2014/12/31

ثورة تونس: إلهام الشّعوب العربيّة

28 / كانون الأوّل / 2014
د. ليلى نقولا الرحباني
شكّلت الانتخابات التونسية وفوز الباجي قائد السبسي بالانتخابات الرئاسية في تونس في الدورة الثانية، معلمًا أساسيًا في مسيرة التغيير التي انطلقت في العالم العربي، منذ ما يقارب الأربع سنوات، والتي حاول "الإخوان المسلمون" سرقتها والهيمنة عليها لفرض نمط اسلامي خاص بهم لا يشبه التنوع في المجتمعات العربية ولا التعايش في المنطقة الممتد منذ قرون.
واللافت أن الاعلام الغربي والكثير من مراكز التفكير الغربية، ما زالت تتحسر على تجربة الإخوان المسلمين الذين حاولوا أن يفرضوا مفاهيمهم الخاصة على المجتمعات العربية، وخاصة أن تلك المفاهيم تشبه الى حد بعيد النظرة العثمانية المتعالية التي انتفض ضدها العرب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فحاربوا التتريك، وقاموا بثورة عربية شاملة للتخلص من الاستبداد باسم الدين الذي فرضه العثمانيون عليهم.
عادت تونس الى العَلمانية، والتي تعني فصل الدين عن الدولة والابقاء على التدين في المجتمع. وقد يكون لفظ "العَلمانية" مثيرة لحفيظة البعض لأنها تختلط عليهم فيصفونها بالالحاد، وهي بعيدة كل البعد عن الالحاد، أو التدخل لفرض مفاهيم تلغي الدين من حياة الانسان، لذلك يميل البعض الى إعطائها وصف "الدولة المدنية" كبديل عن الدولة الدينية التي تلغي حرية الفرد في التفكير وتريد أن تفرض عليه نمطًا واحدًا من الاعتقاد والتفكير وإلا كفّرته واعتبرته مواطنًا من الدرجة الثانية.
لم تعد مقولة "الناس على دين ملوكهم" صالحة للعالم العربي في هذا الزمان، فكما تونس التي أطاحت بحكم الاخوان بالانتخابات، كذلك مصر التي انتفضت وأطاحت بحكم سهّل الاستبداد باسم الديمقراطية الدينية، وسهّل استهداف الكنائس، واستهداف الشيعة المصريين الذين تمّ سحل أحدهم لأنهم كان يمارس شعائر دينية تختلف عن السائد في المجتمع.
وهكذا، يبدو أن الثورة التي انطلقت في تونس وألهمت العالم العربي، قد تكون ملهمة له ايضًا في مسار التغيير، فتتجه الدول العربية الى تأسيس دول مدنية تقوم على مركزية الحرية، حرية الآخر المختلف في الوجود، وفي حقه في الاختلاف، فتبتعد عن التكفير، وتحترم حق كل فرد في اعتناق الدين الذي يريد، وتعترف بالتعددية وحرية الضمير، وتضمن في الآن نفسه استقلال ارادة الانسان وحريته الفردية وكرامته الانسانية ضمن التنوع.
إن المطلوب في دولنا العربية في المستقبل، أن تتخلص من الارهاب والتكفير وإدّعاء احتكار الحقيقة المطلقة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية. الواضح أن الزمن العربي القادم لن يقبل أن يكون إنسانه خارج العصر، أو أن يبحث في التاريخ عن وصفات مستوردة للحكم، لا تناسب تطلعات شبابه ولا أحلام أطفاله.
إن التجربة التونسية - بغض النظر عن مثاليتها- تبقى تجربة مضيئة في تجارب الحكم العربي، خاصة في فصل الدين عن الدولة، فالدين هو علاقة فردية عامودية بين الانسان وخالقه تفرض عليه التزامًا بنصوص "مقدسة" وقواعد سلوكية معينة، أما العالم الزمني فيعيشه الانسان في علاقات جماعية وفردية أفقية، تفرض عليه أنواعًا أخرى من الالتزامات وضعتها القوانين الوضعية. وهكذا فإن اختلاف الحيز الذي يُمارس فيه الديني والزمني، يفرض تمييزًا واستقلالية بين الاثنين، يعيشهما الانسان بدون مزج بينهما أو سيطرة أحدهما على الآخر

2014/12/25

مصالحات عربية أم ترتيب أميركي للبيت الداخلي؟

25 / كانون الأوّل / 2014
د. ليلى نقولا الرحباني

تبدو الدولة القطرية متَّجهة إلى تبنّي سياسة خارجية براغماتية مختلفة عن السياق الذي اتخذته منذ بداية ما سمي "الربيع العربي" ولغاية اليوم، من خلال دعمها المطلق لمشروع "الإخوان المسلمين"، والذي كانت تحاول من خلاله أن تفرض نفسها لاعباً إقليمياً أكبر من حجمها الجغرافي بكثير، ومفتاحاً للسياسة الإقليمية الخليجية، متخطية دولاً عريقة كالسعودية.
ولعل السياسة البراغماتية المستجدة تتجلى في رغبة قطر - أو الراعي الأميركي - بأن تقوم بلعب دور "الموازن الإقليمي" بين ضفتي النزاع السُّني - السُّني في المنطقة، أي بين السعودية وتركيا، من خلال التصالح ومد الجسور بينهما من خلال:
- على الجهة السعودية: بدأ أمير قطر خلال القمة الخليجية وما بعدها سياسة انفتاحية جديدة تجاه المملكة وحلفائها، وبدأ التطبيق الفعلي لسياسة مدّ الجسور والمصالحة مع المحور المعادي لـ"الإخوان المسلمين"، بالبدء بإجراءات فكّ الارتباط مع "الإخوان" والمصالحة مع مصر.
وإذا كانت الدولة القطرية - بعد المصالحة التاريخية مع مصر - لن تسمح للمعارضين المصريين الموجودين داخل أراضيها بممارسة العمل السياسي، وعلى الأرجح أنهم سينتقلون إلى تركيا، لكن تصفية الخلاف المصري - القطري تحتاج إلى أكثر من إغلاق قناة "الجزيرة مباشر - مصر"، وإبعاد قيادات "الإخوان المسلمين" من الأراضي القطرية، بل تتعداها إلى الملف الليبي، الذي بات يؤثر تأثيراً مباشراً على الأمن القومي المصري، من خلال تسلل الإرهابيين وتهريب الأسلحة، وهو ملف يُنتظر من قطر أن تُقدِّم فيه ما يُثبت صدق نياتها تجاه المصالحة مع مصر، وإرضاء السعودية.
- على الجهة التركية: في الوقت الذي تتجه قطر للمصالحة مع مصر، والتي بدت نوعاً من الخضوع القطري للتمنيات السعودية، وقّع أمير دولة قطر الشيخ تميم خلال زيارته لتركيا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إعلاناً سياسياً مشتركاً بشأن تأسيس "مجلس التعاون الاستراتيجي التركي - القطري الرفيع المستوى"، والهدف منه التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة والاستثمار، والذي يشمل شراء تركيا الغاز القطري، واستثمار قطر في مشاريع في الداخل التركي تزيد قيمتها عن 12 مليار دولار، بالإضافة إلى اتفاق «للتعاون في المجالات الدفاعية» وقّعه وزير الدفاع التركي عصمت يلماز ووزير الدولة القطري لشؤون الدفاع حمد العطية.
كما تمّ في أيلول الماضي التوقيع على اتفاقية بين البلدين تقضي باستيراد 1.2 مليار متر مكعب من الغاز المسال القطري في تسع دفعات لشتاءي 2014 و2015، وهو ما سيغطي جزءاً من احتياجات تركيا السنوية من الغاز الطبيعي، والتي تبلغ 45 مليار متر مكعب، ويصب في صالح التنويع التركي لمصادر الإمداد بالغاز.
لكن اللافت أن العناوين الاقتصادية للعلاقة القطرية - التركية لم تخلُ من إيحاءات ورسائل سياسية وجّهها أردوغان إلى من يهمّه الأمر بقوله إن البلدين «لم يشهدا حتى اليوم أي خلافات في وجهات النظر»، وإنهما «وقفا دائماً متضامنيْن إلى جانب المظلومين في العالم»، مؤكداً أن «تركيا وقطر ملتزمتان الاستمرار في النهج نفسه في الفترة المقبلة».
انطلاقاً من التصريحات الأردوغانية: هل صحيح أن قطر ملتزمة النهج التركي نفسه؟ وإذا كان هذا صحيحاً، فهل هذا يعني أن تركيا ستنتهج السياسة القطرية في التقارب والمصالحة مع السعودية ومصر؟
في كل الأحوال، لا يمكن عزل الحركة التصالحية ضمن المحور المتحالف مع الأميركيين عن السياق العام للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فمقابل هذه المصالحة التي تعطي نوعاً من الانتصار للسعودية، كان الإعلان عن تلزيم تركيا عملية تدريب المعارضة السورية "المعتدلة" وكأن الأمر - على ما يبدو - توزيع أدوار وحصص يقوم به الأميركيون بين الطرفين، لترتيب البيت الداخلي السُّني المتحالف معهم، تمهيداً لإطلاق سياسة جديدة في الشرق الأوسط تمهّد لحلّ سياسي لن يستطيعوا قطف ثماره بدون هذه الترتيبات والتسويات.

2014/12/24

إنفراج في كوبا وبعده في إيران؟


21/ كانون الأوّل / 2014
د. ليلى نقولا الرحباني

ليس تفصيلاً أن يعلن الرئيس الأميركي باراك اوباما انهاء القطيعة مع الدولة الشيوعية المتمردة كوبا بعزمه على إقامة علاقات ديبلوماسية بعد انقطاع دام نصف قرن، مؤكداً أن "الخمسين عاماً الماضية أظهرت أن عزل كوبا لم يعط نتيجة، وحان الوقت لاعتماد مقاربة جديدة". 
وقد يكون الحدث التاريخي بعودة العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة الأميركية، أمرًا يريد منه الرئيس باراك اوباما أن يُسجّل له في سجّل الانجازات التي سيتركها وراءه بعد عهدين من الرئاسة في البيت الأبيض، وقد يحلم بأن يضيف اليه إنجاز تاريخي آخر، هو عودة العلاقات بين أميركا وإيران وإنهاء القطيعة الدبلوماسية التي شتبشّر بعهد جديد من العلاقات الدولية مع الجمهورية الاسلامية.
وقد اعتبر العديد من معارضي اوباما في الداخل الأميركي، أن اوباما يقدم حبل الانقاذ لفيدال كاسترو، ويخدم النظام الكوبي بهذه الخطوة، وقد يكون هذا صحيح باعتبار أن التقديرات الكوبية الرسمية ترجح أن أنَّ الاقتصاد الكوبي سينمو 4% في 2015، معتمداً على تحسُّن العلاقات الديبلوماسية والإقتصادية مع الولايات المتحدة لإنتشالها من سنوات الركود.
ولكن، لا يمكن الحديث عن هذا الحدث التاريخي بدون تعداد ما يمكن أن تكسبه الولايات المتحدة من هذا الانجاز:
- يحاول اوباما أن يخترق الجدار اليساري الذي يحيط به في حديقته الخلفية، خاصة بعدما ظهر ان دول أميركا اللاتينية كانت عصية على الاختراق الأميركي ولم تسر في فلك الولايات المتحدة كما فعلت اوروبا بالرغم من كل المحاولات التي قام بها الرؤساء الأميركيون خلال الحرب الباردة. وقد يكون دخول البرازيل الى حلف مواجه للهيمنة الاميركية هو البريكس، سبب في محاولة الأميركيين الدخول الى أميركا اللاتينية التي من الأفضل أن تكون منقسمة حيال السياسة الأميركية بدل الدفع الى مزيد من توحيدها.
- لا يمكن فصل الموضوع عن إعلان وجود النفط بالمياه الكوبية عام 2008، والذي قدر حينها بعشرين مليار برميل، علمًا أن التقديرات الأولية لدراسة أميركية أشارت إلى أن احتياطي كوبا من النفط بمياهها العميقة يصل 4.6 مليار برميل إلى جانب 9.8 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ما يؤهلها للانضمام لمجموعة دول العشرين المنتجة للنفط.
- يعوّل الأميركيون على قوة الأفكار وعلى اتقانهم للقوة الناعمة التي ستترافق مع الانتعاش الاقتصادي مما يسهّل تغلغل الأفكار الأميركية الشمالية في نصف القارة الجنوبي، ويجعل من إغراء هذه القوة سببًا في خلخلة الأنظمة الحاكمة وتغييرها في المستقبل.
- يعتقد الأميركيون إن الانقتاح الاقتصادي وعودة العلاقات الدبلوماسية سيسمح للمهاجرين الكوبيين من اقتصاديين رأسماليين ومعارضين سياسيين وغيرهم من المفكرين والصحفيين المشبّعين بالأفكار الغربية للعودة الى هافانا، ما يسمح بتغيير الحكم فيها بعد فيدال كاسترو الذي لن يعيش للأبد، لذلك من الأفضل أن يكون للأميركيين قدم في كوبا للقدرة على هندسة التحولات بعد كاسترو ولئلا تكون كوبا كما فنزويلا بعد تشافيز.
وهكذا، يبدو أن أوباما الذي اعتبر ان سياسة عزل كوبا وفرض العقوبات عليها لم يؤدِ الى نتيجة، فقد يأتي يوم في القريب العاجل فيقول الأمر نفسه عن إيران التي استغلت الحصار والعقوبات لتقوية اعتمادها على نفسها، وبهذا يفترض أن يكون اوباما بصدد مراجعة سياسة فرض العقوبات على الدول التي استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية سابقًا ضد العديد من الدول ومنهم كوبا وإيران واليوم تمارسها مع دولة كبرى مثل روسيا. فكما لم تنفع العقوبات في دول مثل كوبا وإيران، فلن تنفع أيضًا مع دولة قوية ومحورية مثل روسيا لديها قدرات اقتصادية ونفطية هائلة

2014/12/18

الأوروبيّون يقبلون خطّة دي ميستورا... ويكبّلونها


 18/ كانون الأوّل / 2014
د. ليلى نقولا الرحباني

بدأت خطة مبعوث الأمم المتحدة لسوريا ستيفان دي ميستورا بشأن تجميد القتال في حلب على أن تمتد الى مناطق أخرى في سوريا تأخذ منحى ايجابيًا بعد الدعم الذي حصلت عليه من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الإثنين الماضي، بالرغم من التحفظات الفرنسية والبريطانية التي اعتبرت أن "تجميد القتال" في حلب، قد يجعلها أقرب الى سيناريو حمص، التي سيطر عليها الجيش السوري بعد أن فرض حصارًا محكمًا على المجموعات المسلحة فيها ما اضطرها في النهاية الى القبول بالمصالحة وتسليم أسلحتها الثقيلة الى الجيش السوري. ولعل القلق الفرنسي - البريطاني على مصير المجموعات المسلحة المدعومة من الغرب في حلب، هو قلق طبيعي لأن موازين القوى العسكرية في حلب تبدو واضحة لصالح الجيش السوري وهذا يعني أن تجميد القتال سيسمح بتكريس أمر واقع لصالح النظام.
وقد تكون محدودية الخيارات لحل الأزمة السورية - كما أعلن عنها دي ميستورا - والمآزق التي تجد المجموعات المسلحة نفسها فيها - بالرغم من المكابرة- والخشية الاوروبية من الارهاب العائد اليهم والذي بدأ يتفلت من قبضة المخابرات التي سهّلت خروجه والتحاقه بالقتال في سوريا، هي من الأسباب التي رجحت كفة الاوروبيين المؤيدين لخطة دي ميستورا على معارضيه من الاوروبيين في اجتماع بروكسل الأخير.
وكان لافتًا للانتباه أن البيان الاوروبي واكب المسعى الروسي للحل السياسي في سوريا، كما أعلن عنه نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف خلال جولته في المنطقة، فقد أكد الاوروبيون على ضرورة إشراك المعارضة الداخلية، متخلّين لأول مرة عن مبدأ إعلان الائتلاف "ممثلاّ شرعيًا وحيدًا للشعب السوري"، ومعلنين أن الائتلاف هو مجرد "جزء" من معارضة "معتدلة" تستحق الدعم للقيام بدور حيوي في "إيجاد تسوية سياسية مستقبلية ومحاربة الجماعات المتطرفة على الأرض".
أما الأخطر في البيان الاوروبي، والذي قد ينسف خطة دي ميستورا، أو يعيدها الى نقطة الصفر بعد كل التقدم الذي حققته من خلال الحصول على الدعم الروسي العلني، والتأييد الاوروبي لها، فهو التشديد على ضرورة وجود مراقبين دوليين لعملية تجميد القتال هذه، على أن يعمل هؤلاء تحت إشراف مجلس الأمن الدولي. إن تحقيق هذا الشرط الاوروبي، قد يعطّل خطة دي ميستورا، للاسباب التالية:
- لأن العودة الى مجلس الأمن للإتفاق على مهمة هؤلاء المراقبين وأعدادهم وجنسياتهم وتحديد القواعد التي تحكم عملهم دونها عقبات عدّة، وقد تؤدي الى تجاذبات بين الدول الكبرى، ما يعرقل الخطة بكاملها وهذا ما تريده المجموعات المسلحة المدعومة من الخارج، والتي رفضت خطة دي ميستورا وكبلتها بشروط تعجيزية. 
- إن أي قرار من قبل مجلس الأمن على تكليف مراقبين دوليين لمراقبة تجميد النزاع مع صلاحيات تدخلية ( بموجب الفصل السابع)، سترفضه الدولة السورية وحلفائها، لأنه سيمسّ حكمًا بالسيادة السورية، وقد يشكّل غطاءً لتدخل غربي عسكري لصالح المجموعات المسلحة.
- إن وجود المراقبين الدوليين على الحدود الفاصلة بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة قد يؤدي الى تقسيم لحلب أو اقتطاع جزء من الاراضي السورية، أو يجعل الحدود بين الاثنين وكأنها حدود دولية بحكم الأمر الواقع، وهذا سيؤدي الى رفض سوري رسمي للخطة.
في المحصّلة، وبالرغم من التأييد الاوروبي لخطة دي ميستورا والرهان الروسي على الحل السياسي الذي سيبدأ مسيرته في موسكو مع بداية العام المقبل، إلا أن الحرب في سوريا تبدو طويلة، وخاصة أن الأميركيين كانوا قد أعلنوا أن تدريب المعارضة "المعتدلة" لن يبدأ قبل آذار 2015، وأن الأمر يحتاج سنة على الأقل أي آذار 2016، على أقل تقدير. وهذا يعني، أن الهدف المنشود من هذه المعارضة وهو فرض نفسها على المشهد السوري، وإجبار الأسد على الاعتراف بها لتشكّل جزءًا من الحلّ السياسي، لن يكون بمتناول الأميركيين قبل 2016، أي أنهم لن يقبلوا بأي حلول سياسية قبل ذلك... وهكذا يبقى على أصحاب النوايا الطيبة، وعلى السوريين التحلّي بالصبر وتحمّل الحرب وويلاتها حتى انتهاء الأميركيين من تأسيس "فرقة الخيّالة"، ليبنوا على الشيء مقتضاه.

2014/12/14

التّعذيب في أميركا أيضَا !

14/ كانون الأوّل / 2014
د. ليلى نقولا الرحباني
جاء تقرير الكونغرس الأميركي حول وسائل التعذيب التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي اي ايه) خلال استجواب المشتبهين بالإرهاب في أعقاب هجمات 11 ايلول، ليلقي الضوء على واحدة من أسوأ الفضائح التي ستشوّه سمعة الولايات المتحدة الأميركية في العالم.
وبالرغم من أن الوكالة عادت ودافعت عن وسائل التعذيب الحاطة بالكرامة بالإنسانية التي استخدمتها، وبالرغم من أنها أعتبرت أن الوسائل كانت "فعّالة" بعكس ما خلُص اليه التقرير، إلا أن الوسائل "الوحشية" - كما وصفها التقرير - التي اعتمدتها الوكالة تعتبر من الجرائم التي حظّرها القانون الدولي والذي اعتبر التعذيب من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والذي لا يمكن تبريره تحت أي ظرف. وقد وثّق نظام روما الأساسي التعذيب كجريمة دولية معاقب عليها، باعتبار أنه يشكّل نوعًا من "الجرائم ضد الإنسانية" (المادة السابعة)، أو من "جرائم الحرب" (المادة الثامنة).
ويعرّف التعذيب بحسب المادة الأولى من "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، أنه "أي عمل ينتج عنه ألم او عذاب شديد، جسديًا كان أم عقليًا، يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول منه، أو من شخص ثالث، على معلومات او على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه (هو أو شخص ثالث) أو تخويفه أو إرغامه (هو أو أي شخص ثالث)... ويعتبر أيضًا من أعمال التعذيب الحاق مثل هذا الألم أو العذاب بشخص بسبب التمييز أيًا كان نوعه، إذا حرّض أو وافق عليه أو سكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية".
وبالرغم من أن تقرير مجلس الشيوخ الأميركي تغاضى عن ذكر أسماء المعتقلات السرية ومواقعها في العالم، إلا أن تقارير سابقة كانت قد أشارت الى ضلوع 54 دولة في هذا البرنامج، بينها 13 دولة عربية بينهم مصر والأردن وسوريا والمغرب والعراق.
وعليه، إن الولايات المتحدة مطالبة جديًا بمحاسبة ومساءلة كل من تورط في برنامج التعذيب الذي اعتمدته وكالة الإستخبارات الأميركية، من مسؤولين ومقررين ومنفذين. فصدور التقرير عن الكونغرس لا يغني عن المساءلة الجنائية التي من المفترض بأي دولة قانون أن تقوم بها، بعد صدور تقرير فضيحة بهذا الحجم.
وإذا كانت المساءلة على التعذيب في الدول العربية ليست بالأمر السهل بسبب التاريخ الحافل بالتعذيب في السجون، لكن يفترض بالمساءلة الجنائية أن تمتد الى داخل الدول الأوروبية التي ذكر التقرير بأنها تعاونت مع الاستخبارات الأميركية في ممارسة التعذيب أو تسهيل إقامة سجون للوكالة لممارسته أو - بشكل أقل- ساهمت في ترحيل أو تسليم أشخاص مهددين بالتعذيب، علمًا أن اتفاقية مناهضة التعذيب نصّت على "عدم جواز طرد أو تسليم شخص مهدَّد بخطر التعذيب أو اذا توافرت أسباب تدعو الى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب".
إذًا، بعد تأكيد الكونغرس الأميركي على حصول التعذيب، باتت المساءلة الجنائية "واجب" داخل الولايات المتحدة أو خارجها، ويمكن للدول التي ينتمي اليها الأشخاص المتعرضون ظلمًا للتعذيب، أن تتقدم بشكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة الرئيس جورج بوش وكل من يظهره التحقيق مشاركًا في تلك الجرائم، فقد آن الأوان لإنهاء عهد الإفلات من العقاب، وإنهاء عهد المزايدة الأميركية بالنسبة لحقوق الإنسان، فالمتورط بالتعذيب يجب أن يحاسب مهما كانت رتبته أو صفته الرسمية، وبغير ذلك لا تستطيع أميركا أن تستمر في إعلان تفوقها الأخلاقي والقيمي في مجال إحترام حقوق الإنسان، والديمقراطية وحكم القانون.

2014/12/11

العدوان الإسرائيليّ على سوريا.. إحراج لأميركا؟


11/ كانون الأوّل / 2014
د. ليلى نقولا الرحباني

ليس تفصيلاً أن تؤكد القمة الخليجية المنعقدة في قطر على خيار "الحل السياسي" في سوريا وفق مقررات جنيف، وإيصال المساعدات إلى المدنيين ومساعدة المهجَّرين، وفي نفس الوقت يعلن الوزير الخارجية السوري وليد المعلم أن بلاده تعمل مع روسيا وإيران على حل سياسي للأزمة، يقوم "على الحوار بين السوريين من دون أي تدخل خارجي".
الأكيد أن الخليجيين لم يكونوا ليعلنوا هذا الموقف لولا وضوح وحسم الموقف الأميركي من التطورات الحاصلة في سوريا، والتي أكدت أكثر من مرة، وعلى لسان عدة مسؤولين، أن الأميركيين لم يعودوا بوارد التدخل العسكري لإسقاط الرئيس بشار الأسد، وأن ما يريده الأتراك والفرنسيون من مناطق عازلة وضربات ملتبسة ليس في قاموس الأميركيين، أقلّه في المدى المنظور، وإن كان الأميركيون ما زالوا مع فكرة مستقبل سوريا بدون الأسد، ويرغبون في أن تتدحرج الأمور ليقتنع الروس والإيرانيين بهذه الفكرة، إلا أنهم في الوقت الحالي لا يبدون مستعدين لاستخدام التحالف الدولي أو الضربات الجوية ضد "داعش" كوسيلة لإسقاط النظام السوري.
في خضّم هذا التحوّل في المسار السوري، تبدو "إسرائيل" وحدها تغرّد خارج سرب الحلول السياسية، من خلال استمرار دعمها والتنسيق بينها وبين المجموعات المسلحة، ومن خلال ما أُعلن مؤخراً عن ضربة قام بها سلاح الجو "الإسرائيلي" لمواقع قالت مواقع "المعارضة السورية" إنها كانت على مستودعات قرب مطار دمشق الدولي، ومستودع للأسلحة يعود لحزب الله في منطقة الديماس، ما يشير إلى رغبة "إسرائيلية" بالتصعيد والدخول على خط المعارك السورية للاستفادة منها إقليمياً وداخلياً، ولو أن الغموض يلفّ الموضوع، خصوصاً مع الصمت "الإسرائيلي" وتهليل "المعارضة السورية" للضربة، وقد نستطيع أن نورد حولها بعض الملاحظات:
أولاً: ما قامت به "إسرائيل" ليس جديداً، إذ يمارس "الإسرائيليون" منذ بداية الأزمة في سوريا سياسة التدخل العسكري المباشر لصالح المجموعات المسلحة، وذلك عبر الضربات الجوية المباشرة، بالإضافة إلى التعاون مع تلك المجموعات في مجالات عدة، والتنسيق والتعاون والتسهيلات التي تقدّمها "إسرائيل" للإرهابيين على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، خصوصاً في شبعا والعرقوب.
ثانياً: إذا صحّت الأنباء التي أوردتها بعض الصحف العربية عن سقوط ضحايا لحزب الله في الاعتداء "الإسرائيلي" على مركز له في الديماس القريبة من الحدود اللبنانية، فإن الحزب بات يتّبع عادة الردّ المباشر والمعلَن ضد "الإسرائيليين"، وهذا يعني أن الفترة المقبلة ستكشف مدى صحة هذه الأخبار ودقّتها، بعدما يقوم الحزب بعملية انتقامية من "الإسرائيليين"، وإعلان ذلك.
ثالثاً: لا يمكن إغفال العامل الداخلي "الإسرائيلي" في قرار الضربة العسكرية في دمشق، فبالتزامن مع الضربة تشهد "إسرائيل" انقسامات داخلية حادّة أدّت إلى انهيار الحكومة "الإسرائيلية"، والدعوة إلى انتخابات مبكرة يحتاج فيها نتنياهو إلى إنجاز يسوّقه خلال حملته الانتخابية، وقد يكون الأكثر إغراءً هو الحديث عن زيادة الأمن "الإسرائيلي" بالقضاء على صورايخ لحزب الله.
رابعاً: قد تكون الضربة الأخيرة التي نفّذها "الإسرائيليون" نوعاً من التحدي "الإسرائيلي" للأميركيين المنشغلين بالحرب على الإرهاب، خصوصاً مع إعلانهم عدم نيّتهم القضاء على الأسد عبر الخيار العسكري.
من المفيد التفكير بأن "الإسرائيليين" المنزعجين من التبدُّل في الموقف الأميركي تجاه كل من إيران والنظام السوري، قد يرغبون في تقويض أي مسعى سلمي لحلّ الأزمة السورية والملف النووي الايراني معاً.
هذه الأسباب وغيرها العديد من الأسباب غير المعلنة أو المرئية قد تكون وراء الاعتداء "الإسرائيلي" على سوريا، لكن يبقى بالتأكيد أن "إسرائيل" ستحاول جاهدة تقويض أي مسعى سلمي في المنطقة يقوّي محور إيران - سوريا - حزب الله، وعلينا أن ننتظر محاولات أخرى، لاسيما إن وجدت أن الظروف ملائمة لمحاولة تقويض الحل الإيراني - الغربي حول ملف إيران النووي، لكن يبدو أن ذلك بات صعباً وفوق قدرة "الإسرائيليين" على تحمّل نتائجه لو اتخذوا خيارات تصعيدية غير مقبولة أميركياً.

2014/12/08

إسرائيل: يهوديّة الدّولة أو طرد ما تبقّى ؟


8/ كانون الأوّل/2014

د. ليلى نقولا الرحباني

خابت التوقعات التي سادت في بداية الثورات العربية، والأمل الذي لفح الكثيرين بأن فلسطين ستكون بوصلة العالم العربي الخارج من ثورات تريد أن تنهي تاريخًا من حكم أنظمة ديكتاتورية لطالما استخدمت فلسطين - القضية لقمع شعوبها في الداخل، أو لتؤجل أو تخوّن أي حديث عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان باعتبار أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". 
أما اليوم، وبعد مرور سنوات ثلاث على الحراك العربي، تجد القدس يتيمة، والأقصى مهدد وأرض المقدسات المسيحية والاسلامية تتعرض للتهويد، وتسابق اسرائيل الزمن وتواجه الضغوط الدولية بحزم مستمرة في بناء المستوطنات وهدم البيوت الفلسطينية ولا مَن يردعها، الى أن بدأت- في ظل انشغال عربي وصمت دولي- بخطة التهويد التي بدأت الحكومة الإسرائيلية بقوننتها من خلال قانون يحسم قومية الدولة الإسرائيلية في وصفها دولة يهودية، غير آبهة بأي اعتراض دولي أو استياء أميركي.
لا شكّ أن هذا القانون يشكّل خطرًا حقيقيًا على الشعب الفلسطيني خاصة الفلسطينيين المقيمين في الأراضي التي تعتبر اليوم - دوليًا- جزءًا من الدولة الاسرائيلية، إذ إن الدولة الاسرائيلية اليهودية القومية ما هي إلا نسخة جديدة عن دولة التمييز العنصري التي عرفتها دولة جنوب أفريقيا من قبل.
إن هذا القانون، والاتجاه الاسرائيلي، الذي تدعمه المانيا في مجلس الأمن لاعتبار الدولة الاسرائيلية دولة يهودية القومية، سيجعل من كل مواطن عربي فلسطيني في أرضه مواطنًا من الدرجة الثانية، محروم من حقوقه المدنية والسياسية، وسيجعل التمييز بين يهودي وغير يهودي عنوانًا لديمقراطية الدولة الاسرائيلية التي لطالما تغنى بها الغرب، تمهيدًا لطردهم من أراضيهم - أراضي 48- أو الضغط عليهم وتهميشهم الى أن يرحلوا بأنفسهم.
وإزاء كل هذه الأخطار، ما زال الانقسام الفلسطيني الفلسطيني يعطّل إمكانية أي تقدم أو قدرة على مواجهة اسرائيل سواء في الداخل أو في مجلس الأمن. ويبقى أن على الفلسطينيين التنبه الى خطورة المرحلة الراهنة، والعمل على تقويض المشروع الاسرائيلي الجديد وذلك من خلال ما يلي :
- تزاوج السياستين المتبعتين بدون تخوين من أحدهما للآخر، وذلك من خلال توزيع الأدوار بين مدّ اليد للمفاوضات من جهة باعتبار إن المجتمع الدولي لن يرحم الفلسطينيين في حال تخلّوا عن خيار التفاوض، ومن جهة أخرى الحفاظ على معايير القوة التي تحصّلت بفعل المقاومة المسلحة في الداخل، وهي حق مشروع كفلته المواثيق الدولية كافة.
- عدم قمع بوادر الانتفاضة الداخلية التي تظهر بوادرها في الأعمال التي يقوم بها فلسطينيو الداخل خاصة في القدس، والسماح لرياح الانتفاضة وأفكارها بالتغلغل في الضفة الغربية وعدم قمعها.
- التنبه مما يحاك للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة وخاصة مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا وبريطانيا والمانيا، والذي يحدد مهلة المفاوضات بسنتين، كردٍ على مشروع أعلنت الأردن أنها ستتقدم به باسم الدول العربية، للاعتراف بالدولة الفلسطينية وإنهاء الإحتلال خلال سنتين.
وهكذا، نجد أن القضية الفلسطينية وكما في كل تاريخها، تتعرض لمؤامرات داخلية وخارجية، والأخطر على الأطلاق هو هذا الانقسام الفلسطيني الذي سيضيّع تضحيات الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات، وسيضيّع دماء الشهداء التي روت على أرض فلسطين حتى فاضت.

2014/12/04

ملف العسكريين المخطوفين: من الخطيئة الى العار


د. ليلى نقولا الرحباني
بالرغم من أن قضية العسكريين قد تدخل منحى جديداً مع اعتقال زوجات الإرهابيين، ومنهم زوجة المسؤول في "جبهة النصرة" أنس شركس، المعروف بـ"أبو علي الشيشاني" مع شقيقها راكان في منطقة حيلان زغرتا، وإحدى زوجات أبو بكر البغدادي ونجلها في منطقة المدفون في البترون، لكن ما يحصل كل يوم، وتعرُّض الجيش اللبناني لاعتداءات وكمائن تحصد أرواح عسكرييه الشهداء، يشير إلى أن مصير اللبنانيين ما زال في يد مجموعة من الإرهابيين الرعاع، الذين يستغلون احتجازهم لمجموعة من العسكريين الرهائن، والخروج بهم إلى جرود عرسال؛ في أكبر عارٍ تاريخي يلحق بالنظام السياسي اللبناني على الإطلاق.
بدخول القضية شهرها الخامس، تبرز قضايا عدّة للنقاش:
أولاً: في قول اللبنانيين إن العسكريين قد نذروا أنفسهم وحياتهم للوطن، وكان من المفترَض بهم أن يدافعوا عن أنفسهم وعن مواقعهم حتى النصر أو الشهادة.. في هذا القول بعض من الأحقية، لكن لم يعد ينفع هذا القول، فالعسكريون أحياء، ومن المفترَض بالدولة اللبنانية بذل أقصى ما تستطيع لتحريرهم ضمن الحفاظ على ما تبقّى من الكرامة الوطنية.
ثانياً: لم يكن ما قامت به القوى الأمنية من اعتداء على الأهالي بالقوة، تصرُّفاً يليق بأهالي عسكريين نذروا أنفسهم للدفاع عن الوطن، والحق يقال: إن التراخي الذي تعاملت به القوى الأمنية في السابق مع قطع طريق ضهر البيدر، وإغلاق الشرايين الحيوية، وتعطيل مصالح المواطنين، جعل من أهالي العسكريين أداة ابتزاز يمتلكها الخاطفون، ويبتزون بها الدولة والشعب واللبناني ككل. كان من الأجدى بالمؤسسات الأمنية أن تتصل بذوي العسكريين منذ اللحظة الأولى، وتطلب منهم الهدوء والالتزام بالتعليمات، وتتعهد لهم بأن مصير أبنائهم سيكون بين أيادٍ أمينة، أي بأيدي القوى الأمنية وليس القوى السياسية المعروفة بضعفها وعجزها ووصوليّتها.
ثالثاً: أخطأت الحكومة اللبنانية عندما فتحت البازار على مصراعيه في قضية العسكريين الرهائن، وقد يكون الخطأ الأكبر أو الخطيئة الكبرى التي حبلت بالإثم، هي القبول بتسوية خروج المسلحين من عرسال إلى الجرود، مصطحبين معهم الجنود الرهائن، والتي - لغاية الآن - لم يُعرف ما هو مردودها وما هو ثمنها. ثم تمادى الخطأ في العشوائية التي طبعت التعامل مع هذا الملف، خصوصاً عندما تبيّن أن قوى منضوية في الحكومة أرادت استغلال الأمر لإطلاق المحسوبين عليها من مسجوني روميه، فطالبت بأكثر مما يطالب به الإرهابيون أنفسهم. أما الوسطاء المكّلفون من قبَل الحكومة فحدّث ولا حرج، فمن "هيئة العلماء المسلمين" المشبوهة، إلى الحجيري المطلوب للعدالة، ثم الوسيط القطري الذي يريد أن يمدد وساطته إلى ما شاء الله، باعتبار أن الوساطة ما هي إلا تعمية على تمريره المال والمواد الغذائية والطبية للمسلحين في الجرود.
ويبقى في النتيجة أن قضية بهذا الحجم لا يمكن التلاعب بها كما يتمّ التلاعب بكل قضايا الوطن المصيرية، والحل يكون:
- أن يعود الأهالي إلى بيوتهم، وعدم التواصل مع الإرهابيين بتاتاً، وعدم السماح للإرهابيين باستخدامهم أدوات مجانية في حربهم على لبنان.. وليقتدِ كل أب بوالد أحد أسرى "حزب الله"، وليقُل: ابني استشهد فدا الوطن، ولا تتصلوا بي مجدداً.. عندها فقط يسلم أبناؤهم من القتل.
- أن تضع الحكومة اللبنانية سقفاً عالياً للتفاوض، أي تحديد السقف الأعلى الذي يمكن لها الوصول إليه في عملية المقايضة، والذي لا يمكن تخطيه، والمفترض بهذا السقف الأعلى ألا يتضمّن تحته مجرمة إرهابية كجمانة حميد، وغيرها من قياديي "داعش" و"النصرة" الذين سفكوا دماء الأبرياء من اللبنانيين، وألا يتمّ التفريط بدماء الشهداء من اللبنانيين المدنيين والعسكريين.
- أن يتنحّى السياسيون الهواة عن هذه القضية، ويُترك الأمر لأربابه من العسكريين، أي للواء عباس إبراهيم، الذي يُشهد له بقدرته وحنكته في ملفات كهذه، وهذه الحنكة والقدرة على التواصل مع الأطراف كافة هما اللتان أوصلتا سابقاً ملف الراهبات إلى نهاية سعيدة.
- أن يتم التعامل مع الإرهابيين بطريقة "العين بالعين"، و{عاقبوا بمثل ما عوقبتم به}، فقتل عسكري يقابله قتل قيادي أو أكثر من الذين تطالب بهم "داعش" أو "النصرة".
بهذه الأمور، وبالحفاظ على أوراق القوة، يمكن للدولة أن تحفظ كرامتها وكرامة شهدائها وحياة عسكرييها، وبغير ذلك فإن كل ما يوحي به هذا الملف من بدايته إلى نهايته لا يذكّر إلا بالعار.