو من المهم بمكان اليوم، أن لا تتدخل التسويات السياسية في قضية محاكمة العميل فاخوري أو غيره، لأن عدم القيام بتلك المحاكمات يقوّض حكم القانون في لبنان، ويثير الشكوك في العدالة اللبنانية برمّتها، والكرة اليوم في ملعب أصحاب الحق والمتضررون والأسرى المحررون، لتحقيق العدالة ولو أتت متأخرة.