تعد العلاقات الدبلوماسية أحد أسمى مظاهر السيادة الوطنية، حيث تنظمها أطر قانونية دولية صارمة وضوابط دستورية داخلية تهدف إلى حماية مصلحة الدولة العليا. إن القرار الأخير الذي اتخذه وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجي، بسحب اعتماد السفير الإيراني واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، يضعنا أمام تساؤلات جوهرية تمس صلب المؤسسات الدستورية اللبنانية وتخالف المستقر عليه في القانون الدولي العام، خاصة عند مقارنته بالممارسات الإجرائية والحكمة السياسية.
أولاً:
الإطار الدولي (اتفاقية فيينا 1961)
تنص اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، لاسيما المادة 9 منها، على حق الدولة المضيفة في إعلان أي عضو من أعضاء
البعثة الدبلوماسية "شخصاً غير مرغوب فيه" (Persona
non grata). إلا أن ممارسة هذا الحق في الحالة
اللبنانية الراهنة تصطدم بواقع أن السفير الإيراني لم يقدم أوراق اعتماده رسمياً
بعد نتيجة تأخير إجرائي من وزارة الخارجية نفسها. وهذا الأمر يطرح
تساؤلات ليس حول مشروعية القرار بحد ذاته وفق اتفاقية فيينا، بل حول توقيته
ودلالاته السياسية في ظل غياب اكتمال الإجراءات البروتوكولية."
إن القفز نحو "سحب
الاعتماد" قبل اكتمال المراسيم البروتوكولية، وفي ظل ظروف إقليمية عدائية،
يعكس تسرعاً قد يُفسر دولياً على أنه خروج عن الحكمة الدبلوماسية، ما قد
يثير جدلاً حول توصيف وضعه البروتوكولي، وهو ما أثار بالفعل تشجناً داخلياً كان لبنان في غنى عنه في
الظروف الدقيقة وفي ظل العدوان الإسرائيلي على لبنان.
ثانياً:
تجاوز صلاحيات مجلس الوزراء
من الناحية الدستورية
اللبنانية، تعتبر السياسة الخارجية وأدواتها عملاً سيادياً بامتياز، وهي وفقاً
للمادة 65 من الدستور من اختصاص مجلس الوزراء مجتمعاً. إن
صلاحية اتخاذ قرار بطرد السفير أو إعلان دبلوماسي أجنبي شخصًا غير مرغوب فيه تندرج
ضمن السياسة الخارجية التي أناطها الدستور اللبناني بمجلس الوزراء مجتمعًا، ما
يجعل أي إجراء منفرد يفتقر إلى الغطاء الدستوري الكامل.
وعليه، لا يملك وزير
الخارجية سلطة منفردة لاتخاذ قرار بمثل هذا الحجم؛ فدوره تنفيذي لما يقرره مجلس
الوزراء. إن عدم صدور بيانات رسمية من الرئاستين الأولى والثانية، يضع قرار الوزير
في خانة "القرار الفردي".
ومع ذلك، القول بإن
القرار استند إلى "التشاور" مع رئيسي الجمهورية والحكومة لا يمنح القرار
شرعيته الدستورية. فالمادة 53 من الدستور لا تعطي الرئيسين سلطة
الحلول مكان مجلس الوزراء في قرار بهذا الحجم قد يؤدي إلى قطع العلاقات
الدبلوماسية مع دولة أخرى.
وبالرغم من أن بيان وزير
الخارجية اللبناني أدرج انه لا يقطع العلاقات مع إيران، قد ترى إيران أن ما قام به
وزير الخارجية اللبناني، يستوجب المعاملة بالمثل فتطرد السفير اللبناني، مما
يمهّد لتدهور العلاقات الدبلوماسية أو خفض مستواها، وهو أمر شائع في العلاقات الدبلوماسية بين
الدول.
مقارنة مع الدول العربية
عملياً، يتسم قرار
الوزير رجي بأنه عمل "أقصى" maximalist بامتياز، يفتقر إلى التدرج الدبلوماسي المتعارف عليه في الأزمات
الكبرى. وبالنظر إلى المشهد الإقليمي، نجد أن الدول العربية الخليجية، ورغم تعرضها
المباشر لضربات عسكرية من إيران، لم تلجأ إلى خيار طرد السفراء الإيرانيين أو سحب
الاعتماد كخطوة أولى.
اكتفت تلك الدول وفي
ذروة تأزم علاقاتها الحالية مع إيران بطرد "الملحقين العسكريين" أو خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي،
وذلك بهدف إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وتجنب الوصول إلى "نقطة
اللاعودة". السعودية، على سبيل المثال، أعلنت إنها أبلغت الملحق العسكري
بسفارة إيران لدى المملكة ومساعده، وثلاثة أشخاص من أعضاء طاقم البعثة بمغادرة
المملكة واعتبارهم "أشخاصا غير مرغوب فيهم، وعليهم المغادرة خلال 24 ساعة. أعلنت دولة قطر أن الملحقين العسكري والأمني في
السفارة الإيرانية والعاملين في الملحقيتين هم "أشخاص غير مرغوب فيهم".
في النتيجة، أن يذهب
لبنان المنهك بالأزمات نحو الخيار الأقصى (طرد السفير الايراني)، مع معرفة القائمين
به أنه سيثير ردّات فعل داخلية، في حين تلتزم دول إقليمية كبرى بمبدأ "إدارة
الأزمات" بدلاً من تفجيرها، هو أمر يثير الاستغراب حول الحكمة المطلوبة في
إدارة المصالح الوطنية العليا.
بالإضافة الى ما سبق، إن التذرع بتدخل السفير الإيراني في الشؤون
الداخلية هو تبرير انتقائي، لأن التدخل الخارجي في لبنان ظاهرة عابرة للحدود
تمارسها بعثات عديدة دون ردع. إن
التذرع بتدخل السفير في الشؤون الداخلية كسبب للطرد هو تبرير ينتقي طرفاً دون آخر؛
فالساحة اللبنانية تشهد تدخلات علنية من بعثات دبلوماسية متعددة لا تُجابه بذات
الحزم، مما يفقد القرار صدقيته القانونية ويجعله يبدو كجزء من تجاذب سياسي محلي أو
إقليمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق