2018/04/09

تعيين بولتون: هل من داعي للقلق؟


نُشر بتاريخ 28 آذار 2018 على موقع الميادين
يجمع المحللون الأميركيون على أن قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتعيين جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، سوف يدفع الى مزيد من العدائية في السياسة الخارجية الأميركية، وذلك لأنه يؤمن باستخدام القوة في العلاقات الدولية، ويعتقد أن التغيير في كل كوريا الشمالية وايران، يمكن أن ينتج عن سياسة أميركية أكثر اعتمادًا على القوة وليس على الدبلوماسية، وخاصة لأنه يتشارك وترامب نفس الرؤية حول تجاهل الاتفاقيات الدولية، وازدراء المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، كما الاتحاد الأوروبي، وخطابه مليء بالشتائم على خصومه السياسيين، كما قالت مجلة فورين بوليسي الاميركية.
وبالرغم من هذا الاتجاه السائد لدى الصحف الأميركية، وبالرغم من سيادة جو عام تشاؤمي في الشرق الأوسط لهذا التعيين واعتباره مؤشرًا لمزيد من التوتر في المنطقة وخاصة في ظل توجه الإدارة لإحتواء ايران، ورغبة ترامب في تمزيق الإتفاق النووي، إلا أن الواقعية تعيدنا الى فكرة أن تعيين بولتون لن يغيّر كثيرًا في المعادلات الاقليمية، ولا داعي للقلق من هذا التعيين. وننطلق في هذا الاستنتاج، من واقع أن صياغة السياسة الخارجية الأميركية هي أمر معقّد، وأكبر من قدرة شخص على صياغته بمفرده، مع العلم أن قدرة بولتون وسواه على التأثير الجوهري على تلك السياسات مرتبط بمن يتخذ القرار في النهاية (بغض النظر عن التأثيرات من هنا وهناك)، وهناك احتمالان:
 - الاحتمال الاول إن الرئيس الأميركي ترامب بالتعاون مع مستشاريه هو من يدير السياسة الخارجية الأميركية: هذا الاحتمال يفيد أن تعيين بولتون وبومبيو قبله يعني العودة الى ما يشبه عهد بوش الابن، أي عسكرة السياسة الخارجية والقرارات المتسرعة والتخلي عن الحلفاء غير الداعمين، ووضع العالم أمام خيارين: معنا أو ضدنا.
التجارب التاريخية مع بوش الإبن أثبتت عدم نجاعة تلك السياسات، لا بل نجدها قد أدّت الى تراجع نفوذ وصورة الولايات المتحدة الخارجية في العالم؛ فالحرب على العراق التي دعمها بولتون وكان من أشد المتحمسين لها، لم تنفع الولايات المتحدة، ولقد جهدت إدارة أوباما لتأمين استراتيجية خروج مناسبة للجيش الأميركي من العراق، بناءً على توصيات لجنة بايكر هاميلتون.
أما وقد تمت تجربة عسكرة السياسة الخارجية والاستناد الى القوة الصلبة ولم تؤدّ إلا الى تقلص النفوذ الأميركي والسماح بصعود قوى اقليمية ومحلية شعبية، فإن تعيين بولتون وسواه من الصقور في الإدارة، وتكرار ترامب لتجارب بوش الإبن لن تعني سوى المزيد من الخسائر للولايات المتحدة.
-الإحتمال الثاني وهو أن البنتاغون استفاد من الضغوط الداخلية على الرئيس دونالد ترامب، ليتحوّل الى مقرر وصانع أساسي وحاسم في السياسة الخارجية الأميركية. إن هذا الإحتمال، وهو الأرجح،  يعني أن الهامش المعطى لترامب في السياسة الخارجية هو هامش ضيّق، يتجلى في تظهير القرارات المتفق عليها سلفًا، وتغيير الفريق العامل الى جانبه، والقيام بالزيارات الخارجية الرسمية، وإبداء آرائه على التويتر. وهذا يعني أن تعيين بولتون وسواه لن يغيّر أي شيء في صنع السياسة الخارجية الحقيقية، وكل ما سيتغير هو زيادة الكلام العالي النبرة والشتائم تجاه الخصوم على شاشات التلفزة.
انطلاقًا من هذا الاحتمال الراجح، كل ما يحاول ترامب فعله، هو إعطاء صورة "تخويفية" لإدارته، من أجل تخويف الخصوم والحلفاء على حدٍ سواء. من خلال التحليل النفسي لترامب، وما كان يمارسه في تلفزيون الواقع، تبدو خطة ترامب رامية الى إعطاء صورة خارجية للعالم عن إدارة أميركية حربية، يسيطر عليها مجموعة من الصقور الداعمين للخيارات العسكرية، لتخويف الدول الأخرى من مغبة تحدّي الإدارة الأميركية، فيدخلون في مرحلة من الانهيار الادراكي، ويستسلمون تحت ضغط التهديد، وينفذون ما يريده الأميركيون.
النتيجة، إنه في كلا الحالتين، إن تعيين بولتون وسواه من الصقور لا يجب ان يدفع للقلق، فإما إن ترامب يسير على خطى جورج بوش الإبن في قيادة أميركا نحو الانحدار، وإما أن كل تلك التعيينات لن تؤدي الى أي تعديل في السياسة الخارجية الأاميركية لأن مركز صناعة القرار هو في مكان آخر غير إدارة ترامب وصقوره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق