2023/12/11

ما بعد حرب غزة: هل تكون روسيا هي الضامن للتسوية؟

ليلى نقولا


في خضم انشغال العالم بصور المجازر في غزة، والتوغل الاسرائيلي في القطاع، كانت حركة لافتة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي زار في يوم واحد كل من الامارات والسعودية، واستقبل الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي في موسكو، وأجرى اتصالاً هاتفياً بنتنياهو دام خمسين دقيقة كما ذكرت وسائل الاعلام.

ولا شكّ، أن محور لقاءات بوتين وحركته ترتبط بالصراع في الشرق الاوسط خاصة حرب غزة، من ضمن عناوين أخرى تهم موسكو. وقد استطاع الروس في الفترة الممتدة منذ السابع من اكتوبر تحقيق العديد من الأهداف، عبر سياسة خارجية مدروسة، ونذكر منها ما يلي:

1- التضامن مع الجنوب العالمي ضد الغرب:

أبرزت روسيا نفسها في هذه الازمة ومن خلال التصويت في مجلس الامن، واقتراح مشاريع قرارات لوقف النار وحماية المدنيين، أنها مناصرة لقضايا العرب خاصة في ظل انقسام العالم بعد حرب غزة، حيث يقف دول الجنوب العالمي بشكل عام والعديد من مناصري السلام في الغرب مع الشعب الفلسطيني ضد الموقف المنحاز للغرب والداعم لاسرائيل بشكل أعمى.

وفي هذا الاطار، كرّس الروس معادلة بدأ تسويقها بعد حرب أوكرانيا: الغرب ضد مصالح الجنوب العالمي، حيث تقف روسيا والصين في جبهة واحدة مع دول الجنوب العالمي، الذين فقدوا الثقة بالغرب (المتهم بازدواجية المعايير) وبمؤسساته الدولية التي أرسيت بعد الحرب العالمية الثانية ( وهذا ما اعترفت به نقاشات وتصريحات القادة الاوروبيين في مؤتمر ميونيخ للأمن).

2- لعب دور عالمي منافس للأميركيين في الشرق الاوسط:

في الوقت الذي تترسخ فيه علاقات موسكو بكل من ايران التي زاد التعاون العسكري والتسليحي معها بعد حرب اوكرانيا، ودول الخليج بعد التعاون في مجالات اقتصادية واستثمارية وطاقوية ووقوفهم في وجه الضغوط الاميركية ورفضهم الالتزام بالعقوبات الغربية على روسيا، تبقي روسيا على علاقاتها الجيدة مع اسرائيل لأسباب سياسية وديمغرافية واستراتيجية.

وبالرغم من الانتقادات التي وجهها بوتين الى اسرائيل وتعاملها مع هجوم حماس، وتحذيره من حصار غزة كما فعل هتلر في حصار لينيغراد، فإن الشراكة الروسية – الاسرائيلية تبقى قائمة لأسباب متعددة.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، تبقي اسرائيل على علاقة وثيقة بموسكو، بالرغم من استقبال بوتين لوفد حماس ومواقف موسكو المؤيدة للفلسطينيين في مجلس الامن، وذلك انطلاقاً من حرص الاسرائيليين على إبقاء "حرية تصرفهم في سوريا" قائماً بموافقة روسية.

واذا عطفنا هذا التواصل مع دول الاقليم، على لقاء بوتين بالرئيس الصيني في بكين في خضم حرب غزة، والتطابق في المواقف بين الصينيين والروس في مجلس الامن، يمكن أن نستشف أن الروس يطمحون لترسيخ نفوذ أكبر في الشرق الاوسط من خلال لعب دور في التوصل الى تسوية لما بعد الحرب في غزة.

تتطلع روسيا الى هذا الدور الذي يمكن لها أن تلعبه، في ظل ظهور الغرب كوسيط غير نزيه في تسوية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وفشل "الرباعية الدولية" على مدى عقود من التوصل الى أي حل للقضية بسبب سيطرة الولايات المتحدة عليها، وانحيازها الاميركيين التام لاسرائيل.

في النتيجة، وبالرغم من ادعاء الغرب أن بوتين بات معزولاً بعد حرب اوكرانيا، فإن مسار الامور في الشرق الاوسط خاصة بعد الحرب في غزة، سيعيد روسيا للعب دور أكبر في المنطقة، عبر قدرتها على اقتراح حلول تسووية يقبل بها الاطراف المعنيون، تشبه الى حد بعيد "الاتفاق الكيميائي السوري" عام 2013، والذي جنّب المنطقة حرباً كارثية بعد اندفاع الاوروبيين للدعوة الى تدخل عسكري لحلف الناتو في سوريا.

2023/12/04

كيف أسقط "الإسرائيليون" اللاءات الأميركية؟

بعد هدنة لأيام، التقط فيها الفلسطينيون بعضاً من انفاسهم، عاودت "اسرائيل" حربها على غزة في جولة ثانية، وذلك بعد الحصول على ضوء أخضر أميركي من وزير الخارجية الأميركي انطوني بلينكن، الذي حضر اجتماع مجلس الحرب الوزاري، مانحاً الجيش "الإسرائيلي" الضوء الأخضر لعملية عسكرية، مع تحديد السقف الذي على "إسرائيل" أن تلتزم به، وهو عدم التسبب بمجازر كبرى، والانتهاء من المهمة في غضون أسابيع قليلة بعدما طالب "الإسرائيليون" بأسابيع طويلة، فابلغهم أن الوقت الممنوح "للإسرائيليين" ليس طويلاً (ويقال إنه منحهم 25 يوماً فقط).

وفي عودة للقواعد التي كان الرئيس جو بايدن قد حددها في مقاله في واشنطن بوست حول الحرب في غزة، فأعلن أنه ممنوع التهجير القسري للمدنيين في غزة، وعدم تقليص مساحة القطاع، ولا لحصار طويل الامد، ولا لإعادة احتلال غزة.. هذه السقوف للعملية العسكرية "الإسرائيلية" لتحقيق هدف انهاء سيطرة حماس على القطاع، على أن يسير الاميركيون بحل سياسي يؤدي الى قيام دولة فلسطينية، وتحكم سلطة فلسطينية (متجددة) على كل من الضفة والقطاع.

وإذا اخذنا بعين الاعتبار أن هذه الشروط هي ثوابت أميركية في موضوع حل النزاع، فإن هدف العملية البرية الثانية المعلنة "اسرائيلياً"، وهو إقامة حزام أمني بين غزة والمستوطنات شبيه بالحزام الامني الذي فرضه الاحتلال في جنوب لبنان، يعني أن "إسرائيل" ضربت أحد اللاءات الأميركية، وهي عدم تقليص مساحة القطاع.

هذا بالإضافة الى أن قيام "الاسرائيليين" بمنع أهل غزة من العودة الى منازلهم في الشمال، ونداءات الإخلاء التي أطلقها "الجيش الاسرائيلي" لأهالي غزة في الشمال والجنوب خلال العملية العسكرية الثانية، تشير أيضاً الى ان "إسرائيل" ضربت أحد اللاءات الاميركية، وهي عدم السماح بالتهجير القسري للسكان في غزة.

أما بالنسبة للأهداف الأميركية ولمسار التسوية المفترض بعد الحرب، فإن نتنياهو قام مبكراً برفض أي تسوية سياسية، حيث قال في الأسبوع الماضي إنه الشخص الوحيد القادر على منع تحقيق دولة فلسطينية، وإنه سيمنع حصول ذلك.

علماً أن تخلي حماس عن السلطة في غزة، يفترض أحد أمرين:

- تحقيق اختراق سياسي جدي وحقيقي عبر ضغوط وتمنيات من قبل دول صديقة، لتحقيق مكسب دولة فلسطينية، على اعتبار أنها فرصة قد لا تتكرر.

- أو هزيمة عسكرية لحماس، يتم بعدها فرض الشروط على المهزوم، وقبوله بالتخلي عن السلطة، وهذا الخيار الاخير يبدو غير متاح، في ظل عجز "إسرائيل" عن تحقيق أي انجاز عسكري في حربها التي استمرت ما يقارب الخمسين يوماً، وقامت فيها بقصف هائل وتدمير شامل لقطاع غزة، وفي ظل استمرار أعمال المقاومة لغاية اليوم.

في النتيجة، كل الطروحات التي تطرح اليوم على بساط البحث، والاهداف "الإسرائيلية" (التي تتقلص يوماً بعد يوم) تبقى حبراً على ورق طالما لم تحقق "إسرائيل" أي انتصار عسكري، لفرض شروطها. هذا بالاضافة الى أن أي حزام أمني تريد أن تقيمه "إسرائيل" في غزة سيتحوّل الى شبيه بجنوب لبنان، حيث سيتعرض الجيش "الإسرائيلي" لعمليات مقاومة مستمرة، تدفعه الى الانسحاب لتقليل الخسائر- كما حصل في لبنان عام 2000، وفي غزة سابقاً عام 2005.