في توقيت حساس في الشرق الأوسط، يسابق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الزمن بتبكير زيارته إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب، حاملاً معه "قائمة مطالب صلبة" تهدف إلى هندسة أي اتفاق أميركي-إيراني مرتقب وفق المقاييس الأمنية الإسرائيلية.
وتذكر الصحف
الإسرائيلية، أن نتنياهو سوف يطلب من ترامب أن يشمل الاتفاق مع إيران إلغاء كامل
للبرنامج النووي، وتقييد الصواريخ الباليستية لمدى لا يتجاوز 300 كم، وتفكيك
"المحور الإيراني" إقليمياً. لكن، في المقابل، تسود هواجس عميقة لدى
الإسرائيليين من "براغماتية ترامب المفرطة"، حيث تبرز خشية كبيرة من أن
يميل ترامب - بدافع نزعته لإبرام الصفقات السريعة- نحو "نصف اتفاق" يمنح
إيران شرعية إقليمية، مما يترك إسرائيل وحيدة في مواجهة ترسانة الصواريخ المتطورة.
هذه الهواجس الإسرائيلية
تعيدنا إلى المربع الأول في فهم طبيعة صنع القرار في البيت الأبيض. لطالما
كانت العلاقات الدولية تتعامل مع صنع القرار في الدولة على أنه صياغة
"عقلانية" حيث يقوم صانع القرار بدرس المعطيات وتفنيد الخيارات ليختار
منها الأقل كلفة والأكثر ربحاً أي يختار الربح النسبي. لكن الحقيقة والواقع أن
صانع القرار يتصرف بطريقة لا عقلانية أحياناً، استناداً الى تصوراته الخاصة،
وشخصيته الخ.
وعلى هذا الأساس، يتم تحليل سلوك
الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقراراته الخارجية بناءً على شخصيته، والتي تحكمها
ثلاثة أبعاد كما يلي:
1-
نمط القائد
"المهيمن"
يُصنف ترامب ضمن
القادة الذين يفضّلون السيطرة المباشرة بدلاً من التفويض. ويرى
ترامب العلاقات الدولية كـ "مباراة صفرية". بالنسبة له، التنازل هو ضعف،
والقوة هي اللغة الوحيدة للمفاوضات. هذا النمط يفسر لماذا يحيط نفسه بأشخاص يظهرون
الولاء المطلق، ولماذا يسارع القادة (مثل نتنياهو) للقائه به لمحاولة حجز مقعد في
دائرة التأثير الشخصي قبل نضوج الصفقات.
2-
نموذج "الرجل العظيم" العفوي
خلافاً لصناع القرار
الذين يعتمدون على "النموذج العقلاني" الذي يمر عبر لجان ودراسات، يعتمد
ترامب على الرغبات الشخصية، فيتخذ قرارات كبرى (مثل التلويح بالانسحاب
من الناتو أو شراء غرينلاند) بناءً على قناعات شخصية فورية. ويرى أن "الدولة
العميقة" تعيق الفعالية، لذا يفضل التواصل المباشر أو التهديد العلني لتحريك
المياه الراكدة. هذا ما يقلق إسرائيل اليوم؛ فترامب قد يتجاوز كل الخطط
الاستراتيجية الموضوعة من قبل مراكز صنع القرار (التي تؤثر عليها إسرائيل بشكل
قوي) ليعقد صفقة مع إيران إذا شعر أنها تخدم صورته كصانع سلام عالمي وتفيد مصالح
الولايات المتحدة في الشرق الأوسط (بمنظوره).
3- المفاوض
التجاري"
ينظر ترامب إلى التحالفات من زاوية "التكلفة
والعائد". فالناتو أو حتى المظلة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط هي مجرد
"عقود" يجب أن يدفع الجميع حصصهم فيها. ومن هنا، يستخدم التهديد بالتخلي
عن الحلفاء كأداة ضغط؛ وهو أسلوب مستمد مباشرة من عالم العقارات، حيث لا يوجد
"صديق دائم" بل "صفقة ناجحة دائماً".
كيف ينسحب هذا على الشرق الأوسط؟
تخلت إدارة ترامب ف
السياسة الخارجية عن الرؤية التقليدية لوزارة الخارجية التي كانت تسعى للحفاظ على
"توازنات هشة". يعمد ترامب الى تجاوز القنوات الدبلوماسية عبر
الاعتماد على مستشارين شخصيين وأفراد من العائلة لإدارة ملفات حساسة،
مما يقلل من دور السفراء والخبراء المهنيين.
وبالرغم من ذلك، وفي
قضايا مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أو التعامل مع إيران، لا يتخذ ترامب قرارات
"منفردة" تكسر الإجماع المؤسسي بشكل كامل، فهو يواءم بين الالتزام
المؤسسي بأمن إسرائيل ورؤيته بأنها "حليفاً نموذجياً" (كما ورد في
استراتيجية الدفاع 2026) لأنه يرى فيها قوة عسكرية قادرة على حماية مصالحها دون
الحاجة لتدخل أميركي مباشر، وهو ما ينسجم مع رغبته في تقليل "الأعباء"
عن كاهل الولايات المتحدة.
أما في إيران،
وبالرغم من أنه يظهر أن قرارات التصعيد أو التفاوض مع إيران تتخذ بناءً على تقديره
الشخصي لـ "لحظة الصفقة"، إلا أن تراجعه الأخير عن الحرب وعودته الى
طاولة المفاوضات تشير الى أن القرار ليس شخصياً بشكل كامل، بل قد يكون العامل
الشخصي قد تراجع أمام تحذير المؤسسات من تداعيات محتملة لهذه القرارات على الأمن
الإقليمي.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن فهم
هذه الشخصية أساسي للتعامل مع الولايات المتحدة الأميركية خلال فترة حكم ترامب
الحالية. ترامب يحتقر "الضعف"، لذا فإن محاولة تملقه من موقع تبعية أو
ضعف عادةّ ما تأتي بنتائج عكسية؛ لأنها تؤكد لترامب أن الطرف الآخر ضعيف ولا يستحق
الاحترام كـ "ند". هذا بالضبط ما يعمد ترامب لفعله مع الأوروبيين الذين
يتعامل معهم بالتهديد والتنمر.
يميل ترامب للتراجع أمام القادة الذين يبدون صرامة مثل الرئيس فلاديمير بوتين، والذي يبدو أن يفهم عقلية ترامب فلا يعاديه، ولكنه لا يحاول استرضاءه، مما يجعل ترامب يحترمه. وعليه إن الطريقة الأمثل للتعامل مع هذا النمط القيادي هي "البراغماتية الصلبة"؛ فالندّية والمصالح المتبادلة هي العملة الوحيدة المعترف بها لدى ترامب. أما بالنسبة لنتنياهو (الذي يراه ترامب قوياً استطاع القضاء على خصومه وأعدائه) فإن نجاحه في واشنطن يرتبط بقدرته على إقناع ترامب بأن مطالب إسرائيل هي "صفقة جيدة لأميركا" أيضاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق