2026/01/31

قراءة في العقيدة الأمنية التركية الجديدة(٢٠٢٦)

تشكل مخرجات الاجتماع الأول لمجلس الأمن القومي التركي لعام 2026، والبيان الختامي الصادر عنه، لحظة مفصلية في مسار السياسة الخارجية والأمنية لأنقرة. 

يبدو من هذه المخرجات ان الاتراك قاموا بتحديث تصورات التهديد بما يؤدي الى "إعادة هندسة" شاملة لمفهوم الأمن القومي التركي.

يمكن تفكيك هذه التحولات الاستراتيجية وفق المحاور التالية:

أولاً: الانتقال من "الأمن الإجرائي" إلى "الأمن الوجودي الشامل"

لعل أبرز ما يميز الوثيقة الصادرة عن المجلس هو الارتقاء بمفهوم "تركيا بلا إرهاب" من مجرد شعار عملياتي ميداني إلى "مشروع دولة" متكامل( أعطته الوثيقة الأولوية).

في النظريات الأمنية، يعكس هذا التحول دمجاً بين مستويات الأمن الثلاثة: الأمن الصلب (العسكري)، والأمن المجتمعي (الاستقرار الداخلي)، والأمن التنموي (الازدهار الاقتصادي).

تتبنى المقاربة التركية الجديدة مبدأ "الأمن العابر للحدود"، أو ما يُعرف  بـ "الدفاع المتقدم"، حيث يسعى الاتراك الى حماية أمنهم القومي بعيداً عن حدودهم الجغرافية. هذا يفسر الربط العضوي ، في الوثيقة، بين الأمن الوطني والإنخراط النشط في دوائر النفوذ الثلاث: الآسيوية، والأوروبية، والأفريقية.

ثانياً: ثنائية الردع والدبلوماسية

تُظهر المخرجات تبنياً واضحاً لاستراتيجية تجمع بين النقيضين الظاهريين: "الحسم العسكري" و"المبادرة السياسية". أكاديمياً، يندرج هذا تحت مفهوم "الدبلوماسية القسرية" أو الردع الفعال. ففي الوقت الذي تؤكد فيه تركيا على استمرارية العمليات الاستباقية ضد التنظيمات التي تصنفها إرهابية فإنها تربط هذه القوة الخشنة بهدف سياسي وهو "الاستقرار".

تؤسس هذه العقيدة لشرعية التدخل الخارجي التركي عبر تبريرها ليس كطموح توسعي، بل كضرورة وقائية لحفظ الأمن القومي.

ثالثاً: في الملفات الإقليمية

عند تحليل المواقف تجاه الملفات الإقليمية، نجد ما يلي:

 اولاً: الملف السوري

 إن التركيز على "وحدة الأراضي السورية" ورفض "الخرائط التقسيمية" يعكس هاجساً وجودياً لتركيا. فأنقرة تدرك أن أي كيان انفصالي على حدودها الجنوبية ليس مجرد تهديد أمني، بل هو "قنبلة موقوتة" تهدد الديموغرافيا والجغرافيا التركية نفسها.

 ثانياً- غزة

 في ملف غزة، تسعى تركيا لترسيخ صورتها كـ "قوة معيارية"؛ عبر التأكيد على "إعادة الإعمار" والشراكة في الآليات الدولية يهدف إلى حجز مقعد لتركيا في ترتيبات "اليوم التالي"، مما يمنحها نفوذاً في شرق المتوسط عبر البوابة الإنسانية والسياسية، وليس العسكرية فحسب.

 ثالثاً: إيران (ترابط الأمن الإقليمي):

 تشدد النظرة التركية على الاستقرار الداخلي الإيراني كركيزة للأمن الإقليمي، وهذا يعكس وعياً عميقاً بضرورة الحفاظ على"توازن القوى" في الشرق الأوسط. 

كذلك، ورغم التنافس التاريخي مع إيران، تدرك تركيا أن الفوضى في طهران ستخلق فراغاً جيوسياسياً قد تملؤه قوى دولية أو حركات انفصالية، مما سيؤدي حتماً إلى "تأثير الدومينو" الذي سيضرب الداخل التركي خاصة اذا حصل الاكراد في ايران على منطقة لاقامة دولة.

 رابعاً القرن الأفريقي :

 تؤكد الوثيقة الالتزام تجاه الصومال وهذا يعني ان تركيا لم تعد تكتفي بمحيطها المباشر، بل تبني تحالفات في ممرات التجارة الدولية والبحر الأحمر، مما يعزز أوراق قوتها في النظام الاقليمي والدولي.

وهكذاً، من قراءة الوثيقة الامنية، يمكننا استخلاص التحولات التالية في الدور الوظيفي لتركيا في عام 2026:

 ١- تسعى تركيا الى تسويق صورة "الدولة صانعة الاستقرار" حيث تنتقل من صورة "الطرف في النزاع" إلى صورة "الضامن للاستقرار". هي تقدم نفسها كقوة لا غنى عنها لحل الأزمات، سواء في أوكرانيا أو غزة أو الصومال.

 ٢- إعادة رسم خريطة المصالح:

 يُلاحظ تراجع نسبي في حدة الخطاب تجاه ملفات تقليدية (مثل شرق المتوسط والقوقاز) لصالح ملفات ذات طابع إنساني-استراتيجي (غزة وأفريقيا). هذا يشير إلى أن أنقرة تشعر  بتحقيق الاستقرار النسبي في الملفات الأولى، وبدأت توجه فائض قوتها نحو ساحات جديدة لتعظيم النفوذ.

 ٣- البراغماتية الأمنية:

الخيط الناظم لكل هذه التوجهات هو "البراغماتية". تركيا 2026 لا تتحرك بدوافع أيديولوجية اسلامية صرف كما كانت خلال فترة الربيع العربي، بل بمحددات أمن قومي صارمة تهدف إلى منع انتقال الأزمات إلى الداخل، وتوظيف التناقضات الدولية لخدمة السيادة الوطنية.

 

2026/01/28

العولمة بين الربح والعبء: أميركا والصين نموذجًا

         منذ نهاية الحرب الباردة تبنَّت الولايات المتَّحدة ومعظم القوى الغربيَّة نموذجًا للعولمة النيوليبراليَّة يقوم على تحرير التجارة وتشجيع تدفُّقات رأس المال ودمج الاقتصادات الناشئة في السوق العالميَّة. بدا هذا الخيار مربحًا للولايات المتَّحدة الأميركيَّة على عدَّة مستويات:

أ‌-      "دولرة" العالم ضمنت الطلب على سندات الخزانة الأميركيَّة وخفَّضت تكلفة الاقتراض للحكومة.

ب‌-  الشركات عبر الوطنيَّة الأميركيَّة نقلت سلاسل القيمة إلى شرق آسيا وأميركا اللاتينيَّة، محقِّقة أرباحًا كبيرة وأسهمت في تضخُّم سوق الأوراق الماليَّة.

ج-المؤسَّسات الدوليَّة (منظَّمة التجارة العالميَّة، صندوق النقد، البنك الدولي) أصبحت أدوات لترسيخ قواعد الملكيَّة الفكريَّة وخفض الرسوم الجمركيَّة، بما يسهِّل استثمارات الأميركيين في الخارج.

-      بروز الصدمات

أتاحت هذه المعادلة للطبقة الاستهلاكيَّة الأميركيَّة الاستفادة من واردات زهيدة الثمن، ورسَّخت تفوُّق قطاعي الخدمات والابتكار. إلَّا أنَّ الانفتاح ذاته عجَّل بما سُمِّي "صدمة الصين"، حيث أظهرت الدراسات أنَّ الصادرات الصينيَّة منخفضة الكلفة ساهمت في إغلاق أو تقليص مصانع أميركيَّة وتراجع متوسِّط أجر العامل الصناعي.

 

إلى جانب المنافسة الصينية، مثّلت موجات الهجرة واللجوء عاملًا آخر في إعادة تقييم العولمة بالنسبة للأميركيين. تشير البيانات الرسمية في كانون الثاني/ يناير 2025، أن السكان المولودين في الخارج شكّلوا نسبة 15.8٪ من إجمالي سكان الولايات المتحدة، وبلغ عددهم حوالي 53.3 مليون نسمة، وفقًا لدراسة لمركز دراسات الهجرة، وهو أعلى مستوى تاريخيًا، مما فجّر جدلًا حول تأثير الهجرة في الأجور، وعلى الأمن والثقافة والهوية الأميركية.

استغلَّ الخطاب الشعبوي اليميني هذا الربط بين "انفتاح الحدود" وفقدان الوظائف و"تهديد الهويَّة"، مؤكِّدًا أنَّ مصالح الدول لا تتعلَّق فقط بالمكاسب الماديَّة، بل أيضًا بالتماسك الاجتماعي والثقافي.

-      الصين والاستخدام التكتيكي للعولمة

في المقابل، بدت الصين كمنتج لقواعد جديدة، حيث تميّزت بـ"الاستخدام التكتيكي" للعولمة. تُعَدُّ تجربة الصين مع العولمة حالة فريدة لكيفيَّة تمكُّن دولة نامية من استغلال الفرص التي يتيحها الاندماج في الاقتصاد العالمي لتحقيق نموٍّ غير مسبوق وتحوُّل جيوسياسي كبير.

شكَّل انضمام الصين إلى منظَّمة التجارة العالميَّة نقطة تحوُّل كبيرة، حيث أزيلت الحواجز الجمركيَّة على صادراتها، فتحوَّلت إلى "مصنع العالم"، وتعمَّق اندماج الشركات الصينيَّة في سلاسل التوريد العالميَّة. كذلك، استخدمت الصين "فترة السماح" وحجم السوق المحلِّي للتفاوض على شروط مؤاتية لها، ثمَّ استغلَّت القواعد الداخليَّة لحماية صناعاتها الناشئة.

في النتيجة، أصبحت الشركات الأميركيَّة والأوروبيَّة معتمدة بشكل كبير على السوق الصينيَّة والإنتاج الصيني، ممَّا خلق قيدًا هيكليًّا على قدرة الولايات المتَّحدة على مواجهة الصين. وكانت الصين من أكثر الدول جاذبيَّة للاستثمار الأجنبي المباشر. ومع توسُّع صناعتها، احتاجت الصين إلى موارد طبيعيَّة ضخمة، فطوَّرت علاقات تجاريَّة واستثماريَّة واسعة مع دول العالم الثالث.

لاحقًا، تمكَّنت الصين من توظيف قواعد التجارة الحرَّة لصالحها، حيث استخدمت آليات حماية صناعيَّة غير جمركيَّة (إعانات، نقل إجباري للتكنولوجيا) مع إبقاء أسواق الغرب مفتوحة أمام صادراتها. كذلك، استثمرت فوائضها التجاريَّة في سندات الخزانة الأميركيَّة، مكتسبة نفوذًا على أكبر سوق ماليَّة في العالم.

طرح نجاح النموذج الصيني (دولة قويَّة + اقتصاد سوق) داخل مؤسَّسة ليبراليَّة مثل منظَّمة التجارة العالميَّة سؤالًا وجوديًّا: هل يمكن للنظام استيعاب لاعب يمارس رأسماليَّة الدولة بدل رأسماليَّة السوق دون أن يفقد جوهره الليبرالي؟

-      العولمة الانتقائية وعولمة الكتل

وهكذا، يمكن القول إنَّ الصين حاليًا هي المستفيد الأكبر من العولمة، خاصَّة أنَّها تعاملت معها بانتقائيَّة منذ الأساس واختارت منها ما يناسبها. كذلك، باتت العولمة – التي خدمت الأميركيين في وقت سابق - إلى عبء، دفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التعامل معها بانتقائيَّة أيضًا لاختيار ما يناسبها منها أيضًا.

في التجارة والاقتصاد والسياسة الخارجيَّة، يقوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام النظام القائم على المعاملات. وهو نظام يقوم على نهج "الصفقة" حيث يُنظر إلى كلِّ موقف كفرصة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب لصالح الولايات المتَّحدة. ويتمُّ تحقيق ذلك من خلال التفاوض والضغط والتهديد، وفرض التعريفات الجمركيَّة والرسوم على السلع لتعزيز مصالح "أميركا أوَّلًا"، ما يدفع الدول الأخرى إلى اعتماد أنماط مشابهة للحفاظ على مصالحها أوَّلًا.

 

وعليه، وبدلًا من القطيعة مع العولمة أو إنهائها، يبدو الاتِّجاه الغالب هو تنظيمها والتعامل معها بانتقائيَّة. وهكذا نكون أمام عولمة منظَّمة في بعض المجالات، وانتقائيَّة ومحسوبة في أخرى.

والنتيجة، قد لا نتَّجه بالضرورة نحو "نهاية العولمة"، بل نحو ما يمكن تسميته "عولمة الكتل" حيث يُعاد رسم خرائط التجارة وسلاسل التوريد لتربط الدول الصديقة والحليفة سياسيًّا، بينما تزداد الحواجز والعزلة تجاه المنافسين الاستراتيجيين، لنكون بذلك أمام نظام دولي يتَّسم بالترابط الانتقائي المحكوم بالاعتبارات الجيوسياسيَّة.

  

2026/01/27

التدخل الانتقائي الهجومي: عقيدة الدفاع الأميركية الجديدة (2026)

في دراسة متأنية لاستراتيجية الدفاع الأميركية التي نشرت مؤخراً، نجد أن الإدارة الأميركية قد رسخت بعض المبادئ الاستراتيجية التقليدية وطورتها، لكنها أعادت تقييم وتعريف التهديدات للأمن القومي في نواحٍ مختلفة، وبشكل متعدد الطبقات أو متدرج الأهمية، وذلك على الشكل التالي:

أولاً: أولوية الأمن الوطني "الموسع"

لأول مرة، يتم دمج الأمن الداخلي بشكل عضوي في استراتيجية "الدفاع الأميركية، حيث اعتبرته الاستراتيجية "خط الجهد الأول". وحددت الأسس لذلك عبر نشر منظومة "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي والجوي، ومكافحة الهجرة غير الشرعية والمخدرات الخ..

أما الأهم، فكان دمج الأمن الوطني مع الدفاع عن مصالح أميركا في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي عبر اعتماد "الملحق الترامبي لمبدأ مونرو". هذا الملحق يعيد الاعتبار لمبدأ "مونرو" الكلاسيكي (منع التدخل الخارجي في نصف الكرة الغربي) لكن بنسخة أكثر هجومية:

‌أ.      اعتبار أمن الحدود ومكافحة عصابات المخدرات مهام عسكرية مباشرة (تصنيف الكارتيلات كمنظمات إرهابية).

‌ب.  ضمان السيطرة المطلقة على الممرات الاستراتيجية مثل قناة بنما، غرينلاند، خليج المكسيك (تسميه الوثيقة خليج أميركا انطلاقاً من الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب بعد توليه ولايته الثانية وغيّر الاسم).

‌ج.   منع أي نفوذ صيني أو روسي في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة.

ثانياً: إعادة تقييم سلم الأولويات الجيوسياسية

منذ الحرب العالمية الثانية، كان لدى الأميركيين هدف المحافظة على حرية وصولهم إلى المناطق الحيوية بلا قيود، وعلى نظام سياسي متوازن يضمن لهم نفوذاً في كل من أوروبا، وشرق آسيا، والشرق الأوسط (الخليج تحديدًا)؛ لذا هم لم يترددوا في شن حروب عسكرية لحماية هذا الهدف الحيوي والرئيسي بالنسبة لهم.

يعدّ المجالان الأولان (أوروبا وشرق آسيا) من المناطق الحيوية بالنسبة للأميركيين بسبب تواجد قوى عظمى أخرى، وبالتالي يهمّ الولايات المتحدة منع أي دول منافسة مؤثرة من السيطرة على تلك المناطق، أو منع الولايات المتحدة من حرية الحركة فيها. أما المجال الثالث -الشرق الأوسط- فمهم بسبب أمن اسرائيل ووجود النفط، وهو مصدر طبيعي بالغ الأهمية للدول الكبرى في جميع أنحاء العالم.

في مسار التاريخ الأميركي كله، كانت أوروبا أهم هذه المناطق الثلاث. اعتمدت الولايات المتحدة سياسة "أوروبا أولًا" حتى قبل دخولها الحرب العالمية الثانية؛ فعلى الرغم من أن اليابان، وليس ألمانيا، هي التي هاجمت "بيرل هاربور"، حافظ الأميركيون على سياسة "أوروبا أولًا" طوال فترة الحرب. وخلال الحرب الباردة، كانت أوروبا ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة تفوق آسيا، ولهذا السبب كان الأميركيون يعيدون تموضع قواتهم من آسيا إلى أوروبا كلما ازداد التشنج بين القطبين.

من هنا، كان الهدف الرئيسي الدائم للولايات المتحدة، ليس فقط منع الآخرين من الاقتراب أو محاولة مدّ نفوذهم إلى الحيّز الأميركي، بل أيضًا محاولة مدّ نفوذها إلى مناطق الآخرين ومنافستهم في حيّزهم الجغرافي لضمان حرية الوصول والحركة في تلك المناطق الحيوية، ولو كانت بعيدة جغرافيًا عن البر الأميركي.

في استراتيجية الدفاع الأميركية الحالية، تعيد إدارة ترامب ترتيب الأولويات، وتتبنى الاستراتيجية نهجاً انتقائياً صارماً في التعامل مع التهديدات العالمية، تتجلى بالتراتبية التالية:

‌أ.      الصين خط المواجهة الأساسي حيث الاستراتيجية المعتمدة هي "الردع بالمنع" والتركيز على تحصين سلسلة الجزر الأولى لمنع الصين من التمدد البحري. الهدف ليس "احتواء" الصين بالمعنى الكلاسيكي أو مواجهتها عسكرياً، بل خلق "توازن قوى" يسمح "بالتفاوض من موقع قوة، تأكيداً على مبدأ ترامب: السلام من خلال القوة.

‌ب.  روسيا وأوروبا (نقل المسؤولية):

-        اعتبار روسيا تهديداً "يمكن احتواؤه" وليس وجودياً كالتهديد الصيني.

-        تحويل العبء الى الحلفاء الأوروبيين الذين سيتحملون مسؤولية أمنهم ومسؤولية الحرب في أوكرانيا وإعادة إعمارها بأنفسهم.

-        فرض معيار إنفاق جديد على الحلفاء في حلف الناتو (5% من الناتج المحلي الإجمالي)، ونقل عبء الدفاع التقليدي عن أوروبا. الولايات المتحدة توفر المظلة النووية والدعم المحدود، لكن أوروبا هي المسؤولة عن ساحتها.

‌ج.   الشرق الأوسط وإيران:

-        تشير الاستراتيجية إلى عمليات عسكرية حاسمة أدت إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني، وضرورة احتواء إيران.

-         تهدف الاستراتيجية الى "تمكين الحلفاء الإقليميين لردع إيران ووكلائها، ودعم إسرائيل، وتعزيز التعاون مع دول الخليج، وتكاملها ضمن اتفاقيات أبراهام".

-        إسرائيل توصف بـ"الحليف النموذجي" لأنها تدافع عن نفسها بنفسها.

ثالثاً: تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية

تدعو الاستراتيجية الى تعبئة وطنية شاملة ونداء صناعي يعادل التعبئة التي حصلت في القرن الماضي والتي قادت الولايات المتحدة إلى النصر في الحربين العالميتين والحرب الباردة. الهدف تجديد وتأمين القاعدة الصناعية الدفاعية، من خلال تعزيز القدرات المحلية، ودعم الموردين غير التقليديين، وإعادة إحياء روح الابتكار الأميركية.

 

بالنتيجة، لا تشير الوثائق الاستراتيجية المختلفة أي استراتيجية الدفاع الأميركية الأخيرة (2026) واستراتيجية الأمن القومي الأميركية (2025) الى رغبة أميركية بالانسحاب من العالم، بل تهدف الى تكريس مبدا التدخل الانتقائي الهجومي لحماية المصالح المباشرة فقط، مع التخلي عن دور "الشرطي العالمي" المسؤول عن الأمن الجماعي "المجاني".

 

2026/01/22

أوروبا أمام اختبار الاستقلال الاستراتيجي

أثار خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتدى دافوس، موجة جديدة من القلق لدى الحلفاء الأوروبيين، بالرغم من تأكيده أنه لا ينوي الاستحواذ على غرينلاند بالقوة العسكرية، وأنه لم يفكر بذلك. ورحب وزير الخارجية الدنماركي بتراجع ترامب عن التهديد باستخدام القوة، لكن الواضح من خطاب ترامب ككل أنه ما زال يرى في غرينلاند مصلحة أميركية، وهدفاً استراتيجياً، وانه سيستمر بالضغوط المتنوعة على الأوروبيين للاستحواذ على الجزيرة.

وبالرغم من الكلام الجارح الذي ساقه ترامب للأوروبيين، ووصفهم ب"الأغبياء"، وتنمرّه على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون و"نظاراته"، اختار الأوروبيون الصمت، والتركيز على ما يمكن فعله على مستوى الاتحاد لبحث التهديدات المتعلقة بغرينلاند.

يمكن قراءة سلوك الرئيس ترامب تجاه الأوروبيين، خاصة في ملفات مثل غرينلاند وقبلها الاتفاق التجاري الذي فرضه على الاتحاد ووقعته رئيسة المفوضية أورسولا فان ديرلاين، من زاوية فهمه للواقع الأوروبي. يستخدم ترامب التصريحات الحادة، والتهديدات الاقتصادية والسياسية، لأنه يدرك ضعف القدرات الأوروبية، وعدم قدرتهم على المواجهة أو الاستقلال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، مما يجعله قادرًا على الضغط سياسياً دون مواجهة حقيقية. وعلى هذا الأساس، تطورت مطالبه من الاقتصاد والتجارة الى طرح فكرة الاستحواذ، أو الضغط على الدنمارك للحصول على غرينلاند، لأنه يدرك تماماً أن أوروبا لا تستطيع مواجهة أي تهديد طويل الأمد.

لطالما شكلت أوروبا قلب التحالف الغربي، لكنها خلال العقود الأخيرة اعتمدت بشكل متزايد على الولايات المتحدة في قضايا الأمن والدفاع. وبعد تصاعد المخاطر الجيوسياسية في العقد الأخير، خصوصاً مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، انكشفت حدود قدرات الاتحاد الأوروبي في مواجهة النزاعات الطويلة ذات الكلفة العالية.

وهكذا، بتنا نسمع على لسان أكثر من مسؤول أوروبي، الدعوة الى الاستقلال الاستراتيجي، وهي دعوة كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وجهها الى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عام 2017. حينها رفضت ميركل، قائلة: "لقد نشأنا على فكرة أنَّ الولايات المتحدة أرادت أن تكون قوة عالمية. إذا رغبت الولايات المتحدة الآن في الانسحاب من هذا الدور بإرادتها الحرّة، فسنضطرّ إلى التفكير ملياً في ذلك".

ماذا يعني الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي؟

الاستقلال الاستراتيجي يعني قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية مستقلة، وحماية مصالحه الوطنية والدولية، دون الاعتماد الكلي على القوى الخارجية، وخاصة الولايات المتحدة. وتقنياً، يعني الاستقلال الاستراتيجي قدرة الاتحاد على تفعيل "دورة دفاعية كاملةتبدأ من استقلال القرار السياسي، وامتلاك منظومات ردع تقليدية ونووية (فرنسية) مستقلة، وصولاً إلى تأمين سلاسل التوريد للصناعات العسكرية.

إلا أن المشهد الراهن يكشف عن ثلاث فجوات هيكلية تعيق هذا الطموح:

1.    معضلة التصنيع الكمي: في حين تكيّف الاقتصاد الروسي وانتقل الى "اقتصاد الحرب"، لا تزال المصانع الأوروبية تعاني من بطء في وتيرة الإنتاج، مما يجعلها غير قادرة على خوض "حرب استنزاف" طويلة الأمد دون المظلة اللوجستية الأميركية.

2.    التبعية التكنولوجية: تعتمد أنظمة الدفاع الجوي والقيادة والسيطرة الأوروبية على الأميركيين. لذا، إن أي محاولة للاستقلال ستعني تقنياً "العمى الاستراتيجي" أقلّه مرحلياً.

3.    تآكل المخزونات: إن استنزاف المخزونات العسكرية لدعم الجبهة الأوكرانية خلال الأعوام الماضية خلق فراغاً دفاعياً في قلب القارة. أدّت الحرب في أوكرانيا الى انكشاف نسبي للاتحاد، حيث كُشفت الهشاشة الأمنية الأوروبية واعتمادهم بشكل مفرط على المظلة الأمنية الأميركية، واستنزف مخزونهم العسكري الاستراتيجي.

ما سبق، يجعل أوروبا – واقعياً- أقل قدرة على الاستقلال الاستراتيجي مرحلياً، أو حتى مواجهة رغبة ترامب في الاستحواذ على غرينلاند ولو بطريقة غير عسكرية. ومن غير المتوقع أصلاً، أن تحصل مواجهة بين دول الناتو أو بين الأوروبيين والأميركيين. وعليه، تبدو أزمة غرينلاند انعكاس واضح للفجوة الهيكلية في القدرات الأوروبية أمام الضغوط الأميركية.

بالنتيجة، إن هذه الهشاشة تطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل التحالف الغربي ومكانة أوروبا فيه. وإلى أن تتحقق هذه القدرات الذاتية (وهي صعبة التحقق في المدى المنظور)، ستظل أوروبا، رغم قوتها الاقتصادية والسياسية، رهينة التأثير الأميركي في صياغة أمنها واستراتيجيتها الدولية. ولا شكّ، لا تبدو القوة الاقتصادية" الحالية للاتحاد الأوروبي كافية لحماية مصالحه الجيوسياسية في عالم يتجه نحو عسكرة العلاقات الدولية.

 

2026/01/19

العوائق القانونية أمام الاستحواذ الأميركي على غرينلاند

تشكّل التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي شكك فيها في "شرعية" السيادة الدنماركية على جزيرة غرينلاند، تحولاً بنيوياً في السلوك الأميركي تجاه القطب الشمالي، اذ انتقل ترامب من استراتيجية "الشراء" (كما عرض عام 2019) إلى استراتيجية "نزع الشرعية"، في محاولة لفرض أمر واقع جديد يسمح له بالاستيلاء على غرينلاند.

انطلق الرئيس ترامب من فرضية مفادها أن الدنمارك "لا تملك حق السيادة" على غرينلاند، مما يشرعن للأميركيين التدخل المباشر أو الاستحواذ عليها تحت ذريعة حماية "الأمن القومي" الأميركي وحماية القارة الأميركية الشمالية.

وبالعودة إلى الأرشيف الدبلوماسي، يتضح أن سيادة الدنمارك على غرينلاند هو نتاج مسار تاريخي مركّب تحكمه معادلة "الأرض مقابل الأمن والسيادة". وتكشف الوثائق أن الولايات المتحدة هي من رسخت قانونياً السيادة الدنماركية التي تحاول اليوم التشكيك فيها.

عام 1916، وفي ذروة الحرب العالمية الأولى، وسعيًا من الولايات المتحدة لتأمين "حديقتها الخلفية" في الكاريبي وحماية قناة بنما من أي تمدد للإمبراطورية الألمانية، ضغط الأميركيون على الدنمارك لبيع "جزر الهند الغربية الدنماركية" (ما يعرف اليوم بجزر العذراء الأميركية).

بموجب تلك الصفقة، اشترت الولايات المتحدة الجزر من الدنمارك بمقدار 25 مليون دولار من الذهب، وفي المقابل، وافق وزير الخارجية الأميركي آنذاك، روبرت لانسينغ، على اصدار "إعلان لانسينغ" في 4 آب 1916، والذي نص صراحة على أن الولايات المتحدة "لن تعترض على بسط الحكومة الدنماركية لمصالحها السياسية والاقتصادية على كامل غرينلاند". بموجب هذا الإعلان، تخلت واشنطن قانونياً عن "مطالبات بيري" (نسبة للمستكشف روبرت بيري) في شمال الجزيرة، وأغلقت الباب أمام أي طموح أميركي مستقبلي بضم الجزيرة عبر "حق الاكتشاف"، واعترفت بالسيادة الدنماركية على الجزيرة.

إلا أن الحرب الباردة فرضت تحولاً في الاستراتيجية الأميركية من "التملك" إلى "الاستخدام". فبعد رفض الدنمارك لعرض شراء الجزيرة عام 1946، استعاضت واشنطن عن الملكية القانونية بـ "الهيمنة الوظيفية" عبر "اتفاقية الدفاع" لعام 1951.

تلك الاتفاقية خلقت ما يشبه "الثقوب السيادية" داخل الأراضي الدنماركية في غرينلاند؛ حيث مُنحت القوات الأميركية صلاحيات مطلقة داخل "مناطق الدفاع" (أبرزها قاعدة ثول الجوية). وقد سمح هذا الوضع لواشنطن بالتصرف كدولة داخل الدولة، منفذة مشاريع سرية نووية (كمشروع "دودة الجليد" أو حادثة تحطم قاذفة B-52 عام 1968) بمعزل عن الرقابة الدنماركية، مما رسخ واقعاً مزدوجاً: السيادة الاسمية للدنمارك، والسيطرة الفعلية للولايات المتحدة في المواقع الاستراتيجية.

ما سبق يعني أن مصالح الولايات المتحدة الأمنية مكفولة ومضمونة في غرينلاند، ما يجعل العودة لمطلب "الملكية" حالياً تحولاً غير مبرر من الناحية الاستراتيجية التقليدية. وعليه، يمكن تفسير الرغبة الأميركية بضم غرينلاند ليس في الدوافع الأمنية، بل الرغبة في احتكار الموارد في عصر التنافس على القطب الشمالي.

من الناحية القانونية الأكاديمية، يضع هذا التاريخ الولايات المتحدة أمام معضلتين لا يمكن الفكاك منهما:

1.    مبدأ "الإغلاق الحكمي": في القانون الدولي، إن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة الدنمارك عام 1916 كان الثمن الذي قبضته الدنمارك (بالإضافة الى الأموال) لتسليم جزر العذراء الاميركية.  ما يعني ان أي محاولة أميركية اليوم للقول بأن "الدنمارك لا تملك السيادة" تعني قانونياً أن الولايات المتحدة تخل بموجبات معاهدة 1916، مما قد يمنح الدنمارك (نظرياً) الحق في الطعن بشرعية الوجود الأميركي في جزر العذراء نفسها، باعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين، وسقوط أحد بنوده (الاعتراف بالسيادة على غرينلاند) قد يسقط البند المقابل (التنازل عن جزر العذراء).

2.    حق تقرير المصير: بعد تطور مبدأ "حق الشعوب في تقرير المصير" وتكريسه كمبدأ من المبادئ الآمرة في القانون الدولي، لم يعد من الممكن العودة الى الحقبة الاستعمارية التي تعتبر الشعوب والأراضي سلعاً قابلة للنقل والبيع. وبالإضافة الى مبدأ حق تقرير المصير الراسخ، يعتبر قانون الحكم الذاتي في غرينلاند لعام 2009، الإطار المانع للاستيلاء على غرينلاند عبر الشراء. حالياً، الإشكالية التي ستواجه الرئيس ترامب، أنه، حتى لو رغبت الدنمارك في البيع، فهي لا تملك الحق القانوني في ذلك، اذ أن السيادة باتت ملكاً لشعب غرينلاند الذي يمتلك وحده حق تقرير المصير.

شهدت العلاقة بين الدنمارك وغرينلاند تحولاً دستورياً مفصلياً في 21 حزيران 2009، مع دخول "قانون الحكم الذاتي" حيز التنفيذ، حيث اعترفت الدنمارك صراحةً بأن شعب غرينلاند هو "شعب يتمتع بحق تقرير المصير" وفقاً للقانون الدولي، وتمّ إخطار الأمين العام للأمم المتحدة رسمياً بهذا القانون في تشرين الأول 2009. هذا الإطار القانوني هو ما يجعل أي "عرض شراء" أميركي في القرن الحادي والعشرين باطلاً قانونياً؛ فالسيادة لم تعد ملكاً للتاج الدنماركي ليتصرف بها، بل باتت حقاً حصرياً لشعب يمتلك الحق في تقرير مصيره، مع العلم أن المبادئ الآمرة هي قواعد أساسية مقبولة من المجتمع الدولي ككل، لا يجوز للدول مخالفتها أو الاتفاق على ما يخالفها.

 

2026/01/16

"متلازمة الفوضى" في السياسة الأميركية (2016- 2026)

في مقال نُشر عام 2016 في مجلة "ذا أتلانتيك" بعنوان "كيف جنّت السياسة الأميركية؟"، يطلق الصحفي جوناثان راوتش، نظريةً يسميها "متلازمة الفوضى" في السياسة الأميركية، والتي يُعرّفها على النحو التالي:

"متلازمة الفوضى هي تراجع مزمن في قدرة النظام السياسي على التنظيم الذاتي. تبدأ هذه المتلازمة بضعف المؤسسات والجهات الوسيطة - الأحزاب السياسية، والسياسيون المحترفون، وقادة الكونغرس ولجانه - التي لطالما حاسبت السياسيين أمام بعضهم البعض، ومنعت جميع أفراد النظام من السعي وراء المصالح الشخصية البحتة. ومع تضاؤل نفوذ هذه الجهات الوسيطة، يصبح السياسيون والناشطون والناخبون أكثر فرديةً وانعدامًا للمساءلة. يتفكك النظام، وتصبح الفوضى هي الوضع الطبيعي الجديد - سواءً في الحملات الانتخابية أو في الحكومة نفسها."

         وبالفعل، في عام 2016، لم يحظَ ترشيح دونالد ترامب بتأييد أي من قيادات الحزب الجمهوري، ولكن تمّ اختياره من قبل الناخبين العاديين في الانتخابات التمهيدية، ثم تمّ انتخابه رئيسًا (بشكل غير متوقع). حينها، وصف جيب بوش - أحد المرشحين المنافسين عن الحزب الجمهوري - ترامب بأنه "مرشح للفوضى" وسيكون "رئيسًا للفوضى". لكن، راوتش يجادل: "لم يتسبب ترامب في الفوضى، بل الفوضى هي التي أتت بترامب".

 

تُعد فكرة جوناثان راوش عن "متلازمة الفوضى" إطارًا تفسيريًا لفهم صعود دونالد ترامب وسلوكه في ولايته الأولى (2017- 2021)، وكيف كان انتخابه نتيجة الاستياء الشعبي من النخب التقليدية في كلا الحزبين. واذا ما نظرنا الى ولاية الرئيس جو بايدن المستقطعة، فنجد أنها تعبير واضح عن الفوضى في النظام المؤسسي الأميركية. حالياً، انتقلت الولايات المتحدة الأميركية من الفوضى البنيوية في النظام (التي تحدث عنها راوتش) إلى الفوضى المتعمدة التي يمارسها ترامب كأسلوب، والتي أدت إلى إضعاف دور المؤسسات، والى سياسة خارجية تتسم بعدم القدرة على التنبؤ بسلوك الولايات المتحدة.

 

-      فترة الرئيس ترامب الأولى:

خلال فترته الأولى، عمد ترامب الى تهميش وزارة الخارجية والقنوات الدبلوماسية التقليدية واستبدالها بدبلوماسية شخصية وعائلية قادها "جاريد كوشنر". وفي الشرق الأوسط، قام بالانسحاب من الاتفاق النووي الايراني ما ضرب مفهوم "استمرارية الدولة". وفي فلسطين، نقل السفارة الأميركية الى القدس، وسار بمسار التطبيع كبديل عن حل الدولتين (الراسخ في المؤسسات الأميركية) واعترف بسيادة "إسرائيل" على الجولان السوري المحتل.

-      فترة الرئيس جو بايدن:

في عهد بايدن، ظهرت الفوضى ليس عبر "تجاوز" المؤسسات كما فعل ترامب قبله، بل عبر الشلل الذي أصابها نتيجة الاستقطاب الحاد بين الحزبين.

بضغط من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، تخلى جو بايدن عن سياسة التحفظ التي تطبع السياسة التقليدية الأميركية تجاه الحلفاء، فتحدث عن "جعل المملكة العربية السعودية دولة منبوذة". لاحقاً، تراجع بايدن عن هذه التصريحات وزار السعودية مطالباً بزيادة انتاج النفط لتلافي الأزمة التي أعقبت مباشرة حرب أوكرانيا والعقوبات على روسيا.

وأظهرت الحرب في غزة كيف انتقلت "الفوضى" إلى داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فبينما أيّدت الإدارة "إسرائيل"، ودعمتها بدون قيد أو شرط في ارتكاب الإبادة في غزة، تظاهر الديمقراطيون -التقدميون والشباب الجامعي (الذي كان يميل بمعظمه الى الديمقراطيين) ضد الإبادة.

-      فترة ترامب الثانية:

تحدث راوتش عام 2016، عن غياب الحواجز والوسطاء فحصلت الفوضى. لكن المراقبة لتفاعلات السياسة الأميركية الداخلية، تشير الى الانتقال من الفوضى البنيوية (2016) الى الفوضى الناتجة عن الاستقطاب (جو بايدن) الى الفوضى كأسلوب حكم (حالياً).

 

في ولايته الأولى، دخل ترامب وأجزاء من "الدولة العميقة" في صراع كبير. لذا، وفي اليوم الذي استلم فيه الحكم في كانون الثاني من عام 2025، بدأ بتحجيم الاجنحة التي حاربته في فترته الأولى.

في ولايته الثانية، يبدو أن ترامب يصنع الفوضى عمداً. قام ترامب بإقالة آلاف الموظفين الحكوميين، ويقوم بصنع السياسة عبر القرارات التنفيذية. يعتبر ترامب ومؤيدوه، أن تكسير الهياكل التقليدية يفكك الجمود الذي أدى إلى تآكل قوة أميركا في العالم وسمح بصعود قوى أخرى (مثل الصين) والمنافسة في المسرح العالمي.

 

ولعل صنع الفوضى يتجلى في التعامل مع القضايا في الشرق الأوسط، فيبرز في الملف الإيراني مثلاً. في حزيران من عام 2025، قام الرئيس الأميركي بتصعيد عسكري وضربات جوية غير مسبوقة على منشآت إيران النووية، ثم عرض التفاوض بعد ساعات (بالرغم من أن التصعيد أتى في خضم عملية تفاوضية انت تتقدم ولو ببطء). وفي كانون الثاني من عام 2026، يهدد ترامب بضربة عسكرية لإيران ثم يتراجع عنها، ويبقي الخيار العسكري على الطاولة.

يجادل بعض مؤيدي الرئيس ترامب أنه يعيد تفعيل "نظرية الرجل المجنون" التي استخدمها نيكسون، حيث يخلق "عدم القدرة على التنبؤ" ردعاً نفسياً أقوى بآلاف المرات من البيانات الدبلوماسية.

 

بكل الأحوال، سواء كانت فوضى مقصودة من ترامب أو لا، يمكن القول أن متلازمة الفوضى قد تحولت من "ازمة هيكلية" داخل الولايات المتحدة إلى "أسلوب حكم". تكشف التجربة الأميركية بحلول 2025 عن تحوّل الفوضى من نتيجة لتآكل الوسائط المؤسسية، إلى نمط حُكم داخل النظام السياسي نفسه، بغض النظر عن هوية الرئيس وبغض النظر عن أسبابها.

 

2026/01/14

"متلازمة سيفر": لماذا تخشى تركيا الفوضى في إيران؟

تزامنت الاشتباكات في حلب مع التوتر الأمني الذي شهدته إيران على خلفية الاشتباكات التي حصلت بين قوى الأمن الإيرانية وبعض المتظاهرين خاصة في المناطق الغربية من إيران التي يسيطر عليها أغلبية كردية.

في سوريا، أبدى المستوى السياسي والعسكري التركي (رئاسة البرلمان ووزارة الدفاع) استعداداً صريحاً لتقديم الدعم العملياتي للحكومة السورية في اشتباكاتها ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في حلب. يرتكز الموقف التركي على مبدأ "وحدة الأراضي السورية" ورفض الازدواجية العسكرية (وجود قوتين مسلحتين)، مع التشديد على ضرورة تطبيق اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 كإطار مرجعي للتعامل المستقبلي.

أما في الموضوع الإيراني، فقد أكد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، عمر جليك، إن "تركيا لا ترغب في أن ترى تفشي الفوضى في إيران على الرغم من بعض المشكلات بين المجتمع والحكومة". وشدد جليك على أن "التدخل الأجنبي سيؤدي إلى عواقب أسوأ، وأن التدخل الذي تثيره إسرائيل على وجه الخصوص سيؤدي إلى أزمات أكبر".

لا شكّ، ينطلق الاتراك في نظرتهم الى التحولات في المنطقة، من منظار الامن القومي التركي بالأساس وبداية، ومن تأثيرها على النفوذ التركي في المنطقة ثانياً. إلى جانب المحددات المادية، تنطلق تصورات التهديد التركية من الذاكرة الجماعية التركية المشبعة بالشكّ والريبة تجاه الخارج بسبب التجارب التاريخية المؤلمة، ونتيجة لما يُسمى "متلازمة سيفر".

تنعكس ذكريات اتفاقيات سيفر في العقل الجمعي التركي؛ فقد تكوّنت مع التاريخ والتجارب قناعة راسخة وعميقة لدى النخبة التركية (بشقّيها العلماني والإسلامي) بأن القوى الغربية لم تتخلَّ يومًا عن مخططاتها لتقسيم الأناضول، وأنها تسعى دائمًا لدعم الأقليات -وتحديدًا الأكراد- لتقويض الدولة من الداخل، استكمالًا لما نصّت عليه معاهدة سيفر لعام 1920 التي مزقت الدولة العثمانية.

أدت هذه المتلازمة إلى تشكيل "ثقافة أمنية" تقوم على ركائز عدّة أبرزها:

أ‌-     الخوف من التقسيم:

يحتل "الخطر الانفصالي" رأس هرم تصورات التهديد التركية. وعليه، لا يُنظر للمسألة الكردية وامتداداتها في سوريا كملف إرهاب تقليدي، بل كتهديد "أنطولوجي" (وجودي) يمس هوية الدولة وبقاءها.

تطورت تصورات هذا التهديد لتشمل ما تسميه أنقرة "الممر الإرهابي" في شمال سوريا والعراق. ترى العقيدة العسكرية التركية أن السماح بوجود كيان كردي شبه مستقل على حدودها الجنوبية ليس مجرد تهديد أمني تكتيكي، بل هو "تطويق جيوسياسي" يهدف لعزل تركيا عن الشرق الأوسط وتمزيق نسيجها الديموغرافي الداخلي.

ب‌-  الريبة من التحالفات:

حتى وهي عضو في حلف الناتو، تتعامل تركيا مع حلفائها الغربيين (خاصة بعد محاولة انقلاب عام 2016 ) بحذر شديد، وتفسر أي دعم غربي للوحدات الكردية في سوريا كجزء من "مؤامرة كبرى" تستهدف وحدة التراب التركي.

شكّلت محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/يوليو 2016 "اللحظة التأسيسية الثانية" للجمهورية التركية. قرأ الحكم في تركيا التردد الغربي في إدانة الانقلاب في ساعاته الأولى كدليل مادي ملموس يؤكد صحة "متلازمة سيفر"، مما أدى إلى دمج "التهديد الداخلي" بـ "التهديد الخارجي" في سلة واحدة تحت مسمى "معركة البقاء".

ت‌-  أولوية الأمن الداخلي:

تُهندس السياسة الخارجية التركية برمتها بناءً على متطلبات الحفاظ على "وحدة الدولة المركزية". هذا هو المحرك الأساسي الذي يبرر التدخل العسكري الوقائي في شمال سوريا والعراق، لمنع نشوء أي كيان كردي متصل جغرافيًا يُنظر إليه كـ "خنجر" في خاصرة الأناضول الجنوبية.        

وعليه، أدّت التطورات الأخيرة التي اضطلع الأكراد فيها بدور مركزي، الى تصوّر لدى الأتراك بخطورة انهيار النظام وتفكك الجغرافيا السياسية الإيرانية، مما يتيح للفصائل الكردية المسلحة (مثل "بيجاك" والحزب الديمقراطي) -التي تشير التقارير إلى تلقيها دعماً استخباراتياً خارجياً- تأسيس كيان حكم ذاتي في الغرب الإيراني.

بناءً على ما سبق، تشكّل الفوضى في إيران معضلة أمنية مركبة لتركيا؛ إذ لا يُنظر إلى احتمالية انهيار السلطة المركزية في طهران كفرصة جيوسياسية حتمية، بل قد تشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي.

من المنظور الاستراتيجي التركي، يؤسس هذا السيناريو لترابط جغرافي بين مناطق النفوذ الكردي في شمال شرق سوريا وشمال العراق والعمق الإيراني. وتعدّ تركيا هذا الامتداد بمثابة تطويق استراتيجي لحدودها الجنوبية والشرقية بكيانات معادية مدعومة إسرائيلياً، مما يشكل تهديداً لوحدة الأراضي التركية يتجاوز في خطورته التنافس التقليدي مع الدولة الإيرانية.