2011/05/25

المقاومة الوطنية : صراع مع مشروع بناء الدولة ام تفاعل وتكامل؟

أني اذ أتقدم بالتهاني لجميع اللبنانيين والعرب بمناسبة يوم المقاومة والتحرير في لبنان، وبذكرى انسحاب العدو الاسرائيلي من أول أرض عربية بدون معاهدة سلام او بالاحرى معاهدة ذل وانكسار... أعيد نشر محاضرة سابقة لي، لأني أجد ما قيل فيها ما زال صالحًا لوقتنا الراهن، حيث يتحدث كثر عن تعارض المقاومة وبناء الدولة الحديثة في لبنان.... ان من يدّعي ذلك، يتخلى ببساطة عن أبسط حقوقه الانسانية، ويدعو الى التخلي جزء جوهري من الكرامة الكيانية للانسان وعن ارث من النضال العالمي والمحلي لحفظ الحق الانساني الطبيعي برد الظلم العدوان.
ليلى نقولا الرحباني

المقاومة الوطنية : صراع مع مشروع بناء الدولة ام تفاعل وتكامل؟
محاضرة قدمت في الرقّة
مقدمة
أولاً: في المفهوم والتعريف 
ثانياً: المقاومة في الاديان السماوية
-       في المسيحية
-       في الاسلام
ثالثاً: حق المقاومة في القانون الدولي
أ- المقاومة: حق أقرّته الثورات التاريخية
ب- حق المقاومة في الامم المتحدة
رابعاً: المقاومة ومشروع الدولة: تكامل وتفاعل أم صراع وإلغاء؟
خاتمة وتوصيات
 مقدمة
يقول المفكرون إن خيار المقاومة يعكس انهيار ثقة المواطنين بالدولة، فاما أن تنشأ المقاومة لتقاعس السلطة عن أداء مهماتها في حفظ الارض والشعب من الاعتداءات الخارجية، فيقوم الشعب أو جزء منه بالدفاع عن الارض ومقاومة الاحتلال، او تنشأ لمقاومة استبداد السلطة وتعسفها فتطمح إلى بناء سلطة بديلة قادرة على تلبية مطالب المجتمع المتعلقة بالحرية الضامنة للكرامة والهوية. فهل هذا يعني ان الدولة والمقاومة مشروعان متناقضان يلغي أحدهما الآخر؟ وهل ما يُطرح في لبنان من أن وجود المقاومة يمنع مشروع بناء الدولة ويعطله، وإن لا دولة إلا بإلغاء المقاومة هو إدعاء حقيقي؟.
سنناقش في هذه الورقة، حق الشعوب في المقاومة لا بل وواجبها أيضاً، فننطلق من التعريف، الى نظرة الشرائع السماوية لهذا الحق، ثم تأكيده من قبل الثورات التاريخية والقانون الدولي العام، وننهي بدراسة السؤال المحوري في هذه الدراسة: هل هناك صراع بين مشروعي الدولة والمقاومة أم تكامل وتفاعل؟
أولاً: في المفهوم والتعريف
نظراً للتفاوت في قدرات الدول في حماية حقوق مواطنيها ، طُرحت مسألة بالغة الاهمية تتمثل بتحديد كيف، ومَن يجب أن يحمي الافراد والمجتمعات في حال اعتدت السلطة الحاكمة على حقوقهم، او في حال عجزت أو قصرت السلطة عن الحفاظ على النظام العام، أو اذا عجزت أو قصرت عن الرد على الاعتداء الخارجي. بمعنى آخر هل للمواطن يقوم بنفسه بحماية حقوقه وأرضه في حال عجز السلطة عن الحماية؟
لن نخوض في أسس مقاومة المواطن للسلطة، ففيها تتوزع مواقف فلاسفة القانون والسياسة بين مذاهب عدة ، وتطرح تسميات مختلفة للانواع التي تقوم بالرفض والمجال لا يتسع لطرحها، بل سنركز موضوعنا على مواجهة العدوان الخارجي كونه الاهم في مرحلتنا الراهنة .
من البديهي ان تكون السلطة هي المسؤولة عن مواجهة اي اعتداء على الوطن والمواطنين فيه، وان تضطلع بمهمة الدفاع والحماية وهو ما يعبر عنه بمقولة "توفير الامن القومي". وهذا يعود الى اصل ومبرر وجود الدول، اذ ان الوظيفة الاولى التي قامت الدولة من أجلها تتمثل بهذا الامر قبل ان تتطور الى "دولة الرعاية" التي تؤمن الى جانب السلامة الجسدية والأمن والوجود، الرفاه والتطور والرعاية الاجتماعية، لذلك أسميت الدولة في وجهها الاول "الدولة الحارس" او "الدولة الشرطي" وهو ما حاولت النظريات النيو-ليبرالية في الغرب العودة اليه بقوة منذ الثمانينات وخاصة مع وصول الثنائي ريغان وتاتشر الى السلطة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا.
والسؤال المطروح هنا هل الشعب او المواطن تنازل للدولة عن حقه بالدفاع عن النفس تنازلاً كلياً وعليه ان يتحمل نتائج اداء الدولة نصراً او هزيمة في مواجهة العدوان الخارجي ويستسلم لتلك النتائج من غير حراك ، أم ان التفويض المعطى للدولة في الدفاع والحماية انما هو تفويض قابل للنقض في حال العجز ، نقض يؤدي الى استعادة الحق وممارسته لتحقيق المبتغى وحفظ الوجود والمصالح ؟
يكاد رجال القانون والسياسة يجمعون على امر مواجهة الاعتداء الخارجي، ويقولون بالحق الفردي والجماعي للدفاع المشروع عن النفس، فمن اعتدي عليه وعجزت السلطة عن حمايته كان له الحق بأن يقوم بنفسه برد الاعتداء. وفي الصور الحديثة للممارسة الشعبية لهذا الحق نشأت فكرة المقاومة.
وتعريف المقاومة الوطنية للاحتلال يتجلى في السلوك الذي يبديه شعب ما بطريقة عفوية أو منظمة باستقلالية تامة عن القرار الرسمي بغية مواجهة انتهاك أو اعتداء على الحقوق الوطنية والاهداف الاستراتيجية للدولة، فيكون للدفاع عنها برد الاعتداء استقلالاً أو عبر مساعدة القوى النظامية التي عجزت كلياً عن انقاذ هذه الاهداف الاستراتيجية. اذا، المقاومة في المفهوم الوطني هي "فعل دفاعي لانقاذ حق وطني من عدوان وقع عليه، وابعاد الخطر الذي يتهدده" .
وانطلاقاً مما سبق فاننا نعطي المقاومة التعريف التالي:
 "المقاومة هي ممارسة المواطن لحق مشروع مكفول له، وفقاً لاي شكل متاح، من اجل استعادة حق انتهك او اغتصب، او الدفاع عن حق مهدد بالانتهاك و حمايته، وهي تشتمل على تحرير الارض من العدو الخارجي والتحرر من الاستغلال الداخلي والهيمنة على مقدرات الوطن من قبل فئة لا تمثل الارادة الشعبية".
ثانياً - حق المقاومة في الاديان السماوية
من البديهي القول ان المقاومة ليست اعتداء على الغير بل هي استعادة لحق مسلوبتأتى، وليست مجرد ممارسة للعنف، بل إنها فعل إنساني طبيعي للحفاظ على الوجود والعيش بكرامة وحرية. ولهذا تشمل المقاومة جميع جوانب الحياة المادية والمعنوية، فقد تكون عسكرية، ثقافية، سياسية، اقتصادية، تقنية وإعلامية كما تختلف أنماطها فتكون فردية أو جماعية، داخلية أوخارجية... لأنها دفاع عن الذات، عن الجماعة وعن الوطن .
ان المقاومة المتجسدة بالدفاع عن الذات ودحر المحتل الغاصب للأرض، ليست بدعة مستحدثة، بل هي حالة وجودية لكل مخلوق، كرستها الاديان السماوية وأقرتها المواثيق والقوانين الدولية.‏ إنها دفاع إنساني مشروع عن الحياة الفردية أو الجماعية ضد من يعمل على قتلها ، وعن الارض والوطن ضد من يعتدي عليهما.
أ- المقاومة في الدين المسيحي:
اذا أردنا استرجاع تطور حق المقاومة تاريخياً، يمكن القول ان صورة "المسيح المصلوب" كانت أول تعبير واضح عن صورة الشهيد الذي يستشهد من أجل قضية سامية، صورة دعا الله البشر من خلالها الى رفض الظلم والطغيان. ودعا المسيحيين الى الاقتداء بالتعاليم الأساسية للمسيح وأهمها  "الشهادة للحق"[1]، ورفض الشر ومقاومته، والثورة على الظلم.
صحيح أنّ المسيح دعا إلى محبّة الأعداء، لكن ذلك لا يعني أنّ المسيح لا يقيم فرقاً بين الإنسان وأعماله. اذ ان  "محبّة الأعداء" لا تقوم على تجاهل العداوة أو على إنكارها، بل على اعتبار العدوّ إنسانًا قابلاً للتوبة، فتكون مقاومة المؤمن له مقاومةً للشرّ الذي فيه، ورجاءً في تحوّله إلى إنسان صالح يلتقي به في الإنسانيّة الواحدة. في المقابل، ان المحبّة- المدعو اليها المسيحي- تفترض التصدّي للأشرار والظالمين والمعتدين حفاظًا على الحياة التي ائتمننا الله عليها.
وفي هذا الاطار، يقول أمبروسيوس، أسقف ميلانو (القرن الرابع): "إنّ الذي لا يصدّ الظلم الذي يهدّد أخاه، في حين أنّه قادر على ذلك، لا يقلّ ذنباً عن الذي يقترف الظلم، وكلّ مجاراة للظالم في موقفه العدوانيّ إنّما هي هزيمةٌ للمحبّة وإنكارٌ لقوّة ملكوت الله الفاعلة منذ الآن في الأرض وتخليدٌ لدوّامة الشرّ".
اما "الشهادة للحق" التي دعا اليها السيد المسيح، فلها أساليب عدّة: بالقول وبالفكر وبالعمل، وأيضًا بالدم المبذول من أجل الأحبّة. لذلك، ان حياة المسيحيّ كما يدعوه اليه المسيح هي مقاومة مستمرّة طالما هناك إنسان مقهور في حرّيّته أو في رزقه أو في طعام أولاده. 1
والواقع ان الكنيسة التي حكمت اوروبا في العصور الوسطى هي التي أضاءت- بشكل متعمد- على ما جاء في عظة الجبل للسيد المسيح عندما قال: "من ضربك على خدك الايمن در له الايسر"، وعتّمت على كل الجوانب المقاومة والثائرة ليسوع المسيح وذلك لكي يسهل عليها اخضاع المسيحيين لنفوذها، من خلال الادعاء بأن المسيح وعدهم بالعدالة والسعادة في الحياة الاخرى وبالتالي ليس من واجبهم مقاومة الظلم في هذه الارض "الفانية".
ب-حق المقاومة في الاسلام:
اعتبر الدكتور حسن الجوجو2 أنه "إذا احتل العدو أي شبر من بلاد المسلمين وجب على المسلمين أن يخرجوا للدفاع عن أرضهم ومقدراتهم، ولا أحد يستطيع أن يلغي جهاد السيف والسلاح ضد العدو؛ لأن فيه نصا من قبل الله تعالى:"{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج: 39)... واعتبر أن الجهاد في الشريعة الإسلامية يتعدد، فمنه جهاد الكلمة وجهاد القلم وجهاد الموقف والسيف الخ....1
وبنظرة على بعض آيات القرآن الكريم تتبين لنا الأهمية الكبرى التي يوليها الإسلام لقيمة العدل، - ففي الآية التسعين من سورة النحل: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"،
- وفي الآية الخامسة والعشرين من سورة الحديد "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".
- في الآية الثانية والأربعين من سورة المائدة أيضا "إن الله يحب المقسطين".
ويقول الدكتور شاندرا مظفر ان "الهدف من هذا الحض على دفع الظلم إنما هو لتحفيز الناس على اتخاذ موقف منه والعمل على إرساء العدل في حياتهم". ويتساءل هل هناك أي نص يأمر المسلمين بأن يأخذوا على عاتقهم تحقيق ذلك بالقوة؟  ويجيب ان هناك بعض الآيات القرآنية التي تسمح للمسلمين بأن يلجأوا إلى استعمال القوة ولكن فقط من أجل مقاومة القمع والعدوان. فالآية التسعون بعد المائة من سورة البقرة تقول "قاتلوا في سيبل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنه لا يحب المعتدين". ويستنتج اذاً أن الله قصر الحق في استخدام القوة ورفع السلاح على مواقف يقع فيها الفرد ضحية العدوان والقمع، وهو يأمرهم بالا بعتدوا على الاخرين، وهو ما يماثل مفهوم "الحرب العادلة" في أدبيات الثقافة المسيحية في العصور الوسطى.1
ثالثاً- حق المقاومة في القانون الدولي العام:
انطلق أب القانون الدولي غروتيوس (1583-1645م)  من فكرة احترام الحق الطبيعي للأشخاص ليدعو الى المقاومة، واعتبر ان حقوق الانسان مستمدة من القانون الطبيعي الأسمى، لذا فان أي انتهاك لهذا الحقوق يمنح الافراد حق مقاومة الظلم والتعسف.  
أ-المقاومة: حق أقرّته الثورات التاريخية
- يمكن اعتبار إعلان الاستقلال الأمريكي (1776) أول وثيقة رسمية تنص صراحة على حق المقاومة. إذ يؤكد نص الاعلان على  "أن المقاومة المسلحة هي المرحلة الأخيرة للاحتجاج ضد الهيمنة الاستعمارية".
- اما "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" الفرنسي عام (1789م) فقد أقر أربعة حقوق طبيعية للإنسان لا يجوز المس بها: حق الملكية، حق الحرية، الحق في الأمن، الحق في مقاومة الظلم والاستبداد، مؤصلاً لهذا الحق الاخير في الاتجاهات المدافعة عن هذه الحقوق بشكل مبكر. وقد اعتبرت المادة 33 من النص الثاني لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 1793 أن حق مقاومة الظلم هو النتيجة الطبيعية لحقوق الإنسان الأخرى.
- "إعلان حقوق وواجبات الإنسان الاجتماعي" – جنيف في 9/6/1793 أقر في المادة العاشرة حقوقاً ستة هي "المساواة والحرية والأمن والملكية والضمان الاجتماعي ومقاومة الظلم". واعتبرت المادة 44 أن "لكل مواطن الحق في مقاومة الظلم ويحدد شكل المقاومة في الدستور..".
ب- حق المقاومة في الامم المتحدة
 أقر ميثاق الامم المتحدة في المادة الأولى منه: "حق تقرير المصير والمساواة في الحقوق بين الشعوب". وجاء في مادته 55 :"رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سلمية وودية بين الأمم المتحدة مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها".
- لعل التوصية رقم 1514 (15) حول منح الاستقلال للشعوب والأقاليم المستعمرة عام 1960، تشكل النص الأوضح والأكثر تقدما على هذا الصعيد، حيث جاء فيها:
"1- إن خضوع الشعوب للاستعباد الأجنبي أو سيطرته أو استغلاله يعتبر إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويهدد قضية السلام والتعاون في العالم.
2- لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية نظامها السياسي وأن تسعى في ظل هذه الحرية إلى تحقيق نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
5- كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية أو سلامة إقليم أي بلد تعتبر منافية لأهداف ميثاق الأمم المتحدة.".
- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3214) عام (1974م) وفيه نص صريح يشرّع حقّ الشـــعوب بالكفاح المسلح من أجل نيل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير.
رابعاً- المقاومة ومشروع الدولة: تكامل وتفاعل أم صراع وإلغاء؟
لا يمكن بناء الدولة الحديثة الا بحس مواطنية سليمة وصحيحة، تفترض المساواة بين الجميع، وتنشئ المؤسسات القانونية والدستورية والعامة التي لا تقيم فرقاً بين مواطن وآخر.
لكن، المقاومة والمواطنية الصحيحة صنوان لا ينفصلان، فالمواطنية الصحيحة التامة تستوجب لحفظ الحقوق أن يكون حق المقاومة مقدساً ومحفوظاً، وبهذا المعنى تصبح المقاومة حق وواجب على  المواطنين. إنها حق وواجب مكرّس في الاديان السماوية كما في القانون الوضعي وفي القوانين الدولية كما رأينا سابقاً.
المقاومة والمواطنية الصحيحة يتكاملان ويتفاعلان في المجتمعات، فكما تكون التربية على المواطنية الصحيحة حافزاً للشعب لرفض الظلم ع مما يؤدي الى المقاومة والمواجهة، يمكن للمقاومة أيضاً ان تشكل عاملاً توحيدياً يطمس ما تحته من انقسامات وتباينات وهويات تحت وطنية. أما حين يصبح خيار المقاومة عاملاً تقسيمياً، وحين تغدو الانقسامات المجمتعية من الحدة بمكان حيث تختلف المجموعات المكونة للدولة في نظرتها الى العدو وتختلف حول التاريخ والجغرافيا، فان المواطنية تكون ناقصة بامتياز.
وعليه، فإن ثقافة المقاومة يجب أن تكون نهج حياة للمواطنين المنتهكة حقوقهم وأرضهم، ويجب أن يصبح خيار المقاومة عاملاً موحداً للمواطنين، اذ ان التمايزات والاختلافات يجب تسقط عند أبواب التهديد الخارجي والظلم والعدوان وانتهاك حقوق الانسان. من هنا يمكن أن يصبح خيار المقاومة عاملاً للتوحيد في المجتمعات المتعددة والمجتمعات غير المتجانسة، مما يؤدي الى انتشار حس المواطنية الصحيح والترفع عن الاحقاد والضغائن والعصبيات الطائفية والمذهبية . وفي بعض الاحيان، ان ترسخ التربية المواطنية الصحيحة في مجتمعات كهذه تتعدد فيها الانتماءات الدينية والعرقية واللغوية أو الخيارات الثقافية والفكرية، قد يؤدي الى تعزيز خيار المقاومة وتقويته.
ولكن هنا يطرح التساؤل: هل تقاعس جزء من المواطنين عن واجبهم المقاوم، أو تنازلهم عن حقهم في المقاومة يؤدي الى اسقاط حق الاخرين في العمل المقاوم استناداً الى مبادئ المواطنية التي تقوم على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى تكافؤ الفرص بين المواطنين دون تمييز؟
بالطبع لا، ان تقاعس جزء أو شريحة – مهما كانت كبيرة- عن العمل المقاوم لا يمكنه بأي حال من الاحوال أن يسقط حق المقاومة وواجبها المفروض على المواطنين الآخرين، ولا يؤدي الى اسقاط حق الفئات الاخرى ولو كانت أقل عدداً.  كما أن تقاعس جيل من الأجيال عن أداء واجبه المقاوم، لا يمكن أن يسقط حقوق الاجيال المقبلة في العمل المقاوم ورفض الظلم.
وهكذا نستنتج انه لا يمكن الفصل بين الدولة والمقاومة. فالدولة الحديثة من حيث هي دولة المواطنين، والتجسيد لإرادتهم تفترض من داخلها مبدأ المقاومة، أي التصدي لكل محاولات مصادرة هذه الإرادة  التي لا تستقيم من دون ضمان حق المقاومة.
وهذا الارتباط بين المقاومة والدولة هو أساس تنظيم الإرادة الشعبية على أسس قانونية وعقلانية سليمة، فالمقاومة تجسد المصدر الشعبي للسلطة، وتعبر عن إرادة المجتمع التي تكمن وراء الدولة وتضمن السير السليم لمؤسساتها، بينما الدولة تشكل التجسيد المؤسساتي لحكم الحرية والسيادة والقانون، ويحصل الانفصال والتعارض بين الدولة المقاومة فقط عندما يؤدي الواقع المأزوم الى إفسادهما معا وأفراغهما من مضمونهما. فينحط معنى الدولة عندما يطابق واقعها لفكرة التسلط والتفرد والاستئثار كما حصل في لبنان في الاعوام الاربعة الماضية، وينحط معنى المقاومة عندما تصبح قناعاً لمشاريع حروب أهلية، وذريعة لتشريع الميليشيات المناوئة لفكرة الدولة والسلطة المركزية، وهذا ما حاول البعض جر المقاومة اللبنانية اليه فلم تقع في الفخ.
 من هنا، يجب العمل الدائم على الانسجام بينهما، بوصفهما مبدأين ناظمين للحياة السياسية في عصرنا: مبدأ السيادة (للدولة) والحرية (للمجتمع). فبالحرية نضمن عدم ارتهان الدولة للقوى الخارجية، وبالسيادة نقي المقاومة من التحول إلى ميليشيا والخروج على القانون والشرعية.
 خاتمة:
في ظل الظروف الدولية الراهنة، وبعد ما حصل في لبنان والعراق وفلسطين، تغدو الحاجة ماسة إلى إعادة تأكيد المفاهيم الإنسانية السليمة للمقاومة، والحفاظ عليها حقوقاً إنسانية ثابتة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقيم الحضارية وبحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمحافظة على شرعية مقاومة الاحتلال الأجنبي واستعادة حقوق الشعوب المشروعة.
لقد بات من الضروري في عصرنا الحاضر تنظيف مفهوم حق المقاومة مما علق به من مفاهيم وأهمها "الارهاب"، فالارهاب مختلف جداً عن المقاومة ويبتعد الى أقصى الحدود عن هذا الحق البديهي والجوهري للشعوب. وقد التبس المفهومان وتداخلا في العلاقات الدولية لسببان اثنان: الاول ادعاء الارهابيين بأن ما يقومون به من قتل للمدنيين الابرياء يدخل ضمن حق المقاومة والثاني مصلحة الدول الكبرى في ربط المفهومان بعضهما ببعض من أجل ضرب المقاومات والدول الممانعة وتأليب الرأي العام عليها وحظرها.
في النهاية، نقترح على مؤتمركم الكريم ما يلي من توصيات:
1- التأكيد على خيار المقاومة الأهلية المتمثلة بالتحرير والتحرر معاً، وحيث لا سيادة للدولة ولا لحرية لأفرادها من دونها.
 2- اقرار مشروع متكامل لبناء دولنا على اسس حديثة، ونشره على مستوى المجتمع المدني مما يؤدي الى عدم الكفر بمفهوم الدولة كإطار شرعي وحيد لتنظيم الحياة الاجتماعية أو جزء كبير منها، وكسلطة وحيدة لاحتكار العنف الشرعي. 
3- التأسيس من أجل بناء وحدة عميقة بين الدولة كقاعدة للحياة القانونية والمؤسساتية التي تضمن حقوق الأفراد وحرياتهم وتطمئنهم عليها، وثقافة المقاومة التي تشكل الروح الوطنية في المجتمع.
4- اطلاق عملية إعادة بناء أخلاقية وقانونية وسياسية، تسمح بتخطي العصبيات الطائفية والمذهبية على مستوى المجتمع المدني ومستوى السلطة معاً، والتأسيس لمقاومة متكاملة، ينخرط فيها الجميع كل بحسب قدرته وامكاناته.
5- التأسيس لمشروع متكامل يوطد الثقة والتكامل بين المقاومات وحركات التحرر في العالم، وذلك من اجل بناء  "المقاومة التكاملية" بحيث يصبح نجاح أي مشروع مقاوم هنا، يؤدي الى استفادة هناك، وهكذا يتكامل العمل المقاوم مما يؤدي الى انهيار مشروع السيطرة والهيمنة على المنطقة.

[1]  قال السيد المسيح: "انما جئت أشهد للحق"
- 1   الاب الدكتور جورج مسوح، معنى الحياة في الرؤية المسيحية،مجلة تحولات، العدد السادس والعشرون، ايلول 2007               
1  www.islamonline.net


____________________________________________

هناك تعليق واحد:

  1. فعلاً دكتورة ليلى المقاومة حق مشروع وأول من قاوم الشر هو الله الذي بذل ابنه الوحيد لكي يحرر البشرية من الخطيئة والعبودية ( لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية.يوحنا ٣:١٦.والهلاك الذي يريدنا الله إن نتخلص منه هو ظلم الأنسان و الشيطان سوياً ،لذلك المقاومة لاحقاق ألحق كانت أول ردة فعل قام بها الله لتخليص الجنس البشري من الخطيئة ولذلك أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح ألمخلص الذي بذل حياته لاجلنا .أما الذين بأن المقاومة تتعارض مع السيادة فهم ليسوا احراراً انما وقعوا فريسةً للفكر الشيطاني الذي يدعونا للاستسلام والذين يعتقدون بأن المفاوضات مع هذا العدو وربيبته أميركا ستعيد اليهم حقوقهم لم يقرأوا عن الثورة التي قام بها السيد المسيح عندما دخل إلى الهيكل ورأى بأم عينه كيف إحتل الصيارفة والتجار بيت أبيه ،فهل فاوضهم لكي يتركوا الهيكل ؟(ودخل يسوع الى هيكل الله واخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام ١٣( وقال لهم.مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة لصوص. متى ٢١:١٢ ) ردة فعل السيد المسيح هي أكبر دليل على عن المسيحي عليه عن لا يقبل بأن تستباح أرضه ومقدساته وعليه عن يقاوم ومن غير اليهود عبر التاريخ إحتل واغتصب وقتل الانبياء و الرسل وأنتهك الأعراض وأسلم ألمخلص ليصلب؟ وسجلات التاريخ القديم والحديث مليئه باجرامهم وعلى كل شريف وذو حق عن يقاوم حتى يعود ألحق لاصحابه ونحن لسنا من الذين يريدون عن يرموا اليهود في البحر ولكن عليهم عن يتوقفوا عن أفعالهم الشنيعة وان ولو لمرةٍ واحدة في التاريخ أن يحاولوا أن يرضوا الله الذي غضب عليهم بعدما كانوا يعتبروا أنفسهم شعبه المختار .
    ألف شكر لك صديقتي التي أفخر بأن تكون علماً من أعلام النور في هذا الشرق المقاوم .

    ردحذف