2017/04/07
2017/04/06
الكيميائي مجددًا: الضرر أبعد من سوريا
د. ليلى نقولا
ضجّ الإعلام بالهجوم الكيميائي الذي حصل في خان شيخون،
والذي راح ضحيته العشرات من الضحايا، وبينهم أطفال، بحسب الصور التي نشرتها وسائل المعارضة
السورية. تباينت ردود الفعل على الموضوع؛ فالدول الغربية ومعها وسائل المعارضة سارعت
لاتهام النظام السوري بالجريمة، بينما قام إعلاميون وناشطون بتفنيد الصور ونشر
"أدلة" على أن الصور المنشورة مفبرَكة، وساق البعض اتهامات مضادة للمعارضة،
وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بسيناريوهات تفيد بـ"حقيقة" ما حصل.
بغض النظر عن الاتهامات المتبادَلة
حول الموضوع، لكن سياق وتطوُّر الأمور الميدانية والسياسية الدولية تشي بالكثير حول
"طبيعة" و"توقيت" الهجوم الكيميائي في هذا الظرف بالذات، كما يمكن
تفنيد الجهات التي ستتضرر - إعلامياً وسياسياً على الأقل - من هذا الهجوم:
1- إدارة
الرئيس ترامب، خصوصاً بعدما برزت تصريحات عدّة لمسؤولين في البيت الأبيض ولسفيرة الولايات
المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة، كما لوزير الخارجية الأميركي تيلرسون من تركيا؛
حول أن هدف إسقاط الأسد لم يعد أولوية بالنسبة للولايات المتحدة. واليوم يأتي هذا الهجوم
الكيميائي وصور الأطفال القتلى اختناقاً، ليشكّلا منصة يمكن أن يستغلها خصومه
"الديمقراطيون" للتصويب على الرئيس وإدارته، باعتبار أن سياسة البيت الأبيض
في سوريا، والتي تركّز على أولوية مكافحة الإرهاب وإبقاء الأسد في الحكم، باعتبارها
خطأ كبيراً كون "الأسد يقصف شعبه بالكيميائي، ويتخطى الخطوط الحمر الدولية حول
حظر استخدام أسلحة محرَّمة".
2- روسيا،
التي دعمت وما زالت تدعم الرئيس السوري، ويعيش الداخل الروسي اليوم توتراً على مسارين:
خروج الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع موسكو للتظاهر ضد ما أطلقوا عليه "الفساد
المنتشر" في الطبقة الروسية، بالإضافة إلى التفجير الإرهابي الذي طال محطات المترو
في سان بيترسبورغ خلال زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى المدينة.
وفي كلا الحالتين، تحاول المعارضة
الروسية وداعموها أن يربكوا السلطة في موسكو، من خلال المظاهرات ضد الفساد بالدرجة
الأولى، ومن خلال التصويب على أن الحادث الإرهابي في سان بيترسبورغ يعود إلى التدخُّل
الروسي في سوريا لـ"حماية الأسد ونظامه"، وأن هذا التدخُّل أجّج الأحقاد
ضد الروس في العالم، كما يحاول هؤلاء التصويب على أن كل ما يعاني منه الروس من أزمات
اقتصاية داخلياً، كما التهديدات الأمنية يعود بشكل أساسي إلى التدخُّلات الخارجية،
سواء في أوكرانيا أو سوريا.
واليوم، وعلى مسافة أيام من
تفجيرات المترو في سان بيترسبورغ، يحصل "الهجوم الكيميائي" في خان شيخون،
ويصوّب الإعلام الغربي على مسؤولية الرئيس السوري (حليف الروس) عن الهجوم، بما يعني
إحراجاً متزايداً للحكومة الروسية في الداخل والخارج.
3- النظام
السوري: في ظل تحسُّن ميداني واضح لصالح الجيش السوري وحلفائه، وفي ظل انقلاب موازين
القوى الدولية لصالح النظام، سواء لجهة إقرار الإدارة الأميركية ومن ورائها المسؤولين
الأوروبيين بأن الأولوية هي لمكافحة الإرهاب وليس للدخول في مشاريع تغيير النظام وإسقاط
الرئيس السوري بشار الأسد، أو لجهة اعتراف العالم بشكل واضح بما كانت تقوله سوريا؛
بأن هناك قوى إرهابية يجب التخلُّص منها في سوريا قبل أي شيء.. أمام كل هذه التطورات
التي تُعدّ بشكل أكيد لمصلحة النظام السوري، حصل الهجوم الكيميائي في خان شيخون.
أي مراقب عاقل يريد أن يحلل
الأمر بطريقة علمية غير انفعالية ولا عاطفية، تكون فرضية قيام النظام السوري بهذه المجزرة
كفرضية مقاتل يطلق رصاصة على رجله، بعدما وصل على مسافة قريبة من الانتصار.
لطالما عُرف النظام السوري منذ
عهد الأب إلى الابن بـ"الدهاء" السياسي، وأنه استطاع أن يمارس سياسة حافة
الهاوية بدون أن يسقط فيها، وحتى أكثر المعارضين للنظام السوري يعترفون له بالقدرة
على اللعب على التناقضات، وعلى التخلص من ضغوط دولية وإقليمية وداخلية بذكاء.. لذلك،
وانطلاقًا من هذا التاريخ، يكون "هجوم النظام" الكيميائي على إدلب خارج السياق
العام للتطورات الإقليمية والدولية التي باتت تلعب لصالح النظام وليس ضده.
بكل الأحوال، ومع الأسف الشديد
على الضحايا المدنيين الذين سقطوا في إدلب، هذا الهجوم الكيمائي يأتي اليوم لصالح المعارضة
السورية وداعميها الإقليميين والدوليين - الأوروبيين، وبالتأكيد النظام ليس بحاجة لأن
يقوم به في مطلق الأحوال، فهو لا يحقق له نتائج ميدانية عسكرية، ويضرّ به من الناحية
السياسية والدبلوماسية والإعلامية، ويبقى المتضرر الأكبر هو الحل السياسي في سوريا.
2017/04/04
2017/03/30
الخطر الماثل أمامنا في سوريا
د. ليلى نقولا
تشير الاستراتيجية التي تعتمدها الإدارة الأميركية الجديدة في سوريا، بشكل واضح الى أن الأميركيون يسيرون بخطى حثيثة نحو تطبيق خطة تقسيم سوريا، وذلك من خلال تحرير مناطق من التنظيم الارهابي داعش واستلامها بالاشتراك مع قوات سوريا الديمقراطية، والمؤلفة بشكل أساسي من الأكراد وبعض المجموعات العربية.
ومع العلم أن خطة تقسيم المنطقة أو على الاقل سوريا والعراق، هي خطة أميركية قديمة، إذا لطالما صرّح العديد من المسؤولين الأميركيين أن تقسيم العراق بين السنّة والشيعة والأكراد هو الحل الأمثل للمنطقة، وعليه فإن التصور بأن الاتجاه الاميركي يسير نحو التقسيم في سوريا قد يكون هو الأقرب للتصور.
وبنظرة على الخريطة السورية الحديثة للمعارك، يظهر أنه يتم إشغال الجيش السوري بالمعارك في داخل المناطق لما سمي يومًا "سوريا المفيدة"، على أن يقوم الأميركيون بمنع الأتراك من التقدم الى مناطق الأكراد، والقيام بتحرير مناطق الشرق والشمال الشرقي من داعش وتسليمها الى سلطات محلية وإخراجها من سيطرة الدولة السورية.
وبالنظرة الى هذه الخريطة، يظهر بشكل واضح، أن الأميركيين يريدون قطع التواصل الجغرافي بين سوريا والعراق، بما يعاني قطع التواصل الجغرافي بين ايران وسوريا وبالتالي لبنان، لما لذلك من فوائد استراتيجية تمنع تشكّل "الهلال الشيعي"، كما تقلّص من قدرة ايران على مدّ نفوذها الاقليمي، وتمنعها من إمداد حلفائها بالسلاح عبر البر، وتريح اسرائيل وتفيدها، خاصة إذا كانت المنطقة المقتطعة من الاراضي السورية تشمل المثلث الجغرافي الذي قد يمنع تشكّل المقاومة في الجولان المحتل.
وبالنظر الى المصالح الروسية الاستراتيجية في المنطقة، يمكن القول أن ما يقوم به الروس والدعم الذي يقدمونه للأكراد، وبالنظر الى مصالحهم الحيوية في المنطقة واوروبا، فإن مشروع التقسيم الاميركي لا يضرّهم بشي، بل بالعكس، يحقق لهم العديد من المكاسب الاستراتيجية، على المدى الطويل وأهمها:
- منع الغاز الايراني من الوصول الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، للتصدير الى اوروبا، باعتبار أن اتفاقية الغاز الموقعة بين الدولة السورية والدولة الايرانية عام 2010، تقضي بمد خط أنابيب من ايران عبر العراق، فالشمال السوري، الى الساحل. وبوصول الغاز الى الساحل السوري يمكن للغاز الايراني منافسة الغاز الروسي في اوروبا، وبالتالي خسارة اقتصادية واستراتيجية للروس، باعتبار أن ذلك يمنع الاحتكار الروسي لامداد الغاز الى اوروبا، مع ما يعنيه ذلك من نفوذ استراتيجي في المنطقة.
- باعطاء الأميركيين ما يريدون في سوريا والعراق، وبتقاسم نفوذ روسي أميركي يكون الروس قد ضمنوا ما حصلوا عليه من مكاسب في منطقة الشرق الاوسط، بالوصول الى المياه الدافئة، وبنشر قواعد عسكرية في سوريا، ولا يضير الروس شيئًا وجود قواعد عسكرية أميركية في الشمال الشرقي السوري، اي في منطقة الأكراد، الذين عرفوا كيف يكسبون ثقة الأميركيين والروس معًا.
- بالرغم من اعلان البنتاغون عدم الرغبة في التعاون مع الروس في سوريا، إلا أن تخلي ترامب عن استراتيجية "الاستنزاف" التي حاول أوباما تطبيقها، تفيد الروس بشكل أكيد.
تفاءل الروس بإمكانية الوصول الى تفاهم مع ترامب على حلول في الشرق الاوسط وشرق اوروبا، بسبب تصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية. لكن مشكلة ترامب تكمن في الداخل وفي المكارثية الجديدة التي انتشرت في أميركا من خلال الحرب التي شنتها وكالات الاستخبارات ضده، ومولتها شركات سيليكون فالي، وسوّقها الاعلام الأميركي الموالي للفرع القديم للدولة العميقة.
ومع هذه الضغوط والحرب الداخلية ضمن الدولة العميقة، أصبح من الصعب على ترامب وفريقه الاستمرار بمتابعة إغواء الروس لفصلهم عن حلفائهم، لذا عاد ورضخ وأطلق البنتاغون إشارات تشير الى عدم الرغبة بالتعاون مع روسيا في سوريا.
يعلن الأكراد السوريون بشكل دائم، أن طموحهم الوصول الى فيدرالية تسمح لهم بحكم ذاتي ضمن الوحدة السورية، وهذا ما يتصوره الروس لمستقبل سوريا. لكن واقعيًا، إن التقسيم الواقعي ولو لم يكن بشكل جغرافي ثابت هو ما سيحصل في سوريا، خاصة في حال استطاع الأميركيون تحرير المناطق من داعش وسيطروا عليها، وسيطرت الدولة السورية على أجزاء الساحل والمدن الكبرى، واستمر الأتراك وحلفاؤهم في حكم الجزء الذي احتلته القوات التركية تحت مسمى "درع الفرات".... ومع تطبيق الهدنة، يكون هناك تقسيم واقعي لسوريا، وحتى لو لم يثبت بخرائط ثابتة تقسم سوريا الى دول بشكل نهائي.
2017/03/23
تعقّد الميدان السوري: ما هو دور"الدولة العميقة" الاميركية؟
د. ليلى نقولا
بتكثيف التواجد العسكرى الأميركي البرى فى سوريا بعد إرسال إدارة الرئيس دونالد ترامب قوات جديدة قوامها 400 للانضمام للقوات التى تقاتل تنظيم داعش، بدأت مراسم الاستراتيجية الأميركية في سوريا تتضح شيئًا فشيئًا، خاصة بعدما كان الجميع ينتظر ما سيكون عليه موقف الرئيس الأميركي الجديد من التطورات السورية بشكل عام.
ولعل تراجع الحديث عن "المناطق الآمنة" التي كان ترامب قد اقترحها، وأعتبر البنتاغون أن كلفتها عالية، ولا تحقق النتائج المرجوة منها، كما نشر القوات الاضافية، وحديث الاستراتيجيين العسكريين الأميركيين عن بدء معركة تحرير الرقة من داعش، وتشديدهم في تصريحات إعلامية مختلفة على عدم التعاون مع الروس، يعني أن الخطة التي وضعها البنتاغون قد أخذت بعين الاعتبار، الضغوط الداخلية الاعلامية، وضغوط المجمع الصناعي العسكري، وأطراف أخرى في "الدولة العميقة" الأميركية والتي تبني مكاسبها على تاريخ من العداء لروسيا ولا تستطيع أن تخرج منه.
يشير البعض الى أن "الدولة العميقة" الأميركية هي مجرد اختراع من اختراعات نظريات المؤامرة، ولكن الوقائع تشير الى أن هناك قوى فاعلة في النظام الأميركي تستطيع أن تؤثر على اتخاذ القرارات، ويُجمع النواب الأميركيون على تأثير المال واللوبيات على المؤسسات الأميركية كافة، وأن عمليات جمع التبرعات تستنزف الجهد الأكبر منهم خلال حملاتهم الانتخابية، إن لم يكن كله.
كما يشير العديد من الباحثين المرموقين في الولايات المتحدة، ومنهم على سبيل المثال الاكاديمي فرانسيس فوكوياما، على أن المؤسسات الأميركية فشلت في ايجاد نظام متوازن صالح للحياة، كما فشل النظام الأميركي في منع المصالح الخاصة من أن تتضارب، وسمح لمجموعات المصالح تلك بأن تمارس الفيتو على كل ما يضر بمصالحها.
أما آلية استعمال الفيتو، والتي كرّسها الواقع الأميركي، فتعني أن المجموعات النافذة -سواء تمت نسميتها دولة عميقة أو غير ذلك - تستطيع ان تضع فيتو على أي اجراء أو رسمي قد يضرّها، مما يجعل امكانية تحقيق الصالح العام صعبة جدًا، وبات النظام يعمل لصالح قوى المال والاعمال وليس لأجل الشعب أو المصلحة العامة ككل.
ويخطئ من يعتقد أن "الدولة العميقة" هي فقط وكالات الأمن والاستخبارات المركزية، بل هي مجموعة مختلطة من مجموعات حكومية وجماعات صناعية ومالية تحكم الولايات المتحدة الأميركية تحقيقًا لمصالحها بدون العودة أو الاهتمام بمصالح المحكومين كما هو معبر عنها في العملية السياسية الرسمية، كما يشير مايك لوفغرين، في كتابه الصادر عام 2017.
وعليه، فإذا كانت هذه "الدولة العميقة" - كما يصفها لوفغرين- تتركز بشكل أساسي في ؛ المجمع العسكري الصناعي، سيليكون فالي، وول ستريت، البنتاغون ووكالات الأمن القومي، فيكون مفهومًا ما تراجع ترامب وإدارته، عن التفاهم مع الروس بناءً على اعتراض البنتاغون والمجمع الصناعي العسكري. كما تشير الموازنة التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي الجديد والتي تتجلى في زيادة الانفاق العسكري وتضخم موازنة الدفاع مقابل اقتطاع تاريخي كبير لموازنة وزارة الخارجية ووكالة التنمية الأميركية Usaid، والمساعدات الاجتماعية في الداخل، أن ترامب يسترضي البنتاغون والمجمع الصناعي العسكري الذي سيحصل على أموال طائلة من موازنة الدفاع الأميركية.
وبالرغم من الطموحات الكبيرة التي أعلنها البنتاغون، لتزايد الوجود العسكري في كل من سوريا والعراق، والاعلان عن التوجه ال ارسال حوالى 1000 جندي اضافي الى القواعد الاميركية في الكويت ضمن استراتيجية محاربة داعش، إلا أن المسار الذي يتبعه ترامب، والوقائع الميدانية على الارض، تشير الى أن هذا التصعيد الميداني يهدف الى اكتساب أوراق اضافية في مسار الحل التفاوضي وإكتساب أوراق قوة تعطي الاميركيين قدرة على فرض رؤيتهم للحل في كل من سوريا والعراق، وليس بهدف تسعير الصراع للوصول الى المواجهة مع الروس في نهاية المطاف.
يشير الباحثون الى أن استراتيجية "التصعيد من أجل التهدئة"، هي استراتيجية لطالما استخدمها ترامب في مجال الأعمال، أي مواجهة الخصم بشكل صريح وعلني للحصول على اليد العليا في اي مفاوضات قبل التوصل إلى اتفاق.
إذًا، ترامب محكوم بصراع الأجنحة داخل الدولة العميقة، والحرب في سوريا استعرت بشكل كبير على محاور عدّة كانت مجمدة في وقت سابق، والطيران الاسرائيلي يقصف قاسيون لمساندة هجوم الارهابيين على دمشق، وغرفة الموك تحركت، والأميركيون يتوجهون لتحرير الرقة بمساعدة قوات سوريا الديمقراطية، فهل ستعطي استراتيجية ترامب ثمارها في الوصول الى اتفاق؟
الجواب بسيط؛ صعب الاتفاق والحل السوري مؤجل في ظل العداء الأميركي المتجذر ضد روسيا وايران.
2017/03/16
استانة 3: أردوغان يلعب على بوتين؟!
د. ليلى نقولا
تتكدّس الأزمات وتتراكم على السلطة في تركيا، بحيث تشعر أن الوقت الذي تمرّ فيه تركيا منذ سقوط مشروع "الإخوان المسلمين" تحوّل إلى مسار من التناقضات والخيبات والكبوات التي لم تستطع - أقلّه لغاية الآن - أن تُسقط غرور السلطة الأردوغانية وتدفعها إلى إعادة النظر في ما تقوم به.
ففي موازاة قيام الرئيس التركي بزيارة رسمية لموسكو، تغيب المعارضة المسلحة السورية عن مباحثات "استانة 3"، عازية الأمر إلى تزايُد العنف، وقصف الجيش السوري لحي الوعر في حمص، وعدم قيام الروس بمنع الجيش السوري من القيام بالعنف، لكن المرجح أن يكون أردوغان قد أوعز إلى المجموعات المسلّحة بعدم المشاركة، وذلك لسبيين: الأول لأن هدف هذه المباحثات هو تحديد الخرائط التي تفصل بين المجموعات المسلحة والمجموعات الإرهابية، وهو ثمن لا يريد أن يقدّمه أردوغان في هذه الوقت، والثاني بسبب الحنق التركي من التقدّم العسكري السوري في الشمال السوري، ومنع القوات التركية التي تحتلّ مدينة الباب من التقدّم باتجاه منبج أو الرقة.
إن قيام الجيش السوري بالتقدم الميداني والسيطرة على كامل المنطقة الممتدة من مطار كويرس لغاية الضفة الغربية لنهر الفرات، وتشكيله عائقًا أمام القوات التركية التي تحتل الباب، لاستكمال تقدمها نحو الرقة، بالإضافة إلى الاتفاق مع "قسد"، والذي قامت بموجبه "قسد" بتسليم الجيش مناطق في منبج، مما شكّل عائقًا أمام القوات التركية المتمركزة في الباب من التوسع شرقاً إلى منبج، يكون قد أفرغ احتلال مدينة الباب من قبَل الأتراك من أهميتها الاستراتيجية، ومنع الأتراك من التقدّم الميداني للتوسّع في الشمال السوري تمهيداً لإنشاء المناطق الآمنة، وهو من الأسباب التي تجعل أردوغان يُحجم عن جلب المعارضة المسلحة إلى "استانة 3".
ولعل غياب المعارضة يشير إلى حجم المأزق الذي يواجهه أردوغان على مستويات عدّة:
1- على الصعيد الأميركي: قد يكون الجموح ازداد بعد وصول الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم، بحيث شعر أردوغان أن أحلامه التي استعصت على التحقّق في سورية قد حان أوانها، وأنه يستطيع أن يُقنع الإدارة الأميركية الجديدة بالوقوف إلى جانبه، عارضاً خدماته في تأمين احتلال جزء من الشمال السوري بذريعة المناطق الآمنة التي يريدها ترامب تحت ستار "الإنسانية".
واقعياً، لم تُبدِ الإدارة الأميركية رغبة بشراء ما يعرضه التركي في بازار الحرب السورية، فترامب الآتي من عالم الأعمال، لم يتخلَّ عن الورقة الكردية التي تؤمّن حضوراً أميركياً عسكرياً فاعلاً في الميدان السوري، ويمكن استخدامها لكسب مكاسب أميركية صافية، مقابل تقاسم أرباح غير مضمونة مع التركي، وقد أدرك أردوغان بعد أزمة منبح، أن الأميركيين مستعدون لعقد تفاهمات ميدانية جزئية مع الروسي على حسابه، وقد يكون القصف التركي على القوات السورية في منبح دليلاً واضحاً على كمية الغضب التي تحتقن لدى القادة الأتراك.
2- على الصعيد الأوروبي: كشفت الأزمة الأخيرة التي نشبت بين الأتراك وهولندا، عمق الأزمة وعدم الثقة بين الاثنين، وإن كان أحد يعتقد أن الأوروبيين ينسون لأردوغان ومخابراته مساهمتهم في فتح باب اللجوء وتأمين تدفقات اللجوء الجارفة إلى الاتحاد الأوروبي يكون واهماً. بشكل أساسي، تخشى الحكومات الأوروبية من تنامي "اليمين" في بلادهم، ويأتي أردوغان اليوم بشتائمه وصراخه ليزيد الحنق الشعبي ويعطي استفادة لـ"اليمين" في الانتخابات المقبلة، وعليه، يستفيد أردوغان داخلياً من هذا الصراع، ويستفيد منه "اليمين" الأوروبي أيضاً، والخاسر الأكبر هي الحكومات الأوروبية التي خضعت للابتزاز الأردوغاني وأغدقت عليه الأموال ضمن إطار سياسة "وقف زحف اللاجئين" إلى أوروبا.
3- على صعيد العلاقة مع الروس: يدرك الروس جيداً أن أردوغان شخص لا يؤتمَن له، لذا يقومون بإعطائه المكاسب نقطة نقطة، وتسليمه "مكافأة" كلما أثبت حسن سلوكه، وبالرغم من كل الأحلام الأردوغانية بصفقات أسلحة وطائرات وامتلاك صورايخ "أس 400"، يعده الروس بدرس الموضوع، ويكتفون بفكّ الحظر على استيراد البصل والزهور والقرنبيط.
يريد الروس من أردوغان أن يوافق على مشروع "السيل التركي" الذي يعطي الروس أرجحية اقتصادية واستراتيجية في أي صراع مستقبلي على إمداد الغاز إلى أوروبا، لذا يغضّون النظر عن الكثير من تقلباته في سورية، وفي المقابل يدرك أردوغان أن اللعب مع الروس ليس بالأمر السهل، لذا يحاذر اللعب على المكشوف، ويبدي حرصاً مضاعَفاً باعتبار أن العلاقة مع الروس تبدو كمن يسير في حقل ألغام؛ يخشى في أي لحظة أن ينفجر به لغم فيطيح به.
ومن أكبر تجليات الغرور والوهم أن يؤمن أردوغان بتفوق ذكائه على ذكاء الرئيس بوتين، فيعطّل مؤتمر "أستانة 3"، ويمنع المعارضة المسلّحة من المشاركة فيه، في الوقت نفسه يذهب إلى موسكو مصافحاً الرئيس بوتين، وفاتحاً أبواب التعاون الاقتصادي والاستراتيجي!.
2017/03/08
د. نقولا للشرق الجديد: الاحزاب اللبنانية تفتش عن المرأة الالهة
http://www.neworientnews.com/index.php/daily-published-news/44345-2017-03-08-11-03-47
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
