2021/04/19

هل يدفع بايدن روسيا الى الحرب مع أوكرانيا؟


يعيش العالم على وقع قرع طبول الحرب في أوكرانيا، بتدفق الحشود العسكرية الروسية على الحدود معها من جهات عدّة بحراً وبراً، بعد أن تصاعدت حدّة التوترات والإجراءات والإجراءات المضادة بين كل من روسيا من جهة، والأميركيين ودول حلف الناتو من جهة أخرى.

 

منذ مجيء جو بايدن إلى البيت الأبيض، بدأ الحديث عن انطلاق مسار انضمام بعض الدول، ومنها أوكرانيا، إلى حلف الناتو، إضافةً إلى مشاركة الأخيرة في المناورات العسكرية التي شجّعت الرئيس الأوكراني زلنسكي على الهجوم اللفظي على موسكو والتهديد بالحرب لاستعادة الأراضي الأوكرانية.

 

وكاد الموضوع العسكري يأخذ أبعاداً شديدة الخطورة لولا تراجع الأميركيين عن خطوة إرسال سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود، وإبلاغ تركيا بعدم مرور السّفن، وذلك بعد الرسالة الروسية التحذيرية، إذ وجّهت روسيا إنذاراً شديد اللهجة إلى الولايات المتحدة بالبقاء بعيداً من شبه جزيرة القرم "من أجل مصلحتها"، معتبرة أن أي انتشار للبحرية الأميركية في البحر الأسود سيعتبر "استفزازياً للغاية"، ووصفت هذا الانتشار بأنه استفزاز يهدف إلى اختبار الأعصاب الروسية.

 

ADVERTISING

 

وفي تحدٍ واضح للروس، أعلنت بريطانيا عن توجّه سفن حربية بريطانية إلى البحر الأسود في شهر أيار/مايو المقبل، وذلك بعدما أعلنت روسيا تقييد ملاحة السفن العسكرية والرسمية الأجنبية في أجزاء من البحر الأسود حتى شهر تشرين الأول/أكتوبر 2021، الأمر الّذي أثار إدانات سريعة من قبل أوكرانيا والاتحاد الأوروبي.

 

هكذا، نجد أنَّ المنطقة تدفع دفعاً نحو التصعيد العسكري، ويجد الروس أنفسهم يسيرون نحو الانخراط في حرب من المرجح أنهم لا يريدونها، فما الأسباب التي تدفع إدارة بايدن إلى هذا التصعيد؟

 

منذ مجيئه إلى البيت الأبيض، ازدادت العدائية الأميركية تجاه روسيا، وتجلّت بوصف بايدن لبوتين بأنّه "قاتل"، ورفضه العرض الروسي لإجراء مباحثات معه، ثم قبوله بعد فرض عقوبات على الروس. ويبدو أنَّ العدائية تجاه روسيا، والتي تطبع تصرفاته وقراراته، تنطلق من عوامل شخصية وأخرى استراتيجية، نوجزها بما يلي.

 

1- العوامل الشخصية، وتتجلّى في:

 

- تأثر بايدن بحقبة الحرب الباردة التي عاشها كسياسي أميركي.

 

- الحنق الَّذي يشعر به إثر بروز تقارير استخبارية تشير إلى تلاعب روسي بالانتخابات الأميركية (2016 و2020) لمصلحة خصمه دونالد ترامب.

 

- حاجته إلى الظهور بمظهر "القوي والعنيف"، رداً على الحملات الداخلية التي تصفه بالضعف الشديد.

 

2- أما من الناحية الاستراتيجيّة، فيمكن الإشارة إلى أمرين:

 

الأول: إبقاء روسيا تحت ضغط "توسيع حلف الناتو"، إذ يدرك الجميع حساسية موسكو من موضوع توسّع حلف الناتو وانضمام الدول المحيطة بها إليه، لما في ذلك من خطورة استراتيجية على أمنها القومي. وقد اختبر الأوروبيون والأميركيون خطورة استفزاز الروس في هذا الأمر، وذلك منذ الإعلان عن نيّة ضمّ كلّ من أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف في العام 2008، وانجرار جورجيا إلى تحدّي الروس، ما كبّدها تدخلاً عسكرياً روسياً وخسارة إقليمين (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية).

 

وقد أنعش بايدن الأحلام الأوكرانية بالانضمام إلى الناتو للضغط على موسكو، على الرغم من أنَّ هناك عوائق جوهرية تمنع دخول أوكرانيا إليه، منها عدم السماح للدول التي تشهد نزاعات إقليمية مع جيرانها بالانضمام إليه، وهو ما يشجع الروس على النزاع مع تلك الدول، ما يعطّل قدرتها على الانضمام إلى الحلف.

 

 أضف إلى ذلك أنَّ قبول انضمام دولة إلى الحلف يحتاج إلى اتفاق بالإجماع داخله (المادة 10)، وهو غير متوفر، إذ يتخوّف أعضاء الناتو من أن انضمام أوكرانيا سيحتّم عليهم تطبيق معاهدة الدفاع المشترك (المادة 5)، ما سيجعلهم في مواجهة عسكرية مع موسكو.

 

الثاني والأهم: جرّ ألمانيا إلى إلغاء خطّ أنابيب "نورد ستريم 2"

 

يتعرّض الرئيس الأميركي جو بايدن لضغوط شديدة من قبل الكونغرس الأميركي لفرض عقوبات على خط الأنابيب بين روسيا وألمانيا "نورد ستريم 2" ومنع استكماله، لكنه يتريث في فرض تلك العقوبات، لما قد يكون لها من تأثير سيئ في علاقة الولايات المتحدة بألمانيا، وبالتالي الاتحاد الأوروبي. وقد أوضح الألمان لكلّ من ترامب وبايدن أنَّهم لن يتخلّوا عن المشروع الذي أوشك على الانتهاء، بعد أن استثمروا فيه ما يزيد على 16 مليار يورو.

 

حاول الأميركيون دفع ألمانيا إلى شراء الطاقة من الولايات المتحدة كبديل من الغاز الروسي، ولكن الكلفة كانت أكبر. لذا، يندفعون إلى محاولة عرقلة الأنبوب، لما يحققه من فائدة اقتصادية هائلة للروس، إضافةً إلى المزايا الاستراتيجية باحتكار إمداد الطاقة لأوروبا، وخصوصاً في ظل تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى الغاز كلياً بحلول العام 2030 لدواعٍ بيئية.

 

هكذا، يبدو أن ثمة مجموعة عوامل تدفع الرئيس الأميركي إلى استفزاز الروس للخروج عن ضبط النفس والتسبّب بنزاع عسكري محدود مع أوكرانيا (لن ينخرط الناتو في الدفاع عنها في حال اندلاع النزاع). يعتقد البعض في الإدارة الأميركيّة وفي مراكز التفكير الأميركية أنّ أيّ نزاع عسكريّ أو هجوم روسيّ على أوكرانيا، يمكن أن يدفع الألمان إلى حرج شديد يضطرون معه إلى تجميد العمل بأنبوب "نورد ستريم 2".

 

وفي أفضل الأحوال، تأمل إدارة بايدن أن يؤدي التصعيد إلى الضّغط على الروس لتمديد عقود إمداد الطاقة مع أوكرانيا (تنتهي في العام 2024) لمدة 10 سنوات إضافية، بما يتيح لهم الوقت الكافي لتأمين مصادر طاقة بديلة إلى أوروبا خلال هذه الفترة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق