2018/02/02

الاستراتيجية الاميركية: "كماشة" لإحتواء الروس؟


تشي التطورات الحاصلة على صعيد الأزمة السورية خاصة بعد مؤتمر سوتشي، أن الأميركيين يعملون جاهدين على تأخير الحل السوري ومنع الروس من تحقيق أي تقدم إن على صعيد الحل السياسي الذي يحاول الروس تكريسه من خلال نتائج المؤتمر، أو من خلال محاولة اقتطاع جزء من الأرض السورية وتكريس كونتون انفصالي فيها في الشمال الشرقي من سوريا، أو محاولة إعادة عقارب الساعة الى الوراء بدق اسفين في علاقة موسكو بتركيا والاستفادة منها في الميدان السوري.
وبالنظر الى المحاولات الأميركية للتعطيل، نجد أن الأميركيين حاولوا استباق مؤتمر سوتشي وتعطيله بشتى الأدوات ومنها الدعوة الى مؤتمر فيينا قبل أسبوع من مؤتمر سوتشي، إطلاق صواريخ على قاعدة حميميم الروسية عبر طائرات مسيّرة انطلقت من مناطق يسيطر عليها مجموعات مسلحة تابعة للأتراك ليتبين فيما بعد أنها تهدف الى دق اسفين في علاقة موسكو بالاتراك، ثم منع المعارضين الموالين للأميركيين والأكراد من المشاركة في مؤتمر سوتشي للحوار، ولعل الأخطر هي الوثيقة السياسية التي تمّ وضعها من قبل الدول الخمس (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، السعودية، والأردن)، والتي سوّقت افكارًا خطيرة تمس بسيادة سوريا ووحدتها الاقليمية، وتنصّب نفسها بديلاً عن الشعب السوري في تقرير مصيره، وتنسف كل القرارات الدولية حول سوريا وخاصة القرار 2254.
وهكذا يتضح أن الأميركيين لن يقبلوا بحل سوري بسهولة، وسيحاولون منع لروس، أو على الأقل تأخير بسط نفوذهم في سوريا والذي سيكون مقدمة لنفوذ أكبر في الشرق الأوسط، اي أن الأميركيين وبالرغم من اقتناعهم أن الروس باتوا يسيطرون على مفاصل الحل والميدان في سوريا، لكنهم سيحاولون ما استطاعوا منع الروس من تسييل الانتصارات الميدانية في تكريس حلٍ سياسي يفرض وجهة نظرهم في مستقبل سوريا، وسيحاولون الاستمرار بالقتال والتعطيل لمنع الروس من تكريس شراكة في النفوذ الشرق الأوسطي مع الأميركيين.
بمراجعة تاريخية واقعية، نجد أنه ومنذ احتلال العراق عام 2003 سيطرت الولايات المتحدة كدولة كبرى على الشرق الأوسط، وحاولت التحكم بمفاصل السياسة والتفاعلات الاقليمية التي تجري فيها بطريقة انفرادية، إلا أن الواقع على الأرض عاد وفرض على الأميركيين القبول بشراكة ايرانية في التحكم بالعملية السياسية في العراق، ثم القبول بالأمر الواقع وتوسع النفوذ الايراني في المنطقة برمّتها، خاصة بعد فشل العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز عام 2006، وبعد فشل اسرائيل في اخضاع قطاع غزة، وفشل كل السياسات التي اتبعت عبر الدعم الاعلامي والسياسي وبالواسطة لإخضاع حزب الله وسوريا.
ومع تطور الحرب السورية، بدا أن النفوذ الايراني في ذلك البلد يترسخ من خلال الدعم العسكري والاقتصادي والانخراط في الحرب الى جانب الرئيس السوري بشار الأسد، ثم دخل الروس على خط الأزمة، وتزايد انخراطهم مع تقدم السنوات، الى أن بات الروس يسيطرون على مسارات الحل السياسي والعسكري، ويتبنون القضية السورية في المحافل الدولية، ويطمحون اليوم من خلال مؤتمر سوتشي الى رسم وتحديد مسار التعديل الدستور والانتقال من الحرب الى السلم، وتوسع نفوذهم الشرق أوسطي.
من خلال ما تقدم، يمكن فهم الاستراتيجية الأميركية الحالية في مواجهة النفوذ الروسي المتعاظم في سوريا، فالأميركيون، كما يبدو، استسلموا للأمر الواقع بأنه لا يمكن القضاء على النفوذ الايراني في العراق ولبنان. ويتضح من خلال مراقبة السياسة الاميركية المتبعة، أن الأميركيين قد يقبلون - على مضض- بشراكة في النفوذ في كلا البلدين مع العمل الحثيث على تقليص مساحة النفوذ الايراني واحتوائه قدر المستطاع وتوسيع مساحة النفوذ الأميركي على حسابه، وذلك بهدف تشكيل "كماشة" التفافية حول سوريا تهدف الى احتواء النفوذ الروسي ومنعه من التمدد من سوريا الى باقي المناطق في الاقليم.
من هنا يكون الاستنتاج العام حول سلوك القوى الدولية في الإطار الاقليمي، أن الأميركيين سيحاولون التفرد بالنفوذ في المناطق الاقليمية حين يستطيعون، ولكن في حال العجز، فإنهم قد يقبلون بشراكات النفوذ مع قوى اقليمية بحكم الأمر الواقع، مع الاستمرار في محاولة منع أي قوة دولية من مشاركتهم النفوذ في المناطق الاقليمية الحيوية في العالم، وهكذا نفهم التركيز على الخطرين الصيني والروسي في استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي أعلنها ترامب. فهل ينجح الأميركيون في استراتيجية تشكيل "كماشة" أميركية ايرانية لإحتواء النفوذ الروسي في سوريا؟ وكيف سيوفقون بين استراتيجية معاداة ايران واحتوائها في المنطقة، وشراكة النفوذ معها لإحتواء النفوذ الروسي في الوقت نفسه؟ وكيف سيتصرف الايرانيون؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق