2012/01/12

أميركا.. والحلم الضائع ببناء الامبراطورية

منذ زمن أثينا واسبارطة الى اليوم، لم يكن التاريخ سوى تعاقب لامبراطوريات وأمم حكمت حقباً منه قبل أن تمضي؛ فظاهرة القوى الكبرى والعظمى قديمة قدم التاريخ نفسه. وفي دراسة أسباب سقوط الامبراطوريات التاريخية نجد عوامل ثلاث مشتركة ساهمت في سقوطها، وهي:‏
- العامل الأول اقتصادي: ويتلخص بفقدان القدرة التنافسية والإنتاجية وتجاوز بلدان أخرى للإمبراطورية اقتصادياً، وخاصة عندما يصبح انفاقها العسكري أكثر من قدرة اقتصادها على تحمّله فتصبح القوة عندئذ رهاناً بحد ذاته.
- العامل الثاني: حالة التوسع المفرط في الهيمنة الخارجية التي تصبح أكثر من قدرتها على الاضطلاع به والتي تؤدي إلى بعثرة القوة الإمبراطورية، ما يؤدي إلى إرهاقها اقتصادياً. وهذا الإرهاق سينعكس على الميدان العسكري، فتلحق بها هزيمة عسكرية، عندئذٍ يصبح شعب الإمبراطورية غير مقتنع ولا مؤيد للهيمنة والتوسع الإمبراطوري، بل يبحث عن أمنه الداخلي كما حدث للإمبراطورية السويدية والبرتغالية.‏
- العامل الثالث: الهزيمة العسكرية التي تلحق بالإمبراطورية في حرب ما، والتي تعرّضها فيما بعد إلى غزو.‏

وتطبيقًا على الحالة الاميركية، والتي ارهقتها الحروب العسكرية وكادت تفلسها، فإن الحكمة الأميركية تفترض السير بسياسة تقشف اقتصادية، كشف الرئيس الأميركي باراك أوباما عن جزء منها الأسبوع الماضي، معلناً عن أكبر تحول في الاستراتيجية الدفاعية من خلال نهاية عصر خوض الحروب البرية ومكافحة التمرد وعمليات بناء الدول المتعثرة، والتحول إلى تجديد القوة الاقتصادية لأميركا التي اعتبرها الرئيس الأميركي أنها "أساس القوة الأميركية في العالم".
وبالرغم من التحليلات التي تحدثت عن أن التخفيض المعلن عنه هو ليس سوى "تلاعب في الألفاظ"، ونوع من الدعاية الإعلامية على أبواب الانتخابات الأميركية، إذ إن وزارة الدفاع ستحافظ على استمرار التدفق المالي لميزانيتها العامة دون أي تغيير يذكر، والفارق الأساسي في تفسير الميزانية الإجمالية المخصصة لوزارة الدفاع هو استثناء الأموال المخصصة دورياً لشن الحروب والاستمرار بالحروب الجارية من الاستقطاعات المعلنة، والتي وصلت أرقاماً خيالية تعد بمليارات الدولارات.. فإننا نرى أن البنتاغون من خلال استراتيجيته الجديدة، يحوّل وجهة الإنفاق إلى التحديات المستقبلية الأكثر تهديداً للنفوذ الأميركي ولهيمنة الامبراطورية، مما يسمح بإعادة إحيائها من جديد ومنعها من السقوط، كما سقطت الامبراطوريات التي سبقتها.
وفي دراسة محاولة إعادة إحياء الامبراطورية، نجد أن الولايات المتحدة تتجه إلى ما يلي:
-        الحفاظ على التفوق العسكري الأميركي وإنشاء قوى عسكرية صغيرة مجهزة جيداً، مما يخفف الإنفاق ويكون أفضل بكثير من قوى أكبر، مكلفة أكثر وغير مستعدة.
-        محاولة احتواء النفوذ الصيني إقليمياً وعالمياً، ومن الأساليب الفاعلة تحويل وجهة الإنفاق العسكري نحو مزيد من الاستثمارات في قدرات القوات البحرية والجوية في المحيط الهادئ.
-        الاستمرار في التعاون مع دول حلف الناتو، مع توجه أكبر للاعتماد على قدرة الحلفاء في القارة الأوروبية، فأميركا بصدد التخلي عن تعهدها السابق – خلال الحرب الباردة- بحماية أوروبا، فلم يعد هناك قلق من اجتياح روسي لأوروبا، وفي الأوقات التي ستمتنع فيها الولايات المتحدة (بالتالي الناتو عن التدخل في أزمة كبيرة في الجوار لأن لديها أولويات مختلفة، على أوروبا أن تقف بنفسها وتقوم بعمليات عسكرية حين تدعو الحاجة، لحماية مصالحها وجوارها.

-        استمرار السياسة الأميركية باحتواء "التهديد" الإيراني، ومحاولة منع إيران من امتلاك التقنية النووية، ومن التحول إلى قوة إقليمية عظمى تهدد أمن دول الجوار الخليجي وممرات النفط، وتسيطر على السياسية الإقليمية في الخليج بشكل عام.
 ولتحقيق هذا، يعتمد الأميركيون استراتجية الردع من خلال سياسة "إحباط أهداف العدو" بدون تكاليف باهظة، وذلك من خلال العمل على تقوية حلفائهم العرب الخليجيين سياسياً وعسكرياً، من خلال إعطاء نفوذ واضح لقطر والسعودية في قضايا الثورات العربية، ومنع أي تهديد شعبي لسلطة حكام الخليج، وما يحكى عن إعلان دول مجلس التعاون الخليجي كياناً موحداً، ومن خلال صفقات السلاح التي تبرمها مع الدول العربية الخليجية.

وبالتأكيد، وكما أعلن الرئيس أوباما صراحة، لا تستطيع أميركا أن تتخلى عن الشرق الأوسط، وهي تتحسب بالفعل لاستمرار هيمنتها ونفوذها وحماية أمن إسرائيل، لذا تحاول الولايات المتحدة أن تقيم "تفاهمات" مع جماعات الإخوان المسلمين - التي تتحضر لاستلام السلطة في شمال أفريقيا- لتشكيل قوة إقليمية كبرى ممتدة من تركيا إلى شمال أفريقيا عبر شبه الجزيرة العربية وإسرائيل، الأمر الذي سيعوّض على أميركا خسارتها لحروبها ويثبت نفوذها وسيطرتها على ممرات الطاقة والمياه، ويجهض أي خطر على المصالح الغربية في هذه المنطقة قد يشكّله الطموح المتصاعد لكل من الصين وروسيا .

وهكذا، تبدو سورية الساحة الأخيرة – حتى الآن- والتي يستمر فيها سباق النفوذ في المنطقة بين معسكرين يحاولان الهيمنة على "قلب العالم" من البوابة السورية، وفي المعسكر الأول: أميركا وتركيا والغرب المتحالف مع أميركا، وفي المحور المقابل نجد الصين وروسيا – الطامحة للعودة إلى النفوذ الدولي من بوابة الشرق الأوسط والسورية بالتحديد- وإيران.

إذاً، استراتيجية أميركية طموحة لإعادة إحياء الامبراطورية، وصياغة نظام عالمي جديد يعيد التاريخ إلى ما كان عليه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، فهل تنجح؟

برأينا، لن تستطيع أميركا أن تعيد الزمن إلى الوراء، وإعادة الامبراطورية إلى سابق عهدها، والفشل سيكون من البوابة السورية بالتحديد، فالقوى الكبرى والعظمى هي ببساطة تلك التي تمتلك من القوة وأدواتها ما لا يملكه منافسوها، إذ إن القوة الدولية علائقية ونسبية؛ لا تظهر إلا في ظل علاقات بين وحداتها، بالتالي لا يمكن وصف دولة بأنها قوية أو ضعيفة إلا مقارنة مع دول أخرى، وهنا تبدو الولايات المتحدة قوية نسبياً، وليس بشكل مطلق، وما الفشل في كل من العراق وأفغانستان والآن الفشل الواضح في سورية إلا دليل على ذلك.

إننا نرى أن النظام العالمي يتجه إلى مزيد من تعددية مراكز النفوذ، سيؤدي إلى نشوء قوى استراتيجية منفصلة تلتقي وتختلف أهدافها بحسب مصالحها، فلا أحلاف دائمة ولا عداوات دائمة، بل يكون التفاهم والاختلاف بدراسة المصلحة في كل قضية على حدة.

في النهاية، يمكن التنبؤ بأن دورة التاريخ ستدور، وكما كان القرن التاسع عشر أوروبياً، والقرن العشرين أميركياً، فإن القرن الواحد والعشرين قد يكون آسيوياً بامتياز.

·        استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق