2016/06/09

بوتين والأسد... يوم تبادل الرسائل


د. ليلى نقولا
في الوقت الذي كان الرئيس السوري بشار الأسد يتحدث في الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري المنتخَب حديثاً، كان رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو يزور موسكو؛ في لقاء تاريخي بمناسبة مرور 25 سنة على إعادة العلاقات بين البلدين.

تزامن الحدثين، وما قيل فيهما، وقد يعطي إشارة واضحة إلى عدم الوضوح الذي يعتري العلاقة بين الحليفين الروسي والسوري، خصوصاً في ظل تصاعد الدور الروس في المنطقة، والقلق مما يمكن أن يقوموا به سواء على صعيد الصراع العربي - "الإسرائيلي" أو على صعيد رسم مستقبل سورية الذي يدور حوله مجمل الصراع في المنطقة، علماً أن الشكل الذي يتخذه مستقبل سورية سيطبع شكل ومستقبل الدول في المنطقة بأسرها.

وقد يكون التناقض في الخيارات الروسية في المنطقة وعدم وضوحها، هو ما جعل الرئيس السوري يوجه معظم رسائله إلى الحليف قبل العدو، وهي كما يلي:

-          بالرغم من أن الأسد في خطابه شكر كلاً من إيران وروسيا والصين، ودافع عن خيار "وقف العمليات القتالية" الذي فرضته موسكو على الجميع وقبلته دمشق، إلا أنه ومن خلال رسم الخطوط العريضة لسياسة الدولة السورية المستقبلية، حدد المعايير التي تقبل بها دمشق والخطوط الحمراء التي لا يمكن لها القبول بها، ولو أتت من قِبَل موسكو أو غيرها.

-          وفي تكرار وتأكيد لما كان قد قاله سابقاً في مناسبات عدّة، جدد الأسد التأكيد على عدم القبول بتقسيم سورية، وعلى مفصلية معركة حلب (التي شبّهها سابقاً في خطاب وجّهه لبوتين بستالينغراد)، كما أعاد التأكيد على أن الجيش السوري سيحرر كل شبر من الأراضي السورية؛ مثلما فعل في تدمر، وهو ما كان قد أعلن عنه في مقابلة سابقة، وأنتج استياءً روسياً عبّر عنه المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين.

-          وبالرغم من أن الاسد أبدى انفتاحاً على إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية، إلا أنه أعلن - وبكل وضوح - أن المعركة السياسية الحقيقية هي على صياغة الدستور السوري المستقبلي وليس على الحصص داخل الحكومة أو تقاسم الوزارات بين النظام والمعارضة. ولعل الرفض الصريح والواضح لنموذج المحاصصة الطائفية تحت شعار "التوافقية"، قد يكون رسالة موجهة إلى موسكو التي سرّبت ما يسمى "مسوَّدة الدستور السوري" ثم عادت وتراجعت، نافية أن تكون قد وضعت هذه المسوَّدة. لقد بيّن الأسد أن النظام الطائفي الذي يشبه النظام اللبناني ما هو إلا وصفة لتقسيم السوريين، واستجلاب الوصاية الخارجية تحت ذريعة حماية المكونات الطائفية الموجودة داخل الوطن.

هذا في رسائل الأسد لروسيا، أما الرسائل الروسية لمحور المقاومة فكانت أوضح من خلال المؤتمر الصحفي الذي أقامه الرئيس الروسي مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نتنياهو، حين بالغ بوتين في مديح دور "إسرائيل" في مكافحة الإرهاب، معتبراًأن "إسرائيل" تعرف هذه الظاهرة، ليس بالسمع، وأنها "تحارب الإرهاب"، مؤكداً أن روسيا وإسرائيل "حليفتان من هذا المنظور".

وبهذا المعنى، يكون الرئيس الروسي قد رفع "إسرائيل"إلى مرتبة أعلى بكثير من الأوروبيين والأميركيين، الذي ما انفك يعلنهم مجرد "شركاء"، علماً أن بوتين قدّم لـ"إسرائيل" في هذه اللفتة أكثر بكثير مما قدّمه نتنياهو لموسكو بإبداء الرغبة في منحها دوراً سياسياً أكبر في الشرق الأوسط، من خلال القبول بدخولها شريكاً في الرباعية، وفي مفاوضات التسوية مع الفلسطينيين،والتي لا يريدها نتيناهو أصلاً.

والسؤال الأهم: كيف يمكن أن يكون بوتين حليفاً لحزب الله في المعارك ضد الارهابيين في سورية، ويكون في نفس الوقت حليفاًلـ"إسرائيل" في مكافحة الإرهاب (وهو بتوصيف الإسرائيلي يعني حزب الله والمقاومة الفلسطينية ولا يعني - بالتأكيد - النصرة وداعش، باعتبار أن الإسرائيليين يمدّون المجموعات الإرهابية في الجولان بالدعم والرعاية والخدمات الطبية)؟

وتكمن الخطورة في التقارب الروسي - "الإسرائيلي"، في محاولة "الإسرائيليين" التأثير على موسكو لكي تأخذ بعين الاعتبار المصالح "الإسرائيلية" حين الاتفاق على مستقبل سورية، وهذه المصالح - بالمفهوم "الإسرائيلي" - تعني: تحجيم الدور الإيراني في سورية، وإضعاف حزب الله وتوقّف شحنات السلاح إليه، والامتناع عن المقاومة في الجولان، وهو ما كان قد دسّه دي ميستورا في ورقته سابقاً؛ بالحديث عن الالتزام بـ"المقاومة السلمية في الجولان".

وهكذا، تبادَلَ الحليفان الرسائل في يوم واحد، وحدد كل منهما نظرته للصراع ومستقبل المنطقة، لكن ما لم يحسبه الروسي جيداً أن سورية كانت قد صمدت خمس سنوات قبل قرارهم بالتدخّل العسكري، ثم إن الإنجاز الذي حققه الروس بما سمّوه "عاصفة السوخوي" لا يجعل منهم قوة قاهرة لا يُردّ لها طلب، لذا من الأفضل لأي قوة صاعدة في المنطقة ألا تبالغ في قدرتها على فرض شروطها، بل أن تحسب جيداً تبدُّل سيكولوجية الشعوب الشرق أوسطية، فعرب المشرق في القرن الحادي والعشرين ليسوا كعرب بداية القرن العشرين، الذين استعملوا وقوداً في المخططات الخارجية ضد بلادهم، ثم استمروا بالندب طيلة مئة عام.

2016/05/24

معركة الرقة القادمة ... بين تقاعس الحلفاء وحاجة واشنطن للانتصار

د. ليلى نقولا
بالرغم من قساوة مشاهد القتل والتفجيرات الانتحارية التي حصلت في كل من جبلة وطرطوس، والتي راح ضحيتها المئات من الشهداء والجرحى، إلا أن مشهد الحقد والدماء المسفوحة ظلماً الذي تزرعه "داعش" في مختلف أنحاء المنطقة العربية؛ من سوريةإلى العراق، فاليمن وليبيا وغيرها، لم يحجب الأنظار عن المعركة المفترَض أن الأميركيين يتحضّرون لها لتحرير الرقة من "داعش"، معتمدين على "قوات سورية الديمقراطية"، وعمادها الأساسي القوات الكردية.
وقد تكون الأنباء الواردة من الشمال السوري، بعد زيارة قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط جوي فوتيل، وقبلها زيارة بريت ماكغورك؛ المبعوث الخاص للرئيس الأميركيلدى التحالف الدولي ضد "داعش"إلى المنطقة، تأتي لتؤكد أن الأميركيين قرروا خوض معركة حقيقية ضد "داعش" في الرقة، وأن المناشير التي ألقيت على الرقة ودعت المدنيين للرحيل ليست حرباً نفسية كما يسوّق بعض الإعلام الداعم لـ"المعارضة السورية".
مشكلة الأميركيين في تحرير الرقة، وكما كانت تطرح دائماً حين الحديث عن تحريرالموصل، هي حلفاؤهم، الذين يدفعون الأميركيين إلى اعتماد خيارات أخرى في الميدان السوري، قد تبدل "هندسة" خريطة التحالفات الميدانية، ولو بشكل تكتيكي:
1-   بالنسبة إلى حلف "الناتو"، والأوروبيين بالتحديد، والذين يتعرضون لابتزاز تركي غير مسبوق في قضية اللاجئين، المؤسف أن الأوروبيين، دعاة حقوق الإنسان والتنظير بالإنسانية والديمقراطية، يساعدون أردوغان على ابتزازهم، ويشجّعونه على تحويل تركيا إلى دولة - الفرد المتحكّم بكل مفاصلها، والذي يحكم كسلطان عثماني أين منه سلاطين الدولة العثمانية خلال أقسى عهودها تسلُّطاً. يمشي الأوروبيون بحذر في هذه اللحظة المفصلية في حقل ألغام، فلا هم يستطيعون التخلّي عن أميركا في حربها ضد "داعش"، التي تهدد أمنهم وتقتلهم في عقر دارهم، ولا هم قادرون على إغضاب تركيا، التي ترفض أن يكون الأكراد عماد القوة المقاتلة التي ستحرر الرقة. لكن في النهاية، يعرف الأوروبيون قبل غيرهم ألا قدرة لهم على رفض المطالب الأميركية، وأن الوقوف على الجانب الصح، سيجعلهم مرغمين على مساعدة حليفهم الأميركي، شاؤوا أم أبَوْا.
2-   أما تركيا التي ترفض فتح مجالها الجوّي لطيران التحالف الدولي لقصف "داعش"، وترفض استخدام قاعدة انجرليك، فقد تدفع الأميركيين والتحالف الدولي إلى الاستعانة بالطائرات الروسية للمساعدة في الإسناد الجوّي للمقاتلين المتقدمين على الأرض. هذا التعاون العسكري الميداني، الذي أعلن الروس مناقشته مع الأميركيين، بينما نفاه الجانب الأميركي، قد يصبح أمراً واقعاً في عملية تحرير الرقة من "داعش"، وقد يمهّد السبيل إلى مزيد من التنسيق بين الجانبين، علماً أنه قد لا يؤدي إلى التفاهم على أسس الحل السياسي بشكل كامل.
3-   ويبقى الحلفاء العرب الذي ينادون بضرورة تحرير الرقة من قبَل قوات عربية وليس كردية، فيدرك الأميركيون أنهم غير جادّين وغير مستعدين لحضّ مقاتليهم على الأرض لمقاتلة "داعش"، إذ إن الأولوية بالنسبة لهم هي قتال الجيش السوري، ولو كان ذلك بوساطة التحالف مع الشيطان.
في المحصلة، وبالرغم من كل الضغوط، وتبيان مصالح الحلفاء، وعدم رغبتهم بفعل شيء ضد داعش، فإن معركة تحرير الرقة باتت ضرورية بالنسبة للأميركيين، لأسباب عدّة أهمها:
أ‌-       الإدارة الأميركية، المتهمة بأنها لم تحقق شيئاً في حملتها ضد "داعش" في سورية والعراق، لا تملك ترف الوقت ولا هامش المناورة لكي تمارس مجرد حرب نفسية إعلامية بالإعلان عن نيتها تحرير الرقّة، فتتراجع بعدها، ليشنّ عليها حلفاؤها وخصومها في الداخل - قبل الأعداء - حملة بالتقصير والتقاعس والاتهام بالضعف والتردد، تشبه إلى حد بعيد ما قاموا به بعد تراجع الرئيس باراك أوباما عن شنّ حرب على النظام السوري بُعيد أزمة الكيميائي السوري.
ب‌- الوقت المتبقي للرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض، وحاجته لانتصار ما في الحرب على الإرهاب، تنفي عنه صفة الفشل فيها، بعدما حقق الروس في مدة قصيرة ما عجز عنه التحالف في شهور عديدة،يوجب عليه القيام بتحرير مدينة يضجّ بها الإعلام العالمي، وهكذا تمّ اختيار الرقة،باعتبار تحريرها أسهل وأقل تعقيداً من تحرير الموصل.
ت‌- اكتساب مزيد من أوراق القوة في المفاوضات حول مستقبل سورية، بعدما استنفد الأميركيون ورقة "المعارضة السورية" المسلّحة المدعومة من السعوديين والقطريين والأتراك. يحتاج الاميركيون إلى أوارق قوة تدين لهم بالولاء أكثر، بعدما أظهر الحلفاء الإقليميون رغبة بالتمرد على قرارات واشنطن، ومَن أكثر من الأكراد استعداداً للطاعة، والذهاب إلى معركة لا يريدونها بالأساس، في ظل وعود لهم بتأسيس كيان مستقبلي يأسسون فيه دولتهم - الحلم؟