2014/02/09

السعودية: سياسة قلق تحتاج أجوبة مطمئنة

د. ليلى نقولا 

ما أن أعلنت السعودية أن الملك عبد الله بن عبد العزيز، قد أصدر أمرًا ملكيًا، بمعاقبة كل من يشارك في الأعمال القتالية خارج السعودية، أو ينتمي إلى الجماعات الدينية أو الفكرية المتطرفة، أو المصنّفة كمنظمات إرهابية داخليًا أو إقليميًا أو دوليًا، حتى أعلن البيت الأبيض في اليوم نفسه، عن زيارة مرتقبة سيقوم بها الرئيس الأميركي باراك اوباما الى الرياض في النصف الثاني من شهر آذار المقبل.
وتأتي زيارة اوباما، في وقت تعاني فيه العلاقات السعودية الأميركية تصدعات كبرى، بسبب تباين المواقف السعودية الأميركية، من ملفات عدّة في المنطقة، كالحرب على الارهاب في العراق، والملف السوري وأهمها على الاطلاق التقارب الأميركي الايراني، والاعتراف الرسمي الأميركي بالدور الايراني الاقليمي في المنطقة.
وقد يكون الأمر الملكي السعودي، هو تمهيد للزيارة، حيث تؤكد من خلاله السعودية أنها جزء لا يتجزأ من الحرب العالمية على الارهاب، وأنها لن تقبل بأن يطلق عليها في المحافل الدولية اسم دولة راعية للارهاب، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات دولية خطيرة عليها، خاصة بعدما تبين أن هناك ملفات عدّة وتقارير موثّقة تشير الى ضلوع أمراء سعوديين في تمويل المجموعات الارهابية، بل أكثر من ذلك، إذ تشير الى ضلوع بندر بن سلطان وغيره من الأمراء في استخدام هذه المنظمات لتنفيذ عمليات انتحارية في روسيا ولبنان والعراق وسوريا.
وهكذا قد تكون الزيارة الرئاسية الأميركية الى السعودية، مناسبة لتحديد أسس السياسة الأميركية في المنطقة، أو للاعلان عن توجهاتها بعد كل المخاض الذي سارته خلال الأعوام الثلاثة منذ بدء الأحداث في العالم العربي، أو ما أسمي "الربيع العربي"، الذي أدخل القاعدة الى سوريا، وشحن الصراع المذهبي في العراق، وأخلّ باستقرار لبنان. وستسعى كل من الرياض وواشنطن الى تحقيق أهداف عدّة من الزيارة، فواشنطن تريد انخراطًا سعوديًا ايجابيًا في القضايا الشرق أوسطية في ظل توجّه أميركي جدّي للتوجّه الى الشرق الأقصى، خاصة قضية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي والحرب على الارهاب.
أما الرياض فتريد أن تحصل من الأميركيين على أجوبة مطمئنة حول سياستها المستقبلية في الخليج، والنفوذ الاقليمي لايران الذي من الممكن أن يتمدد أكثر فأكثر، خاصة في ظل توجّه العلاقات الأميركية الايرانية والاوروبية الايرانية، الى ما يشبه شهر العسل الاقتصادي والاستراتيجي. 
وقد يكون سعي الرياض الى هذه الأجوبة ضرورويًا وملحًا، كون السياسة التي اتبعتها السعودية بالاستدارة نحو اوروبا، وبالأخص فرنسا، لم تكن على قدر الآمال المتوقعة سعوديًا. فلقد قام الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، ببيع السعوديين مواقف اعلامية سياسية عالية النبرة تجاه ايران، وأظهر الفرنسيون تشددًا في موضوع الاتفاق النووي مع ايران، عشية زيارة هولاند الى السعودية الى أدّت الى العديد من الاتفاقات التجارية وبيع الأسلحة، لكن ما أن انتهت جولة "البيزنس" الفرنسي الرئاسية بتوقيع العقود، حتى هرول الفرنسيون الى ايران يساقبون الأميركيين والروس والاوروبيين على زيارة طهران للاستفادة من السوق الايراني الواعد اقتصاديًا.
ويعتبر حجم الوفد الفرنسي الذي زار ايران في الأسبوع الأول من شباط، الأضخم من الاتحاد الاوروبي الذي يزور طهران منذ اتفاق جنيف النووي، وقد ضمّ 166 ممثلاً عن 120 شركة فرنسية كبرى تعمل في قطاعات النفط والسيارات والصناعات الزراعية والبتروكيماويات والطيران والصناعات الطبية، وهو مأ ازعج الأميركيين الذين عبّروا بصراحة عن استيائهم، علمًا أن الأميركيين يتطلعون كغيرهم من الدول الكبرى الى توقيع عقود استثمار في الاقتصاد الايراني خاصة في مجال الطاقة.
وهكذا، يجد السعوديون أنفسهم اليوم، أمام محطة تاريخية مفصلية، تفرض عليهم الواقعية والتأقلم مع المتغيرات الدولية والاقليمية المستجدة التي لا يمكن التعامل معها بنفس السياسة القديمة المعتمدة، فما بعد سوريا ودخول الروس الى المنطقة ليس كما قبله، وتفشي الارهاب في المنطقة بشكل بات تهديده يتخطى عتبة الدول العربية ليصل الى اوروبا وروسيا، يفترض تغيير جذري في السياسات السعودية الرسمية المتثملة بغض النظر ودفن الرأس في الرمال. فهل تعلن السعودية انخراطًا جديًا في محاربة الارهاب ودخولها في الحلف الدولي لمكافحته بعد زيارة اوباما فيخفّ التشنج المذهبي في المنطقة، أما أن الأمر أبعد من قدرة العائلة المالكة السعودية باعتبار أن هذا يفترض تغيرات جذرية في الهيكلية البنيوية للحكم، وإقصاء وجوه لها نفوذها وتأثيراتها الداخلية؟ الجواب يبقى بانتظار آذار المقبل. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق