خلال الحرب
الإسرائيلية الأميركية مع إيران، صدرت تقارير أميركية وإسرائيلية عدّة، تشير الى
ان المستوى الإسرائيلي فوجئ بأن الشعب الإيراني لم يقم بالثورة على النظام بالرغم
من كل الدعوات لذلك، وبالرغم من أنه لم يكن قد انقضى شهرين على الاحتجاجات التي
حصلت مع بداية السنة الحالية والتي قمعها الإيراني بالقوة.
رغم تعدّد العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية التي
تفسّر إحجام المجتمع الإيراني عن الثورة في لحظات التصعيد، فإن الإضاءة على البعد
النفسي–الاجتماعي يبدو ضرورياً بوصفه مفتاحاً أساسياً لفهم أنماط السلوك الجمعي في
مواجهة التهديدات الوجودية.
تعد دراسة السلوك المجتمعي الإيراني عصية على
الفهم دون النفاذ إلى عمق الإدراك الجمعي للتهديد، وهو إدراك يتجاوز الحسابات
المادية الصرفة ليشتبك مع مخاوف وجودية ضاربة في القدم. لقد منحت الجغرافيا
السياسية لإيران، بوصفها مركزاً للصراعات الدولية عبر التاريخ، فرصاً للنفوذ
تاريخياً لكنها في الوقت نفسه جعلتها عرضة لانكشاف أمني دائم، مما ولّد ما يمكن تسميته
بـ "القلق الوجودي" الذي يتعاظم مع كل تهديد باعتداء خارجي.
أولاً:
القلق الوجودي والمظلومية التاريخية
يتأتى القلق التاريخي الإيراني كنتيجة لأحداث
تاريخية شهدت اختفاء الدولة أو تفككها في محطات زمنية مختلفة. هذا الإرث يجعل من
أي اعتداء عسكري بشكّل بالنسبة لهم قلقاً من "فناء الدولة"، وهو ما
يدفعهم لتشكيل استجابة دفاعية تتسم بالتكافل خلال الأزمات الوجودية.
وبالرغم من التغير الجذري في نظام الحكم عام
1979، إلا أن إدراك التهديد الإيراني يظهر استمرارية لافتة، فالمخاوف التي سكنت
العقل الاستراتيجي في العهد البهلوي لا تزال حاضرة في فكر الجمهورية الإسلامية.
ومع ذلك، عملت الثورة على "مأسسة" هذا القلق وتأطيره أيديولوجياً.
وتأطير القلق الجمعي التاريخي في قالب "المظلومية" الشيعية.
يحتل مفهوم "المظلومية" المستمد من
واقعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين مركزية كبرى في تعبئة العقل الجمعي الإيراني
عند مواجهة الاعتداءات. يتم استخدام هذه السردية، جنباً إلى جنب مع "عقدة
الاضطهاد"، فتؤدي وظيفتين أساسيتين:
1. التحشيد الداخلي: تحويل المعاناة الوطنية إلى فعل مقدس يعزز
التماسك الاجتماعي خلف القيادة السياسية.
2. التبرير الاستراتيجي: شرعنة التحركات العسكرية والسياسية خارج
الحدود كإجراءات وقائية لمنع تكرار المظالم التاريخية.
ثانياً: العزلة الاستراتيجية و"الدفاع
المتقدم"
تعد "العزلة الاستراتيجية" مفهوماً محورياً لفهم السلوك
الإيراني، وهي تعبر عن إدراك عميق لدى صانع القرار في طهران بأن إيران دولة بلا
حلفاء طبيعيين أو "أصدقاء" جيوسياسيين يمكن الاعتماد عليهم وقت الأزمات
الوجودية.
تنبع هذه العزلة من تلاقي عاملين فريدين في المنطقة:
- العامل العرقي: كونها دولة فارسية في محيط يغلب
عليه الطابع العربي والتركي.
- العامل المذهبي: كونها مركز الثقل الشيعي في
إقليم ذي أغلبية سنية.
هذا التمايز خلق شعوراً تاريخياً لدى
الإيرانيين بأنهم "جزيرة" وسط محيط مختلف، مما جعل الاعتماد على الذات
ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة لبقاء الدولة.
وبسبب هذا الشعور بالعزلة الاستراتيجية، وبسبب غياب الأحلاف
العسكرية الرسمية مع القوى الكبرى أو الجيران، طورت إيران- الثورة استراتيجية
"الدفاع المتقدم" عبر شبكة من الفاعلين من غير الدول.
لكن الفحص
المعمق للسلوك الاستراتيجي الإيراني يكشف عن استمرارية في عقيدة "الدفاع
المتقدم"، تتجاوز الأيديولوجيات السياسية المتعاقبة لتستقر في صلب الثقافة
الأمنية للدولة. يتضح هذا الترابط عند مقارنة مقولة المرشد الأعلى الخامنئي:
"نحن نقاتل في حلب حتى لا نقاتل في كرمنشاه"، بتصريح الجنرال باشائي، مسؤول السافاك في
عهد الشاه، الذي أكد: "نحن نقاتل في المتوسط لكي لا تُراق الدماء في
إيران". هذه الوحدة في المنطق الجيوسياسي تشير إلى أن ضرورة تصدير القوة
للخارج لحماية الأمن الداخلي هي ثابت بنيوي لدى الايرانيين؛ فبينما سعى الشاه
لتموضع إيران كقوة مهيمنة عبر التدخل العسكري المباشر كما في ثورة ظفار بعمان،
أعاد النظام الثوري صياغة هذه الضرورة تحت غطاء أيديولوجي.
والمفارقة، أن
هذا المبدأ لا يقتصر على العصر الحديث، بل يرجعه بعض الخبراء إلى الإمبراطورية
الساسانية (224-651م)، حيث اعتبر غزو كسرى أنوشيروان لليمن عام 570 خطوة استباقية
لمنع التغلغل البيزنطي في البحر الأحمر.
الفارق النوعي
الذي أضافه النظام الثوري هو أنه أعطى بعداً "ثقافياً-دينياً" لهذه
الضرورات الأمنية؛ فربط الخامنئي الدفاع عن الأمن القومي بحماية العتبات المقدسة،
معتبراً أنه لولا التضحيات الإقليمية "لما بقي شيء من الزينبية أو كربلاء أو
النجف".
وبناءً عليه،
يمكن استنتاج أن "العقيدة الدفاعية-التوسعية" ليست مجرد منتج أيديولوجي
للثورة الإسلامية، بل هي ظاهرة عابرة للأنظمة في ايران، ومتجذرة في الواقع
الجيوسياسي والقلق التاريخي وطموحات القوة العظمى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق