تقدّم استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب الثانية تصوراً متماسكاً لرؤية "أميركا أولاً" حيث تمزج بين نظرة حمائية وقومية داخلية تبتعد فيها عن المفاهيم التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأميركية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وإعادة توزيع لأعباء الأمن على الحلفاء.
- الشخصنة الشديدة للسياسة الخارجية وربطها المباشر بشخص الرئيس.
- تدخل غير مسبوق في الشأن الأوروبي الداخلي تحت عنوان "تصحيح المسار" الحضاري والسياسي.
- تحييد الصراع الجيوسياسي مع روسيا عبر وقف توسع الناتو وإعادة تعريف الاستقرار في أوروبا.
- الصراع التنافسي مع الصين كمعركة حاسمة على الاقتصاد والتكنولوجيا، لا كحرب أيديولوجية.
أولاً: الشخصانية
منذ الفقرة الأولى تقريباً، لا تتحدث الوثيقة فقط عن "الولايات المتحدة" بوصفها دولة ومؤسسات، بل عن "الرئيس ترامب" بوصفه فاعلاً تاريخياً استثنائياً. يُقدَّم ترامب كـ "رئيس السلام" الذي أنجز خلال أشهر اتفاقات تسوية في ثماني صراعات حول العالم، وأنهى حرب غزة وأعاد الرهائن، وتتحدث عن "التعريف الترامبي" لمبدأ مونرو.
تقليدياً، كانت وثائق الأمن القومي الأميركية تُصاغ بلغة مؤسسية باردة، حيث الفاعل الأساسي هو "الولايات المتحدة" أو "الادارة الأميركية" أما اسم الرئيس فيرد في المقدمة البروتوكولية لا في متن الرؤية الاستراتيجية.
ثانياً: تدخل غير مسبوق في الشأن الاوروبي
تعاملت الاستراتيجيات الأميركية السابقة مع أوروبا من زاويتين: شريك وحليف رئيسي عبر الأطلسي، وركن أساسي في منظومة الناتو وردع روسيا.
تذهب الاستراتيجية الحالية الى أبعد من ذلك بكثير. أوروبا ليست حليفاً أو ساحة توازن مع روسيا، بل موضوعاً لإعادة تشكيل حضاري وسياسي.
قد تكون الفقرة المرتبطة بأوروبا هي الأكثر غرابة" والأكثر تدخلاً في شؤون الدول الأخرى، حيث يُصوَّر الاتحاد الأوروبي ومؤسساته فوق الوطنية بوصفها تهديداً للسيادة والحرية السياسية. تُنتقد سياسات الهجرة، وانخفاض معدلات الولادة، و"فقدان الهوية الحضارية"، و"الخنق التنظيمي" للاقتصاد.
وتعلن الاستراتيجية صراحة أن الولايات المتحدة تريد دعم القوى السياسية التي "تقاوم المسار الحالي" في أوروبا، وتشجيع الأحزاب اليمينية التي تدعو لاستعادة الهوية والثقة الحضارية.
هذا النص لا يشبه الخطاب الليبرالي التقليدي، بل هو انحياز معلن لتيارات يمينية – قومية داخلية في الدول الأوروبية، وتبنٍّ لرؤية أيديولوجية حول ما يجب أن تكون عليه أوروبا، والهدف إعادة تشكيل الغرب نفسه على صورة «ترامبية» محافظة وقومية، لا مجرد حليف استراتيجي تقليدي.
ثالثاً: اخراج روسيا من التنافس الاستراتيجي
منذ نهاية الحرب الباردة، استندت السياسة الأميركية إلى ثلاث مسلّمات تقريباً: توسيع الناتو شرقاً بوصفه ضمانة للاستقرار الأوروبي، اعتبار روسيا خصماً ينبغي احتواؤه أو إضعافه، فرضية أن أمن أوروبا لا يتحقق إلا بوجود أميركي عسكري كثيف.
تتخلى الوثيقة عن هذه المسلمات، وحتى عن الصراع الاستراتيجي مع روسيا كما حددته استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى.
تنظر الاستراتيجية الجديدة إلى روسيا كقوة يجب التعايش معها من خلال توازن قوى تفاوضي، لا كعدو ينبغي إخراجه من اللعبة، وترفض "منطق توسع الناتو بلا نهاية"، وتلمّح إلى أن بعض دول الحلف قد تصبح بعد عقود ذات أغلبية غير أوروبية، ما يطرح سؤالاً عن معنى التحالف نفسه.
رابعاً: الصين: الصراع التنافسي على الاقتصاد والتكنولوجيا
في التعامل مع الصين، تبدو الاستراتيجية أكثر انسجاماً مع نفسها، وأقرب إلى تيار أوسع في الولايات المتحدة. تُعرّف العلاقة مع الصين بوصفها منافسة استراتيجية طويلة الأمد، أساسها الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. هنا يوجد قدر من الاستمرارية لكن مع تأكيد «ترامبي» قوي على التعريفات الجمركية، وإعادة التصنيع، وربط التجارة بالاصطفاف الاستراتيجي، وليس بالصراع العسكري كما حاول بايدن أن يذهب اليه بعد حرب أوكرانيا.
النتيجة، بقراءة معمقة للاستراتيجية الأميركية، نجد أن الرئيس ترامب لا يريد للولايات المتحدة أن تنسحب من قيادة العالم، ولا "القيادة من خلف" كما أعلن الرئيس باراك أوباما، ولا إعادة صياغة نظام ليبرالي عولمي كما كان يريد جو بايدن.
عقيدة ترامب تحدد اليوم، أسس استراتيجية تقوم على قيادة أميركية للعالم "بدون كلفة"، أي هيمنة تخدم الولايات المتحدة كدولة ومجتمع بدون أن تتحمل أعباء وتكاليف الهيمنة العالمية. وهكذا، "الترامبية" الحالية ليست انعزالية بل هي "هيمنة و قيادة ربحية" تسعى لفك الارتباط بين الهيمنة وبين تكلفتها العامة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق