2011/05/19

فلسطين: الشعب يريد.. واسرائيل ترتبك

كان الشعار الذي أطلقته الثورات العربية، "الشعب يريد..." مفتاحًا أساسيًا لتغييرات جوهرية باتت تنتشر في ارجاء الوطن العربي، ومنها ما اصاب القضية المركزية، قضية فلسطين بالتحديد، التي أعاد أبناؤها صياغة تعابير كالنكبة مثلاً فحولوها بدمائهم الى أمل جديد بعودة وانتصار.
بلا شك، كانت مؤشرات التطور التكنولوجي واتساع حركة وفاعلية المجتمع المدني في التأثيرعلى السياسات، قد برزت اثارها في وقت سابق في الغرب وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ويقظة القوميات وحركة الثورات الملونة التي انتشرت في اوروبا الشرقية والبلقان. وكما في الغرب، كذلك لدى العرب الذين يكتشفون اليوم، قدرة "الحركات المدنية السلمية" وفعاليتها في التغيير وفي صناعة التحولات، كما حصل في كل من مصر وتونس، بينما برزت بشكل واضح أن الحركات العنفية التي اعتمدت التخريب فشلت في سوريا، كما فشل وهم التغيير الداخلي من خلال الاستعانة بالخارج في ليبيا.
في عصر الانترنت والاعلام الفضائي، وعدم القدرة على احتكار الخبر والصورة، بات للحركات المدنية قوتها، وها هي تطل على فلسطين فتكشف زيف الادعاءات الاسرائيلية بالتفوق الاخلاقي، وبحق الدفاع عن النفس الاسرائيلية، وتكشف عمق وحيوية قضية فلسطين في الوجدان العربي العام. لقد باتت أشكال الحراك الجماهيري العربي لوحات إعلانية دائمة أمام الرأي العام العالمي، تعبّر عن وجدان الشعب العربي الرافض للاحتلال الاسرائيلي وتكشف عن وجود فجوة كبيرة بين ما كانت تقوم به الانظمة العربية تجاه اسرائيل، وبين نظرة الشعوب لها، حتى تلك التي كانت قد وقّعت اتفاقيات سلام معها.
خشي الاميركيون والاسرائيليون مما قد تحمله صور المسيرات السلمية نحو فلسطين والفظائع الاسرائيلية التي حصلت على الحدود من تأثير على الرأي العام العالمي المناهض للسياسات التوسعية والمتضامن مع القضايا العابرة للحدود ومنها قضية فلسطين، فاستعجلوا تحميل المقاومة والنظام السوري المسؤولية عما حصل. لم يستطع الغرب واسرائيل تحمّل خسارة اعلامية عالمية تضاف الى خساراتهم السابقة، وتضيف الى وهن الكيان وفقدان شرعيته الدولية، فسارعوا الى تحويل انتباره الرأي العام الغربي بتسويق فكرة المؤامرة، لان "المجتمع المدني" الغربي الداعم للقضية الفلسطينية، ليس منظمًا ولا مستقرًا، بل يقوى ويضعف بحسب الظروف المستجدة، فتظهر حماسته ويرتفع تحركه مع وقوع حدث كبير وانتشار صور الفظاعات التي يقوم بها الاسرائيليون عبر الشاشات وفي مواقع الانترنت، ويضعف - حتى يكاد يختفي- في حالات الاستقرار.
وعى الاسرائيليون والاميركيون أهمية مخاطبة العقل المدني الغربي قبل أن يعي العرب ذلك، فعرفوا كيف يخاطبوا هذا التيار الداعم للقضايا العربية، الاروروبي تحديدًا، بناء على بنيته وتنوع منطلقاته وأهدافه وحوافزه للتحرك، التي تتلخص بما يلي:
- أقلية قليلة لا يحسب لها حساب تعتبر اسرائيل كيانًا غير شرعي، يجب ازالته. وقد تراجعت هذه الفئة بعد اتفاقيات اوسلو وما بعدها من دورات تفاوضية.
- تيارات تتحرك بدافع اهتمامها بالعدالة وحقوق الإنسان، وتجد في انتهاكات اسرائيل للقوانين الدولية وحقوق الانسان الفلسطيني حافزًا لها للتحرك، كما يحركها اي انتهاك آخر لتلك الحقوق.
- تيارات يسارية تدعم القضية الفلسطينية انطلاقًا من ايديولوجيتها المناوئة للولايات المتحدة و"الهيمنة الامبريالية" التي لطالما خاضت معارك ضدها في نواحي شتى من العالم، ومنها حركات معاداة العولمة وغيرها.
-  تيارات تتحرك بدافع كرهها الفطري للحرب – أي حرب- وضرورة تحقيق السلام والأمن وحل النزاعات بالطرق السلمية.
- تيارات ناشطة ومؤيدة لأشكال المقاومة المختلفة للهيمنة والاحتلال والعنصرية كافة، وتساند المقاومة من منطلق حق الشعوب المشروع بمقاومة الاحتلال.
- تيارات تتحرك بدافع "كره الصهيونية" وأدواتها، ولكنها مع حق اسرائيل في الوجود وفي الامن، وتطالب بحل سلمي شامل بين الطرفين.
- تيارات تؤيد الشعب الفلسطيني وتؤيد حقه في الحرية وفي اقامة دولة يعيش فيها بسلام جنبًا الى جنب مع دولة اسرائيل.ولعل هذا الحل الذي يدعو الى دولتين تعيشان جنبًا الى جنب بسلام هو الحل الذي تتصوره معظم التيارات السابق ذكرها.
وبكل الاحوال، وبالرغم من محدوديتها وموسميتها، أثبتت التجارب أن لهذه التحركات المدنية قيمة معنوية عالمية لا يستهان بها، بل إن لها تاثيرات ايجابية ولو كانت محدودة في الضغط على صناع القرار في الغرب. لكن ذلك "الهيجان" التأييدي الانساني والموسمي، لم يستطع أن يصل يومًا إلى مستويات مُرضية تعبّرعن تأييد دائم وفعال، ولا يمكن الاتكال على تحركه من تلقاء نفسه، وهو لا يتحرك مؤازرًا ومساندًا إلا على وهج انتصارات ميدانية تفرض نفسها أو على وقع فظائع أومجازر كبرى يندى لها جبين البشرية. والاهم من ذلك هو يحتاج الى اعلام فاعل ينقل الصورة ويكشف الحقائق أمامه كما كانت تفعل سابقًا القنوات الفضائية العربية ومنها قناة الجزيرة قبل أن تنخرط في حياكة المؤامرات واسقاط الانظمة، وقبل أن تسقط بضربة شهود العيان القاضية تماما كما سقطت قبلها محكمة لبنان الدولية بضربة شهود الزور.
لكل هذه الاسباب، لم يتحرك العالم تضامنًا ورفضًا لما حصل على الحدود مع فلسطين من مجازر. ومع ذلك، ان مسيرة الزحف نحو فلسطين دلّت على ظهور عصر جديد باعتراف الاسرائيليين أنفسهم. أسقط الفلسطينيون حاجز الخوف ولن يكون ما قبل المسيرة مثل ما بعدها.
الشعب يريد تحرير فلسطين، الشعب يريد العودة الى دياره، الشعب يريد زوال الاحتلال.... شعارات حملها الشعب الفلسطيني وحمل معها وجع التهجير وسار الى الحدود مع الاراضي المحتلة، يطل عليها ويعدها بالعودة. سار الشعب نحو فلسطين، يحمل شعارات وان كانت بتعابيرها بسيطة شعبية، الا انها حملت مؤشرات عدة، أشارت الى انه  هناك بالفعل "شعب فلسطيني" يريد حقه بأرضه وهو ليس مجموعات متفرقة في الشتات. وان ما تنبأ عنه بن غوريون يومًا بأن القضية ستبلى وتموت بمرور الاجيال، هو وهم بدليل بقاء القضية في وجدان الشعب الفلسطيني الفتي ودفاعه عن حقه في العودة أكثر من مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية والقيادات الفلسطينية العتيقة.
على ابواب الاحتفال بتحرير الجنوب اللبناني في 25 أيار، فتح الفلسطينيون بابا جديدًا في مسيرة العودة الى فلسطين، ويومًا بعد يوم ستتآكل قدرة الردع الاسرائيلية تماما كما تتآكل شرعيتها، وشرعية وجودها ككيان قائم على أرض الغير بالقوة. إن أبلغ تعبيرعما تعيشه اسرائيل من خطر وجودي على كيانها هو ما وصفه  آري شافيت في مقال له في هآرتس، عندما قال "اسرائيل انتقلت من حركة قومية تملك شرعية بدون كيان، الى كيان بدون شرعية".

هناك تعليق واحد:

  1. مقالة رائعة تنعش القلب وتعيد إليه الأمل في العودة ألتي لا بد منها ...الربيع الآتي سيحمل مفاجآت لكل العالم الذي يرى بالعين الإسرائيلية ويغمض العين الأنسانية .شكراً لك دكتورة ليلى على مقالاتك القيمة وإلى الامام .

    ردحذف