2013/12/12

المحاكم الجنائية الدولية : انجازات واخفاقات

يبحث هذا الكتاب البحثي والعلمي في موضوع المحاكم الجنائية ويدرس بالتفصيل تجاربها ومدى تأثيرها على السلام والاستقرار في المجتمعات التي تخدمها.
إن ما دفع الباحثة لدراسة المحاكم الدولية هو المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بالتحديد، ففي آذار من العام 2009، باشرت المحكمة أعمالها، وكان الانقسام على أشدّه بين اللبنانيين حول المحكمة، فمنهم من يراها أداة ستمنع الإفلات من العقاب، ويعتبر أن إطلاق الضباط الأربعة هو دليل على عدم تسييسها، بينما يرى الآخرون أنها أداة لتجهيل الفاعل من خلال مؤامرة دولية تريد أن تلصق التهمة بـ"حزب الله"، بعد أن اتهمت النظام السوري. ويكشف الكتاب نقلاً عن وثائق فرنسية تفضح أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك حدد للمحكمة مهمتها الأساسية بـ"قتل النظام السوري" وأنه قال لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن "بشار الأسد سيسقط كثمرة ناضجة، يكفي الانتظار فقط.. سيتحوّل ديتليف ميليس إلى تجسيد للعدالة والديمقراطية في المنطقة".
أمام هذا الواقع اللبناني المنقسم، كان لا بد من دراسة تستطيع أن تعطي الرأي العام اللبناني والعربي رأياً موضوعياً علمياً، حول عمل وآلية تلك المحاكم، فلا تؤدي التوجهات السياسية إلى السير في ركاب التصفيق أو التأييد الأعمى لهذا الرأي أو ذاك.
يختلف هذا الكتاب عن سواه من الكتب الأخرى حول المحاكم الدولية المتوافرة باللغة العربية، فمعظم ما تحتويه المكتبة العربية من كتب حول المحاكم الجنائية يتحدث عن نظام أساسي، وشرح الآليات القانونية المعتمدة بطريقة قانونية جافّة، لكن يأتي هذا الكتاب الفريد من نوعه ليدرس مدى تأثير المحاكم على المجتمع من ناحية بناء السلام فيه.
يبدأ الكتاب بسرد التطور التاريخي للمحاكم الجنائية الدولية الذي بدأت مسيرته الفعلية مع محاكم نورمبرغ التي كرّست مفهوم المسؤولية الجنائية الفردية كبديل عن مسؤولية الدولة حول الجرائم المرتكبة من قِبل العاملين باسمها، ولكن البحث قاد إلى الاطلاع على مفهوم جديد طوّرته المحاكم الجنائية التي أنشئت بعد التسعينات، وهو المشروع الجنائي المشترك الذي توسّع إلى درجة كبيرة حتى بات بالإمكان اتهام أي كان، بجرم لم يعلم به، ولم يشارك فيه، بل بمجرد انتمائه إلى مجموعة ما لديها هدف مشترك، وحتى لو لم يكن هذا الهدف جرمياً بالأساس، وهو ما أوردته محكمة لبنان في فقرتها الثالثة، والتي يُخشى أن يكون وصفة لاتهام السيد حسن نصرالله وجميع الأفراد المنتمين إلى "حزب الله" بالمشاركة في جريمة اغتيال رفيق الحريري.
ثم ينتقل الكتاب إلى دراسة النتائج التي حققتها جميع أصناف المحاكم الدولية في بناء السلام في المجتمعات، فيبدأ بالمحكمة الجنائية الدولية الدائمة، ثم ينتقل لنموذجي المحاكم الخاصة والمختلطة.
اللافت في الكتاب، الإحصاءات الميدانية التي يستند إليها، والتي تورد بالأرقام حقيقة ثقة الناس بالمحاكم، ومدى تأثير عملها على المصالحة، وشرعية المحاكم في نظر المجتمعات التي تتعامل معها.
وقد يكون الفصل الثالث هو من الفصول المميزة في الكتاب، الذي تكشف فيه الباحثة بالوثائق كيف تمّ استغلال هذه المحاكم من قبل الدول الكبرى، ومن قبل الأطراف الداخليين الذين استعملوا آلية المحاكمات الجنائية الدولية كأداة سياسية للقضاء على خصومهم المهزومين، وتستفيض في نشر وثائق وتقارير عن التسويات والصفقات التي قام بها المدّعون العامون في المحاكم، وكيف فبركوا شهود الزور، ومارسوا الترهيب والترغيب على الشهود، لإثبات التهم على الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في القرار الاتهامي، وتقيم تصوراً لما ستكون عليه نتائج محكمة لبنان على صعيد تحقيق العدالة وبناء السلام في المجتمع اللبناني.
أما الفقرة الأخيرة في هذا الفصل، فتخصصها الكاتبة لشرح مستقبل محكمة لبنان والمحاكم الأخرى قياساً على التطورات الدولية الراهنة وتبدّل موازين القوى العالمية، خصوصاً الحرب الدائرة في سورية التي سينبثق على إثرها نظام دولي جديد، سيبدّل التحالفات ويغيّر في القواعد الدولية المعتمدة.
ومن جملة النتائج التي توصلت إليها الدراسة، أن المحاكم الدولية بمجملها بدت وكأنها أداة فوقية فرضها المجتمع الدولي على المجتمعات، وأنها أقرب إلى محاكم المنتصرين التي باتت تحتاج - فعلياً- إلى مَن يحاكمها، وإن أي مراهنة على دور إيجابي لهذه الآليات القضائية تفرض على المجتمع الدولي استخدام الكثير من الضوابط والآليات المرافقة وإلى الحيادية وعدم التحيّز والتسييس، ويجب أن تتوافر فيها كل سبل الإنصاف والشفافية ومعايير العدالة الحقيقية لكي يستجيب المجتمع إلى تحقيق العدالة الجنائية بطريقة إيجابية.
إنه كتاب قيّم وعلمي ومتقدم ويأتي تلبية لتطلعات الكثيرين من المثقفين ومن الذين لديهم شغف بمتابعة التطورات، وذلك لقراءة المستقبل الذي ينتظر المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان انطلاقًا من تجربة وسجل المحاكم الدولية التي سبقتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق