2011/10/13

استقالات المحكمة تتوالى.. فمتى دور بلمار؟

لم تكن استقالة القاضي أنطونيو كاسيزي عن منصبه لـ"أسباب صحية" مفاجئة لمتابعي عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إذ يسُود أعمال المحكمة تلك الكثير من الغموض والشوائب والتسييس الواضح، ومخالفة القوانين وأعمال الفساد المفضوح، لدرجة أن الاستقالات تتوالى، وبشكل متسارع في جميع أطقم المحكمة الإعلامية والقانونية.
يدرك المطلعين على قضايا العدالة الجنائية الدولية، أن رئيس المحكمة القاضي أنطونيو كاسيزي يملك تاريخاً طويلاً من التعامل مع تلك القضايا، وله العديد من المؤلفات التي تجعله عَلماً من أعلام القانون الدولي الجنائي المحترمين، بالرغم من الشوائب والاجتهادات الفضفاضة التي اعتمدت خلال عمله في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا، ومنها التوسع في المسؤولية الجنائية الفردية، كما التوسع في مسؤولية الرئيس والمرؤوس، بشكل يجعل سيف العدالة مسلطاً على رؤوس الجميع بدون استثناء وبدون أدلة جنائية دامغة، وأحياناً عوقب بعض المتهمين استناداً إلى "تصور نية جرمية".
وبالرغم من ذلك ومن تاريخه الطويل وتعامله مع العدالة الدولية وآلياتها وانتقائيتها، لكن على ما يبدو من الاستقالة الحالية لكاسيزي، أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد فاقت كل المحاكم الدولية الأخرى، سوءاً وفساداً وهدراً للأموال، وعلى ما يبدو أنه لم يعد يستطيع التغطية على الارتكابات التي يقوم بها المدعي العام الكندي دانيال بلمار. علماً أنه من المفترض بالقاضي كاسيزي أن يكون معتاداً على فساد المدعين العامين، فهو قد شهد في محكمتي يوغسلافيا ورواندا الكثير من الأخطاء والتعسف وتزوير الإفادات واتهام الأبرياء وأعمال الفساد التي قامت بها المدعية العامة كارلا ديل بونتي في تلك المحاكم، والتي تمّ الادعاء عليها بأنها قامت بترهيب الشهود ورشوتهم، كما قامت بتزوير الأدلة أو استخدام شهود زور لدعم قراراتها الاتهامية.
وكانت المحكمة الخاصة بيوغسلافيا قد أنشأت في العام 2010 لجنة مستقلة لتقصي الحقائق من أجل التحقيق في الممارسات التي قامت بها ديل بونتي وفريقها في الادعاء العام خلال عملهم في محكمة يوغسلافيا، وذلك بعدما قام العديد من الشهود بالادعاء عليهم بجرم تزوير شهادات الشهود وترهيب أو ترغيب البعض الآخر منهم للإدلاء بإفادات كاذبة تؤدي إلى اتهام أحد قادة الصرب "سيسيلاف" بارتكاب جرائم حرب في البوسنة.
ولا يبدو أن بلمار يختلف كثيراً عن نظيرته ديل بونتي، بل تبدو ممارساته قد فاقتها لدرجة أن خلافاته مع زملائه في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بدأت تقوّض المحكمة من الداخل، وقد افتتحت باستقالة رئيس قلم المحكمة البريطاني روبن فنسنت عام 2009 على خلفية إصرار بلمار على رفع ميزانية فريق التحقيق، وتخصيص مكتب للتواصل الخارجي يتبع له حصرياً، وبسبب الممارسات التي لا تتناسب مع  معايير العدالة الدولية. ثم طفا إلى السطح  الخلاف بين بلمار وقاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، في قضية جميل السيد حيث رفض  بلمار الإجابة عن أسئلة القاضي فرانسين، ومن ثمّ الطعن بقراراته بشأن تسليم اللواء جميل السيد مستندات ليلاحق المسؤولين عن الاعتقال التعسّفي، ناهيك عن الاستقالات المتتالية والغامضة والمتسارعة لكل من: الناطقة باسم المحكمة، الفلسطينية سوزان خان في شهر آب 2009، ورئيس قسم التحقيق في مكتب بيلمار الأوسترالي من أصل مصري نيك كالداس في شهر كانون الثاني 2010، ورئيس قلم المحكمة المحامي الأميركي ديفيد تولبرت في شهر كانون الثاني 2010، والناطقة الرسمية باسم بيلمار التونسية راضية عاشوري في شهر أيّار 2010، والمساعد القانوني للمدعي العام بيلمار مواطنه برنار كوتيه في شهر حزيران 2010، والناطقة الرسمية باسم بيلمار، اللبنانية هنرييتا أسود في شهر أيلول 2010، والناطقة باسم المحكمة اللبنانية فاطمة العيساوي في شهر كانون الأوّل 2010.
إذاً، لا يبدو العمل مع بلمار سهلاً، ولا يبدو أن أحداً من المستقيلين المذكورة أسماءهم في الصحف، مستعد للتغطية على أفعال بلمار وارتكاباته. ولا يبدو أن القاضي كاسيزي مستعد للتضحية بتاريخ طويل من عمل القضاء الجنائي الدولي، وسجل أكاديمي حافل ومميز من أجل التغطية على التسييس الفاضح والتعسف الذي تقوم عليه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وهي محكمة بدأت أعمالها استناداً إلى عمل لجنة تحقيق دولية يرأسها ديتليف مبليس المتهم في بلاده بالرشوة والفساد، وأرست دعائمها على آليات قانونية مطعون بقانونيتها، وتشير استطلاعات الرأي المختلفة أن غالبية الشعب اللبناني تطعن بشرعيتها ومصداقيتها وتشكك في قدرتها على إحقاق العدالة.
استقال رئيس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان "لأسباب صحية" كما قيل، ولكن كما بات واضحاً من مسيرتها أنها أداة لتفتيت لبنان وإفقاره وخلق فتنة مذهبية بين طوائفه. واللافت أنه بالرغم من كل روائح الفساد المنبعثة من هذه المحكمة، والتي تتكشف يوماً بعد يوم أنها مؤامرة على شعب لبنان ومقاومته، فإن رئيسي الحكومة والجمهورية اللبنانيين ما زالا يعلنان رغبتهما والتزامهما بتمويلها من أموال الشعب اللبناني، في ظاهرة تدل على استهتار بالمال العام، والرغبة في كسب رضى الدول الكبرى على حساب المواطن اللبناني وأمواله وأموال دافعي الضرائب من اللبنانيين الذين - وكما يتضح من الخطط الاقتصادية العلاجية التي يتقدم بها وزير العمل اللبناني شربل نحاس - أن دافعي الضرائب الأكبر هم الفقراء ومتوسطو الدخل، بينما يتنعم الأغنياء بجنة ضريبية لبنانية تزيد الهوة بين الفقراء والأغنياء، في بلد لا يتأمن فيه الحد الأدنى من مقومات الأمن الاقتصادي والاجتماعي، لمواطن مطلوب منه اليوم تمويل مؤامرة دولية تهدف إلى قتله وتجويعه، بذريعة "العدالة".
ليلى نقولا الرحباني
  • · أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق