2026/01/27

التدخل الانتقائي الهجومي: عقيدة الدفاع الأميركية الجديدة (2026)

في دراسة متأنية لاستراتيجية الدفاع الأميركية التي نشرت مؤخراً، نجد أن الإدارة الأميركية قد رسخت بعض المبادئ الاستراتيجية التقليدية وطورتها، لكنها أعادت تقييم وتعريف التهديدات للأمن القومي في نواحٍ مختلفة، وبشكل متعدد الطبقات أو متدرج الأهمية، وذلك على الشكل التالي:

أولاً: أولوية الأمن الوطني "الموسع"

لأول مرة، يتم دمج الأمن الداخلي بشكل عضوي في استراتيجية "الدفاع الأميركية، حيث اعتبرته الاستراتيجية "خط الجهد الأول". وحددت الأسس لذلك عبر نشر منظومة "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي والجوي، ومكافحة الهجرة غير الشرعية والمخدرات الخ..

أما الأهم، فكان دمج الأمن الوطني مع الدفاع عن مصالح أميركا في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي عبر اعتماد "الملحق الترامبي لمبدأ مونرو". هذا الملحق يعيد الاعتبار لمبدأ "مونرو" الكلاسيكي (منع التدخل الخارجي في نصف الكرة الغربي) لكن بنسخة أكثر هجومية:

‌أ.      اعتبار أمن الحدود ومكافحة عصابات المخدرات مهام عسكرية مباشرة (تصنيف الكارتيلات كمنظمات إرهابية).

‌ب.  ضمان السيطرة المطلقة على الممرات الاستراتيجية مثل قناة بنما، غرينلاند، خليج المكسيك (تسميه الوثيقة خليج أميركا انطلاقاً من الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب بعد توليه ولايته الثانية وغيّر الاسم).

‌ج.   منع أي نفوذ صيني أو روسي في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة.

ثانياً: إعادة تقييم سلم الأولويات الجيوسياسية

منذ الحرب العالمية الثانية، كان لدى الأميركيين هدف المحافظة على حرية وصولهم إلى المناطق الحيوية بلا قيود، وعلى نظام سياسي متوازن يضمن لهم نفوذاً في كل من أوروبا، وشرق آسيا، والشرق الأوسط (الخليج تحديدًا)؛ لذا هم لم يترددوا في شن حروب عسكرية لحماية هذا الهدف الحيوي والرئيسي بالنسبة لهم.

يعدّ المجالان الأولان (أوروبا وشرق آسيا) من المناطق الحيوية بالنسبة للأميركيين بسبب تواجد قوى عظمى أخرى، وبالتالي يهمّ الولايات المتحدة منع أي دول منافسة مؤثرة من السيطرة على تلك المناطق، أو منع الولايات المتحدة من حرية الحركة فيها. أما المجال الثالث -الشرق الأوسط- فمهم بسبب أمن اسرائيل ووجود النفط، وهو مصدر طبيعي بالغ الأهمية للدول الكبرى في جميع أنحاء العالم.

في مسار التاريخ الأميركي كله، كانت أوروبا أهم هذه المناطق الثلاث. اعتمدت الولايات المتحدة سياسة "أوروبا أولًا" حتى قبل دخولها الحرب العالمية الثانية؛ فعلى الرغم من أن اليابان، وليس ألمانيا، هي التي هاجمت "بيرل هاربور"، حافظ الأميركيون على سياسة "أوروبا أولًا" طوال فترة الحرب. وخلال الحرب الباردة، كانت أوروبا ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة تفوق آسيا، ولهذا السبب كان الأميركيون يعيدون تموضع قواتهم من آسيا إلى أوروبا كلما ازداد التشنج بين القطبين.

من هنا، كان الهدف الرئيسي الدائم للولايات المتحدة، ليس فقط منع الآخرين من الاقتراب أو محاولة مدّ نفوذهم إلى الحيّز الأميركي، بل أيضًا محاولة مدّ نفوذها إلى مناطق الآخرين ومنافستهم في حيّزهم الجغرافي لضمان حرية الوصول والحركة في تلك المناطق الحيوية، ولو كانت بعيدة جغرافيًا عن البر الأميركي.

في استراتيجية الدفاع الأميركية الحالية، تعيد إدارة ترامب ترتيب الأولويات، وتتبنى الاستراتيجية نهجاً انتقائياً صارماً في التعامل مع التهديدات العالمية، تتجلى بالتراتبية التالية:

‌أ.      الصين خط المواجهة الأساسي حيث الاستراتيجية المعتمدة هي "الردع بالمنع" والتركيز على تحصين سلسلة الجزر الأولى لمنع الصين من التمدد البحري. الهدف ليس "احتواء" الصين بالمعنى الكلاسيكي أو مواجهتها عسكرياً، بل خلق "توازن قوى" يسمح "بالتفاوض من موقع قوة، تأكيداً على مبدأ ترامب: السلام من خلال القوة.

‌ب.  روسيا وأوروبا (نقل المسؤولية):

-        اعتبار روسيا تهديداً "يمكن احتواؤه" وليس وجودياً كالتهديد الصيني.

-        تحويل العبء الى الحلفاء الأوروبيين الذين سيتحملون مسؤولية أمنهم ومسؤولية الحرب في أوكرانيا وإعادة إعمارها بأنفسهم.

-        فرض معيار إنفاق جديد على الحلفاء في حلف الناتو (5% من الناتج المحلي الإجمالي)، ونقل عبء الدفاع التقليدي عن أوروبا. الولايات المتحدة توفر المظلة النووية والدعم المحدود، لكن أوروبا هي المسؤولة عن ساحتها.

‌ج.   الشرق الأوسط وإيران:

-        تشير الاستراتيجية إلى عمليات عسكرية حاسمة أدت إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني، وضرورة احتواء إيران.

-         تهدف الاستراتيجية الى "تمكين الحلفاء الإقليميين لردع إيران ووكلائها، ودعم إسرائيل، وتعزيز التعاون مع دول الخليج، وتكاملها ضمن اتفاقيات أبراهام".

-        إسرائيل توصف بـ"الحليف النموذجي" لأنها تدافع عن نفسها بنفسها.

ثالثاً: تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية

تدعو الاستراتيجية الى تعبئة وطنية شاملة ونداء صناعي يعادل التعبئة التي حصلت في القرن الماضي والتي قادت الولايات المتحدة إلى النصر في الحربين العالميتين والحرب الباردة. الهدف تجديد وتأمين القاعدة الصناعية الدفاعية، من خلال تعزيز القدرات المحلية، ودعم الموردين غير التقليديين، وإعادة إحياء روح الابتكار الأميركية.

 

بالنتيجة، لا تشير الوثائق الاستراتيجية المختلفة أي استراتيجية الدفاع الأميركية الأخيرة (2026) واستراتيجية الأمن القومي الأميركية (2025) الى رغبة أميركية بالانسحاب من العالم، بل تهدف الى تكريس مبدا التدخل الانتقائي الهجومي لحماية المصالح المباشرة فقط، مع التخلي عن دور "الشرطي العالمي" المسؤول عن الأمن الجماعي "المجاني".

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق