2026/02/10

تآكل دور الغرب كـ"حارسٍ للبوابة"

علت صيحات استهجان واسعة عند دخول المنتخب الأولمبي الإسرائيلي إلى الملعب خلال حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية ميلانو–كورتينا 2026، وكذلك لاقى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس استقبالاً مشابهاً. في المقابل، استقبل الرياضيون الأميركيون بتصفيق حار كبير، في موقف واضح يعبّر عن استياء الجماهير والرأي العام العالمي من إسرائيل والمسؤولين الغربيين الذين يدعمونها.

تعد نظرية "المجال العام العالمي" امتداداً وتطويراً للمفهوم الكلاسيكي الذي صاغه الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس في كتابه الشهير "التحول البنيوي للمجال العام" (1962).

انطلق هابرماس من فكرة "المجال العام" كفضاء وسيط بين الدولة والمجتمع، حيث يجتمع الأفراد العقلانيون للمشاركة في نقاشات نقدية وحرة تؤدي إلى تشكيل "رأي عام" يراقب السلطة ويمنحها الشرعية. اعتمد هذا النموذج في بدايته ضمن الدولة القومية واللغة الواحدة والمواطنة المحددة جغرافياً.

ومع تصاعد ظاهرة العولمة وبروز التحديات العابرة للحدود ومع انفتاح الحدود الثقافية والعالمية توسع التكنولوجيا ووسائل الاعلام الحديث، جادل عدد من الباحثين بأن النقاش العام لم يعد محصوراً داخل حدود الدولة القومية، وإن المجال العام انتقل من الدولة الى الفضاء العالمي.

ولعل هذا التحوّل البنيوي، أتى كنتيجة طبيعية لعوامل عدّة أبرزها:

  • العولمة وثورة المعلومات والاتصالات: ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي سمحت بتجاوز الرقابة الحكومية والحدود الجغرافية.
  • المجتمع المدني العالمي: دور المنظمات غير الحكومية والحركات الاحتجاجية العابرة للحدود التي خلقت أجندات نقاش دولية.
  • ضعف سيادة الدولة: انتقال مراكز القرار إلى مؤسسات دولية أو فاعلين من غير الدول.
  • حاجة الدول الغربية وحلف الناتو الى رأي عام عالمي داعم للتدخلات العسكرية في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. هذه الحاجة جعلت وسائل الاعلام الغربية تسهم في تسييس هذا المجال وتأطيره عبر عرض صور المجازر وحشد الرأي العام العالمي لتأييد مبدأ "التدخل الإنساني" كما حصل في كوسوفو (على سبيل المثال لا الحصر).

وتاريخياً، كانت المؤسسات الكبرى في الغرب تمارس دور "حارس البوابة" الذي يحدد ما هو "الخبر" وكيف يتم تأطيره، وما يجب رؤيته، وكيف نقاربه من النواحي السياسية والأخلاقية. شكّلت الحرب على غزة لحظة فارقة في تاريخ الصراعات المعاصرة من حيث حضورها الإعلامي العالمي، حيث ساهم الاعلام الجديد في "حرب لامتماثلة" يستطيع فيها الضعيف أن يهزم القوي والنافذ في حروب السرديات الحديثة.

وكما في ملاعب إيطاليا، كذلك في شوارع لندن وباريس ونيويورك انطلقت صيحات الشعوب ضد السياسات الغربية في الشرق الأوسط، وشكّلت التظاهرات في الجامعات الأميركية تعبير عن بروز "مراكز تواصل لا مركزية"، بحيث لم يعد بإمكان التواصل الاستراتيجي الرسمي للدول الغربية حجب الرواية الأخرى، مما جعل "المجال العام العالمي" بيئة معادية للرواية الإسرائيلية الرسمية.

ورويداً رويداً، تتراخى قبضة الغرب على الاعلام وتتقلص قدرته على لعب دور حراسة البوابة، وبفضل صحافة المواطن والنشطاء على الأرض، انتقلت الصور الحية للمجازر في غزة مباشرة إلى الجمهور العالمي، متجاوزةً الرقابة التحريرية الغربية. ورغم محاولات التقييد، برزت منصات سمحت بتدفق سردية "الجنوب العالمي"، مما كسر الهيمنة السردية التي كانت تفرضها عواصم الغرب.

وهكذا، كشفت الأحداث التي حصلت في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2025 عن أعمق انقسام في التاريخ الحديث داخل الغرب نفسه:

  • تمرد المجال العام: شهدت الولايات المتحدة الأميركية تحولاً في الرأي العام امتد الى الجامعات خاصة Ivy Leagueوفي الشوارع الأوروبية، حيث اصطدمت قيم "العقلانية التواصلية" التي نادى بها هابرماس مع المصالح الجيوسياسية للدول.
  • فقدان الشرعية الأخلاقية: كشفت التطورات ازدواجية المعايير الغربية، فعندما يدافع الغرب عن "النظام الدولي القائم على القواعد" في أوكرانيا، ثم يتجاهل "الإبادة الجماعية" في غزة، فإنه يفقد قدرته على القيادة الأخلاقية للمجال العام العالمي.
  • الانتقال من المجال الاجتماعي الى القانوني: لأول مرة، لم يعد النقاش العام محصوراً في وسائل التواصل وفي الإطار الأخلاقي والانساني، بل انتقل إلى أروقة المحاكم العالمية: محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية. وهكذا، تحوّل مصطلح "الإبادة الجماعية" من شعار احتجاجي إلى توصيف قانوني تبناه المجال العام العالمي، مما وضع الغرب في موقف الدفاع بدلاً من الهجوم.

بالنتيجة، يمكن القول إن ما شهدته ملاعب "ميلانو–كورتينا 2026" الإيطالية، وما شهدته شوارع العواصم الغربية والجامعات العريقة من احتجاجات وصيحات استهجان، لا يمكن اعتباره مجرد تعبير عابر عن غضب سياسي، بل يبدو إعلاناً رسمياً عن "التحول البنيوي الثاني" للمجال العام؛ وهو تحولٌ يتجه فيه الغرب تدريجياً الى تآكل دوره كـ"حارس البوابة" وتتزعزع سيطرته على مفاتيح السردية الاعلامية. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق