في خطاب متلفز، اقتبس بنيامين نتنياهو من كتاب تاريخي لويل ديورانت
"دروس التاريخ" عبارة أثارت الكثير من اللغط حول "تفوق جنكيزخان
على المسيح". ويقول نتنياهو: "لا يكفي أن تكون أخلاقيًا، لا يكفي أن
تكون عادلًا، ويثبت التاريخ لسوء الحظ أن المسيح ليس لديه له أي تفوق على
جنكيزخان. لأنك إذا كنت قوياً عديم الرحمة واسع النفوذ بما فيه الكفاية، فإن الشر
سوف يتغلب على الخير، والعدوانية ستغلب الاعتدال".
واللافت، من خلال قراءة الكتاب الفلسفي الهام لويل وزوجته أرييل
ديورانت،
أن نتنياهو حرّف أفكار الكتاب لتخدم سرديته حول استخدام القوة المفرطة والغاشمة ولتبرير
الإبادة عبر الإشارة الى أن الشر ينتصر على الخير، وان قيم المسيح حول الإنسانية
لا مكان لها فيها التاريخ، وهي أفكار تتناقض كلياً مع الكتاب والاستنتاجات التي
وردت فيه.
ماذا في كتاب "دروس التاريخ"؟
يطرح الكاتب في استهلال دراسته التحليلية للتاريخ سؤالاً جوهرياً:
هل وجدتم في التاريخ مجرد تسلية لقصص صعود وسقوط الأمم.. أم استخلصتم منه أي تنوير
لحالنا الحاضر؟. ويضيف في المقدمة: إن جوهر هذه التساؤلات يكمن في تحديد ماهية
"الانتصار" الحقيقي، فبينما يضج التاريخ بأسماء الفاتحين الذين شيدوا
إمبراطوريات شاسعة بالحديد والنار، يظل السؤال قائماً: هل يمثل هؤلاء
"الانتصار" بمعناه الوجودي، أم أنهم مجرد عوارض بيولوجية في سياق صراع
القوى؟
ينطلق ديورانت من فرضية مفادها أن
"التاريخ هو فرع من البيولوجيا". في هذا المختبر الكبير، تخضع الدول
لنفس قوانين "الانتقاء الطبيعي" وصراع البقاء. ومن هنا تأتي عبارته:
"الطبيعة والتاريخ لا يتفقان مع مفاهيمنا
عن الخير والشر؛ هما يُعرّفان الخير بأنه ما ينجو، والشر بأنه ما يفنى؛ والكون ليس
لديه تحيّز للمسيح ضد جنكيز خان."
في
هذا التوصيف يقوم الكتاب برصد "واقعي" لآلية عمل التاريخ المادي. فالقوة
المادية، بما تتضمنه من جيوش واقتصاد وتكنولوجيا، هي الحكم الفصل في الصراعات "اللحظية"
(كما يعود ديورانت ويؤكد)، وحيث الدول التي تغفل منطق القوة وتكتفي بالمثالية
الأخلاقية غالباً ما تندثر تحت أقدام القوى الصاعدة الأكثر "تكيُّفاً"
وقسوة.
لكن بالرغم من ذلك، وفي حديثه عن أثر المسيح، يشير الى أن التطور
الأخلاقي الذي جاء به المسيح صار أداة لهدم اللاهوت القديم، ويقول: "تماماً
كما أدى التطور الأخلاقي لليونانيين إلى إضعاف إيمانهم بآلهة أوليمبوس المتناحرة
والزانية... فإن تطور الأخلاق المسيحية أدى ببطء إلى تآكل اللاهوت القديم. المسيح
دمر يهوه (بمعنى أن صورة المسيح الأخلاقية هدمت صورة الإله الانتقامي
القديم)." ويعود في الفصل الأخير بعنوان "هل التقدم حقيقي؟
يدرج ديورانت أثر المسيح كجزء من الخلود الحضاري.
ويرى ديورانت أن
"الانتصار المادي" هو نصر كمّي ومكاني. جنكيز خان، الإسكندر، نابليون؛
هؤلاء حققوا انتصارات مادية مذهلة، لكنها انتصارات "محكومة بالزمن" بحسب
الكاتب. يرى ديورانت أن القوة
المادية تحمل بذور فنائها في منطق التمركز ذاته؛ فالتاريخ الاقتصادي والسياسي هو
نبض دوري بين "انقباض" يحشد الثروة والسلطة في أيدٍ قليلة، و'انبساط' قسري يفكك هذا التمركز
حين يتجاوز حدود القدرة على الإدارة أو الاحتمال الاجتماعي، مما يجعل الانحلال
ضريبة حتمية لاختلال التوازن بين الكفاءة والعدالة."
وفي الفلسفة العامة للكتاب، يشير الكاتب الى أن التاريخ المادي هو
"تكرار مرهق لأخطاء الماضي على مسرح أكبر". فالدول التي تنتصر مادياً
فقط، تترك وراءها أطلالاً وقبوراً، لكنها لا تترك بالضرورة "معنى"
يستمر. هذا النوع من الانتصار يصفه ديورانت بأنه "باروكي"؛ أي أنه يكسر
القواعد والأنماط لفترة، لكنه لا يغير جوهر الطبيعة البشرية التي تظل تنافسية
وجشعة.
لاحقاً، وفي نهاية الكتاب ينتقل ديورانت
من "المؤرخ الواقعي" إلى "الفيلسوف الإنساني"، حيث يطرح فكرة "الانتصار الدائم" الذي يتجاوز القوة العسكرية. يخلص
ديورانت في أطروحته إلى أن "الحضارة العظيمة لا تموت تماماً"، بل تظل
حية كـ "نسيج حيوي جامع" للتاريخ البشري. ويستشهد بالنموذج الكلاسيكي
لانتقال الحضارة اليونانية إلى روما، ليؤكد أن "الانتصار الدائم" ليس
عسكرياً بل هو "عملية تراكمية" قوامها الأفكار والقيم والجماليات.
فالتقدم الحقيقي في نظره لا يُقاس بالقوة المادية أو التكنولوجية، بل بـ
"زيادة وفرة هذا التراث والحفاظ عليه واستخدامه".
يختم ديورانت رؤيته بنظرة تفاؤلية تتجاوز المادية
التاريخية؛ فالتاريخ عنده ليس مجرد "سجل للجرائم والآثام"، بل يتحول
بالوعي إلى "مدينة سماوية" و"وطن واسع للعقل". في هذه
المدينة، يظل القديسون والمبدعون والفلاسفة أحياءً بأثرهم، بينما يتوارى
"الجنرالات" الذين لم يتركوا سوى السطوة الزائلة. إن الدرس النهائي الذي
يقدمه ديورانت هو أن الانتصار الدائم يكمن في "الأثر" الحضاري؛ فالحضارة
الحقيقية هي التي تجمع شتات التراث الإنساني لتورثه للأجيال القادمة كمنارة تحمي
البشرية من "الانزلاق مجدداً نحو الهمجية".
