2026/03/11

الأسطورة كأداة حرب: صناعة الرضا عن الإبادة

 

 

شهد النظام الدولي منذ نهاية القرن العشرين ما وصفه عدد من الباحثين بـ"عودة المقدس إلى الفضاء العام"، وهو تحول يتحدى الافتراض الكلاسيكي لنظريات الحداثة التي توقعت تراجع الدين في السياسة الحديثة. ولقد بيّنت دراسات متعددة أن الحداثة لم تؤدِّ إلى اختفاء الدين بقدر ما أعادت تشكيل حضوره في المجال السياسي والثقافي وحتى في مجال العلاقات الدولية.

منذ بدء حرب الإبادة على غزة عام 2023، وليس انتهاءً بحرب ايران 2026، نجد أن السرديات المقدسة أصبحت مواد تُستخدم في بناء الهوية القومية وتبرير السياسات الاستراتيجية. على سبيل المثال، أفادت مؤسسة الدفاع عن الحرية الدينية أن أكثر من 200 جندي أميركي قدموا شكاوى إلى مؤسسة الحرية الدينية العسكرية حول استخدام بعض القادة العسكريين خطابًا مسيحيًا متطرفًا لتبرير الحرب على إيران، معتبرين أن هذه الحرب هي جزء من الخطة الإلهيةونهاية العالم (هرمجدون) كما ورد في سفر الرؤيا، وأوضح أحد ضباط الصف أن قائده كان يشجع الجنود على تبني هذه الرؤية، مستشهدًا بالمعركة النهائية بين الخير والشر وعودة المسيح.

كذلك تُعد الحالة الإسرائيلية مثالاً بارزاً على هذا التداخل بين الدين والقومية الحديثة، حيث شهدت العقود الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في نفوذ الصهيونية الدينية داخل البنية السياسية والعسكرية، بعد عقود من هيمنة الصهيونية العلمانية التي قادها المؤسسون. وهكذا، باتت السرديات التوراتية والأساطير المؤسسة تسهم بشكل أساسي في تشكيل العقيدة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وباتت تؤدي وظيفة سياسية وأيديولوجية في إنتاج الشرعية للعنف وإعادة تأطير الصراع بوصفه صراعاً وجودياً.

ويمكن تحليل هذه الظاهرة ضمن مفهوم أوسع يمكن تسميته "صناعة الرضا عن الإبادة " حيث تسبق السردية الثقافية استخدام القوة العسكرية، فتعمل على تهيئة الوعي الجمعي داخلياً وخارجياً لتقبل مستويات عالية من العنف غير المسبوق. في هذا الإطار، لا تُترك دماء المدنيين، ولا سيما الأطفال، لتصبح عقبة أخلاقية أمام الأهداف العسكرية، بل يتم دمجها في بنية خطابية تبرر العنف وتحوّله إلى ضرورة وجودية، وتجعل من قتل الأطفال شيئاً حميداً بدل ان يكون أداة لعذاب الضمير.

وهكذا، تسهم استعادة الأساطير التوراتية وتكرارها في الخطاب الإسرائيلي السياسي الحالي في إعادة تعريف العدو وتبرير استخدام القوة المفرطة، ونزع الإنسانية عن اللبنانيين والفلسطينيين والعرب والإيرانيين.

أسطورة مسادا

تُعد قصة "مسّادا" من أبرز الأساطير المؤسسة في المخيال القومي الإسرائيلي. وتروي الرواية أن مجموعة من اليهود المحاصرين في قلعة مسادا خلال التمرد اليهودي ضد الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي فضّلوا الانتحار جماعياً على الاستسلام.

تحوّلت هذه القصة إلى رمز مركزي للصمود والرفض المطلق للهزيمة. وقد جرى توظيفها في الخطاب القومي الإسرائيلي، حيث أصبحت جزءاً من الطقوس الرمزية المرتبطة بالجيش الإسرائيلي، بما في ذلك إقامة مراسم أداء القسم لبعض الوحدات العسكرية في الموقع. وهكذا، باتت هذه الاسطورة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تعزز الشعور بالتماسك الداخلي، وفي الوقت نفسه تكرّس تصوراً للصراع يقوم على فكرة الحصار الوجودي الدائم.

أسطورة عماليق

تحتل شخصية "عماليق" في الرواية التوراتية موقع "العدو المطلق" الذي يجب القضاء عليه بالكامل. وفي بعض التفسيرات الدينية الراديكالية، يتم تقديم "عماليق" بوصفهم رمزاً للشر المتجسد الذي لا يمكن إصلاحه أو التعايش معه.

عند استدعاء هذا الرمز في الخطاب السياسي أو الديني، يتحول العدو المعاصر إلى تجسيد حديث لهذا الشر الأسطوري. وفي هذه الحالة، لا يُنظر إلى الأطفال أو المدنيين بوصفهم أفراداً مستقلين لا يجوز أخلاقياً أو قانونياً قتلهم، بل كجزء من "كيان معادٍ" قد يشكل تهديداً مستقبلياً.

هذه البنية الأسطورية تسهم في خلق حصانة نفسية لدى المقاتل، حيث يصبح العنف مبرراً باعتباره دفاعاً وقائياً ضد خطر وجودي محتمل، ويصبح قتل الأطفال مباحاً بعد نزع صفة الإنسانية عن "العدو"، ليتاح قتله وعائلته وأطفاله وتدمير كل ما يملك.

ولا تقتصر عملية بناء الشرعية للعنف لدى الجمهور الاسرائيلي على الخطاب الديني أو العسكري، بل تمتد إلى المجال الثقافي والإعلامي. تشير الدراسات إلى أن بعض الأعمال السينمائية والتلفزيونية الإسرائيلية التي تُعرض عالمياً تميل إلى تصوير الجندي الإسرائيلي بوصفه شخصية تعاني صراعاً أخلاقياً أثناء العمليات العسكرية. ويؤدي هذا النمط السردي إلى تحويل التركيز من الضحية المقتولة إلى التجربة النفسية للمقاتل، وهو ما يسهم في إعادة تأطير العنف بوصفه مأساة أخلاقية معقدة.

ختاماً، يكشف هذا التداخل بين الأيديولوجيا الدينية والواقع الجيوسياسي أن "المقدس" لم يعد مجرد استحضار للماضي أو ايمان بالماورائيات، بل هو أداة فاعلة في هندسة الصراعات الحديثة؛ حيث تتحول الأساطير إلى عقائد عسكرية تمنح العنف شرعية مطلقة، وتجعل من "نزع الإنسانية" عن الآخر ركيزة أساسية في استراتيجيات البقاء والهيمنة الدولية المعاصرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق