2017/01/19

هل تكون آستانة مركزًا للحل السوري؟

د. ليلى نقولا
تتسارع الاستعدادات لتنظيم الدعوات وإعلان النيات حول مؤتمر آستانة المنوي عقده في كازاخستان، برعاية روسية - ايرانية- تركية، ويتجه كل طرف الى تحديد أولوياته من ذلك الاجتماع، والى وضع تصوراته حول الهدف المرتقب من ذلك الاجتماع.
وفي وقت أعلنت جميع الأطراف تقريبًا أن الاجتماع سوف يثبت الهدنة في كل أطراف سوريا، تباينت المواقف حول العديد من الأمور منها قدرة المؤتمر على إنضاج الحل السياسي، وحضور الأطراف المعنية، ففي وقت أعربت كل من روسيا وتركيا عن أملها في أن تقوم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإرسال خبراء الى المؤتمر ورحبت بدعوة واشنطن إليه، أعلنت ايران على لسان وزير خارجيتها رفضها لمشاركة الولايات المتحدة الأميركية الانضمام الى هذا المؤتمر.
ويومًا بعد يوم، تبدو الاتجاهات الاقليمية حول مؤتمر الآستانة  أوضح من ذي قبل، على الشكل التالي:
- تركيا: تحاول تركيا الاستفادة من المؤتمر على خطوط عدّة، أولاً كسب الوقت لتحسين أوراق التفاوض وإعادة تسليح المجموعات المسلحة تمهيدًا لمعركة قادمة في الشمال السوري ستكون - لو حصلت - المعركة الأخيرة التي ستحدد مصير سوريا، ومصير الشرق الأوسط برمته، ولا نبالغ إذا قلنا، أن نتائجها ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل أردوغان السياسي، وقدرة تركيا على تخطي الصعوبات والتحديات التي تعانيها في الداخل. لذا، يمكن القول أن الهدنة المزمع تثبيتها تحتاجها تركيا لإعادة هيكلة ودعم المجموعات المسلحة فإما أن تستخدمها في فرض شروط على الحل السياسي، أو القتال من جديد.
- ايران: استطاع الايرانيون فرض أنفسهم طرفًا أساسيًا في الرعاية للحل، بعدما حاول الروس والأتراك استثناؤهم،  وها هم اليوم يحاولون تثبيت ما تمّ تحقيقه من انتصارات ميدانية. لذا يريد الايرانيون من تثبيت الهدنة المرتقب أن يخفف الأعباء الحربية عنهم وعن حليفهم حزب الله. بالمقابل، يقوم الايرانيون بدعم صمود الدولة السورية ماديًا واقتصاديًا ويساهمون في إعادة الاعمار. ولعل الطرف الايراني كان الأسبق للتحضير لمرحلة ما بعد الحرب، إذ قام خلال الأيام الماضية بتوقيع اتفاقيات اقتصادية هامة، منها تشغيل الخلوي السوري، وميناء نفطي ايراني على الساحل السوري وغيرها.
- اسرائيل: تبدو الأكثر تبرمًا من المؤتمر، لذا تحاول الدفع الى التصعيد في سوريا عبر طيرانها، وعبر المجموعات المسلحة، لتجر السوريين الى رد تسقط معه الهدنة ويسقط المؤتمر.
- السعودية، وتجد نفسها غير قادرة على تعطيل المؤتمر ولو كانت راغبة بذلك، كما تنزعج بعدما أصبحت خارج رعاية الحل كما كانت خلال السنوات الماضية، بعدما احتكرت المعارضة التابعة للسعودية تمثيل المعارضة السورية. وبالرغم من أن الأتراك سمحوا لمحمد علوش ( الموالي للسعودية)  بترؤس الوفد المعارض الى آستانة، للتخلص من الضغوط السعودية الميدانية في الداخل السوري بإسقاط الهدنة، إلا أن السعوديين يريدون على الأقل الحدّ من خسائر المؤتمر وذلك من خلال حصر أجندته بتثبيت الهدنة وتأجيل البحث بالحل السياسي لمرحلة قادمة قد يكونون فيها أفضل حالاً على الصعيد الميداني.
- الولايات المتحدة: في هذه الفترة الانتقالية الموسومة بالتحدي بين إدارتين متعاقبتين، وهو أمر لافت في السياسة الأميركية التي لطالما عُرفت بانتظام المؤسسات واحترام تداول السلطة السلس، لا يبدو أن الأميركيين قادرين أو راغبين بتعطيل مؤتمر أستانة، لعلمهم الأكيد أن الحل لن يكون سوى بإرادتهم في نهاية المطاف، وأنهم قادرون - من خلال الأوراق التي يمتلكونها- على فرضه أو تعطيله حين يشاؤون.
- روسيا: يبدو الروس المنتصر الأكبر في كل هذه المعمعة الاقليمية الشرق أوسطية، فلقد استطاعوا دعم الجيش السوري لتحرير حلب، وأثبتو بما لا يقبل الشكّ أنهم لاعب اساسي لا يمكن تخطيه في الشرق الأوسط، وأفشلوا خطة أوباما باستنزافهم في المستنقع السوري، وها هم اليوم يرعون حلاً سوريًا، سيبذلون الكثير من أجل تحقيقه، وخاصة في ظل وجود إدارة صديقة في البيت الأبيض.
إذًا، سيكون اجتماع آستانة محطة من محطات النزاع في سوريا، لا يعوّل عليها لحلّ الأزمة بشكل كلي، ولكنها قد تكون مقدمة لتخفيف حدّة النزاع العسكري المتفلت من كل ضوابط، فإن استطاع تثبيت الهدنة كما يعبّر أطرافه، فهو يكون قد ساهم في تخفيف معاناة السوريين، أما التفاؤل بأنه سيكون مقدمة لحل سوري نهائي، فهو تفاؤل مفرط لم يحن أوانه بعد.

2017/01/12

الهدنة السورية: تركيا في مرحلة اللايقين


د. ليلى نقولا
بالرغم من أن الهدنة الحالية في سورية تُعتبر أفضل من سابقاتها، إلا أن الخروقات المتعددة والاتهامات المتبادَلة تدفع إلى الاعتقاد أن الهدنة القسرية التي فرضت نفسها على الأطراف المعنيين، لا يمكن إلا أن تكون ناراً تحت رماد التوتر، والتحسُّب لما سيأتي،والذي تعيشه جميع الأطراف بانتظار مجيء ترامب إلى البيت الأبيض، خصوصاً بعدما أظهرت التقارير أن المخابرات التركية ما زالت تراهن على قلب الوضع الميداني، وأن هناك تخوُّفاً حقيقياً لدى الجيش السوري وحلفائه من أن يُقدم الأتراك على مغامرة ما، تحاول إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل تحرير حلب.

وفي انتظار ترامب ومؤتمر الأستانة، تعيش الأطراف المنخرطة في الحرب السورية أوضاعاً متأرجحة بين الانتظار والقلق، ويبقى الأتراك الأكثر قلقاً، حيث يمكن وصف الحالة التركية الحالية الداخلية والخارجية بأنها تعيش في حالة من عدم اليقين، تدفع إلى القيام بأمور وضدها، وإطلاق تصريحات وعكسها؛ في إشارة واضحة إلى حجم المأزق الذي يعيشه الأتراك اليوم.

يعيش الأتراك تناقضاً بين سياستهم الداخلية والخارجية، فالحاجة إلى التحالفات الداخلية اللازمة لتغيير الدستور في الداخل وفرض الديكتاتوية في الداخل يحتاجان إلى تصعيد الخطاب ضد الرئيس السوري بشار الأسد والدعوة لإسقاطه، والاستمرار في التحذير من الخطر الخارجي، والذي يتآمر على تركيا ويريد أن يحجم الدور التركي (بحسب الرواية الرسمية)، والخطر الداخلي المتمثل بالإرهاب (يوسم الأتراك كلاً من جماعة غولن و"داعش" والأكراد بالإرهاب)، بينما الظروف الخارجية وحاجة تركيا إلى الروس تدفعهم إلى التواضع والقبول بنتائج الحرب التي خاضوها في سورية، وهي التخلّي عن مطلب إسقاط بشار الأسد، والقبول بالذهاب إلى طاولة مفاوضات يتصدّرها ممثلو الحكومة السورية الحالية.

أما على الصعيد الاستراتيجي، فتعيش تركيا أسوأ كوابيسها الإقليمية والدولية منذ الحرب الباردة ولغاية اليوم، فالتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية تعرّض لخضّات كبيرة في عهد أوباما، خصوصاً بعدما حدد الأميركيون الأكراد بوصفهم الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، ما يعني تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي، وتمّ إفشال كل محاولات أردوغان لحلف "الناتو" بالتدخّل إلى جانبه لإسقاط الأسد وقيام منطقة آمنة، وأخيراً رفض التحالف الدولي (حلف الناتو ضمنًا) استنقاذ الأتراك في معركة الباب، التي كبّد فيها "داعش" الأتراك خسائر كبيرة، إلى أن قام الروس بتغطية الجيش التركي جوياً في تلك المعركة التي لم تنتهِ بعد.

يحتاج أردوغان في هذه الفترة الفاصلة إلى أن يُقنع ترامب بأن الأتراك ما زالوا قادرين على القيام بـ"وظيفة أساسية" في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، وأنه في حال قرر ترامب استكمال الخطة الأميركية السابقة في سورية، فإن الأتراك وجماعاتهم المسلحة هم الأقدر على تنفيذ هذه المهمة، لذا لا يتخلّى أردوغان عن خطة تسليح تلك المجموعات، بل وتشير التقارير إلى قيام تركيا بإعادة تسليح تلك المجموعات ووعدها بمزيد من الدعم؛ في تناقُض صريح مع التفاهم التركي - الروسي المعقود في وقت سابق.

أما في حال قرر ترامب القطيعة مع استراتيجية أوباما السابقة، والانتقال إلى استراتيجية جديدة قوامهاالتعاون مع الروس في مكافحة الإرهاب، وضمناً التعاون مع الجيشين العراقي والسوري لهزيمة "داعش"، فيريد أردوغان أيضاًأن تكون تركيا حجر زاوية في هذه الاستراتيجية الجديدة، وذلك من خلال التخلي عن دورها السابق كرأس حربة في قتال الروس في سورية، وإبراز الجيش التركي بأنه الأقدر على تلك المهمة، بالإضافة إلى ملاقاة ترامب في منتصف الطريق، أي العداء مع الإيرانيين، وذلك لرغبة ترامب الواضحة، والتي عبّر عنها مراراً بتحجيم الدور الإيراني في المنطقة، وإعادة العقوبات على إيران، والقطيعة مع عهد أوباما الانفتاحي على الإيرانيين، ولقد ظهرت رغبة الأتراك في التصدي لهذه المهمة من خلال الجدال التركي - الإيراني حول شرعية وجود الإيرانيين في سورية، ومطالبة الأتراك بانسحاب حزب الله من سورية.

وفي كلا الحالتين، ومهما تكن أسس الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، سيحاول أردوغان أن يقنع ترامب بالتخلي عن الأكراد بشكل نهائي، والعودة إلى الاستراتيجية الأميركية القديمة لمرحلة ما قبل الحرب السورية، حيث كان التركي "الحليف الاستراتيجي" الطبيعي والدائم للأميركيين، يستطع تنفيذ "المهام" الموكولة إليه، وهو - كان- وما زال يملك الأوراق اللازمة لخدمة الأهداف الأميركية، سواء كانت تتجلى بالاستنزاف في سورية والاستمرار بتأجيج الحرب من خلال المجموعات المسلحة التي يقودها في الداخل السوري، أو بتحجيم إيران وحلفائها، وإقامة التوازن الإقليمي بين كل من الروس والأميركيين، الذي يتّجهون لعقد تفاهمات شاملة، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا الشرقية.

2016/12/29

مقابلة حول مفاوضات آستانة والدور التركي

ما بعد حلب... تحوّل في الاستراتيجية الأميركية؟


د. ليلى نقولا
لم تتضح بشكل مفصّل السياسة الخارجية التي سينتهجها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، وما زال من المبكّر الحكم على مدى التزامه بالوعود التي قطعها في حملته الانتخابية فيما خصّ سياسته الخارجية، خصوصاً الشرق أوسطية.

من خلال اختياره للشخصيات في إدارته، ومن خلال دراسة سيرة المرشحين لتبوء مناصب رفيعة في الإدارة الأميركية، ومن خلال دراسة تصريحات ترامب ومستشاريه، يمكن القول إن الرئيس الأميركي سينتقل من استراتيجية "الاستنزاف" التي اتبعها الرئيس السابق باراك أوباما، إلى استراتيجية "تفكيك الأحلاف".

خلال عهد الرئيس باراك أوباما، كان واضحاً أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد الانخراط العسكري المباشر في الحرب السورية الدائرة، لكنهاالتزمت بتقديم الدعم السياسي واللوجستي والتقني والإعلامي لما تسميه "المعارضة المعتدلة"، بهدف إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وفيما بعد، وبعد تعذّر تحقيق الهدف المنشود خلال "أشهر معدودة"، كما وعد الرئيس أوباما ومعاونوه مراراً، وبعد تيقّن الإدارة عدم إمكانية تحقيق هذا الهدف بعد التدخُّل العسكري لكل من إيران وروسيا وحزب الله، وعدم وجود بديل "مقبول" للحكم في سورية تستطيع تسويقه في سورية والعالم، انتقل الأميركيون إلى استراتيجية "الاستنزاف"، من خلال تحقيق توازن القوى، بحيث يقوم الأميركيون بإمداد المجموعات المسلّحة بالأسلحة والعتادوالتدريب، وتأمين مصادر تمويل، ليس بهدف إسقاط الأسد، بل بهدف الاستمرار بالقتال إلى ما لا نهاية، حيث يُنهك الجميع (الارهابيون، والروس، والإيرانيون، والجيش السوري، وحزب الله)، فيستفيد الأميركيون و"الإسرائيليون" من استنزاف الكل في حرب الكل ضد الكل.

لكن وصول ترامب الى السلطة، واختيار فريق إدارته، وإعلانه المستمر عن نيته التعاون مع الروس، يشير إلى أن الهدف سيكون "تفكيك الأحلاف"، خصوصاً تلك التي ساهمت إدارة أوباما بتمتينها وتقويتها انطلاقاً من وحدة المصالح والمخاطر، فما هي الأحلاف التي قد يحاول ترامب تفكيكها؟

أولاً: الحلف الروسي - الصيني

يشير اختيار الثلاثي؛ وزيري الخارجية "تيلرسون" والدفاع "ماتيس" ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي "فلين"، والمعروفين بتعاطفهم وتأييدهم للتقارب مع الروس،إلى أن الرئيس الأميركي المقبل سيكون جدياً في سياسة التعاون مع روسيا، وفي فتح صفحة جديدة في العلاقات الروسية الأميركية، لطالما نادى بها الروس خلال عهد أوباما، لكن إدارة الأخير والبنتاغون كانا ضدها.

أما بالنسبة للصين، فلترامب نظرة مختلفة، وتسيطر على فكر مرشحي إدارته؛ هاجس "احتواء" الصين كونها مرشحة لتنافس الولايات المتحدة على الساحة العالمية، وقد أعلن ترامب مسبقاً عزمه على إعادة التفاوض مع الصين حول قضايا التجارة المتبادلة.

من هنا، فإن ترامب قد يستخدم التقارب مع الروس للضغط على الصين، وكما استفادت الصين - في وقت سابق - من قيام الروس بإشغال الأميركيين في الشرق الأوسط، لتأخيرهم عن تنفيذ استراتيجية "الاستدارة نحو آسيا"، قد يستفيد ترامب من التقارب مع الروس وتوفير الجهد العسكري المبذول في كل من العراق وسورية، وتحويله إلى بحر الصين الجنوبي، للقيام باحتواء الصين عسكرياً، للضغط عليها في مجلات أخرى كالاقتصاد والتجارة وغيرها.

ثانياً: الحلف الروسي - الإيراني

شخصيات ثلاث في إدارة ترامب مهيّأة لتنفيذ سياسة ترامب العدائية تجاه إيران: مستشار الأمن القومي "فلين"، ووزير الدفاع"ماتيس"، ومدير سي أي أي "بومبيو".

بشكل عام، لم تكن العلاقات التاريخية بين كل من إيران وروسيا موسومة بالثقة، لكن المصالح المشتركة في تحدي المشروع الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الحرب في سورية، جعلت هذه العلاقة تختلف عما سبق، ما يعني أن الاميركيين (خلال عهد أوباما) ساهموا بشكل أو بآخر بتمتين العلاقة الروسية - الإيرانية ونقلها إلى إطار استراتيجي مختلف عما قبله.

قد يفكّر الأميركيون بأن التعاون مع الروس في القضية السورية، وأولوية محاربة "داعش" على إسقاط النظام السوري، وإعطاء روسيا ما تريد من نفوذ في أوروبا الشرقية، سيجعلون روسيا تعيد النظر في تحالفها الاستراتيجي مع إيران، باعتبار أن ما يريد الروس تحقيقه من مصالح من خلال هذا الحلف قد أعطتها إياه الولايات المتحدة مباشرة، فلماذا تُبقي على حلفها مع إيران، خصوصاً أن للدولتين مصالح اقتصادية متباينة ستظهر تباعاً بعد حل الأزمة في سورية؟

قد يكون هذا ما يفكّر به ترامب، ولا شكّ أنها استراتيجية ذكية، لكن ليس بالضرورة أن تنجح في تنفيذ الأهداف الأميركية المرسومة، فمنذ الحرب الأميركية على العراق ولغاية اليوم، تعاني الاستراتيجيات الأميركية في الشرق الأوسط من مشاكل في التنفيذ، لكن هذا لا يعني أن الأميركيون لا يمتكلون أدوات القوة الكافية لفرض نفوذهم في الشرق الأوسط، والانتقال من خطة إلى أخرى لتحقيق الأهداف المرجوّة.

2016/12/15

تحرير حلب وسقوط تدمر!... كيف ولماذا؟


د. ليلى نقولا
بانتصار الجيش السوري وحلفائه في حلب، تكون قد فُتحت صفحة جديدة من صفحات الحرب السورية، عنوانها قدرة الدولة السورية على استرجاع الأراضي من سيطرة المسلحين، أو كما وعد الرئيس السوري بشار الأسد: تحرير كامل الأراضي السورية بدون استثناء.

ولعل المفاوضات الروسية - الأميركية التي رافقت الحملة العسكرية السورية في حلب، أظهرت عدم قدرة الأميركيين على السيطرة على قرار المسلحين، بدليل أنهم رفضوا دعوات جون كيري للانسحاب، بينما استمر الأتراك في المفاوضة حتى اللحظات الأخيرة، وهو ما أثمر اتفاقاً يقضي بخروج المسلحين إلى الأرياف.

لكن، بلا شكّ، كانت لعودة "داعش" للسيطرة على تدمر، نتائج سلبية على مسار الحرب الدائرة في سورية ضد الإرهاب، وعلى الانتصار الذي حققه الجيش السوري وحلفاؤه في حلب، ويتبين من التصريحات الروسية بعد سقوط تدمر مرة أخرى بيد "داعش"، أن الروس كانوا الأكثر استياءً من سقوط تدمر، وفي تبريرهم لأسباب السقوط، ركّز الروس - بحسب إعلامهم - على عاملين:

أولاً: فشل الاستخبارات العسكرية السورية، فقد دخل المئات من مقاتلي "داعش"إلى الرقة في شهر تشرين الثاني كمدنيين، وهؤلاء استطاعوا السيطرة بسهولة على مراكز الجيش السوري على المرتفعات،والتي لم تكن محميّة بشكل جيد كما يؤكد الروس، بالإضافة إلى تأخُّر الاستخبارات العسكرية السورية في إيصال المعلومات حول أرتال "داعش" المهاجمة إلى الروس في قاعدة حميميم وقيادة السفن الروسية في البحر الأبيض المتوسط، ما تسبب في العجز عن توجيه ضربات قبل دخولهم إلى المدينة الأثرية.

ثانياً: يشير الروس إلى قيام التحالف الدولي بفتح ممر خاص سُمح لمقاتلي "داعش" المحاصَرين في الموصل بالخروج منه، وتمّ توجيههم فوراً نحو تدمر.

إن صحّت التبريرات الروسية، وإن ثبُت بالفعل أن التحالف الدولي قد وجّه "داعش" نحو الرقة لاحتلالها، فهذا قد يشير إلى معطيات هامة أبرزها ما يلي:

1-      أن صلاحية استخدام "داعش" كورقة للاستنزاف لم تنتهِ بعد، وأنه ما زال بيَد الأميركيين الكثير من الأوراق للعبها، حتى لو انفردت تركيا بورقة المسلحين من المجموعات المسلحة الأخرى. ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى تقدم "داعش" والسيطرة على تدمر بهذه السهولة، كما قتاله على مشارف مدينة الباب لصدّ الأتراك ومجموعاتهم المسلّحة، بينما قام في وقت سابق بتسليم مناطقه تسليماً لقوات "درع الفرات" التركية.

2-      كما تشير إلى أن الأميركيين، وبالرغم من تصريحات الرئيس المنتخَب دونالد ترامب الواعدة حول التعاون مع الروس وقيامه بتشكيل إدارته من المؤيّدين لعلاقات أفضل مع الروس، يحاولون في هذه الفترة الفاصلة اكتساب أوراق تفاوضية إضافية يقدمونها للرئيس، لاستخدامها خلال المفاوضات المقبلة حول تقاسم النفوذ في سورية.

3-      قد يهدف البنتاغون إلى إرسال رسالة مزدوجة إلى الرأي العام الأميركي وإلى الرئيس المنتخَب دونالد ترامب، الذي اعتبر أن استراتيجية مكافحة الإرهاب فاشلة، وأن المعركة ضد "داعش" كارثية وتحتاج إلى إعادة نظر.

سقوط تدمر مرة أخرى يشير إلى فشل الاستراتيجية الروسية لمكافحة الإرهاب، خصوصاً بعدما تباهى الروس مراراً بنجاحهم في مكافحة الإرهاب، بدليل تحرير تدمر بعد وقت قصير نسبياً من تدخّلهم العسكري المباشر في سورية، وعدم قدرة الأميركيين على استعادة المدن العراقية من "داعش" بسرعة.

وقد يكون الأميركيون قد استفادوا  إعلامياً من سقوط تدمر، للقول إن الحفاظ على الانتصار وتثبيت الاستقرار بعد تحرير مدينة من الإرهاب، أصعب من التحرير نفسه، وإنه باستطاعة جيش ما أن يسيطر على مدينة عسكرياً، لكن استكمال السيطرة وفرض الاستقرار هو التحدي الأساسي، وإن "داعش" لم يستطع استعادة أي مدينة عراقية بعد تحريرها، وذلك بسبب استراتيجتهم المعتمَدة على دراسة المعطيات وتثبيت مقومات الدفاع بعد نجاح الهجوم.

بالنتيجة، تحرير حلب وتزامنها مع سقوط تدمر يكشف - بشكل أساسي - أن انتصار الجيش السوري واستعادة مدينة كبرى مثل حلب، لا يمكن أن يشكّل نهاية للحرب السورية، باعتبار أن الدول الكبرى والدول الإقليمية ما زالت مستعدّة للقتال حتى آخر سوري،إلى أن تحقق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وأن جميع القوى ما زالت قادرة على التحشيد وإمداد المعارك السورية بالمقاتلين الذين لا يملكون سوى الاختيار بين الموت في الأراضي السورية أو الاعتقال في بلدانهم،ويخطئ من يعتقد أن الحلّ في سورية هو حلّ عسكري، بل هو حلّ سياسي بالضرورة، وما الميدان إلا وسيلة يهدف من خلاله كل طرف إلى تحقيق مكاسب ونفوذ في منطقة سيتغيّر شكلها بعد الحرب السورية لمئة سنة مقبلة.

2016/12/08

هل سيؤدي تعاون ترامب مع الروس الى حل سوري؟


د. ليلى نقولا
قد تتعدد الأسباب التي أدّت إلى انهيار المسلحين في حلب، وفرارهم أو تسليم أنفسهم للجيش السوري الذي يتقدم بسرعة غير مسبوقة في أحياء حلب لتحريرها، لكن اللافت في الأمر أن المسلحين فوّضوا الأتراك بالتفاوض على خروجهم من حلب بعد يوم واحد من إعلانهم أنهم لن يخرجوا، وذلك في ردٍّ واضح وصريح على جون كيري الذي كان يفاوض الروس على خروجهم، وكأنهم بذلك يقطعون على الأميركيين أي إمكانية للاستفادة من هذا الخروج، ويمنحون الأتراك ورقة تفاوضية تضاف إلى الأوراق التي يجمعها التركي في سوريا.



أساساً، لم تكن أطراف الإدارة الأميركية الفاعلة على الأرض السورية متّفقة على المفاوضات التي يُجريها وزير الخارجية مع الروس، وأتت تصريحات المسلحين لتعمّق الإحراج الذي يشعر به جون كيري، ففي سيناريو مكرر عن حادثة دير الزور التي قطعت الطريق على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقده كيري مع لافروف، وما أن انتشرت أخبار عن لقاء مرتقَب بين كيري ولافروف للاتفاق على إخراج المسلحين من حلب، حتى تمّ استهداف المستشفى الميداني الروسي، حيث يذكر الكرملين أن إحداثياته أُعطيت للمسلحين بدقة.

واقعياً، تبدو جميع الأطراف الضالعة في الحرب السورية على عجلة من أمرها، لمحاولة تغيير موازين القوى على الأرض، ويجنح أطراف الإدارة الأميركية الحالية إلى فعل شيء ما يحفظ المجموعات المسلحة السورية، وذلك قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، خصوصاًأن الأسماء التي يختارها ترامب لإدارته تؤشّر إلى تغيير حقيقي في السياسة الأميركية في سوريا، خصوصاً بالنسبة لدعم تلك المجموعات.

بالتأكيد، تخشى الإدارة الحالية ومعها صقور البنتاغون من تأثير مستشاري ترامب والوزراء الجدد، خصوصاً مايكل فلين؛ مستشار الرئيس للأمن القومي،والذي سيكون له تأثير كبير على سياسة ترامب السورية، فمن المعروف أن فلين كان رئيساً للاستخبارات العسكرية الأميركية بين 2012 و2014، واستقال بعد نشوب خلافات بينه وبين فريق الرئيس الأميركي باراك أوباما حول سوريا بالتحديد.

وقد نشبت تلك الخلافات بعدما أصدرت وكالة الاستخبارات العسكرية بقيادة فلين وهيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي بقيادة الجنرال مارتن ديمبسي تقريراً عام 2013، تشير فيه إلى "عدم وجود معارضة معتدلة قابلة للحياة في سوريا"، وأن "الولايات المتحدة بالتالي تسلّح المتطرفين". كما توقع التقرير أن يؤدي سقوط الأسد إلى الفوضى، وربما سيطرة "الجهاديين" على سوريا؛ كما حصل في ليبيا. ويُعتبر فلين من أكثر المؤيدين لخيار التعاون والتنسيق مع الروس للقضاء على "المتطرفين"، وفي مقابلات صحفية بعد استقالته، اعتبر فلين أن الادارة تجاهلت عمداً تقرير الاستخبارات العسكرية، واعتبر أن "ذلك كان قراراً مدروساً"، وأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته إدارة أوباما هو الاستمرار بدعم المجموعات المسلحة السورية.

انطلاقاً مما سبق، يمكن القول إنّ توجُّه الإدارة الجديدة بمحاربة الإرهاب يبدو جدياً لغاية الآن، خصوصاً بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد، أن البنتاغون يقوم حالياً بمراجعة استراتيجيته لمحاربة الإرهاب بتوجيهات من الرئيس المنتخَب دونالد ترامب، وعلى هذا الأساس يحاول كل من البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إي) ووزارة الخارجية الأميركية في الفترة الانتقالية بين عهدَي ترامب وأوباما، أن يحافظوا على المجموعات السورية المسلحة، والاستفادة منها قدر المستطاع.

لكن هل يعني هذا الحل السوري بات قريباً بعد مجيء ترامب؟

من خلال ما رشح من أسماء الإدارة الجديدة للرئيس ترامب، يبدو الرئيس الأميركي جدياً في تطبيق ما جاء في عناوين حملته الرئاسية من أنه يريد أن يتعاون مع الروس في القضية السورية، وأن أولويته القضاء على "داعش"، وأن مشكلته ليست في بقاء بشار الأسد، ولعل تلك المعايير تُنهي الإشكاليات الرئيسية التي عطّلت جنيف وأفشلت الحوار السوري - السوري، لكنّ عداءه لإيران قد يمنع الوصول إلى حلٍ سريع في سوريا، إذ إن الاتفاق على فكرة التعاون مع الروس من أجل الوصول إلى حل سياسي في سوريا لا يعني بالضرورة أن الاتفاق على أسس هذا الحل السياسي قد تمّ، بالإضافة إلى أن تصوُّر الحل الذي قد يرضي الروس والأميركيين قد لا يرضي الإيرانيين، وهم فاعل أساسي في القضية السورية، ولا يمكن تجاهله أو المسّ بمصالحه في سوريا.

المشكلة التي قد يواجهها الوصول إلى حل في سوريا، هو محاولة ترامب تحجيم الإيرانيين ومنعهم من تحقيق مكاسب ونفوذ في سوريا، ومحاولة إلغاء الاتفاق النووي، أو على الأقل تحجيم قدرة الإيرانيين على الاستفادة من هذا الاتفاق، بالإضافة إلى مستقبل الوجود العسكري الأميركي والتركي في الشمال السوري، ناهيك عن مستقبل القواعد العسكرية الأميركية في تلك المنطقة. في المقابل، سيجد الروس أنفسهم أمام إشكالية التوفيق بين مصلحتهم الاستراتيجيةبالتعاون مع الأميركيين وتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، وبين مصالح السوريين ومصالح حلفائهم الإيرانيين، الذين سيتعرّضون لمحاولة احتواء من الإدارة الجديدة.