2019/06/26

أين يقف الروس في الصراع الاميركي الإيراني؟


كثر الحديث في العالم العربي وفي الصحف الاسرائيلية عن رغبة أميركية إسرائيلية لإبعاد روسيا عن إيران، وبالتالي دفع الروس الى الوقوف مع الولايات المتحدة واسرائيل وإخراج إيران وحزب الله خارج سوريا مقابل موافقة الاطراف الاخرى على بقاء الأسد، وإعطاء الروس مكاسب هامة في المنطقة وأوروبا الشرقية مقابل تسهيل عمل الأميركيين في تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي هذا الاطار، وإيمانًا منا بأن الدول لا تعمل وفق أخلاقيات ومبادئ بل ضمن السعي لتحقيق مصالحها، يمكن لنا ان نتساءل أين تكمن المصلحة الروسية في ظل التوتر الحالي بين الايرانيين والاميركيين، وأين يمكن أن يقفوا تحقيقًا لتلك المصالح؟
أولاً: في الموضوع السوري، ما زال من المبكر أن يتمّ تقديم التنازلات سواء من قبل الروس أو الايرانيين. إن العرض الاميركي للاعتراف بشرعية الاسد مقابل تنازلات وإنسحابات إيرانية، لا يبدو واقعيًا، لأسباب عدّة، أهمها أن المعركة في إدلب لم تنتهِ بعد وما زال الروس يحتاجون الى قوى بريّة لمواكبة القصف الجوّي الروسي... ثم إن الاعتراف بشرعية الاسد لا تعدّ تنازلاً أميركيًا وإسرائيليًا بقدر ما هي اعتراف بموازين قوى ميدانية.
وعليه، إن أي انسحابات إيرانية من الداخل السوري أو ضغوط روسية على إيران للانسحاب من الجغرافيا السورية، يجب أن تقابل بتنازلات جديّة وحقيقية من الطرف الآخر، ما زالت مبكرة جدًا بحسب الوضع الميداني في سوريا.
ثانيًا: بالرغم من كل التاريخ من عدم الثقة بين الروس والايرانيين، سواء خلال فترة روسيا القيصرية أو فترة الاتحاد السوفياتي، تبدو مصلحة الروس الأكيدة اليوم في الوقوف الى جانب إيران والمحافظة على الحكم الايراني المعادي للأميركيين.
بالإضافة الى التحالف الاستراتيجي بين الأثنين الذي أنتج انتصارات ميدانية في سوريا، يستفيد الروس- واقعيًا - من العقوبات الأميركية على إيران ومحاولة الاميركيين منع الايرانيين من تصدير نفطهم، ويمكن أن نشير الى ما يلي:
في العام 2009، وفي خضّم الرغبة الاوروبية لتنويع مصادر الطاقة، أبدت ايران خلال المنتدى العالمي للغاز في "بوينس آيرس" استعدادها لتزويد خط انابيب "نابوكو" للغاز بنصف طاقته. ودعت طهران - التي تملك ثاني اكبر احتياطي من الغاز فى العالم بعد الروس-الشركات الاجنبية إلى إصلاح البنية التحتية لمنشآت الغاز المتهالكة لديها.
وبعدما تعذّر تأمين الغاز لخط نابوكو بسبب العقوبات الأممية على إيران، وبسبب عدم قدرة تأمين الغاز الطبيعي بكلفة مقبولةمن مصدر آخر وغير ذلك من العراقيل الطبيعية والمفتعلة روسيًا... تراجع الاوروبيون عن خط نابوكو، وتمّ استبداله بخط "تاناب - تاب" الذي يؤمّن الغاز من أذربيجان الى أوروبا. ولكن الخط البديل هذا لا يستطيع أن يؤمّن سوى 5% من حاجة أوروبا للغاز وبكلفة أعلى من الغاز الروسي.
وهكذا، استمر الروس في احتكار إمداد الطاقة الى أوروبا، وقاموا بتدشين خطين في الشمال بالتعاون مع إلمانيا، وطوروا "السيل التركي" بالاتفاق مع أردوغان، وألغوا "السيل الجنوبي" بعدما وضع الاوروبيون شروط تعجيزية عليهم.
واليوم، يستفيد الروس من العلاقات المتوترة بين الايرانيين والأميركيين، لتوجيه تصدير الطاقة الايرانية نحو الصين بدل أوروبا، ولشراء جزء من النفط والغاز الايراني وبيعه في الأسواق لمساعدة إيران في التهرّب من العقوبات الاميركية على المصدّر والمستورد...
في الخلاصة، إن تمنيات الاسرائيليين والأميركيين في كسب الروس  الى جانبهم والضغط على إيران لا تبدو واقعية، إذ إن من مصلحة الروس المساهمة في بقاء نظام الثورة الاسلامية في إيران، ليستمر في تحدّي الأميركيين ومساعدته عسكريًا في سوريا للمساهمة في زيادة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط.

2019/06/24

الاحتفاء العربي بانتخابات اسطنبول: الوهم القاتل


لم ينفع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحفيزه مناصريه، حين قال "من يربح اسطنبول، يربح السلطة"... ولم ينفع حزب العدالة والتنمية أيضًا الادعاء أن المرشح المنافس هو مرشح الغرب، وتشبيهه لمرشح حزب الشعب الجمهوري "أكرم إمام أوغلو بالمعارض الفنزويلي غوايدو، والتنبيه من أن الغرب يريد أن يسيطر على تركيا من خلاله.
لقد بالغ الاعلام التركي المحسوب على أردوغان في تصوير انتخابات اسطنبول كجزء من حملة عالمية على تركيا، وربط الصحفيون المحسوبون على حزب العدالة والتنمية، بين "وجود أكثر من 200 سفينة حربية من عشرات البلدان" في البحر المتوسط، والتوتر الذي يسود المتوسط على خلفية قيام تركيا بالتنقيب عن الغاز قرب الحدود القبرصية، لا بل أكثر من ذلك، اعتبر هؤلاء أن التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وتركيا على خلفية صفقة "أس 400" هي جزء من انتخابات اسطنبول!.
ولأول مرة، وبشكل علني واضح، بدأت الأصوات تتحدث عن ضرورة مقاربة جديدة للعلاقات التركية الاميركية، وأن أحد أسباب فشل ديناميات السياسة الداخلية هو "العلاقة القذرة" التي أقامتها تركيا مع الولايات المتحدة عام 1947، بحسب مليح ألتنوك في صحيفة ديلي صباح.
لكن الحقيقة التي يتعامى عنها مسؤولو حزب العدالة والتنمية، هي مقاربة دورهم ودور أردوغان في تلك الخسارة، والتي تعمّقت بعد إعادة الانتخابات.
لقد أراد الأتراك إرسال رسالة شديدة اللهجة عبر صناديق الاقتراع، مرة أخرى، أن استخدام لغة التخوين، واحتكار السلطة، وحبس المعارضين واضطهاد المفكرين والاساتذة والفنانين واتهامهم بالتواطؤ مع الارهاب.. ليست مؤشرًا مقبولاً لتركيا للسير في القرن الحادي والعشرين.
ولعل الضغط لإعادة الانتخابات - بالرغم من صحة نتائجها- لعب لصالح المعارضة، التي توحّدت خلف "أوغلو" بعدما لامست الفوز في المرة السابقة، بالاضافة الى استياء النخب السياسية التركية من توجّه تركيا نحو السلطوية. كما لعبت الأزمة الاقتصادية الخانقة، والمشاكل التي تورط فيها أردوغان مع الاوروبيين والاميركيين ساهمت في تعميق تلك الازمة التي باتت تقضّ مضاجع الاتراك بجميع فئاتهم.
إذًا، لقد تعرّض أردوغان وحزبه لهزيمة داخلية محلية، ولكن احتفاء بعض العرب بتلك النتيجة، اعتقادًا منهم أنها ستكون عاملاً مؤثرًا في علاقات القوة في المنطقة، يبدو نوعًا من التفاؤل الوهمي. واقعيًا، لن يكون لإنتخابات اسطنبول أي تأثير على الوضع في سوريا، ولا على العلاقة التركية الايرانية، ولا على "البازار" الذي يتقنه إردوغان في علاقاته مع روسيا وأميركا...

بالتأكيد، لن يكون هناك تبدّل في السياسة التركية في المنطقة في ظل استمرار أردوغان في السلطة، وحتى - يمكنني الجزم - إن وصول المعارضة الى السلطة في تركيا، لن يبدّل في سياسات تركيا في سوريا والعراق ورغبة الاتراك في الاستمرار بقضم الاراضي العربية وضمّها... كل ما يمكن أن يتغير بتغيّر السلطة التركية ووصول المعارضة قد يكون العلاقة مع الغرب خاصة أوروبا. والى ذلك الحين، على العرب محاولة تغيير موازين القوى بأنفسهم وعدم الاتكال على أي خلط أوراق داخلي تركي لتصريفه في سوريا أو الصراع الجيوبوليتيكي في المنطقة.

2019/06/19

هل يمكن أن يحرق الشرق الاوسط مستقبل ترامب؟


ليلى نقولا
بالرغم من أنه من المتعارف عليه أن السياسة الخارجية ليست المعيار الأساس في الانتخابات الأميركية، وأن الأميركيين بشكل عام يصوّتون للاقتصاد وليس للسياسة الخارجية، إلا أن ترامب في سياق حملته الانتخابية عام 2016، أعطى الكثير من الوعود المرتبطة بالشرق الأوسط خصوصًا، باعتبار أن أمن اسرائيل يعتبر من الثوابت الأساسية في السياسة الخارجية الأميركية، وله تأثير على قواعد اللوبي اليهودي في أميركا وعلى الكنائس الانجيلية التي تقرأ كتاب "العهد القديم" وتتماهى مع اليهود في نظرتهم الدينية الى اسرائيل.
في التحليل النفسي لشخصية ترامب، يتبين أن لديه حاجتين: الحاجة الى القوة والحاجة الى الانجاز، ويظهر هذا الامر في كتاباته على التويتر وتهديداته، ومقاربته لكل عمل يقوم به باعتباره "شيئًا خارقًا" لم يحصل من قبل في تاريخ الولايات المتحدة.
بالنسبة للشرق الاوسط، وعد ترامب أن بامكانه أن يقدم حلاً للصراع العربي الاسرائيلي، عبر صهره جاريد كوشنير،  الذي أطلق مبادرة سميت "صفقة القرن" والتي حوّلت القضية الفلسطينية الى مقاربة اقتصادية ألغت جميع الحقوق المشروعة للفلسطينيين.
ولكن حساب حقل بيدر نتنياهو لم يطابق حساب حقل ترامب، إذ أن الاحراج الذي تعرّض له نتنياهو في الداخل والدعوة الى انتخابات اسرائيلة مبكرة، دفعت الإدارة الاميركية الى  الاعلان عن تأجيل الكشف عن خطة التسوية المزعومة الى فترة ما بعد تشكيل الحكومة الاسرائيلية، أي في تشرين الثاني / نوفمبر المقبل، والاكتفاء بعقد مؤتمر البحرين الذي سيعقد في 25 و26 من حزيران الجاري وسيقاطعه الفلسطينيون بكامل فئاتهم، وسيردون عليه بالاضراب العام والشامل في كافة الاراضي المحتلة وقطاع غزة.
لا شكّ أن تأجيل اعلان بنود الصفقة الى الخريف المقبل سوف يصطدم ببدء حملة الانتخابات الاميركية والتي يطمح ترامب للتجديد ولاية ثانية،  وهذا يعني أن الصفقة التي وُعد الاسرائيليون بها، ستسقط، أقلّه في فترة ولاية ترامب الرئاسية ( إلا إذا تمّ التجديد له).
أما الأمر الثاني الذي يعتبره ترامب "انجازًا" كان قد وعد به ونفذّه بالفعل، فهو الانسحاب من الاتفاق النووي الايراني، والذي ألحقه بفرض عقوبات إضافية "غير مسبوقة" على الشعب الايراني. لكن ترامب، كان قد وعد أيضًا بأنه لن يدخل في حروب عسكرية... لذا فإن الشرق الاوسط قد يحرق ترامب بالفعل، في حال استطاع الصقور في إدارته بالتعاون مع الموساد وبعض العرب الخليجيين جرّ المنطقة الى توتر عسكري.
تاريخيًا، تذكر الدراسات أن السياسة الخارجية ليست عاملاً مؤثرًا في الانتخابات الاميركية، ولكن فشل جورج بوش الابن في حربه في العراق وكلفتها الاقتصادية دفعت الأميركيين الى اختيار رئيس ديمقراطي "أسود" من أصول مسلمة لأول مرة في تاريخ أميركا... وعليه، إن اي توتر عسكري في الخليج، سيدفع اسعار النفط للارتفاع وبالتالي سيتأثر الاقتصاد الاميركي سلبًا، وسيظهر "المرشح ترامب" وكأنه لم يفِ بتعهداته بعدم الانخراط في حروب خارجية كما وعد في حملته الانتخابية الاولى.
وهنا، يصح التساؤل: هل مَن يدفع الأمور الى التصعيد العسكري يدرك مدى خطورة هذا الأمر على الخليج ككل وعلى الداخل الاميركي والاقتصاد العالمي؟ وهل يدرك هؤلاء أن النار التي ستشتعل في مضيق هرمز - إذا اشتعلت - ستحرق ترامب أولاً قبل أن تحرق إيران؟.

2019/06/17

هل تكون الحرب في مصلحة إيران؟

يزداد التشنج يومًا بعد يوم في الخليج خاصة في مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يشكّل الممر الحيوي لثلث إمدادات النفط العالمية. فبعد حادثة الفجيرة، تعرضت ناقلتي نفط نرويجية ويابانية لهجمات لم يحدد مصدرها فيما كانتا تبحران قرب مضيق هرمز.
وسارع الأميركيون والبريطانيون الى اتهام إيران بالهجمات ونشر البنتاغون فيديو لبحارة - ادعى انهم إيرانيون- واتهمهم بتدبير الحادثة، بينما طالبت كل من السعودية والإمارات بحماية دولية للملاحة في مياه الخليج، لتأمين إمدادات الطاقة وتأمين استقرار الاسواق العالمية.
وفي الوقت الذي تعلو فيه الاتهامات لطهران، ألمح الايرانيون أن الولايات المتحدة قد تكون وراء الهجمات "المشبوهة" تلك. واعتبر علي لاريجاني أنّ "الأعمال المريبة ضد ناقلات النفط في خليج عمان تأتي مكملة للعقوبات لأنّ واشنطن لم تحقق أية نتيجة من خلال العقوبات.
وأمام هذا التوتر والتصعيد المفتعل، وبالرغم من أننا نرى أن امكانية نشوب حرب هي امكانية بعيدة، ولكن ماذا لو نشبت الحرب بالفعل؟
بالرغم من أن لا الأميركيين ولا الإيرانيين يريدون تلك الحرب، إلا أن بعض الرؤوس الحامية في الخليج والتي تُعرف عادة بعدم عقلانيتها، قد تتوهم أن الحرب ستكون لصالحها وأنها ستتخلص من إيران بضربة أميركية، وهذا وهم أكيد.
بالتأكيد يملك الأميركيون القوة البحرية الأقوى عالميًا، ولكن موازين القوى في تلك الحرب لا تحتسب بالقدرة على إطلاق الصواريخ أو وجود حاملات الطائرات، بل إن معركة الاستنزاف ستمتد الى أماكن عدّة في الشرق الاوسط وأنحاء الخليج العربي. وإذا اندلعت شرارة الحرب في الخليج، فإنها لن تبقى في إطارها المحدود إقليميًا، بل إن جبهات عدّة ستشتعل تزامنًا مع اندلاع المواجهات.

كما إن انتشار القواعد العسكرية الأميركية في دول مجلس التعاون الخليجي، لا يعني أن الأميركيين سيذهبون ببساطة الى حرب يتمناها الخليجيون العرب ويخشونها في نفس الوقت، فالكلفة المادية والبشرية والاقتصادية، بالاضافة الى تأثير تلك الحرب على إمدادات الطاقة العالمية، تجعل من صانع القرار الاميركي يتراجع ويتريث أمام محدودية القدرة العسكرية على انهاء الحرب بدون كلفة باهظة.
أما من الجهة الإيرانية، وبالرغم من أن الايراني يعلن دائمًا عدم رغبته بالانجرار الى الحرب، كما يدرك خطورة المرحلة ودقتها، وإن أي حسابات غير دقيقة قد تشعل المنطقة برمّتها. وبالرغم من اي صانع قرار إيراني يدرك أن الحرب ليست نزهة،  ولكن - واقعيًا- يعاني الإيرانيون من حرب إقتصادية ومادية وضغوط اجتماعية داخلية باتت تخنق المجتمع الايراني وتشكّل ضغطًا شديدًا على الحكومة التي تقف عاجزة أمام وطأة الصعوبات الاقتصادية... وعليه، فإن أي حرب عسكرية، أقلّه من ناحية نظرية، قد تجعل الردّ الايراني متكافئًا مع العدو وقادرًا على الرد أكثر من الحرب الاقتصادية، ولعلها - بمعنى من المعاني- قد تؤدي الى انفراج في النهاية يكون أفضل من حال المراوحة القاتلة.
في النتيجة، لقد مرّ تاريخ العلاقات الدولية بظروف مشابهة للظروف التي تعيشها منطقة الخليج اليوم، ولقد اندفع العديد من الدول الى حروب لم يكونوا يريدونها؛ فإما أنها فرضت عليهم فرضًا أو كانت نوعًا من الهروب الى الامام لبعضهم.. ولكن السوابق تفيد أيضًا، أنه لن يكون بإمكان أحد حسم تلك الحرب في الخليج... لذا، من الافضل على الجميع التحلي بالحكمة والصبر، وخاصة الخليجيين العرب الذي لم يستطيعوا إنهاء حرب اليمن، فإذ بهم يحاولون دفع الأمور الى حرب مع إيران؟ .

2019/06/12

هل يدوم "شهر العسل" الصيني الروسي؟


كان المشهد الدولي في الذكرى الخامسة والسبعون لإنزال النورماندي  والانتصار على النازية، لافتًا. ففي الوقت الذي اجتمع الأوروبيون والأميركيون في فرنسا، كان اجتماع هام يعقد في سانت بطرسبورغ يجمع بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس الصيني "شي"، ضمن مؤتمر سان بيترسبورغ الاقتصادي  للتأكيد على وصول العلاقات الروسية الصينية الى مستوى تاريخي من خلال زيادة التعاون الدبلوماسي والاستراتيجي بين الطرفين.

وفي الوقت الذي لم يقم الأوروبيون بدعوة الرئيس بوتين الى الاحتفال بالرغم من أنهم كانوا قد قاموا بدعوته عام 2004، قاطع الأميركيون منتدى سان بيترسبورغ الإقتصادي، متذرعين بأن البيئة السائدة في روسيا ترهب ولا تشجع المستثمرين الاجانب. وعليه، تحديًا للقرار الأميركي بتحجيم وفرض عقوبات على الشركة الصينية العملاقة هواوي لعزلها دوليًا، وقع الروس مع الشركة اتفاقية لبدء تشغيل شبكات "جي 5" في روسيا.

واقعيًا، منذ إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استراتيجيته "التوجه نحو آسيا"، إزدادت العلاقات الصينية الروسية تحسنًا، وقطع الروس والصينيون مراحل هامة في علاقاتهما الثنائية تقطع مع إرث الحرب الباردة حيث ساد التوتر والقطيعة بين البلدين... استفاد الصينيون من قيام الروس بإشغال الأميركيين في الشرق الأوسط عسكريًا، الأمر الذي أخّر قدرة الإدارة الأميركية على تحويل القدرات نحو آسيا وبحر الصين الجنوبي لإحتواء الصين، مما سمح بتسارع قدرتها على تطبيق مبادرة "طريق الحرير الجديد". وهكذا، بدأت مرحلة جديدة من البراغماتية المزدوجة، جعلت تقاطع مصالح الطرفين في مواجهة الولايات المتحدة تطغى على تباين المصالح بينهما وسباق النفوذ في آسيا الوسطى.

ولكن، وبالرغم من كل هذه المظاهر اللافتة، إلا أن العودة الى الثنائية القطبية وبروز تكتلات كبرى تواجه بعضها البعض يبدو أمرًا متعذرًا، فبالرغم من محاولة الأوروبيين والأميركيين إظهار نوع من وحدة الصف إلا أن الخلافات التي ظهرت في المعسكر الغربي بعد مجيء ترامب تجعل من المتعذر إعادة تشكيل محور غربي متماسك. يأخذ الأوروبيون على ترامب تدخله في شؤون القارة، وتشجيع البريطانيين على الخروج من الاتحاد، كما تشجيع اليمين الأوروبي للوقوف بوجه توسيع الاتحاد أو زيادة فعاليته وقدرته. ويطمح الأوروبيون، على الاقل إلمانيا وفرنسا، الى أن يأتي يوم يعلن الاتحاد استقلالاً أمنيًا وسياسيًا عن الولايات المتحدة. في المقابل، يأخذ ترامب على الاوروبيين، عدم قيامهم بزيادة مساهماتهم في موازنة حلف الناتو، واستغلال الغطاء الأمني الأميركي لتقليص موازنات الدفاع واستثمار أموالهم في التنمية الداخلية، في وقت يعاني فيه الاميركيون من أزمات إقتصادية داخلية. كما يبدي ترامب استياءه من قيام الأوروبيين بشكل عام والألمان بشكل خاص بشراء الغاز الروسي، بينما يستفيدون من المظلة الاميركية الأمنية.

في المقابل، وبارغم من كل التقارب الصيني الروسي الحالي، وبالرغم من كل الكلام الذي أطلقه الرئيسان حول التعاون الاستراتيجي غير المسبوق، إلا أن سباق النفوذ وتباين المصالح في آسيا الوسطى بالاضافة الى إرث من العلاقات التاريخية المتوترة، تجعل من "شهر العسل" الصيني الروسي، مجرد مرحلة تفرضها الحاجة لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة إدارة ترامب التي تدفع الجميع الى المواجهة مع عقوبات إقتصادية وحروب تجارية متنقلة.

في النتيجة،  يبدو أن العالم يتجه الى مرحلة تشبه الى حد بعيد مرحلة عصر "توازن القوى" الاوروبي، أي التعددية القطبية والتنافس القومي، وسيكون من الصعب إعادة العالم الى عصر الثنائية القطبية والاستقطاب الايديولوجي الذي يوحد الجميع ويقسم العالم بستار حديدي، فالتمايز والتباين ضمن المحور الواحد سيمنع أي إمكانية لقيام تكتلات استراتيجية صارمة تنافس بعضها البعض.

2019/06/10

هل نحن عنصريون فعلاً؟


كثرت في السنوات الاخيرة خاصة بعد أزمة "النزوح" السوري الى لبنان، اتهامات من قبل بعض الجمعيات والإعلاميين والسياسيين، الى كل شخص أو فئة تنادي بالحدّ من إدخال النازحين أو قوننة وجودهم، أو الدعوة الى الالتزام بالقانون اللبناني الذي يحظّر على الأجنبي القيام ببعض الأعمال التي هي من اختصاص اللبنانيين حصرًا. مع العلم، أن عبارة "عنصري" باتت تهمة جاهزة وأحيانًا كثيرة يستخدمها مطلقوها بدون معرفة معناها أو مضامينها.

أولاً، قبل أن نبدأ بتفنيد الاتهامات للبنانيين بالعنصرية، علينا أن نعرّف ما هي العنصرية بالتحديد، وعليه نقول أن العنصرية هي " الاعتقاد بأن جميع أعضاء العرق (المجموعة)  لديهم خصائص أو قدرات أو صفات خاصة، تجعلهم متميزين وأعلى شأنًا وقدرًا من الأعراق الاخرى."

بهذا المعنى المجرّد، يمكن أن نقول أن بعض اللبنانيين قد يؤمنون بهذا الأمر، ويعتقدون بتفوقهم ليس فقط على الأعراق والشعوب الأخرى، إنما على بعض مواطنيهم اللبنانيين أيضًا (من طوائف أو مناطق أخرى على سبيل المثال)، ولكننا بشكل عام نجد أن أسباب هذا الشعور بالتفوق مردّه طائفي بشكل أساسي أكثر مما هو عرقي.

ومن الجدير بالذكر، أنه ليس اللبنانيين فحسب، بل معظم الشعوب سليلة الامبراطوريات في التاريخ، عادة ما تشعر بالتفوق وتعظيم الوطن، وهو ما يجعلها تمارس سياسة خارجية توسعية؛ ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، هناك إيمان أن "الله أعطى هذه الأمة المتفوقة مهمة في هذه العالم" وهذا انطلاقًا من الفكر الانجيلي، كذلك الروس والايرانيون والاتراك الذين يؤمنون بعظمة أمتهم انطلاقًا من إرث حضاري وإمبراطوري.

ولكن، ما شرحناه أعلاه، لا ينطبق بأي شكل من الأشكال على موضوع عمالة السوريين، والدعوة الى تفضيل اللبناني على سواه من عرب وأجانب، وذلك لأن التمييز هنا، يأتي من ضمن القوانين الدولية والمحلية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، خاصة " الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري" التي دخلت حيز النفاذ عام 1969، والتي تؤكد على ما يلي:

- لا تسري هذه الاتفاقية علي أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل بين المواطنين وغير المواطنين من جانب أية دولة طرف فيها (المادة الاولى - فقرة 2)

-  يحظر تفسير أي حكم من أحكام هذه الاتفاقية بما ينطوي علي أي مساس بالأحكام القانونية السارية في الدول الأطراف فيما يتعلق بالجنسية أو المواطنة أو التجنس... (المادة الاولى - الفقرة 3).

وهذا يعني، أن قيام لبنان بمنع العمالة الاجنبية من مزاحمة العمالة اللبنانية، أو قيام القانون اللبناني بحفظ حق اللبنانيين في وظائف معينة، أو إقفال كل المؤسسات غير الشرعية التي يملكها أجانب وتنافس المؤسسات اللبنانية الخ، أو حتى رفض الدولة اللبنانية منح الجنسية للقاطنين على أرضها .... كلها لا تعد تمييزًا عنصريًا، بالعكس هي حق من حق الدولة التي يكفلها لها القانون الدولي العام، إنطلاقًا من سيادتها على أرضها.

إذًا، في الموضوع عمالة السوريين المستجد والذي يستسهل فيه اللبنانيون شتم بعضهم أو جلد الذات، يمكن التأكيد أن اللبناني غير عنصري وليس هناك تمييزًا عنصريًا في هذا الإطار، بل كل ما تفعله السلطات اللبنانية هو تطبيق لمبدأ سيادي، يجب على اللبنانيين - خاصة أولئك الذي يناشدون الدولة بالحفاظ على معدلات عليا من السيادة- أن يشجعوه لا أن يرجموه، أما أولئك المستفيدين ماديًا من وجود النازحين السوريين، فلهؤلاء قصة أخرى.

2019/06/03

رسائل الجولان التصعيدية: لمن؟


تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تصعيد مستمر منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب خروجه من الاتفاق النووي، وفرضه عقوبات أميركية إضافية على إيران. وتجاوبًا مع هذا التصعيد وملاقاته، تزايدت التهديدات الخليجية العسكرية وبات أمن الخليح على صفيح ساخن، يُخشى أن ينزلق في أي لحظة الى تصعيد عسكري.
واستغل الاسرائيليون التوتر في الخليج، لتحريض السعودية والامارات للردّ على ما أسموه "الاستفزازات" الايرانية، وأعلن الموساد عن تزويد الإدارة الاميركية بـ"معلومات استخبارية" حول نيّة إيران القيام باستهداف المصالح الاميركية في المنطقة. وفي خضم هذا التوتر، أعلن الأميركيون أنه بعد عيد الفطر سيتم الاعلان عن "صفقة القرن" التي ستصفي القضية الفلسطينية بأكملها.
وفي خضم هذه التطورات، أتت الصواريخ التي أطلقت من سوريا على الجولان المحتل لترسل إشارات قوية في اتجاهات عدّة أهمها:
أولاً: للقول للاسرائيليين أن اعتراف ترامب بالسيادة الاسرائيلية على الجولان السوري المحتل، ليست النهاية، بل هي ستكون البداية... بداية تنظيم مقاومة ستحرر الجولان وستطرد الاسرائيلي المحتل. إن عصر الهدوء على تلك الجبهة انتهى، وما اعتبره الاسرائيليون مكسبًا سيتحول الى قلق دائم لن ينتهي إلا بتحرير الجولان واستعادته.
علمًا أن القول بأن القصف والرد الاسرائيلي المضاد سوف يستفيد منه نتنياهو المأزوم داخليًا، كان يمكن أن يكون صحيحًا لو أننا على أعتاب الانتخابات الاسرائيلية، ولكن بما أننا على بعد أشهر من تلك الانتخابات فاستغلال نتنياهو لحادثة اطلاق الصواريخ ستكون صعبة.
ثانيًا: لا شكّ أن الصواريخ والتصعيد في الجولان المحتل يرسل رسائل قوية وصارمة لما يمكن أن يتوهم به الاسرائيليون بأنهم من خلال عدوانهم المستمر، أو من خلال الضغط على القوى الكبرى في المنطقة سيتم إخراج الايرانيين من سوريا... وتأتي هذه الصواريخ لتقول أن الدولة السورية صاحبة السيادة تقرر بنفسها تواجد القوى على أرضها، ولن يستطيع الاميركي ولا الاسرائيلي فرض شروط أو إملاء ما عليها فعله.
ثالثًا: تزامنت الصواريخ مع كشف رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو عن قمة أمنية إسرائيلية أميركية روسيّة مشتركة، في مدينة القدس المحتلة، وذلك بناءً على عرض قدمه نتنياهو لتشكيل لجنة إسرائيلية أميركية روسية مشتركة، تجتمع في إسرائيل، لبحث التحديات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، أي قضايا إيران وسوريا والقضية الفلسطينية، كما ذكر الاعلام الاسرائيلي.
وبالفعل أعلن البيت الأبيض أن مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، وسكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، سيبحثون في اللقاء الثلاثي قضايا إقليمية على نطاق شامل.
وهكذا تكون صواريخ الجولان المحتل، رسالة واضحة الى نتنياهو والى من يعنيهم الأمر، بأن عقد القمم والبيانات لا تعني شيئًا على أرض الواقع، وأن الميدان السوري معقّد ولا يستطيع أي طرف أن يحتكر القرار فيه، وإن أي تسوية أو "صفقة" لا تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات وتشابكات الوضع الاقليمي ومصالح الأطراف المختلفة لن تمر.
وهكذا، تكون النتيجة أنه بالرغم الردّ الاسرائيلي العسكري على الصواريخ التي اطلقت على الجولان السوري المحتل، والذي راح ضحيته شهداء وجرحى وخسائر مادية، إلا أن الرسائل السورية كانت واضحة وقوية للقول أن أي وهم بإخراج إيران من سوريا، أو تمرير صفقة القرن، أو فرض واقع غير قانوني في الجولان المحتل لن يمر مرور الكرام، وإن محور المقاومة يمتلك الكثير من أدوات القوة القادرة على قلب المعادلات الاقليمية حين يحين الأوان.