2021/09/01

لماذا يفشل الأميركيون في السياسة الخارجية؟

 

وقف العالم مذهولاً أمام صور الانسحاب الأميركي من أفغانستان، والتي أعطت انطباعاً بأن هزيمة عسكرية قد حصلت، وأن الجيش الأميركي وأعوانه ينسحبون على وقع ضربات سددتها طالبان للقوات الأميركية، وهو أمر لم يحصل واقعياً، بل إن الانسحاب الأميركي كان محدد في التوقيت والزمان، بفضل سنوات من التفاوض مع طالبان وأشهر من التحضير لإنسحاب حدده بايدن في أواخر آب الجاري.

 

وتشير العديد من المقالات والتحقيقات أن حرب الولايات المتحدة الأميركية الأطول في ذلك البلد، كانت تخدم شركات الأمن الخاصة، وشركات السلاح، والتنقيب عن المعادن، لكن الأمر الأكثر غرابة هو ما تم كشفه من أن عتاداً عسكرياً بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، تمّ تركه في الميدان وحصلت عليه طالبان ما يجعلها تمتلك أسلحة استراتيجية قلّ نظيرها في المنطقة.

 

ولعل الذهول الذي طبع العالم من الصور المذلة للانسحاب الأميركي، مردّه الى أن العديد من المحللين والناس العاديين حول العالم، يعتقدون أن الولايات المتحدة "لا تخطئ ولا تنهزم" وأن كل ما يقوم به الأميركيون حتى الفوضى وصور الهزيمة، "محضّر له بعناية ومدبّر"، وأن الأميركيين "مثاليون" في التنظيم والتخطيط الاستراتيجي والتنفيذ.

 

ولكن الاعتقاد هذا، والذي قد يكون مرده الى دعاية سياسية أميركية، وقوة ناعمة أميركية ناجحة، تدحضه العديد من الوقائع التاريخية ونذكر بعض الأمثلة الحديثة، منها:

 

-      الحرب على العراق 2003 - 2008

 

بعد القضاء على حكم صدام حسين، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أن العراق سيكون نموذجاً للديمقراطية في المنطقة، وأن  نظرية الدومينو سوف تطبق فتتدحرج جميع الدول المحيطة بالعراق وتنتقل من الحكم الديكتاتوري الى الحكم الديمقراطي.

 

         قام الرئيس الأميركي جورش بوش الأبن بتعيين السفير بول بريمر رئيسًا للإدارة المدنية للإشراف على إعادة إعمار العراق في 6 أيار/ مايو 2003. بعد تعيينه مباشرة، رفع بريمر مذكرةً إلى وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد خلُص فيها مبدئيًا إلى أنه ينبغي حلّ الجيش العراقي وأجهزة الأمن والمخابرات العراقية، فوافق. وأدّى تطبيق هذه السياسة الى اهتزاز الأمن والاستقرار في العراق، وساهم الأميركيون في دعم الحكام الفاسدين ما حوّل العراق الى دولة فاشلة ما زالت تتعثر لغاية اليوم.

 

وتشير شهادات الدبلوماسيين الذين عملوا في العراق في تلك الفترة، أن برامج كل من بريمر التابع لوزارة الخارجية، ورامسفيلد في وزراة الدفاع، تضاربت في العراق وتضاربت معها مصالحهم ومصالح اللوبيات التي يخدمونها، حتى وصل الحال الى ما هو عليه من فوضى جعلت الأميركيين يدفعون تريليونات الدولارات وآلاف القتلى بدون تحقيق الأهداف المرسومة من قبل الإدارة، واتخاذ قرار الانسحاب عام 2008.

 

-      دعم الاخوان في مصر 2011- 2013

 

حصلت ثورة 25 يناير في مصر للاطاحة بحكم حسني مبارك، وبالرغم من أن حركة الاخوان المسلمين المصرية كانت آخر من انضم الى التظاهرات، بيد أنها استطاعت أن تتصدر الحركة الشعبية وتفوز في الانتخابات لأنها كانت الأكثر قوة والأكثر تنظيماً، وبفضل الدعم الأميركي للحركة (خطة هيلاري كلينتون).

 

وبالرغم من أن الشارع المصري عاد بعد سنتين وانتفض على الحكم الاخواني بسبب سلسلة من الاخطاء، وتبدل موازين القوى الداخلية والاقليمية، إلا أن السفيرة الأميركية في القاهرة آن باترسون (لقبها المصريون بالحيزبون وطالبوا برحيلها) استمرت في دعم مرسي حتى اللحظة الأخيرة قبل سقوطه.

 

استمر تعامي الأميركيين عن أخطاء سياساتهم في مصر حتى اللحظة الأخيرة، واستمروا في الدعاية السياسية للإخوان، وذلك عبر العديد من الصحفيين والسياسيين الذين يدورون في فلكهم، وكنوع من التسويق السياسي قام مركز "بيو" للأبحاث، بنشر نتيحة استطلاع  للرأي قام به في مصر في 17 أيار/ مايو 2013 (قبل أسابيع من الثورة المليونية الثانية)، ادعى فيه ان نسبة تأييد مرسي بين المصريين تبلغ 53 %، وأن غالبية 67% من المصريين تؤيد الاخوان!.

 

نورد هذين المثالين، للإشارة الى أن الأميركيين عادة ما يفتقرون الى المعرفة بالظروف الاجتماعية الدقيقة السائدة في بلد معين، فيضعون الخطط بناءً على رأي استشاريين وعملاء من البلد نفسه، الذين عادة ما يقولون ما "يعتقدون أن الأميركي يود سماعه"، ويخلطون بين الدعاية السياسية والحرب النفسية التي يقوم بها الأميركيون، وبين واقع الحال الحقيقي الذي يجب أن يتسم بمنتهى الموضوعية لأنه الأساس لوضع الخطط وصنع السياسات. ففي لبنان على سبيل المثال، تستمر بعض الشخصيات اللبنانية في واشنطن من باحثين واعلاميين، في شهاداتهم في الكونغرس، بترداد لازمة "أن حزب الله بات ضعيفاً وأنه يفقد حاضنته الشعبية" نتيجة الضغوط القصوى التي تمارسها الادارة الأميركية على لبنان، بينما تشير الوقائع على الأرض أن الحزب كان الفئة الأقل تضررًا من تلك الضغوط، لا بل بالعكس هو استفاد من الحرب الاقتصادية والتجويعية  على لبنان بتحويل التهديد الى فرصة وذلك لإقامة نظامه المصرفي الخاص، ودعم مؤسساته الاجتماعية الخاصة، واستيراد البنزين والمازوت من إيران.

 

وعليه، يمكن أن نقول أن صنع السياسات في واشنطن ليس مثالياً دائماً، والتنسيق بين الإدارات والوزارات الأميركية لا يكون متوافراً دوماً، بل يتضارب بتضارب مصالح اللوبيات المختلفة والأجهزة المتعددة، وهو ما يؤدي الى فشل السياسات الخارجية الأميركية في العديد من المناطق، حيث تقوم واشنطن بعدها بترك عملائها لمصيرهم والرحيل، وهو ما حصل في أفغانستان، ومرشح لأن يحصل في بلدان أخرى.

  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق