2011/09/15

البطريرك الراعي والتخلي عن دور "الطائفة – السفارة"

يعيش العالم العربي اليوم في خضم تحولات كبرى تشبه التحولات التي واكبت سقوط الإمبراطورية العثمانية، وإعادة تشكيل المنطقة على أسس جديدة أفرزت دولاً جديدة بحدود مستحدثة، يقول البعض عنها إنها من صنع الاستعمار، ويدافع البعض الآخر عنها باعتبارها مقدّسة، في حين يرى بعض المسيحيين أنها كانت غلطة تاريخية.

لا شك أنه في كل مرحلة تحولات تاريخية، فإن الأقليات الدينية التي تقطن منطقة ما، لا بد أن تتأثر بهذه التحولات سلباً أو إيجاباً، وقد تُستخدم أحياناً كذريعة لتدخل الدول الكبرى، أو حجاباً ساتراً لممارسات تآمرية لأهداف بعيدة كل البعد عن الله والدين المتذرّع بهما.

شهد القرن التاسع عشر، ولغاية نهاية القرن العشرين، توجهاً مسيحياً مشرقياً نحو الغرب، الذي استغلّ خوف الأقليات الطائفية المتعددة، وحاجتها للحماية خلال عهد السلطنة العثمانية، ليوكل إليها وظائف تتمركز بمعظمها على مفهوم «الطائفة - السفارة»، التي تقوم على تبادل المنافع: "الدولة تؤمن الحماية للطائفة، وزعماء الطوائف يؤمنون مصالح الدولة الحامية في الشرق"، وهكذا، ومن ضمن إطار تبادل المنافع، حمت فرنسا الموارنة، وروسيا حمت الأرثوذكس، والإمبراطورية النمساوية حمت الروم الكاثوليك، والإنكليز حموا الدروز، أما السلطنة العثمانية فحمت السُّنة.

وبنتيجة هذه المعادلة، كان توجّه لدى جزء من المسيحيين المشرقيين نحو الغرب، الذي وعد بضمان الحماية للوجود والدور، مقابل توجّه مناقض لفئة أخرى من المسيحيين، والتي اختارت القومية العربية منهجاً وهدفاً يُعمل له في مواجهة نزعة التتريك وهيمنة الأتراك على التراث العربي وطمسه.

من تلك الحماية وذلك الدور، استمر جزء من المسيحيين كتقليد سنوي بأداء مراسم الشكر والتعلق بفرنسا، التي أتاحت لهم فرصة حكم لبنان في وقت من الأوقات بعد إعلان دولة لبنان الكبير، إلى أن كان اتفاق الطائف بتراجع مسيحي وتقدّم إسلامي، عمل السوريون - حُكام لبنان لمرحلة ما بعد الطائف - على تجميله، فحافظوا على التوازن، إلى أن كان التطبيق المتفلت من أي سقف لهذا الاتفاق؛ باستئثار الحريرية بالحكم عام 2005، وما تلاها من سنوات لغاية بداية العام الحالي، فتمّ تهميش المسيحيين، عبر محاصرة من يمثلهم في السلطة، وتجاوز منصبه وسلب صلاحياته، أي رئيس الجمهورية إميل لحود، الذي حاولوا عزله ولم ينجحوا، وعبر رفض الإشراك في السلطة لممثليهم الحقيقيين المنتخبين (التيار الوطني الحر)، ولم يتدخل الغرب في هذه المراحل إلا ليقنع المسيحيين بالقبول بالتراجع، أو يعرض عليهم الهجرة، وهنا لعبت البطريركية المارونية دوراً أساسياً في التيئيس والدفع نحو القنوط، الذي أدى، بالإضافة إلى الظروف المادية والاقتصادية الصعبة، إلى هجرة مسيحية لبنانية في تلك الأعوام، وقد فاقت الهجرة التي سببتها الحرب اللبنانية بسنواتها الخمس عشر.

هنا كان لا بد للمسيحيين أن يعوا من منطلق الوعي والواقعية أن مصيرهم ووجودهم ودورهم يحكمه انتماؤهم للشرق، وأن الغرب العامل لمصالحه أبداً لم يعد يجد فيهم حاجة، وأن وظيفة «الطائفة - السفارة» انتهت، وبالتالي لا بد لهم من أن يعيشوا الانتماء المشرقي عيشاً أكيداً، لا أن يكونوا مجرد وجود اغترابي يحكمه انتماء إلى غرب يستعملهم ولا يعمل لهم.

من هنا يمكن فهم الخيارات الانفتاحية التي تبناها التيار الوطني الحر، فقد أدرك العماد ميشال عون مبكراً منذ عودته من المنفى، أن لا خيار للمسيحيين اللبنانيين إلا الانتصار لوطنهم وأرضهم، ولا نهوض للبنان إلا بمسيحييه ومسلميه، فرفض فكرة عزل فئة تمهيداً لاجتثاثها، وعمل على تثبيت المسيحيين في السلطة والوطن، وحفظ دورهم وكرامتهم، مبتعداً عن أساليب "النعي والنق" التي تؤدي إلى تيئيس المواطنين لتهجيرهم، كما رفض السير بالمشاريع الأميركية المعدّة لتفتيت المنطقة دويلات طائفية متناحرة، لن تبقي لهذا الشرق سوى الدمار والدموع. وكذلك وعى البطريرك الراعي لهذه المسلمات، فقام بضخ أمل ورجاء جديديْن بين المسيحيين في فاصل زمني قصير، ممتد ما بين انتخابه بطريركاً وعودته من فرنسا، وما بينهما من لقاءات وجولات.

منذ اعتلائه سدة البطريركية، والراعي يحاول تغيير النظرة التي يجب أن ننظر لها إلى رجال الدين؛ أراد أن يقول إن العظات الكنسية التي تبدأ بكلام الإنجيل ودعوات السيد المسيح للمحبة، يمكن لها أن تنتهي بدعوات مشابهة للمحبة والشراكة، وترسيخ الوئام بين اللبنانيين، وهو أمر لم نعتده منذ زمن طويل؛ حين كانت العظة تبدأ بكلام الإنجيل وتنتهي ببيان أشبه ببيان "الأمانة العامة لقوى 14 آذار"، التي عادة ما تتضمن تحريضاً وإثارة للنعرات وبثاً للأحقاد.

لكل هذه الأسباب، تبدو الهجمة التي يشنها مسيحيو الأقلية على البطريرك الراعي غير مبررة، فهو لم ينحَز لفريق ضد آخر كما فعل رجال دين آخرون، ولم نشهد أن الراعي اصطف سياسياً إلى جانب فئة، بل أراد ان يكون راعياً لكل الرعية، لذا لم يقم موقفه خلال تشكيل الحكومة الحالية على أن "بقرة المعارضة وقعت" وعلى الموالاة سلخ جلدها لا مساعدتها على النهوض وإشراكها في الحكم؛ كما كان يحصل سابقاً.

إذا لم يقبل البطريرك السير بمشاريع التقسيم والانعزال والتقوقع التي يدفع إليها البعض الذي ما زال يحلم بإقامة كونتون طائفي مغلق، فذلك لا يعني رجمه وإطلاق أبشع النعوت عليه، كما يفعل مسيحيو الأقلية النيابية.. ببساطة، يريد البطريرك أن يثبت أن "الراعي الصالح" الذي يقود خرافه، يمكنه أن يتكلم بالسياسة، وفي الوقت نفسه ينأى بنفسه عن ممتهني السياسة، الذين يدركون أن لا أخلاق في السياسة ولا براءة، ولا "أحبوا أعداءكم"، ولا "باركوا لاعنيكم"، بل مكيافيلية صرف تقوم على "الغاية تبرر الوسيلة، ويُحكم على الوسيلة المستخدمة بنتائجها السياسية وليس على أخلاقيتها أو عدمها"..

من هنا، يجد الراعي نفسه ملزماً بوضع الخط الفاصل بين كلام في السياسة من منطلق واجب وطني وأخلاقي وديني، وبين امتهان السياسة للوصول إلى هدف سياسي ضيق أو تحقيق فوز انتخابي هنا، أو عزل فئة سياسية هناك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق