2025/12/30

هندسة التفتيت: الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال"

         عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً، الاثنين، تناول اعتراف "إسرائيل" بـ"أرض الصومال" كدولة مستقلة، واستمع إلى إحاطة من مسؤول أممي أشار فيها إلى تأكيد المجلس مراراً على احترام سيادة الصومال وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي ووحدته.

         وكان لافتاً ما قاله سفير "إسرائيل" لدى الأمم المتحدة داني دانون حول ازدواجية المعايير والنفاق (بحسب رأيه)، معتبراً أن الأمم المتحدة تتغاضى عن الاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية، بينما تعقد جلسة طارئة عندما تمارس "إسرائيل" ما يصفه بصلاحياتها السيادية بالاعتراف بأرض الصومال.

ولأهمية قضية الاعتراف أرض الصومال، نفندها من الناحية القانونية على الشكل التالي:

أولاً – القياس بين قضية فلسطين وأرض الصومال

         إن الادعاء الإسرائيلي بوجود ازدواجية معايير هو محاولة لتوظيف مفاهيم القانون الدولي بانتقائية. الحقيقة القانونية الراسخة هي أن القضية الفلسطينية تندرج تحت بند "تصفية الاستعمار وإنهاء الاحتلال الأجنبي"، بينما تندرج قضية أرض الصومال تحت بند "الانفصال داخل الدولة الواحدة". وعليه، مجلس الأمن لا يكيل بمكيالين، بل يطبق إطارين قانونيين مختلفين تماماً على حالتين غير متطابقتين.

         وفقاً لقرارات مجلس الأمن المتعددة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، تُصنف الأراضي الفلسطينية على أنها "أراضي محتلة" تخضع لسيطرة قوة أجنبية (إسرائيل). العلاقة هنا هي علاقة بين "شعب تحت الاحتلال" و"قوة قائمة بالاحتلال". القانون الدولي يمنح الشعوب الخاضعة للاحتلال حقاً أصيلاً في تقرير المصير والاستقلال لبناء دولتها. وعليه، فلسطين لا "تنفصل" عن إسرائيل، لأنها لم تكن يوماً جزءاً قانونياً منها؛ بل هي تسعى للتحرر منها.

         أما في حالة أرض الصومال، فهي في نظر القانون الدولي والاتحاد الأفريقي جزءاً لا يتجزأ من "جمهورية الصومال الفيدرالية"، وهي دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة. العلاقة هنا هي علاقة بين "إقليم" و"حكومة مركزية". القانون الدولي يميل بقوة للحفاظ على "الوحدة الإقليمية" للدول القائمة ويقف ضد الانفصال الأحادي إلا في حالات نادرة جداً.

         وعلى هذا الأساس، لا ينظر القانون الدولي الى الفلسطينيين كانفصاليين، بل هم شعب تحت الاحتلال يسعى للاستقلال. أما "أرض الصومال" فهي حركة انفصالية تسعى لتقسيم دولة ذات سيادة. الخلط بين "مقاومة الاحتلال" و"الانفصال السياسي" هو تضليل قانوني يهدف لتمييع قضية فلسطين وتبرير بلقنة المنطقة العربية والأفريقية.

         وفي الإطار نفسه، تحظى فلسطين بوضع "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة باعتراف الجمعية العامة، مما يعني أن تأسيس الدولة الفلسطينية مسألة وقت وإجراءات، بينما "أرض الصومال" لا تملك أي صفة قانونية دولية.

ثانياً – في قانونية الاعتراف نفسه

         تكمن الخطورة الكبرى للاعتراف الإسرائيلي بـ"ارض الصومال" في ضربه لأحد أهم ثوابت القانون الدولي العام والاستقرار الأفريقي، وهو مبدأ "قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار"  (Uti Possidetis Juris). ينص هذا المبدأ على أن الحدود التي رسمها المستعمر، رغم عشوائيتها، تصبح حدوداً دولية ثابتة لحظة الاستقلال.

         عام 1964، أقرّت منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حالياً) هذا المبدأ في إعلان القاهرة، وذلك بهدف تجنب حروب لا تنتهي بسبب التداخل العرقي والقبلي في القارة وخاصة بعد موجة التحرر من الاستعمار.  وأكدت محكمة العدل الدولية على هذا الأمر في قضية بوركينا فاسو ضد مالي، ليبيا ضد تشاد وغيرها.

         إن الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بكيان انفصالي داخل دولة ذات سيادة (الصومال الفيدرالية) دون موافقة الدولة الأم، يشكل انتهاكاً صارخاً لميثاق الاتحاد الأفريقي والقانون الدولي. هذا الفعل يسحب الغطاء القانوني عن الدولة المركزية ويمنحه للكيانات الانفصالية، مما يؤسس لفوضى قانونية تتيح لأي إقليم يمتلك مقومات القوة الذاتية أن يطالب بالسيادة الكاملة.

ثالثاً - تداعيات الاعتراف

         تتعامل القوى الدولية عادة مع الكيانات الانفصالية المستقرة (مثل أرض الصومال، كردستان العراق، أو تايوان) ككيانات "أمر واقع"، وتتحاشى "الاعتراف القانوني" أي تحويل هذه الكيانات إلى دول كاملة العضوية يحق لها عقد التحالفات العسكرية، استضافة قواعد أجنبية، وشراء السلاح ما يؤثر على أمن واستقرار الدولة الأم والاقليم.

         تهدف "إسرائيل" من الاعتراف تحويل مفهوم الدولة الوطنية في الشرق الأوسط من وحدة مقدسة إلى كيان قابل للتفاوض والتجزئة بناءً على المصالح الخارجية، وهذا سينسحب لاحقاً على دول عربية أخرى لديها أزمات مشابهة. إن اعتراف إسرائيل بـ "أرض الصومال" يهدف إلى تدمير البنية القانونية التي حافظت على الحد الأدنى من تماسك دول المنطقة. إن خطورة "النموذج الصومالي" تكمن في كونه "سابقة قانونية "سيتكئ عليها الانفصاليون في اليمن وسوريا لاحقاً للمطالبة بنفس المعاملة.

         هذا التوجه يؤكد أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية لم تعد تكتفي بالتعامل مع الدول القائمة، بل انتقلت إلى مرحلة "هندسة الدول" بما يتلاءم مع مصالحها الأمنية، حيث يُراد لـ "أرض الصومال" أن تكون المختبر الأول، وقد يكون اليمن هو الهدف الاستراتيجي التالي وتلحقه سوريا وتكرّ السبحة، في عملية إعادة تشكيل شاملة لخريطة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

 

2025/12/23

بين «الجمهورية» و«الإمبراطورية»: الانقسام العميق داخل اليمين الأميركي

بعد الموجة الحمراء التي كرّست تفوقًا حاسماً للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية، يشهد الحزب وخاصة المجموعات الأقوى داخله انقساماً كبيراً، تجلى في التناقض والاشتباك العلني بين المتحدثين في مؤتمر "نقطة تحوّل الولايات المتحدة". لقد شكّل هذا الحدث نهاية "الهدنة الأيديولوجية" داخل الحزب الجمهوري، وكشفت عن الشرخ العميق بين تيار "القومية اليمينية" وتيار "الإمبراطورية" التقليدي.

وإذا كان الصراع على الأيديولوجيا، وفكرة القومية أو الإمبراطورية هي المحددات الظاهرة لهذا الانقسام، فإن الصراع الاقتصادي والتباين حول فكرة "مَن يدفع الفاتورة"، قد يكون هو الأكثر ظهوراً من بين الأسباب التي تدفع الى الصدام.

لفهم سخط القاعدة الشعبية لترامب، يجب النظر إلى الأرقام. تشير تقارير "مشروع تكلفة الحرب" إلى تدفق أكثر من 29 مليار دولار من الخزانة الأميركية لدعم المجهود الحربي الإسرائيلي (خلال الحرب الأخيرة بحسب جامعة براون)، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الداخلي من تبعات التضخم الهيكلي، وفي وقت تزداد البطالة، ويعاني الأميركيون من تآكل القدرة الشرائية واحباط الأجيال الشابة الجديدة.

بالنسبة لمنظري "اليمين الجديد" لم يعد من الممكن الاستمرار في نفس السياسة القديمة التي اتبعتها الإدارات السابقة، حيث تآكلت الطبقات الوسطى، وتمّ نقل الثروة والمعامل والصناعات الى الخارج طمعاً بالربح. كذلك، لم يعد مقبولاً استخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل حروب اسرائيل التي لا تنتهي في الشرق الأوسط.

أما تاريخياً، فلطالما كان اليمين أجنحة تتصادم فيما بينها على السيطرة على الحزب الجمهوري، فما يشهده الحزب الجمهوري اليوم ليس ظاهرة مستحدثة، وفي التاريخ أمثلة متعددة لأفكار "أميركا أولاً" التي يطرحها مناصرو ترامب حالياً، ومنها نذكر ما يلي:

1-   أفكار تشارلز ليندبرغ (1940):

تستعير حركة ترامب روحها من " أميركا أولاً" التي قادها الطيار تشارلز ليندبرغ لمنع دخول أميركا الحرب العالمية الثانية. حينها، جاء نداء ليندبرغ "أيها الأميركيون! استيقظوا!" ليحذّر من أن "جماعات ضغط أجنبية" تحاول جرّ البلاد لحرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.

ووفقاً لتصنيف بعض المؤرخين، تنتمي قاعدة ترامب للمدرسة "الجاكسونية" (نسبة للرئيس أندرو جاكسون). وهذه المدرسة عبارة عن تيار قومي، عنيف في الدفاع عن النفس، لكنه يرفض بشدة الحروب من أجل "بناء الأمم" أو حماية حلفاء أثرياء. بالنسبة لهؤلاء، القتال من أجل اسرائيل ليس دفاعاً عن الأمن القومي الأميركي، بل خدمة لمشروع "إمبراطوري" يتناقض مع فكرة "الجمهورية".

2- "جمهورية لا امبراطورية" – باتريك بوكانان

يمثل كتاب "جمهورية لا إمبراطورية" الذي صدر عام 1999، لباتريك بوكانان المانيفستو التأسيسي الذي يستند إليه جناح "أميركا أولاً" اليوم. حينها، اعتُبر الكتاب البرنامج الذي ترشح على أساسه بوكانان لانتخابات عام 2000، عن حزب الإصلاح. في هذا الكتاب، شخّص بوكانان مبكراً معضلة "التمدد الميؤوس منه" للسياسة الخارجية الأميركية، محذراً من تحوّل الولايات المتحدة من "جمهورية" تهتم بشؤونها الداخلية، كما أراد المؤسسون، إلى "إمبراطورية" غارقة في التزامات دولية ليبرالية.

دعا بوكانان إلى سحب القوات من أوروبا وآسيا، ورفض التورط في نزاعات لا تمس الأمن المباشر (مثل حروب الخليج أو البلقان)، منتقداً بشدة التحالفات الدائمة مثل "الناتو". كما ربط بين السيادة الوطنية والحمائية التجارية وتقييد الهجرة، ومعتبراً أن الانخراط في المؤسسات الأممية هو استنزاف للقدرة الأميركية. هذه الأطروحات، التي وُصفت حينها بـ «القومية المفرطة»، هي ذاتها التي تشكل اليوم العقيدة الأساسية لتيار "القومية اليمينية" داخل الحزب الجمهوري في مواجهة النخبة السياسية التقليدية.

والمفارقة، أن دونالد ترامب (رجل أعمال حينها) في ذلك الوقت، وقف في خندق واحد مع جورج بوش الابن وتوماس فريدمان لإدانة بات بوكانان وكتابه، حيث وصف ترامب أفكار بوكانان بأنها "مقززة" و"شائنة"، وهاجمه علناً قبل ظهوره في برنامج "واجه الأمة"، متهماً إياه بمعاداة السامية وبالتطرف، رغم اعتراف ترامب حينها بأنه لم يقرأ الكتاب، بل "اطلع على بعض العبارات فقط".

والمفارقة الأكبر، أن ترامب الذي وصل إلى السلطة في 2016 و2024 بتبني أفكار بوكانان (الشعبوية، الحمائية، ورفض العولمة)، يجد نفسه الآن، محاصراً من قبل "الأبناء الشرعيين" لأفكار بوكانان الذين يتهمونه بما اتهم هو به خصومه سابقاً: التضحية بمصالح الجمهورية من أجل تحالفات خارجية.

النتيجة، إن دروس التاريخ الأميركي واضحة، فالتحالفات المبنية على التناقضات لا تدوم طويلاً. ولعل الانقسام الذي شهده سابقاً الحزب الديمقراطي وانحياز قاعدة كبيرة منه وتحوّلها الى "جناح تقدمي"، انتقل الى الحزب الجمهوري الذي ينقسم على نفسه بين تيار القومية (الجمهورية) والتيار التدخلي (الإمبراطورية). وعلى هذا الأساس، يبدو ان الانتخابات النصفية عام 2026 ستكون موسم الانهيار الكبير للتحالف الذي حقق الموجة الحمراء في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

 

2025/12/12

عقيدة ترامب: قيادة العالم بدون أعباء

تقدّم استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب الثانية تصوراً متماسكاً لرؤية "أميركا أولاً" حيث تمزج بين نظرة حمائية وقومية داخلية تبتعد فيها عن المفاهيم التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأميركية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وإعادة توزيع لأعباء الأمن على الحلفاء.

إلا أن ما يميّز هذه الاستراتيجية عن غيرها من استراتيجيات الأمن القومي الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة هو أربعة عناصر أساسية:

-        الشخصنة الشديدة للسياسة الخارجية وربطها المباشر بشخص الرئيس.

-        تدخل غير مسبوق في الشأن الأوروبي الداخلي تحت عنوان "تصحيح المسار" الحضاري والسياسي.

-        تحييد الصراع الجيوسياسي مع روسيا عبر وقف توسع الناتو وإعادة تعريف الاستقرار في أوروبا.

-        الصراع التنافسي مع الصين كمعركة حاسمة على الاقتصاد والتكنولوجيا، لا كحرب أيديولوجية.

أولاً: الشخصانية

منذ الفقرة الأولى تقريباً، لا تتحدث الوثيقة فقط عن "الولايات المتحدة" بوصفها دولة ومؤسسات، بل عن "الرئيس ترامب" بوصفه فاعلاً تاريخياً استثنائياً. يُقدَّم ترامب كـ "رئيس السلام" الذي أنجز خلال أشهر اتفاقات تسوية في ثماني صراعات حول العالم، وأنهى حرب غزة وأعاد الرهائن، وتتحدث عن "التعريف الترامبي" لمبدأ مونرو.

تقليدياً، كانت وثائق الأمن القومي الأميركية تُصاغ بلغة مؤسسية باردة، حيث الفاعل الأساسي هو "الولايات المتحدة" أو "الادارة الأميركية" أما اسم الرئيس فيرد في المقدمة البروتوكولية لا في متن الرؤية الاستراتيجية.

ثانياً: تدخل غير مسبوق في الشأن الاوروبي

تعاملت الاستراتيجيات الأميركية السابقة مع أوروبا من زاويتين: شريك وحليف رئيسي عبر الأطلسي، وركن أساسي في منظومة الناتو وردع روسيا.

تذهب الاستراتيجية الحالية الى أبعد من ذلك بكثير. أوروبا ليست حليفاً أو ساحة توازن مع روسيا، بل موضوعاً لإعادة تشكيل حضاري وسياسي.

قد تكون الفقرة المرتبطة بأوروبا هي الأكثر غرابة" والأكثر تدخلاً في شؤون الدول الأخرى، حيث يُصوَّر الاتحاد الأوروبي ومؤسساته فوق الوطنية بوصفها تهديداً للسيادة والحرية السياسية. تُنتقد سياسات الهجرة، وانخفاض معدلات الولادة، و"فقدان الهوية الحضارية"، و"الخنق التنظيمي" للاقتصاد.

وتعلن الاستراتيجية صراحة أن الولايات المتحدة تريد دعم القوى السياسية التي "تقاوم المسار الحالي" في أوروبا، وتشجيع الأحزاب اليمينية التي تدعو لاستعادة الهوية والثقة الحضارية.

         هذا النص لا يشبه الخطاب الليبرالي التقليدي، بل هو انحياز معلن لتيارات يمينية – قومية داخلية في الدول الأوروبية، وتبنٍّ لرؤية أيديولوجية حول ما يجب أن تكون عليه أوروبا، والهدف إعادة تشكيل الغرب نفسه على صورة «ترامبية» محافظة وقومية، لا مجرد حليف استراتيجي تقليدي.

ثالثاً: اخراج روسيا من التنافس الاستراتيجي

منذ نهاية الحرب الباردة، استندت السياسة الأميركية إلى ثلاث مسلّمات تقريباً: توسيع الناتو شرقاً بوصفه ضمانة للاستقرار الأوروبي، اعتبار روسيا خصماً ينبغي احتواؤه أو إضعافه، فرضية أن أمن أوروبا لا يتحقق إلا بوجود أميركي عسكري كثيف.

تتخلى الوثيقة عن هذه المسلمات، وحتى عن الصراع الاستراتيجي مع روسيا كما حددته استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى.

تنظر الاستراتيجية الجديدة إلى روسيا كقوة يجب التعايش معها من خلال توازن قوى تفاوضي، لا كعدو ينبغي إخراجه من اللعبة، وترفض "منطق توسع الناتو بلا نهاية"، وتلمّح إلى أن بعض دول الحلف قد تصبح بعد عقود ذات أغلبية غير أوروبية، ما يطرح سؤالاً عن معنى التحالف نفسه.

رابعاً: الصين: الصراع التنافسي على الاقتصاد والتكنولوجيا

في التعامل مع الصين، تبدو الاستراتيجية أكثر انسجاماً مع نفسها، وأقرب إلى تيار أوسع في الولايات المتحدة. تُعرّف العلاقة مع الصين بوصفها منافسة استراتيجية طويلة الأمد، أساسها الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. هنا يوجد قدر من الاستمرارية لكن مع تأكيد «ترامبي» قوي على التعريفات الجمركية، وإعادة التصنيع، وربط التجارة بالاصطفاف الاستراتيجي، وليس بالصراع العسكري كما حاول بايدن أن يذهب اليه بعد حرب أوكرانيا.

النتيجة، بقراءة معمقة للاستراتيجية الأميركية، نجد أن الرئيس ترامب لا يريد للولايات المتحدة أن تنسحب من قيادة العالم، ولا "القيادة من خلف" كما أعلن الرئيس باراك أوباما، ولا إعادة صياغة نظام ليبرالي عولمي كما كان يريد جو بايدن. 

 عقيدة ترامب تحدد اليوم، أسس استراتيجية تقوم على قيادة أميركية للعالم "بدون كلفة"، أي هيمنة تخدم الولايات المتحدة كدولة ومجتمع بدون أن تتحمل أعباء وتكاليف الهيمنة العالمية. وهكذا، "الترامبية" الحالية ليست انعزالية بل هي "هيمنة و قيادة ربحية" تسعى لفك الارتباط بين الهيمنة وبين تكلفتها العامة.

 

2025/12/08

جدل الأصول الروسية: هل يعيد الغرب إنتاج فرساي؟

أعاد الجدل الأوروبي - الغربي حول استخدام الأصول الروسية المجمّدة لتمويل أوكرانيا وإعادة إعمارها (من ضمن السلة المقترحة للحلّ في أوكرانيا) إحياءَ نقاشات تاريخية حول العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى في معاهدة فرساي. ورغم أن التبريرات الأوروبية، تعتبر أن الدافع المبدئي في الحالتين هو تحميل الدولة المعتدية كلفة الحرب، إلا أنّ مقارنة الآليات والنتائج المحتملة تكشف اختلافات جوهرية في البُنى السياسية والدولية السائدة بين الحالتين، بالإضافة الى الكثير من المحاذير القانونية والسياسية التي لا يجب الوقوع بها.

ولكي نقيّم مدى قدرة الغرب على فرض هذا البند ضمن الخطة التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحل الأزمة الأوكرانية، والتي اعتبر الرئيس فلاديمير بوتين أن هناك أمور لا توافق عليها، قد يكون من ضمنها موضوع الأموال الروسية المجمدة في الخارج.

وللمقارنة بين ما يريده الغربيون اليوم، وما فعله المنتصرون في الحرب العالمية الأولى من فرض "سلام قرطاجي وتعويضات فكلية" على المانيا، كما وصفها الاقتصادي جون ماينارد كينز، يمكن الإشارة الى ما يلي:

أولاً- ميزان القوى العسكري

وفق المنظور الواقعي، تُفهم العقوبات وإعادة توزيع الكلفة الاقتصادية للحرب بوصفها تعبيراً عن توازنات القوة، حيث يفرض المنتصر على المهزوم شروطه ويطالبه بالتعويضات.

 في عام 1919، كانت ألمانيا دولة مهزومة عسكرياً، خاضعة للاحتلال، وتفتقر إلى القدرة على الاعتراض. شكّل ميزان القوى هذا أساساً يسمح بفرض تعويضات مالية فلكية دون اعتبار لقدرة ألمانيا الاقتصادية أو ردود الفعل المستقبلية.

في المقابل، روسيا اليوم ليست دولة مهزومة، ولا تزال تحتفظ بقوة عسكرية ضخمة ونفوذ جيوسياسي واسع، إضافة إلى ترسانة نووية تجعل الضغط المباشر عليها محفوفاً بالمخاطر. يعني ذلك أنّ الشروط الواقعية التي مكّنت القوى الأوروبية من فرض نظام فرساي لا تتوافر في السياق الحالي، وهو ما يفسّر عجز أوروبا عن مصادرة الأصول الروسية بشكل كامل أو استخدامها دون حسابات دقيقة. الضغط على قوة نووية تحقق تقدماً عسكرياً على الأرض وتقضم الجغرافيا الأوكرانية (ولو ببطء) لا يشبه الضغط على دولة مهزومة مجردة من القدرة على الرد.

ثانياً – القانون الدولي

لا يوجد اليوم أي إطار قانوني دولي يكرّس حق مصادرة أموال دولة ذات سيادة دون معاهدة سلام أو حكم قضائي دولي.

كانت معاهدة فرساي اتفاقاً دولياً رسمياً ملزماً وقّعت عليه ألمانيا مكرهة بفعل الهزيمة. قانونياً، تنازلت ألمانيا عن سيادتها المالية بموجب توقيعها. وعليه، إن مصادرة أصول البنك المركزي تتعارض بشكل صارخ مع مبدأ "الحصانة السيادية للدول" الراسخ في القانون الدولي العرفي، ولا توجد سابقة قضائية تتيح لدولة مصادرة أصول بنك مركزي لدولة أخرى لم تعلن الحرب عليها رسمياً (الغرب ليس في حالة حرب معلنة مع روسيا)، ودون قرار من مجلس الأمن. وعليه، يريد الغرب من روسيا أن توقّع على هذا البند من ضمن سلة الشروط التي تتضمنها اتفاقية ترامب للسلام.

يدرك الأوروبيون أن استخدام الأصول الروسية بدون احترام الأصول القانونية سيشكّل سابقة خطيرة قد تؤدي إلى فقدان الثقة الدولية بالأسواق الأوروبية، وهروب رؤوس الأموال من الاتحاد الأوروبي إلى مناطق أكثر استقراراً قانونياً، بالإضافة الى خطر قيام الروس بفتح دعاوى قضائية تمتد عقوداً وتقوّض الثقة بحكم القانون في الاتحاد.

 تقدّر الأصول الروسية المجمّدة بنحو 300 مليار دولار، والسماح بالتصرف بها ستشكّل سابقة تهدد حصانة الأصول السيادية لجميع الدول، وهو ما دفع أوروبا للتصرف بالفوائد العائدة عن تلك الأصول وليس الأصول نفسها.

ثالثاً- المخاطر المالية

         يعتمد اليورو والدولار كعملات احتياط عالمية استناداً الى ركيزتي "سيادة القانون" و"حماية الملكية"، وبالتالي إن مصادرة أصول دولة ذات سيادة دون حكم قضائي دولي سوف يرسل إشارات ذعر للدول الأخرى يدفعها الى تنويع احتياطياتها والهرب من الأسواق المالية الغربية، ما يضعف النفوذ المالي الغربي على المدى الطويل.

في المقابل، تحتفظ روسيا بأصول غربية داخل ولايتها القضائية، تقدّر بمليارات الدولارات، ما يعني أن روسيا يمكن أن تقوم بالمثل وتصادر أموال الشركات الغربية.


النتيجة، هذه المخاطر بالإضافة الى التعقيدات القانونية دفعت العديد من الدول الأوروبية لعدم الموافقة سابقاً على مصادرة واستخدام الأصول الروسية، لأنهم يدركون أن مصادرة الأصول ستخلق سابقة قانونية قد تطاردهم لاحقاً. كسر الحصانة السيادية للبنوك المركزية هو "صندوق باندورا" لا يريد الغرب فتحه.

 

2025/12/03

لبنان بين الدبلوماسية القسرية و"التفاوض غير المتكافئ"

يشهد ملف التفاوض بين لبنان و"إسرائيل" تحولاً بنيوياً في الآليات والتمثيل، يتجاوز الطابع التقني-العسكري الذي ساد سابقاً في اجتماعات الناقورة الثلاثية التي سبقت الحرب الأخيرة، والتي تطورت لاحقاً الى ما يُسمى لجنة "الميكانيزم" التي أضيف اليها ممثلين عن الدول الضامنة (الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا).

         إن خطوة لبنان بضمّ السفير السابق سيمون كرم إلى اللجنة -"الآلية"، والتي قابلها تعيين إسرائيل لمبعوث من مجلس الأمن القومي، تشير إلى تحوّل مفصلي، يستدعي قراءة لمعرفة مدى قدرة لبنان على استثمار هذا المسار للتخلص من التهديدات والحرب العسكرية والنفسية التي تمارس عليه.

أولاً: حالة "النضج" في النزاعات

         وفقاً لنظرية "النضج" التي ابتكرها ويليام زارتمان فإن المفاوضات تبدأ بجدية عندما يصل الطرفان إلى "مأزق مؤلم متبادل".، حتى لو لم يكن بشكل متكافئ. تساعد هذه النظرية في تفسير سبب مقاومة الأطراف للتفاوض لفترة طويلة ثم قبولها فجأة.

الاعتبارات النظرية لمبدأ "النضج":

-      الجمود المؤذي المتبادل: هذه هي الحالة الجوهرية التي يتورط فيها الأطراف في صراع يضرّ بجميع الأطراف، ولا يمكن لأي منهم تحقيق نصر حاسم منه.

-      المخرج المُتصوَّر: بعد الجمود المؤلم، يجب أن تؤمن الأطراف بوجود طريق للحل، مما يجعل التفاوض أو الوساطة بديلاً مرغوبًا فيه لاستمرار الصراع.

-      "لحظة النضج": هذه هي اللحظة المحددة التي يتحقق فيها كلا الشرطين، مما يخلق لحظة مناسبة للتفاوض. يمكن أن تنشأ هذه اللحظة من خلال حصول حرب، أو لتجنّب حرب قد تتسبب بالمزيد من الألم والدمار.

-       مع وصول هذه المرحلة من الجمود، واقتناع الأطراف بضرورة تجنّب أوضاع أسوأ، يتدخل طرف ثالث فيقدم أفكار جديدة ومرنة لكسر الجمود.

 

ثانياً- تفاوض غير متكافئ

في الواقع، يعرف اللبنانيون بأنهم يخوضون "تفاوض غير متكافئ". الموقف الإسرائيلي يزداد تعنتاً مع كل مبادرة يطلقها رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون.

منذ وقف إطلاق النار، تتبنى إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأميركية، استراتيجية "الدبلوماسية القسرية" والتي تعني استخدام التهديد بالقوة، أو استخدام قدر محدود منها، لإجبار الخصم على التراجع أو القبول بشروط معينة دون الحاجة لخوض حرب شاملة ومفتوحة.

وعملياً، تمارس الولايات المتحدة وإسرائيل تقسيماً وظيفياً للأدوار لتحقيق هذا المبدأ:

1.    الذراع الإسرائيلي (الضغط الحركي): استمرار العمليات العسكرية والضغط الميداني والتهديد بحرب شاملة لخلق واقع يفرض تنازلات.

2.    الذراع الأميركي (الخنق الاستراتيجي): استخدام أدوات الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية للضغط على لبنان، بهدف دفعه للقبول بالشروط الإسرائيلية كخيار "أقل كلفة" من استمرار الحرب.

أما حالة "النضج" التي يشار اليها في الإطار النظري، فهي تبدو مفروضة قسراً، وليست نتاج قناعة متبادلة بالحل، والأكيد أن "الجمود المؤذي" ليس متكافئاً بين لبنان وإسرائيل:

أ‌-      يريد لبنان الخروج من الازمة المتصاعدة والتخلص من الاستنزاف المكلف، أو إبعاد شبح حرب إسرائيلية.

ب‌- بينما تدرك الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، أن حرباً إسرائيلية على لبنان، وحتى لو كانت مدمرة للبنان، ومؤلمة لحزب الله وبيئته بشكل غير متناسب، فإنها قد لا تؤدي الى نزع سلاح الحزب بالضرورة، أو دفعه لتسليم سلاحه بدون مقابل.

وعلى هذا الأساس، يكون التفاوض غير متكافئ في الأهداف أيضاً، حيث يسعى الجانب الأميركي- الاسرائيلي الى تحقيق مبدأ جوهري صاغه المفكر الصيني صن تزو، في كتابه "فن الحرب" حيث يقول: "إن قمة المهارة ليست تحقيق مئة انتصار في مئة معركة، بل إخضاع العدو دون قتال".

في المقابل، يستخدم لبنان الدبلوماسية كأداة لـ "شراء الوقت" و"سحب الذرائع" من الإسرائيليين لتبرير عدوانهم على لبنان. يفاوض لبنان اليوم في إطار "استراتيجية البقاء" مستخدماً الدبلوماسية كآخر الحصون للخروج من مأزق لا حلّ له، في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية التي تتغوّل في كل المنطقة بدون رادع.