2026/03/21

جنكيز خان والمسيح: تحريف نتنياهو لتاريخ ويل ديورانت"


في خطاب متلفز، اقتبس بنيامين نتنياهو من كتاب تاريخي لويل ديورانت "دروس التاريخ" عبارة أثارت الكثير من اللغط حول "تفوق جنكيزخان على المسيح". ويقول نتنياهو: "لا يكفي أن تكون أخلاقيًا، لا يكفي أن تكون عادلًا، ويثبت التاريخ لسوء الحظ أن المسيح ليس لديه له أي تفوق على جنكيزخان. لأنك إذا كنت قوياً عديم الرحمة واسع النفوذ بما فيه الكفاية، فإن الشر سوف يتغلب على الخير، والعدوانية ستغلب الاعتدال".

واللافت، من خلال قراءة الكتاب الفلسفي الهام لويل وزوجته أرييل ديورانت، أن نتنياهو حرّف أفكار الكتاب لتخدم سرديته حول استخدام القوة المفرطة والغاشمة ولتبرير الإبادة عبر الإشارة الى أن الشر ينتصر على الخير، وان قيم المسيح حول الإنسانية لا مكان لها فيها التاريخ، وهي أفكار تتناقض كلياً مع الكتاب والاستنتاجات التي وردت فيه.

ماذا في كتاب "دروس التاريخ"؟

يطرح الكاتب في استهلال دراسته التحليلية للتاريخ سؤالاً جوهرياً: هل وجدتم في التاريخ مجرد تسلية لقصص صعود وسقوط الأمم.. أم استخلصتم منه أي تنوير لحالنا الحاضر؟. ويضيف في المقدمة: إن جوهر هذه التساؤلات يكمن في تحديد ماهية "الانتصار" الحقيقي، فبينما يضج التاريخ بأسماء الفاتحين الذين شيدوا إمبراطوريات شاسعة بالحديد والنار، يظل السؤال قائماً: هل يمثل هؤلاء "الانتصار" بمعناه الوجودي، أم أنهم مجرد عوارض بيولوجية في سياق صراع القوى؟

ينطلق ديورانت من فرضية مفادها أن "التاريخ هو فرع من البيولوجيا". في هذا المختبر الكبير، تخضع الدول لنفس قوانين "الانتقاء الطبيعي" وصراع البقاء. ومن هنا تأتي عبارته: "الطبيعة والتاريخ لا يتفقان مع مفاهيمنا عن الخير والشر؛ هما يُعرّفان الخير بأنه ما ينجو، والشر بأنه ما يفنى؛ والكون ليس لديه تحيّز للمسيح ضد جنكيز خان."

في هذا التوصيف يقوم الكتاب برصد "واقعي" لآلية عمل التاريخ المادي. فالقوة المادية، بما تتضمنه من جيوش واقتصاد وتكنولوجيا، هي الحكم الفصل في الصراعات "اللحظية" (كما يعود ديورانت ويؤكد)، وحيث الدول التي تغفل منطق القوة وتكتفي بالمثالية الأخلاقية غالباً ما تندثر تحت أقدام القوى الصاعدة الأكثر "تكيُّفاً" وقسوة.

لكن بالرغم من ذلك، وفي حديثه عن أثر المسيح، يشير الى أن التطور الأخلاقي الذي جاء به المسيح صار أداة لهدم اللاهوت القديم، ويقول: "تماماً كما أدى التطور الأخلاقي لليونانيين إلى إضعاف إيمانهم بآلهة أوليمبوس المتناحرة والزانية... فإن تطور الأخلاق المسيحية أدى ببطء إلى تآكل اللاهوت القديم. المسيح دمر يهوه (بمعنى أن صورة المسيح الأخلاقية هدمت صورة الإله الانتقامي القديم)." ويعود في الفصل الأخير بعنوان "هل التقدم حقيقي؟ يدرج ديورانت أثر المسيح كجزء من الخلود الحضاري.

ويرى ديورانت أن "الانتصار المادي" هو نصر كمّي ومكاني. جنكيز خان، الإسكندر، نابليون؛ هؤلاء حققوا انتصارات مادية مذهلة، لكنها انتصارات "محكومة بالزمن" بحسب الكاتب. يرى ديورانت أن القوة المادية تحمل بذور فنائها في منطق التمركز ذاته؛ فالتاريخ الاقتصادي والسياسي هو نبض دوري بين "انقباض" يحشد الثروة والسلطة في أيدٍ قليلة، و'انبساط' قسري يفكك هذا التمركز حين يتجاوز حدود القدرة على الإدارة أو الاحتمال الاجتماعي، مما يجعل الانحلال ضريبة حتمية لاختلال التوازن بين الكفاءة والعدالة."

وفي الفلسفة العامة للكتاب، يشير الكاتب الى أن التاريخ المادي هو "تكرار مرهق لأخطاء الماضي على مسرح أكبر". فالدول التي تنتصر مادياً فقط، تترك وراءها أطلالاً وقبوراً، لكنها لا تترك بالضرورة "معنى" يستمر. هذا النوع من الانتصار يصفه ديورانت بأنه "باروكي"؛ أي أنه يكسر القواعد والأنماط لفترة، لكنه لا يغير جوهر الطبيعة البشرية التي تظل تنافسية وجشعة.

لاحقاً، وفي نهاية الكتاب ينتقل ديورانت من "المؤرخ الواقعي" إلى "الفيلسوف الإنساني"، حيث يطرح فكرة "الانتصار الدائم" الذي يتجاوز القوة العسكرية. يخلص ديورانت في أطروحته إلى أن "الحضارة العظيمة لا تموت تماماً"، بل تظل حية كـ "نسيج حيوي جامع" للتاريخ البشري. ويستشهد بالنموذج الكلاسيكي لانتقال الحضارة اليونانية إلى روما، ليؤكد أن "الانتصار الدائم" ليس عسكرياً بل هو "عملية تراكمية" قوامها الأفكار والقيم والجماليات. فالتقدم الحقيقي في نظره لا يُقاس بالقوة المادية أو التكنولوجية، بل بـ "زيادة وفرة هذا التراث والحفاظ عليه واستخدامه".

يختم ديورانت رؤيته بنظرة تفاؤلية تتجاوز المادية التاريخية؛ فالتاريخ عنده ليس مجرد "سجل للجرائم والآثام"، بل يتحول بالوعي إلى "مدينة سماوية" و"وطن واسع للعقل". في هذه المدينة، يظل القديسون والمبدعون والفلاسفة أحياءً بأثرهم، بينما يتوارى "الجنرالات" الذين لم يتركوا سوى السطوة الزائلة. إن الدرس النهائي الذي يقدمه ديورانت هو أن الانتصار الدائم يكمن في "الأثر" الحضاري؛ فالحضارة الحقيقية هي التي تجمع شتات التراث الإنساني لتورثه للأجيال القادمة كمنارة تحمي البشرية من "الانزلاق مجدداً نحو الهمجية".

2026/03/18

وهم القوة العظمى: قراءة في طموحات نتنياهو العالمية

 في أول ظهور له بعد غياب أثار التكهنات، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب للإعلان عن نجاح اغتيال علي لاريجاني، وتعهد بالانتصار، قائلاً "مصممون على إحراز النصر ونوشك أن نصل إلى لحظة نكون فيها قوة عظمى عالمية إلى جانب أميركا".

وفي هذا الاطار، وبالرغم من تحقيق إسرائيل الكثير من الإنجازات العسكرية في المنطقة، إلا أن الادعاء بأن إسرائيل توشك أن تصبح قوة عظمى عالمية، فيه الكثير من المبالغة.

مقومات القوة العظمى العالمية

في دراسة العلاقات الدولية، يُفرَّق بين مفهوم "القوة العظمى" ومفهوم "القوة الكبرى" من خلال النطاق الواسع لنفوذها العالمي وقدرتها على التأثير في الأحداث في أي مكان في العالم في آنٍ واحد. تتمتع القوة العظمى بخصائص تجعلها تستطيع فرض قوتها في المجال العالمي استناداً الى ما يلي:

1.    القوة الصلبة: القدرة على الاكراه العسكري والاقتصادي والسياسي.

2.    القدرة على بسط النفوذ العالمي: على عكس القوى الإقليمية، تمتلك القوة العظمى قدرات بحرية في أعالي البحار، وقاذفات استراتيجية بعيدة المدى، وشبكة من القواعد العسكرية العالمية تسمح لها بالتدخل في أي مسرح عمليات في العالم.

3.    الردع النووي: يُعدّ امتلاك ثالوث نووي متطور وقابل للصمود (برّي، بحري، وجوي) شرطًا أساسيًا للحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي في مواجهة القوى الكبرى الأخرى.

4.    الهيمنة الاقتصادية: عادةً ما تتمتع القوى العظمى بواحد من أكبر معدلات الناتج المحلي الإجمالي في العالم، وحصة مهيمنة من التجارة العالمية، وعملة تُستخدم كعملة احتياطية عالمية رئيسية (مثل الدولار الأميركي). وغالبًا ما تقود تطوير "التقنيات الرائدة" مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، وصناعة الطيران والفضاء.

5.    الوزن الدبلوماسي: مركزية في المنظمات الدولية (مجلس الأمن، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية). تُعتبر الدولة قوة عظمى إذا لم يكن بالإمكان حل أي مشكلة عالمية كبرى دون تعاونها.

6.    شبكة تحالفات: القدرة على قيادة شبكة من التحالفات العسكرية الرسمية (مثل حلف شمال الأطلسي) والشراكات الاستراتيجية والحفاظ عليها، مما يُضاعف قوتها الكامنة.

أما الخصائص الشخصية للدولة، لتكون مهيئة لتصبح قوة عظمى، فهي – بمعظمها - لا تتوفر لدى إسرائيل، وهي كما يلي:

أ‌-     الجغرافيا، أي مساحة أرضية واسعة ذات عمق استراتيجي وإمكانية الوصول إلى طرق بحرية رئيسية.

ب‌- السكان: قاعدة سكانية كبيرة ومتعلمة ومنتجة لدعم جيش واقتصاد ضخمين.

ت‌- الموارد والقدرة على الاكتفاء الذاتي أو ضمان الوصول إلى المعادن والطاقة (النفط/الغاز) والغذاء الأساسية.

ث‌- الاقتصاد أي قدرة صناعية عالية وريادة في الابتكار التكنولوجي.

ج‌-  القوة العسكرية أي تفوق تكنولوجي وإرادة قوية لبسط النفوذ عالميًا.

ح‌-  الدبلوماسية أي براعة سياسية فائقة وقدرة على بناء وقيادة تحالفات دولية.

خ‌-  الهوية: معنويات وطنية عالية ورؤية متماسكة أو "استراتيجية شاملة".

 

تصنيف إسرائيل

تُصنّف إسرائيل عمومًا كقوة إقليمية، ورغم امتلاكها قدرات تُضاهي قدرات القوى العظمى في مجالات محددة، إلا أنها تفتقر إلى النطاق الأساسي اللازم للهيمنة العالمية. تعتبر في طليعة التكنولوجيا العسكرية العالمية، ولديها قدرات نووية لكنها معتمدة بشكل كبير عسكرياً واقتصادياً وسياسياً على الدعم الأميركي.

-      الجغرافيا: ويشكّل نقص "العمق الاستراتيجي" عائقاً اساسياً، إذ ان مساحة إسرائيل صغيرة جداً وعدد سكانها قليل. إن صغر مساحة إسرائيل في محيط معادي، واستنادها الى الدعم الخارجي للبقاء، هي حالة يُطلق عليها "الهشاشة الوجودية".

-      القدرات العسكرية: وعلى الرغم من قدرة إسرائيل على ضرب أهداف تبعد آلاف الأميال (مثل ايران أو اليمن)، إلا أنها لا تستطيع الحفاظ على عمليات عسكرية متزامنة ومستدامة عبر قارات متعددة (مثل المحيط الأطلسي، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأوروبا) دون الدعم اللوجستي من حليف قوي حقيقي.

-      الاقتصاد: وعلى الرغم من اقتصادها عالي التقنية التكنولوجية، فلا تزال إسرائيل تعتمد على سلاسل التوريد العالمية للمواد الخام والطاقة. وعلى عكس القوى العظمى، تفتقر إلى "الأيديولوجية العالمية" التي تستخدمها القوى العظمى لحشد تحالف واسع من الدول تحت قيادتها.

في المحصلة، لا يمكن إنكار أن إسرائيل تمتلك عناصر قوة نوعية، خاصة في مجال التفوق الاستخباراتي وقدرتها على العمل عبر شبكات معقدة تتجاوز حدودها الجغرافية، إلى جانب نفوذ غير مباشر عالميًا. ومع ذلك، تبقى هذه القوة محكومة بسقف واضح، إذ إن اعتمادها المفرط على الدعم الأميركي—عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا— يمنعها من التحوّل إلى قوة عظمى مستقلة، ويجعل دورها العالمي مرتبطًا بإطار القوة الأميركية لا قائمًا بذاته.

 

حرب ايران ومستقبل الترامبية

أدخلت الحرب التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران في الـ28 من شباط/فبراير 2026 المشهد السياسي الأميركي في مرحلة غير مسبوقة من الانقسام الداخلي، ولا سيما داخل الحركة التي أوصلته إلى السلطة مرتين: حركة "ماغا" (جعل أميركا عظيمة مرة أخرى).

شكّلت حركة "ماغا" تجسيداً للشعبوية اليمينية منذ 2016 وهي تواجه اليوم أول اختبار وجودي يهدد تماسكها الداخلي وفاعليتها السياسية، ومستقبلها كحركة "وطنية محافظة" حققت انتصاراً كاسحاً في الانتخابات الرئاسية والكونغرس عام 2024.

1-  تفكك القاعدة الصلبة

أظهرت استطلاعات الرأي المختلفة أن رفض الحرب على إيران كان كبيراً داخل قاعدة ترامب حتى قبل نشوبها، وكانت الأصوات قد بدأت تتصاعد ضد الانخراط في الحروب في الشرق الأوسط منذ ما بعد حزيران 2025 (حين اشترك ترامب مع إسرائيل في ضربات على ايران).

وبعد الحرب، تم رصد مؤشرات لافتة على تراجع الحماسة الشعبية لخطاب ترامب العسكري، حيث تحدثت تقارير إعلامية عن صمت تام من قبل جمهور "ماغا" عند إعلانه "لقد انتصرنا" في إحدى مناسبات كنتاكي (13 آذار 2026)، ورغم أن المناسبة كانت مخصّصة لأنصاره المخلصين، هذا الاستقبال الفاتر يعكس بداية شرخ نفسي بين ترامب وقاعدته التي لطالما تعاملت معه بوصفه زعيماً كاريزماتياً ملهماً.

ومن بين أبرز ركائز الخطاب الترامبي السابق كان خطاب "الدفاع عن الأميركي العادي". لكنّ الانتقادات حول ارتفاع أسعار الوقود، جعلت مستشار ترامب الاقتصادي هاسيت يقول إن "تأثر المستهلكين بحرب إيران هو آخر هموم الإدارة حالياً"، وهو تصريح أثار سخطاً واسعاً لدى جمهور عريض، خاصة لدى الفئات الشعبية التي تعتبر ماغا ممثلة لها.

وهكذا، فإن هذه الحرب وما قبلها والأصوات المعارضة، أظهرت أن الحركة لم تتوحد خلف ترامب كما جرى في قضايا أخرى، بل عاشت انقساماً بنيوياً بين تيار قومي–أميركا أولاً، وتيار تدخلي – المحافظون الجدد المتهمون بأنه تيار "إسرائيل" أولاً.

ولم يقتصر الانقسام على الحزب الجمهوري وحركة ماغا فقط، بل شمل الدائرة الضيقة حول الرئيس الأميركي، حيث أشارت تقارير صحافية إلى وجود "ندم" داخل فريق ترامب، واعتقاد بأن الرئيس قد بالغ في تقدير قدرته على تحقيق "نصر سريع" بناءً على النجاحات العسكرية السابقة، خاصة في فنزويلا.

وبحسب تقرير حصري لوكالة رويترز، فإن الصراع داخل الإدارة أدّى الى شلل وتخبط استراتيجي، حيث يحث المستشارون الاقتصاديون والسياسيون ترامب على إعلان نصر سريع ومحدود لتجنب المزيد من الضرر، بينما يضغط المتشددون من أجل ممارسة ضغط عسكري مستمر واستكمال الحرب.

2-  مستقبل حركة ماغا- الترامبية:

وفي ظل تكهنات تشير الى أن الحركة ومعها الحزب الجمهوري سيخسران في الانتخابات النصفية للكونغرس عام 2026، فإن سيناريوهات متعددة تطرح لمستقبل الحركة ككل.

تُشير معظم المؤشرات إلى أن ماغا ستستمر كتيار سياسي واجتماعي طويل الأمد، لكن ليس ككتلة متجانسة. حيث ستتفرع إلى تيار قومي– أميركا أولاً يعارض التدخلات الخارجية، وتيار محافظ– تدخلي يروج استخدام القوة الأميركية في العالم.

وضمن هذا الانقسام، سيحاول تيار أميركا أولاً أن يجد شخصية تحاول الحفاظ على "جوهر ماغا" وتتملص من الحرب على إيران، حيث تنتقل الزعامة داخل الحركة لمن يتمكن من التوفيق بين القومية الشعبوية والابتعاد عن الحروب. ويطرح في هذا الإطار اسم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، لكن شخصية ترامب التي تطلب ولاءً تاماً تجعل من الصعب على فانس أن يتملص من تأييد الحرب أو يحيّد نفسه عن قرارات ترامب "الخاطئة" بنظر هؤلاء.

في المقابل، ولكي يحافظ على قاعدته، وفي حال فشلت الحرب ضد إيران في تحقيق نتائج واضحة، قد يعمد ترامب إلى إنتاج سردية تآمرية حول دور "الدولة العميقة" أو "الحلفاء المتخاذلين"، في محاولة قد تسمح ببقاء الحركة على المدى البعيد. وهنا، قد تتحول الترامبية إلى هوية ثقافية مرتبطة بمظلومية سياسية أكثر من كونها مشروع حكم ثابت ينطلق من "أميركا اولاً".

في الخلاصة، تواجه حركة ماغا اليوم أكبر اختبار في تاريخها. فالحرب على إيران لم تحقق حتى الآن "الاستثمار السياسي" الذي كان ترامب يعوّل عليه، بل عمّقت الانقسامات داخل الحزب الجمهوري، وأضعفت الثقة الشعبية بقيادته، وهددت الركائز الاقتصادية التي استند إليها خطابه الشعبوي.

هذا قد لا يؤدي بالضرورة إلى نهاية الحركة كلياً في الولايات المتحدة، بل يشير إلى تحولها البنيوي. قد تتحول الحركة من ظاهرة انتخابية موحدة إلى تيار سياسي متعدد الأجنحة، قد يستمر في السياسة الأميركية، لكنه لن يبقى على الصورة التي عرفها العالم بين 2016 و2024. 

2026/03/13

أزمة الحياد في زمن الإبادة: بيان الصليب الأحمر الدولي

تشهد الساحة الدولية المعاصرة، منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 7 أكتوبر 2023، تحولات دراماتيكية في سلوك بعض المنظمات الإنسانية الدولية، مما يثير تساؤلات حول فعالية المرجعية القانونية في حماية المدنيين والكوادر الطبية. هذا التطور يعكس تحديات جديدة تواجه القانون الدولي الإنساني الذي تأسس لحماية الأفراد والحد من الآثار الإنسانية للنزاعات المسلحة.

تأسست اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عام 1863 بمبادرة من هنري دونان بعد معركة سولفرينو، وهو حدث شكل منعطفًا حاسمًا في تاريخ القانون الدولي الإنساني. فقد ساهم هذا التأسيس في نقل النزاعات المسلحة من نطاق "السيادة المطلقة للقوة" إلى نطاق "التقييد القانوني الإنساني"، مما مثل خطوة تأسيسية في الاعتراف بوجود حدود أخلاقية للحرب.

من رحم هذه المؤسسة ولدت اتفاقية جنيف الأولى عام 1864، التي أرست مبدأ "الحياد الطبي" وحماية الجرحى دون تمييز، وهو ما أقرّ بأن للحرب حدودًا لا يجوز تخطيها. وساهم الصليب الأحمر منذ ذلك الوقت في إرساء مجموعة من المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:

1.    تأسيس مرجعية قانونية: تحويل الأعراف الأخلاقية والممارسات الإنسانية إلى نصوص ملزمة قانونيًا، مثل اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، ما جعل القانون الدولي الإنساني فرعًا مستقلًا وركيزة مركزية ضمن القانون الدولي العام.

2.    وضع حدود للآلام التي لا داعي لها: تمّ إرساء مفهوم التناسب، والتوازن بين "الضرورة العسكرية" و"الإنسانية"، حيث أصبح المدنيون محميون بموجب القانون، ويفترض التمييز بينهم وبين المقاتلين، وكذلك إعطاء حقوق لغير المشاركين مشاركة مباشرة في الاعمال الأعمال العدائية وغيرها.

3.    الحصانة الرمزية والمادية: حماية الأعيان المدنية والطبية من خلال الشارات الدولية (الصليب الأحمر والهلال الأحمر)، وجعل حماية الأفراد التزامًا قانونيًا على جميع أطراف النزاع.

حالة المسعف يوسف عساف في لبنان

أثارت حادثة استشهاد المسعف المتطوع يوسف عساف خلال مهمة إنسانية في مجدل زون – قضاء صور، تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين تطبيق مبادئ الحياد من قبل المنظمات الدولية وتقويض فعالية الحماية القانونية.

أشارت التقارير وشهود عيان إلى أن استشهاد المسعف جاءت إثر غارة إسرائيلية متعمدة ثانية استهدفت طاقم الإسعاف بعد وصوله إلى مكان الغارة الأولى، ما يجعل هذه الحادثة نموذجًا للاختبار العملي لمبادئ الحماية الإنسانية.

أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيانًا باللغة العربية والإنجليزية، لم يذكر الجهة المسؤولة عن القتل، مكتفيًا بوصف الحدث بشكل عام. هذا الأسلوب يثير التساؤل حول استخدام اللغة المبنية للمجهول في توصيف الاعتداءات على الكوادر الطبية، وتأثير ذلك على إمكانية المحاسبة القانونية لاحقًا.

إن عدم تحديد الفاعل يمكن أن يؤدي إلى تمويه المسؤولية القانونية ويضعف مسارات المحاسبة الجنائية الدولية. فوفقًا للمادة (24) من اتفاقية جنيف الأولى والمادة (18) من الاتفاقية الرابعة، تتمتع فرق الإسعاف بحماية مطلقة، وتفرض المادة (15) من البروتوكول الإضافي الأول (1977) مسؤولية واضحة على أطراف النزاع بعدم التعرض لهم. كما يندرج استهداف فرق الإسعاف تحت المادة 8 (2)(ب) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كجريمة حرب مكتملة الأركان. ومع العلم أن استهداف فرق الإسعاف عبر الغارات المزدوجة بات نمطًا متكررًا في الحروب الإسرائيلية في لبنان وغزة.

وعليه، إن تغاضي البيان عن تحديد الفاعل قد يفضي ضمنيًا إلى إضعاف قوة هذه المواد القانونية، ويترك مجالًا لتكرار الانتهاكات دون مساءلة واضحة، خصوصًا في ظل ما بات يعرف بـ"الغارات المزدوجة" الإسرائيلية التي تستهدف المسعفين بعد وصولهم إلى مكان الغارة الأولى، والتي قد تشكّل سابقة تؤدي الى استخدامها في الحروب المعاصرة، وتضعف القواعد القانونية الراسخة التي تحظّرها.

مفهوم الحياد في الممارسة الإنسانية

لطالما كان "الحياد" الركيزة الأساسية التي تسمح للصليب الأحمر بالوصول إلى مناطق النزاع وتأمين حماية الضحايا. ومع ذلك، يجب التأكيد على أن الحياد لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في حد ذاته، بل يجب أن يبقى أداة لضمان حماية الإنسان وفرض الالتزام بالقانون الدولي الإنساني على جميع أطراف النزاع.

وعليه، إن تبني لغة غامضة أو "رمادية" في توصيف الانتهاكات قد يضعف الحماية الخاصة للطواقم الإنسانية، ويؤسس لسابقة تؤثر على تطبيق القانون الدولي الإنساني في النزاعات المستقبلية. كما أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى خلق عرف دولي جديد يضعف قوة الحماية القانونية للكوادر الطبية ويشرع استهداف فرق الإغاثة كأمر واقع.

ختاماً، تعكس تجربة حرب غزة وبعدها لبنان أن تحديات معاصرة تواجه المبادئ الإنسانية الأساسية، خصوصًا في سياق النزاعات المسلحة الحديثة. إن الجمع بين الحياد والوضوح القانوني ضروري للحفاظ على مصداقية المنظمات الإنسانية وضمان حماية المدنيين والمسعفين. كما أن الالتزام الصارم بالقوانين الدولية، مع التعبير الواضح عن المسؤوليات، يساهم في تعزيز المرجعية القانونية الدولية وحماية الحقوق الإنسانية في زمن الحروب.

 

2026/03/11

الأسطورة كأداة حرب: صناعة الرضا عن الإبادة

 

 

شهد النظام الدولي منذ نهاية القرن العشرين ما وصفه عدد من الباحثين بـ"عودة المقدس إلى الفضاء العام"، وهو تحول يتحدى الافتراض الكلاسيكي لنظريات الحداثة التي توقعت تراجع الدين في السياسة الحديثة. ولقد بيّنت دراسات متعددة أن الحداثة لم تؤدِّ إلى اختفاء الدين بقدر ما أعادت تشكيل حضوره في المجال السياسي والثقافي وحتى في مجال العلاقات الدولية.

منذ بدء حرب الإبادة على غزة عام 2023، وليس انتهاءً بحرب ايران 2026، نجد أن السرديات المقدسة أصبحت مواد تُستخدم في بناء الهوية القومية وتبرير السياسات الاستراتيجية. على سبيل المثال، أفادت مؤسسة الدفاع عن الحرية الدينية أن أكثر من 200 جندي أميركي قدموا شكاوى إلى مؤسسة الحرية الدينية العسكرية حول استخدام بعض القادة العسكريين خطابًا مسيحيًا متطرفًا لتبرير الحرب على إيران، معتبرين أن هذه الحرب هي جزء من الخطة الإلهيةونهاية العالم (هرمجدون) كما ورد في سفر الرؤيا، وأوضح أحد ضباط الصف أن قائده كان يشجع الجنود على تبني هذه الرؤية، مستشهدًا بالمعركة النهائية بين الخير والشر وعودة المسيح.

كذلك تُعد الحالة الإسرائيلية مثالاً بارزاً على هذا التداخل بين الدين والقومية الحديثة، حيث شهدت العقود الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في نفوذ الصهيونية الدينية داخل البنية السياسية والعسكرية، بعد عقود من هيمنة الصهيونية العلمانية التي قادها المؤسسون. وهكذا، باتت السرديات التوراتية والأساطير المؤسسة تسهم بشكل أساسي في تشكيل العقيدة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وباتت تؤدي وظيفة سياسية وأيديولوجية في إنتاج الشرعية للعنف وإعادة تأطير الصراع بوصفه صراعاً وجودياً.

ويمكن تحليل هذه الظاهرة ضمن مفهوم أوسع يمكن تسميته "صناعة الرضا عن الإبادة " حيث تسبق السردية الثقافية استخدام القوة العسكرية، فتعمل على تهيئة الوعي الجمعي داخلياً وخارجياً لتقبل مستويات عالية من العنف غير المسبوق. في هذا الإطار، لا تُترك دماء المدنيين، ولا سيما الأطفال، لتصبح عقبة أخلاقية أمام الأهداف العسكرية، بل يتم دمجها في بنية خطابية تبرر العنف وتحوّله إلى ضرورة وجودية، وتجعل من قتل الأطفال شيئاً حميداً بدل ان يكون أداة لعذاب الضمير.

وهكذا، تسهم استعادة الأساطير التوراتية وتكرارها في الخطاب الإسرائيلي السياسي الحالي في إعادة تعريف العدو وتبرير استخدام القوة المفرطة، ونزع الإنسانية عن اللبنانيين والفلسطينيين والعرب والإيرانيين.

أسطورة مسادا

تُعد قصة "مسّادا" من أبرز الأساطير المؤسسة في المخيال القومي الإسرائيلي. وتروي الرواية أن مجموعة من اليهود المحاصرين في قلعة مسادا خلال التمرد اليهودي ضد الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي فضّلوا الانتحار جماعياً على الاستسلام.

تحوّلت هذه القصة إلى رمز مركزي للصمود والرفض المطلق للهزيمة. وقد جرى توظيفها في الخطاب القومي الإسرائيلي، حيث أصبحت جزءاً من الطقوس الرمزية المرتبطة بالجيش الإسرائيلي، بما في ذلك إقامة مراسم أداء القسم لبعض الوحدات العسكرية في الموقع. وهكذا، باتت هذه الاسطورة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تعزز الشعور بالتماسك الداخلي، وفي الوقت نفسه تكرّس تصوراً للصراع يقوم على فكرة الحصار الوجودي الدائم.

أسطورة عماليق

تحتل شخصية "عماليق" في الرواية التوراتية موقع "العدو المطلق" الذي يجب القضاء عليه بالكامل. وفي بعض التفسيرات الدينية الراديكالية، يتم تقديم "عماليق" بوصفهم رمزاً للشر المتجسد الذي لا يمكن إصلاحه أو التعايش معه.

عند استدعاء هذا الرمز في الخطاب السياسي أو الديني، يتحول العدو المعاصر إلى تجسيد حديث لهذا الشر الأسطوري. وفي هذه الحالة، لا يُنظر إلى الأطفال أو المدنيين بوصفهم أفراداً مستقلين لا يجوز أخلاقياً أو قانونياً قتلهم، بل كجزء من "كيان معادٍ" قد يشكل تهديداً مستقبلياً.

هذه البنية الأسطورية تسهم في خلق حصانة نفسية لدى المقاتل، حيث يصبح العنف مبرراً باعتباره دفاعاً وقائياً ضد خطر وجودي محتمل، ويصبح قتل الأطفال مباحاً بعد نزع صفة الإنسانية عن "العدو"، ليتاح قتله وعائلته وأطفاله وتدمير كل ما يملك.

ولا تقتصر عملية بناء الشرعية للعنف لدى الجمهور الاسرائيلي على الخطاب الديني أو العسكري، بل تمتد إلى المجال الثقافي والإعلامي. تشير الدراسات إلى أن بعض الأعمال السينمائية والتلفزيونية الإسرائيلية التي تُعرض عالمياً تميل إلى تصوير الجندي الإسرائيلي بوصفه شخصية تعاني صراعاً أخلاقياً أثناء العمليات العسكرية. ويؤدي هذا النمط السردي إلى تحويل التركيز من الضحية المقتولة إلى التجربة النفسية للمقاتل، وهو ما يسهم في إعادة تأطير العنف بوصفه مأساة أخلاقية معقدة.

ختاماً، يكشف هذا التداخل بين الأيديولوجيا الدينية والواقع الجيوسياسي أن "المقدس" لم يعد مجرد استحضار للماضي أو ايمان بالماورائيات، بل هو أداة فاعلة في هندسة الصراعات الحديثة؛ حيث تتحول الأساطير إلى عقائد عسكرية تمنح العنف شرعية مطلقة، وتجعل من "نزع الإنسانية" عن الآخر ركيزة أساسية في استراتيجيات البقاء والهيمنة الدولية المعاصرة.

2026/03/09

حرب إيران الكاشفة: اختبار الدور الأوروبي

في موقف لافت أقرب الى الموقف الأميركي من التطورات، وبالرغم من التباين الأوروبي حول الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين "إن شعب إيران يستحق الحرية والكرامة والحق في تقرير مصيره حتى وإن كنا نعلم أن ذلك سيكون محفوفاً بالمخاطر وعدم الاستقرار". وأكدت أن الاتحاد الأوروبي يجب ‌أن يكون مستعداً لإظهار قوته بشكل أكثر حزما،ً لأنه لم يعد بإمكانه الاعتماد على نظام "قائم على القواعد" لمواجهة التهديدات.

واقعياً، تشكل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط اختباراً جديداً لدور أوروبا في النظام الدولي المعاصر، إذ تجد القارة نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين اعتبارات الأمن الدولي والمصالح الاقتصادية والالتزامات السياسية مع الحلفاء، والقواعد التي تمّ ارساؤها بعد الحرب العالمية الثانية والتي تعتبر فون دير لاين أنها لم تعد قادرة على مواجهة التهديدات.

تاريخياً، سعت الدول الأوروبية إلى لعب دور الوسيط في أزمات الشرق الأوسط، مستندة إلى تقاليد دبلوماسية تفضل الحلول التفاوضية على الخيارات العسكرية. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في الملف النووي الإيراني، حيث كانت أوروبا طرفاً رئيسياً في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. إلا أن التطورات الراهنة تكشف حدود هذا الدور، إذ لم تعد أدوات الدبلوماسية التقليدية كافية للتعامل مع أزمات تتشابك فيها حسابات القوى الكبرى وفي ظل راغبة إسرائيلية جامحة بتغيير موازين القوى في الإقليم للهيمنة عليه.

وحالياً، وكما في الازمات الممتدة منذ ما بعد حرب أوكرانيا، ينقسم الاتحاد الأوروبي على ذاته، حيث تتباين مواقف الدول الأطراف من الصراع، فنجد مواقف ألمانيا ودول أوروبا الشرقية المتماهية كلياً مع واشنطن، مقابل الرفض التام من قبل اسبانيا وغيرها من الدول التي صرّحت بأن الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران هي خارج إطار القانون الدولي، وبينهما مواقف فرنسا وبريطانيا المتذبذب الراغب بالمشاركة في الحرب وخائف من تداعياتها.

كما يبرز البعد القانوني كأحد العناصر التي تزيد من تعقيد الموقف الأوروبي. فالقانون الدولي يفرض قيوداً واضحة على استخدام القوة العسكرية بين الدول، ويقصرها على حالتي الدفاع عن النفس أو التفويض الصادر عن مجلس الأمن الدولي. غير أن العدوان على ايران خارج أي ذريعة دفاعية أو قانونية يضع أوروبا أمام معضلة قانونية وأخلاقية تتعلق بمدى شرعية العمليات العسكرية الجارية وإمكانية دعمها أو المشاركة فيها.

وبالإضافة الى ما سبق، تحتل المخاوف الاقتصادية موقعاً مركزياً في حسابات أوروبا. فالقارة التي عانت خلال السنوات الأخيرة من تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا تدرك أن الاضطراب في منطقة الخليج واغلاق مضيق هرمز، سيؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق النفط والغاز وهو ما بدأ العالم يتلمسه من خلال الارتفاع السريع في أسعار النفط.

كما أن موقع إيران في قلب واحدة من أهم المناطق الحيوية في العالم يمنح أي تصعيد داخلها أبعاداً تتجاوز الإطار الإقليمي. فتهديد الملاحة في الممرات البحرية الحيوية قد ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، ما يزيد من احتمالات ارتفاع الأسعار ويعمق الضغوط الاقتصادية على الدول الأوروبية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن أوروبا تواجه مأزقاً إستراتيجياً متعدد الأبعاد. فمن جهة، تسعى إلى الحفاظ على صورتها كقوة دبلوماسية تدعم الاستقرار الدولي وتسعى إلى تسوية النزاعات عبر الحوار. ومن جهة أخرى، تريد فرض نفسها ضمن حسابات القوة التي تفرضها التحولات في النظام الدولي، ورغبتها في الانضواء ضمن الحلف الأميركي- الإسرائيلي الذي يسعى الى الهيمنة المطلقة في الشرق الأوسط.

ويعكس هذا المأزق تحدياً أعمق يتعلق بطبيعة الدور الأوروبي في عالم يتجه نحو مزيد من التنافس بين القوى الكبرى. فإذا كانت أوروبا قد تمكنت خلال العقود الماضية من ترسيخ نموذج يعتمد على القوة الناعمة والدبلوماسية متعددة الأطراف، فإن الأزمات الأمنية المتصاعدة تطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذا النموذج على الاستمرار في بيئة دولية تتزايد فيها أهمية القوة العسكرية، بينما ما زال الأوروبيون يعتمدون على المظلة الأمنية الأميركية التي فشلت في الدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. 

2026/03/04

استهداف الاطفال في العقيدة الصهيونية: تقاطع السياسة والدين والاستعمار

 

أشارت تحقيقات مستقلة إلى أن قصف مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، والذي أسفر عن استشهاد أكثر من 160 طفلة، يرجح أنه ناتج عن استهداف "متعمد" مباشر. التحقيقات تشير الى أن المدرسة كانت منفصلة تماماً عن أي موقع عسكري مجاور لأكثر من 10 سنوات. لذا، فإن استخدام صواريخ موجهة عالية الدقة يقلل من احتمالية "الخطأ العشوائي"، مما يضع علامات استفهام حول نية الاستهداف أو قبول "الأضرار الجانبية" الهائلة كجزء من العملية العسكرية.

تضاف هذه العملية المتعمدة الى سجل إسرائيلي حافل بقتل الأطفال. في وقت سابق، وثقت مؤسسات إعلامية وحقوقية غربية وحتى إسرائيلية أنماطاً من الاستهداف وصفتها بأنها تتجاوز مفهوم "الخطأ"، لتشير الى القتل المتعمد للأطفال، ومنها:

1.    تحقيق بي بي سي (BBC): في آب/ أغسطس 2025، نشرت "بي بي سي" تحقيقاً فحص أكثر من 160 حالة لأطفال فلسطينيين قتلوا برصاص قناصة أو نيران مباشرة، ووجد أن 95 حالة منهم أصيبوا بدقة في الرأس أو الصدر. العديد من هؤلاء كانوا يلعبون أو يتواجدون في "مناطق آمنة" أعلنها الجيش الإسرائيلي نفسه.

2.    الأمم المتحدة والمنظمات الدولية: وصفت منظمة اليونيسف غزة بأنها "مقبرة للأطفال"، حيث تجاوز عدد الضحايا من الأطفال 20 ألفاً بحلول أيلول/ سبتمبر 2025.

3.    إفادات جنود إسرائيليين: نقلت منظمات مثل "كسر الصمت" (Breaking the Silence) إفادات لجنود تشير إلى "قواعد اشتباك مرنة" تسمح بفتح النار على أي جسم يتحرك في مناطق العمليات، مما يمحو الخط الفاصل بين المقاتل والمدني.

 ولتحليل دوافع العنف في النزاعات التي تخوضها إسرائيل، لا بد لنا من التمييز بين الاستراتيجيات العسكرية ومبدأ الضرورة العسكرية وبين المبررات الأيديولوجية أو الدينية التي قد تُستخدم داخل إسرائيل لتبرير هذا العنف.

ولتحليل ظاهرة قتل الأطفال تحديداً من قبل الاسرائيليين (بدون ضرورة عسكرية)، يمكن العودة الى الإشارات التي وردت في التحقيقات حول جزيرة إبستين تتعلق بوجود معبد ذو قبة زرقاء ورموز غريبة، وربطها البعض بعبادات قديمة مثل "بعل" أو "مولوخ" التي اشتهرت تاريخياً (حسب الروايات التوراتية) بتقديم الأطفال كقرابين.

تاريخياً، ارتبط اسم "بعل" بحضارات كنعانية وفينيقية قديمة، وكانت بعض النصوص التاريخية (التي يجادل فيها علماء الآثار المعاصرون) تشير إلى طقوس تقديم أضاحي بشرية خاصة الأطفال. أما مولوخ فيعد أحد أكثر الرموز إثارة للرعب في التاريخ القديم، حيث يرتبط اسمه تاريخياً وأسطورياً بـ "التضحية بالأطفال" في سبيل القوة والنجاح. كان المضحون يعتقدون أن تقديم أغلى ما يملكون (أطفالهم) لمولوخ سيضمن لهم النصر في الحروب، أو الازدهار الاقتصادي، أو البقاء السياسي. وبالرغم من عدم وجود علاقة دينية أو عقائدية بين اليهودية الحديثة وبين بعل ومولوخ، إلا أن  وجود هذه الظواهر في وثائق ابستينن يشكك في ارتباط تقديم الأطفال قرابين عبر قتلهم أو اغتصابهم وبين الأفعال الإسرائيلية المرتبطة بقتل الأطفال تحديداً.

ومن المفيد الإشارة الى أنه في الفكر اليميني المتطرف داخل إسرائيل، يتم استدعاء نصوص توراتية قديمة (مثل قصة العماليق) لتبرير القتل الجماعي. هذه النصوص تأمر بمحو العدو بالكامل "رجالاً ونساءً وأطفالاً"، تنفيذاً لما يعتقدون أنه "أمر إلهي" لتطهير الأرض، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ "الإبادة المقدسة".

بالإضافة الى ما سبق، هناك تيار داخل الصهيونية الدينية المتطرفة (مثل قادة المستوطنين الحاليين) يعتقدون أننا نعيش في زمن "الخلاص"، وأن القوانين الدولية هي "قوانين أغيار" (Goyim) لا تنطبق على شعب الله المختار. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى العنف المفرط كأداة لتسريع مجيء "المسيح" (للمرة الأولى بحسب الفكر اليهودي).

أما بعض الباحثين اليهود المعاصرين فيعتبرون أن اللجوء إلى القوة المفرطة ضد الأطفال ليس طقساً دينياً بقدر ما هو محاولة لـ "كي الوعي" وضرب المستقبل. وان هذه الظواهر هي جزء من "الاستعمار الاستيطاني" الإسرائيلي. وهكذا، يكون الهدف النهائي هو "إحلال" شعب مكان شعب، مما يجعل إزاحة المدنيين (بمن فيهم الأطفال) ضرورة استراتيجية للمشروع الاستيطاني، وليس مجرد ممارسة دينية.

لذان، فإن استهداف الأطفال (بحسب هؤلاء) يهدف إلى:

  • كسر الإرادة الجماعية: إشعار المجتمع بأن ثمن المقاومة هو فقدان الجيل القادم.
  • التخلص من "القنابل الديموغرافية": في الفكر الصهيوني المتطرف، يُنظر إلى الطفل الفلسطيني أو "العدو" ليس كطفل بريء، بل كـ "مشروع مقاتل مستقبلي".