2026/01/19

العوائق القانونية أمام الاستحواذ الأميركي على غرينلاند

تشكّل التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي شكك فيها في "شرعية" السيادة الدنماركية على جزيرة غرينلاند، تحولاً بنيوياً في السلوك الأميركي تجاه القطب الشمالي، اذ انتقل ترامب من استراتيجية "الشراء" (كما عرض عام 2019) إلى استراتيجية "نزع الشرعية"، في محاولة لفرض أمر واقع جديد يسمح له بالاستيلاء على غرينلاند.

انطلق الرئيس ترامب من فرضية مفادها أن الدنمارك "لا تملك حق السيادة" على غرينلاند، مما يشرعن للأميركيين التدخل المباشر أو الاستحواذ عليها تحت ذريعة حماية "الأمن القومي" الأميركي وحماية القارة الأميركية الشمالية.

وبالعودة إلى الأرشيف الدبلوماسي، يتضح أن سيادة الدنمارك على غرينلاند هو نتاج مسار تاريخي مركّب تحكمه معادلة "الأرض مقابل الأمن والسيادة". وتكشف الوثائق أن الولايات المتحدة هي من رسخت قانونياً السيادة الدنماركية التي تحاول اليوم التشكيك فيها.

عام 1916، وفي ذروة الحرب العالمية الأولى، وسعيًا من الولايات المتحدة لتأمين "حديقتها الخلفية" في الكاريبي وحماية قناة بنما من أي تمدد للإمبراطورية الألمانية، ضغط الأميركيون على الدنمارك لبيع "جزر الهند الغربية الدنماركية" (ما يعرف اليوم بجزر العذراء الأميركية).

بموجب تلك الصفقة، اشترت الولايات المتحدة الجزر من الدنمارك بمقدار 25 مليون دولار من الذهب، وفي المقابل، وافق وزير الخارجية الأميركي آنذاك، روبرت لانسينغ، على اصدار "إعلان لانسينغ" في 4 آب 1916، والذي نص صراحة على أن الولايات المتحدة "لن تعترض على بسط الحكومة الدنماركية لمصالحها السياسية والاقتصادية على كامل غرينلاند". بموجب هذا الإعلان، تخلت واشنطن قانونياً عن "مطالبات بيري" (نسبة للمستكشف روبرت بيري) في شمال الجزيرة، وأغلقت الباب أمام أي طموح أميركي مستقبلي بضم الجزيرة عبر "حق الاكتشاف"، واعترفت بالسيادة الدنماركية على الجزيرة.

إلا أن الحرب الباردة فرضت تحولاً في الاستراتيجية الأميركية من "التملك" إلى "الاستخدام". فبعد رفض الدنمارك لعرض شراء الجزيرة عام 1946، استعاضت واشنطن عن الملكية القانونية بـ "الهيمنة الوظيفية" عبر "اتفاقية الدفاع" لعام 1951.

تلك الاتفاقية خلقت ما يشبه "الثقوب السيادية" داخل الأراضي الدنماركية في غرينلاند؛ حيث مُنحت القوات الأميركية صلاحيات مطلقة داخل "مناطق الدفاع" (أبرزها قاعدة ثول الجوية). وقد سمح هذا الوضع لواشنطن بالتصرف كدولة داخل الدولة، منفذة مشاريع سرية نووية (كمشروع "دودة الجليد" أو حادثة تحطم قاذفة B-52 عام 1968) بمعزل عن الرقابة الدنماركية، مما رسخ واقعاً مزدوجاً: السيادة الاسمية للدنمارك، والسيطرة الفعلية للولايات المتحدة في المواقع الاستراتيجية.

ما سبق يعني أن مصالح الولايات المتحدة الأمنية مكفولة ومضمونة في غرينلاند، ما يجعل العودة لمطلب "الملكية" حالياً تحولاً غير مبرر من الناحية الاستراتيجية التقليدية. وعليه، يمكن تفسير الرغبة الأميركية بضم غرينلاند ليس في الدوافع الأمنية، بل الرغبة في احتكار الموارد في عصر التنافس على القطب الشمالي.

من الناحية القانونية الأكاديمية، يضع هذا التاريخ الولايات المتحدة أمام معضلتين لا يمكن الفكاك منهما:

1.    مبدأ "الإغلاق الحكمي": في القانون الدولي، إن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة الدنمارك عام 1916 كان الثمن الذي قبضته الدنمارك (بالإضافة الى الأموال) لتسليم جزر العذراء الاميركية.  ما يعني ان أي محاولة أميركية اليوم للقول بأن "الدنمارك لا تملك السيادة" تعني قانونياً أن الولايات المتحدة تخل بموجبات معاهدة 1916، مما قد يمنح الدنمارك (نظرياً) الحق في الطعن بشرعية الوجود الأميركي في جزر العذراء نفسها، باعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين، وسقوط أحد بنوده (الاعتراف بالسيادة على غرينلاند) قد يسقط البند المقابل (التنازل عن جزر العذراء).

2.    حق تقرير المصير: بعد تطور مبدأ "حق الشعوب في تقرير المصير" وتكريسه كمبدأ من المبادئ الآمرة في القانون الدولي، لم يعد من الممكن العودة الى الحقبة الاستعمارية التي تعتبر الشعوب والأراضي سلعاً قابلة للنقل والبيع. وبالإضافة الى مبدأ حق تقرير المصير الراسخ، يعتبر قانون الحكم الذاتي في غرينلاند لعام 2009، الإطار المانع للاستيلاء على غرينلاند عبر الشراء. حالياً، الإشكالية التي ستواجه الرئيس ترامب، أنه، حتى لو رغبت الدنمارك في البيع، فهي لا تملك الحق القانوني في ذلك، اذ أن السيادة باتت ملكاً لشعب غرينلاند الذي يمتلك وحده حق تقرير المصير.

شهدت العلاقة بين الدنمارك وغرينلاند تحولاً دستورياً مفصلياً في 21 حزيران 2009، مع دخول "قانون الحكم الذاتي" حيز التنفيذ، حيث اعترفت الدنمارك صراحةً بأن شعب غرينلاند هو "شعب يتمتع بحق تقرير المصير" وفقاً للقانون الدولي، وتمّ إخطار الأمين العام للأمم المتحدة رسمياً بهذا القانون في تشرين الأول 2009. هذا الإطار القانوني هو ما يجعل أي "عرض شراء" أميركي في القرن الحادي والعشرين باطلاً قانونياً؛ فالسيادة لم تعد ملكاً للتاج الدنماركي ليتصرف بها، بل باتت حقاً حصرياً لشعب يمتلك الحق في تقرير مصيره، مع العلم أن المبادئ الآمرة هي قواعد أساسية مقبولة من المجتمع الدولي ككل، لا يجوز للدول مخالفتها أو الاتفاق على ما يخالفها.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق