2026/01/09

الاتفاق السوري الإسرائيلي: مبدأ التطبيع "الوظيفي"

تنطلق المقاربة الوظيفية في العلاقات الدولية من فكرة ان "المدخل الوظيفي" قد يدفع الدول الى تجاوز حالة العداء السابقة والانطلاق الى عملية سلام وتكامل لكن بشكل متدرج. طوّر دافيد ميتراني هذه النظرية في كتابه الذي أصدره عام 1944 " نظام سلام للعمل"، فاعتبر أن الوظيفية تهدف إلى كسر الرابط التقليدي بين السلطة والوحدة الترابية لدولة معينة، وذلك عبر ربط السلطة بنشاط معين أو "وظيفة ما"، بهدف تحسين وضع المجتمعات وتطويرها.

ترتكز الوظيفية - كما يراها ميتراني- على مجموعة من الأسس، منها ما يلي:

1ـ تركّز الوظيفية على التكامل الدولي وانخراط الدول في اعتماد متبادل مادي كأساس لتحقيق السلام.

2ـ بدل التركيز على الصراع الذي تسببه الدول والسعي لمصالحها القومية، يجب خلق شبكة من التفاعلات تقوم بها منظمات وظيفية.

3- لابد أن تنطلق العملية من السياسة الدنيا low politics لذا يجب التشديد على النجاح من خلال التعاون في الأمور التقنية.

4- الشكل يتبع الوظيفة أي أن مجموع الوظائف التي يؤديها الأفراد والمنظمات تولّد مجموعة من التفاعلات تحدد شكل التنظيم.

5- يؤكد ميتراني على مبدأ التدرج والانتشار الذي يعني به أن نجاح التعاون في حقل ما سيؤدي إلى خلق تعاون في مجالات أخرى نتيجة الحاجة.

تطبيقاً لهذه النظرية على ما تمّ إعلانه مؤخراً عن "اتفاق باريس" بين سوريا "إسرائيل"، نجد أن الأميركيين – واقعيًا- قد رعوا اتفاق تطبيع "وظيفي". ينطلق هذا التطبيع من فكرة: ابدأوا بالاقتصاد والتجارة والتعاون الاستخباري وهي قضايا منخفضة الحساسية، وبمرور الوقت تصبح العلاقات بين سوريا و"إسرائيل" طبيعية بدون "شكليات سيادية" وبدون المطالبات القديمة بـ"الأرض مقابل السلام".

وعليه، يكون اتفاق باريس هو هندسة تطبيعية مبتكرة تجعل "إسرائيل" جزءاً عضوياً من البنية الأمنية والاقتصادية للجنوب السوري، دون أن تضطر لدفع أي ثمن سياسي أو تنسحب من الأرض السورية.

مع العلم أن التطبيع التقليدي يكون عبر اتفاقيات متعددة في الاقتصاد والسياحة وغيرها، ويمكن للدول ان تتراجع عنها لاحقاً في حال لم تجد استفادة من التطبيع. أما هذا النمط (غرف عمليات مشتركة، مناطق صناعية)، فيخلق نوعاً من التبعية الهيكلية من الطرف الأضعف للأطراف الأقوى بشكل يجد من الصعب لاحقاً الفكاك من تلك الترتيبات. وبدون شكّ، الأطراف الأقوى في غرفة العمليات المشتركة هما إسرائيل والولايات المتحدة، وبالتالي هما مًن ستتحكمان في العمليات الاقتصادية مستقبلاً في الجنوب السوري.

 

وعليه، تسعى إسرائيل، مستفيدةً من تفوقها العسكري، إلى تقييد الأطراف بآليات اتصال وهياكل تنسيقية دون تقديم أي تنازلات جوهرية. ورغم أن الاتفاق المطروح يتضمن بنوداً حول تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد، وتنشيط قنوات دبلوماسية مع احتمالية فتح التجارة بإشراف أميركي، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف آليات التنفيذ.

وما يعزز الشكوك حول جدوى هذا الاتفاق للجانب السوري هو خلوّه من أي التزام إسرائيلي بوقف الضربات الجوية أو العودة لتفاهمات سابقة. مع العلم أن الإشراف الأميركي على الاتفاق لا يعطي مجالاً للتفاؤل لأنه لن ينجح في كبح العدوانية الإسرائيلية ولنا في الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية في لبنان عبرة.

 

وهكذا، تحقق إسرائيل أهدافها في تكريس سيطرتها على الأراضي التي احتلتها وعملها على استمرار سوريا كدولة ضعيفة ومجزأة، واستمرار اعتداءاتها، متذرعة بعدم ثقتها بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ورفضها القاطع لتمدد النفوذ التركي. وبذلك، تكون قد انتزعت "سلاماً واقعياً" يخدم مصالحها الأمنية، دون أن تتعهد بالانسحاب من الأرض أو بوقف العمليات العدائية وقصف الأراضي السورية. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق