2017/06/01

الحدود العراقية السورية: من يحسم صراع الإرادات الايرانية الأميركية؟


د. ليلى نقولا

تتواصل المعارك في سوريا للقضاء على تنظيم داعش الارهابي، وتشي الأنباء الواردة من الميدان السوري بأن مسألة الانتهاء من داعش باتت مسألة وقت ليس أكثر، وأن العام المقبل قد يأتي وتكون "اسطورة داعش" قد انتهت بشكل كامل.

والمفارقة، أن القضاء على داعش سوف ينهي فصلاً من فصول الأزمة السورية لكنه يفتحها على مزيد من التعقيد، حيث ستنتفي "المنطقة العازلة" التي يشكّلها داعش بين قوات الجيش السوري وحلفاؤه، وبين قوات المعارضة المدعومة من الأميركيين والدول الاقليمية.

ولعل الأسابيع التي تلت إعلان " مناطق خفض التوتر" قد أبرزت بشكل واضح وجلّي، أن الاستراتيجية الاميركية وبعد ست سنوات، قد انتقلت من هدف إسقاط الأسد والسيطرة على سوريا بالكامل، الى هدف قطع التواصل الجغرافي بين كل من العراق وسوريا، ومحاولة السيطرة على الحدود العراقية السورية لمنع التواصل الجغرافي الاستراتيجي الذي تستخدمه ايران في دعم محور المقاومة الممتد من طهران الى بيروت مرورًا عبر العراق وسوريا، ما يعني إضعافًا لكل مكونات هذا المحور بقطع شريانه الحيوي.

وقد ظهر للوهلة الأولى، أن الروس لا يضيرهم أو لا تعنيهم هذه المسألة باعتبار أن التواصل الجغرافي بين العراق وسوريا ليس من أولوية اهتماماتهم، وأن مصالحهم في سوريا تتجلى في القضاء على الارهاب، وحفظ النظام واستقراره، والإبقاء على القواعد العسكرية على المتوسط وهو حلم لم يستطع الروس تحقيقه حتى في عزّ الامبراطورية القيصرية، علمًا أن مسألة تلك الحدود تعني مسألة حياة أو موت بالنسبة للإيرانيين في المنطقة ما يعني أنهم قد يكونوا مستعدين لتحمل أكلاف كبيرة أو حتى الدخول في اشتباكات مباشرة مع الأميركيين لمنع اغلاقها بوجههم بشكل كامل كما يود الأميركيون.

وبما أن المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، فقد تبين من الإنزال الروسي الداعم للقوات المتقدمة نحو بلدة التنف، أن الروس يدركون أهمية دعم الحلفاء في مسألة مصيرية بالنسبة لهم كالحدود العراقية السورية، وخاصة أن الأهداف الأميركية في سوريا ما زالت ثابتة، علمًا أن الاستراتيجية المتبعة لتحقيق تلك الأهداف تبدلت على مدى سنوات الحرب الست وذلك على الشكل التالي:

- اعتمد اوباما في البداية استراتيجية هجومية تقضي بدعم المقاتلين المعارضين والسماح لدول إقليمية متعددة بدعم عسكري ومالي وتدريبي تحت اشراف أميركي، واستبيحت الحدود السورية مع كل من تركيا والاردن والعراق ولبنان.

- وبفشل الاستراتيجيات الهجومية المتعددة في إسقاط النظام بشكل كامل، والاكتفاء بإشغاله وتشديد الضغط عليه، وبدخول حلفاء النظام بشكل تدريجي في القتال، وباصرار الروس على التدخل العسكري ومنع إسقاط النظام بالقوة، انتقل اوباما الى استراتيجية الاستنزاف، أي محاولة تحقيق أكبر قدر من المكاسب عبر ترك الكل يستنزف الكل، على أن تقوم المجموعات التكفيرية باستنزاف كل من الروس والايرانيين والجيش السوري وحزب الله، فيتم إضعاف الجميع وتربح أميركا بدون أكلاف حقيقية.

- ومع مجيء ترامب، تمّ الترويج لإمكانية عقد تفاهمات مع الروس تعطيهم ما يريدونه في كل من سوريا وشرق أوروبا، على أمل أن يتمّ تحقيق هدف أكبر وهو " تفكيك التحالفات" بإبعاد الروس عن كل من الصين والايرانيين، ما يسمح بالضغط على الصين وباحتواء النفوذ الايراني في المنطقة بشكل أساسي.

لكن المشاكل التي يعانيها ترامب في الداخل، واستخدام الذريعة الروسية في محاولة عزله، والتهديدات الداخلية الدائمة لفريق ترامب بالخيانة، لجمت إندفاعة ترامب وفريقه تجاه الروس ودفعت الإدارة الى مسرحة حادثة "خان شيخون" وما تلاها من قصف الشعيرات، لإظهار ترامب وكأنه "بطل" ينفذ ماعجز أوباما عن تحقيقه، ولكسب التأييد في الداخل أو على الأقل، لتخفيف الانتقادات ضده.

وبالفعل، سكتت الأصوات الداخلية المنتقدة لفترة قصيرة، وأعلن بعض معارضيه أن ترامب بعد قصف سوريا "بات فعلاً رئيسًا للولايات المتحدة"!... لكن شهر العسل لم يدم، وسرعان ما استعيد الهجوم على الإدارة أقوى من ذي قبل.

إذًا، يدرك الروس أن ترامب مهما فعل ومهما قدم للداخل الاميركي، لن يُسمح له بالحكم بدون مشاكل داخلية، وستكون العلاقات مع الروس موضع ابتزاز دائم للرئيس الأميركي وإدارته، لذا لا يمكن لهم أن يراهنوا على بناء الثقة مع الأميركيين والتعاون في سوريا، لأن التجاذبات داخل الإدارة والضغوط عليها ستجعل من السهل الانقلاب على أي تفاهم أميركي روسي، وخذلان "الشريك الروسي" مجددًا.

من هنا، بات الجميع بانتظار جلاء معركة الحدود العراقية السورية ومعارك البادية السورية باعتبار أن نتائجها ستكون المؤشر الحقيقي لما سيكون عليه مستقبل سوريا ومحور المقاومة، فإن استطاع الأميركيون السيطرة على كافة الحدود العراقية السورية ( وهو أمر بات مستبعدًا بعد التطورات الأخيرة ووصول الحشد الشعبي العراقي الى الحدود مع سوريا) فيستطيعون تضييق الخناق على محور المقاومة وقد يفرضون التقسيم، وإن استطاع محور المقاومة السيطرة على أجزاء من تلك الحدود، فيعني أن السيطرة الأميركية على أجزاء أخرى قد أفرغ من مضمونه الاستراتيجي بشكل كبير.

2017/05/04

مبادرة "مناطق التهدئة": ما لها وما عليها


د. ليلى نقولا

تلتقي وفود من الدولة السورية والمعارضة في آستانا، برعاية اقليمية ودولية وذلك لبحث إمكانية تثبيت وقف اطلاق النار، ولمناقشة مبادرة تقدم بها الروس تفضي الى إنشاء 4 "مناطق تهدئة" تهدف الى وقف التصعيد، وتفترض حظر الطيران الجوي السوري فيها، على أن يكون الاتحاد الروسي وجمهورية تركيا وجمهورية إيران الإسلامية ضامنون لمراعاة نظام وقف إطلاق النار في الجمهورية العربية السورية.
أما المناطق المشار اليها، والتي ستكون مناطق آمنة،  فهي محافظة إدلب، ريف حمص الشمالي، الغوطة الشرقية، ومناطق في جنوب سوريا.
وبرعاية القوى الضامنة، سوف يكون هناك منع استخدام أي نوع من أنواع الأسلحة، وعودة الحياة المدنية، وتأمين استعادة المرافق الحيوية، وتأمين البنى التحتية، وغيرها من أدوات دعم الحياة، اي قابلية تلك المناطق للعيش المدني.
ومن النقاط الهامة في المبادرة، تهيئة ظروف العودة الآمنة والطوعية للاجئين، وعمل هيئات الحكم المحلي.
وستقوم كل من الحكومة السورية، ومجموعات المعارضة المسلحة، بمهام التفتيش والمراقبة على حدود تلك المناطق، في المناطق الفاصلة، وستنتشر قوات فصل عسكرية (مراقبة) من الدول المعنية، لمراقبة الامتثال لوقف اطلاق النار.
تقوم كل من الحكومة والمعارضة بالقتال ضد تنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرها من المجموعات المسلحة التي لا تقبل التسوية ولا تلتزم بوقف اطلاق النار.

وبالرغم من موافقة الحكومة السورية على هذه المناطق، واعلان المجموعات المسلحة المتواجدة في أستانا، قبولها بتلك المناطق "بشكل مؤقت" لئلا تؤدي  في النهاية الى تقسيم سوريا، فإن هذه المبادرة قد تحتوي على نقاط ايجابية ونقاط سلبية، نذكر منها ما يلي:

1- إن مناطق التهدئة المشار اليها، قد تكون هي نفسها المناطق الآمنة التي نادى بها كل من أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع تبدل التسمية فقط.

2- أن فرض حظر الطيران فوق تلك المناطق، ووجود مناطق فصل تتواجد على حدودها قوى تفتيش تضم كل من الجيش السوري والمعارضة المسلحة، يعني أن تلك المناطق عمليًا خرجت من سيطرة وسيادة الدولة السورية. ولنا في النموذج العراقي خير شاهد، حيث تمتعت المناطق الكردية بحكم ذاتي خلال عهد صدام حسين بعدما استطاع الأميركيون عبر مجلس الأمن من فرض مناطق حظر طيران فوق تلك المناطق.

3- تقوم المبادرة على إعادة سبل الحياة الكاملة الى المناطق التي تسيطر المعارضة المسلحة، بعدما عجزت المنظمات الاوروبية عن القيام بهذه المهمة وتحقيق ما يشبه هيكلية  "دولة" فيها، وبعدما قام الجيش السوري ولمدة سنوات عدة بمنع إمكانية الحياة في تلك المناطق لئلا تخرج من كنف الدولة السورية، ولئلا يستقر فيها المسلحون واقتطاع أجزاء من الأراضي السورية وتأمين حياة فيها بحيث تخرج من السيادة السورية الفعلية.

4- قد يكون لهذه المبادرة ايجابيات لناحية عودة المهجرين واللاجئين، وهو ما يريده المجتمع الدولي باعتبار أن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية للاجئين السوريين باتت تثقل كاهل المجتمعات المضيفة، علمًا أن المنظمات الانسانية تبرر عدم عودة اللاجئين بأنهم يخشون العودة الى مناطق النظام قبل الحل السياسي النهائي، وعليه، فإن هؤلاء سيكون أمامهم خيار العودة الى مناطق المعارضة في حال كان ادعاؤهم صحيحًا.

5- إن الوضع المؤقت هذه المناطق، وإنشاء قوات فصل عسكرية داخلية، ورقابية دولية، تشير الى أن هذه المناطق إن تحقق تأسيسها بشكل جدّي، ولم تعمل التباينات الاقليمية بين الدول الراعية للمجموعات المسلحة في إفشال هذا المشروع واجهاضه، قد تكون مقدمة لتقسيم مؤقت لسوريا، لا يُعرف مداه، ولا يُعرف متى تعود الى حضن الدولة السورية بعدما يكون الحكم قد استقر للمسلحين وعادت الحياة بشكل طبيعي الى تلك المناطق، فما الذي سيقنعهم بالتخلي عن مكاسبهم والعودة الى حضن الدولة؟

2017/04/27

هل فعلاً تركيا أقوى بعد الاستفتاء؟


د. ليلى نقولا
مرّ الاستفتاء التركي بنجاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتمرير التعديلات الدستورية، وبموجبها يمكن انتخاب أردوغان رئيسا للبلاد فترتين جديدتين كل منها خمس سنوات، من دون أخذ الفترة الحالية بالاعتبار، أي أنه سيبقى حاكمًا لغاية 2029.
داخليًا، سيقوم أردوغان من اليوم فصاعدًا، باضعاف المجتمع المدني، تحويل دفة الحكم نحو ازالة التوجهات العلمانية للدولة، واضعاف الجيش، وفرض سيطرته المطلقة على الدولة وحزب العدالة والتنمية، ما يعني التخلص من معارضيه وأهمهم عبدالله غول وأحمد داود أوغلو.
- أما على صعيد السياسة الخارجية، فتعيش تركيا وضعًا مأزومًا خارجيًا، فعلاقة أردوغان بالاتحاد الاوروبي هي في أسوأ حالاتها منذ قرن، وفي خطابه بعد الاستفتاء قال أردوغان إن حملة "نعم" فازت على الرغم من تعرضها لهجمات "العقلية الصليبية" في الغرب و"عبيد هذه العقلية داخل تركيا"، وهو يلجأ الى تصعيد العلاقة مع العلاقة مع الأوروبيين لإدراكه أن هذا يمنحه قدرة على زيادة قبضته على الداخل، ولعلمه الأكيد أن أي احتمال للدخول التركي الى الاتحاد الاوروبي قد بات من الماضي.
- بالنسبة لحلف شمالي الاطلسي، لن يعمد أردوغان الى الخروج من الحلف، باعتبار أن الولايات المتحدة غير مستعدة بعد للتخلص من هذا الحلف بعد، ولأنه يعطي تركيا قيمة استراتيجية وميزان قوى عسكري لن يفرط به أردوغان بسهولة.
- أما بالنسبة للعلاقة مع الولايات المتحدة، فبالرغم من اتصال ترامب بأردوغان وتهنئته، إلا أن العلاقة بين الاثنين ليس على أفضل ما يرام:
قام الرئيس الأميركي باراك اوباما، باعتماد استراتيجية الاستنزاف وأطلق على سياسته اشرق أوسطية عنوان "القيادة من الخلف"، ولم يحسم موقفه بشكل واضح من الصراع بين حليفيه التركي والكردي، فاستمر في دعمهما، وحاول قدر الامكان عدم استثارة أردوغان بدون أن يتخلى عن الأكراد في سوريا. أما في عهد ترامب، فلقد حسم ترامب بشكل واضح خياره في سوريا بأنه يفضّل التعامل مع الأكراد بوصفهم الحليف الذي يستطيع أن يقدم مقاتلين موثوق بولائهم، بعكس الجماعات الموالية لتركيا.
- بالنسبة لروسيا:
بالرغم من كل المشاكل وعدم الثقة بين الاثنين، يعرف أردوغان أن التصعيد الذي يواجه به الاوروبيين والاذلال اللفظي والتعنيف الذي يقوم به مع الاوروبيين، لا يمكن استخدامه مع الروس ولا الأميركيين. يحتاج الروس الى أردوغان لتمرير خط أنابيب الغاز الرديف والبديل عن خط أوكرانيا   Turkish stream  لبيع الغاز الروسي الى الاتحاد الاوروبي، كما يحتاجونه للحل في سوريا باعتباره راعي العديد من المجموعات المسلحة. لكن الروس غير مستعدين لإعطاء أردوغان ما يريد في سوريا أو السماح له باستكمال قضم الأراضي السورية، وهو بات يعرف جيدًا حدود الخطوط الحمراء التي يمكن لبوتين القبول وما لا يمكن القبول به.
أمام جميع هذه المعضلات يحتاج أردوغان الى عمل عسكري في الخارج( سوريا أو العراق) يعيده لاعبًا رئيسيًا ويصرف النظر عن سياساته الداخلية، لكن أمام هذا التدخل خطوط حمراء لا يستطيع أردوغان تجاورها:
استمرار كل من الولايات المتحدة وروسيا بدعم الجماعات الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني في الحرب ضد تنظيم داعش في سوريا، وانسداد أي أفق للتوسع بريًا في سوريا من خلال درع الفرات، إذ أن المجال مغلق أمام أردوغان في التوسع بريًا في سوريا، فالمنطقة الواقعة غرب نهر الفرات تقع تحت السيطرة الروسية، ولن تسمح لأردوغان بالتقدم، والمنطقة الواقعة شرق نهر الفرات تسيطر عليها الولايات المتحدة والتي تتوجه للسيطرة على العديد من المناطق السورية بعد طرد داعش منها، لذا لن تسمح له بالاخلال بالتوازن وعرقلة مخططاتها.
أمام إنسداد الأفق في سوريا، والمحاذير العراقية المرتبطة بنفوذ الاميركيين هناك، سيحاول أردوغان القيام بتدخل عسكري (قد يكون بريًا) ضد المناطق التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني في شمال العراق قرب سنجار، آملاً أن يستطيع قلب موازين القوى لصالحه، وأن يفرض نفسه لاعبًا اقليميًا يحسب له حساب بعدما تخلى الاميركيون عن فكرة استخدام الورقة التركية العسكرية لصالح التدخل العسكري الاميركي المباشر في سوريا.

2017/04/20

التغيير الديمغرافي في سوريا: لماذا؟ ومن المستفيد؟


د. ليلى نقولا

بالرغم من تعثره بالتفجير الارهابي الذي طال المدنيين الخارجين من كفريا والفوعة، استمرت عملية التبادل أو ما سمي اتفاق "البلدات الأربع"، وخرج مسلحو الزبداني ومضايا وبقين وعائلاتهم الى ادلب، مقابل خروج أهالي كفريا والفوعةالى مناطق الحكومة السورية.

ينهي هذا الاتفاق مأساة المدنيين في هذه البلدات، بعد حصار دام سنوات، سلّط خلالها الاعلام الغربي والعربي الخليجي الأضواء خلاله على مأساة أهل مضايا والزبداني- بدون الاشارة الى مأساة أهل كفريا والفوعة- لاتهام حزب الله والحكومة السورية بممارسة "حصار تجويعي"، متغاضين في كل مرحلة عن المآسي في الجهة المقابلة، تمامًا كما حصل خلال حادثة خان شيخون الكيميائية التي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء، بينما لم يحظَ التفجير الارهابي بالأطفال والأبرياء من أهالي كفريا والفوعة بالتغطية والادانات المماثلة.
ولكن، بالرغم من ارتياح الجميع بانهاء مأساة المدنيين بأي ثمن، ولكن التغيير الديمغرافي الذي يحصل في سوريا والمستمر منذ سنوات، ينبئ بمخاطر كبيرة على مستقبل هذا البلد ومستقبل المشرق العربي. علمًا أن التركيز على التهجير الديمغرافي الناتج هذه الاتفاقيات بتبادل السكان، ما هو الا تعمية على تغيير ديمغرافي أكبر كان قد حصل خلال سنوات الحرب ويعود الى أسباب متنوعة منها التشجيع من قبل بعض المنظمات الدولية، والدول الداعمة للمعارضة.

إن العاملين مع المنظمات الدولية والدول المانحة، يدركون أن الهجرة الجماعية الأولى للسوريين لم تكن عفوية، بل كانت بشكل منهجي ومدروس. والدراسات تشير الى أن هناك جزء مهم من السوريين غادروا بلادهم هربًا من الحرب والدمار والقتل، لكن الجزء الأكبر غادر بعدما تمّ تشجيعهم على المغادرة.

في الأشهر الأولى التي تلت "الثورة" في سوريا وقبل نشوب الحرب بشكل فعلي في سوريا، كان العديد من الدول الاوروبية ومعهم تركيا قد استعدت لاستقبال مئات الالاف من اللاجئين السوريين. بداية، أعرب الغرب عن رغبته في استقبال "الاقليات" الطائفية الهاربة من جحيم المعارك، لكن الهجرة تأخرت وبقيت مراكز الايواء فارغة.
ثم في المرحلة الثانية، وبعد نشوب الحرب بشكل جدّي، قامت بعض المنظمات الدولية والدول الداعمة للمعارضة بتشجيع السوريين على الهجرة الى البلدان المجاورة، وخاصة لبنان، وذلك لأسباب مادية وأمنية. ماديًا، كلما ازداد أعداد اللاجئين، كلما ازدادت موزانات تلك المنظمات. يضاف الى العامل المادي، العامل الأمني في لبنان، حيث تمّ تشجيع السوريين من الرجال المعارضين القادرين على القتال على اللجوء الى لبنان، لخلق توازن طائفي وأمني مع حزب الله في الداخل، قد يحتاجه داعمي المجموعات المسلحة في سوريا، لإرباك الساحة اللبنانية واستخدامها كجزء من المعارك الدائرة في سورياـ

بسقوط القصير، وبعدها قلعة الحصن والقلمون، وبعدما تبين أن موازين القوى الداخلية لا تسمح بمغامرات أمنية في لبنان، وبعد استبسال الجيش اللبناني في الدفاع عن لبنان بعد الهجمة الارهابية في عرسال ووقوف اللبنانيين صفًا واحدًا ضد مشاريع الحاق الساحة اللبنانية بالساحة السورية، انخفضت مستويات القلق الأمني، وبقيت موازنات المنظمات الدولية تتضخم بتضخّم أعداد اللاجئين السوريين في الدول المجاورة.

أما الهجرة الجماعية الى اوروبا، فلم تحصل إلا بعدما أراد أردوغان أن يضغط على القادة الاوروبيين وحلفائه في حلف الناتو لتنفيذ أجندة خاصة به، فحصل التدفق الى اوروبا، علمًا أن الغالبية العظمى من هؤلاء من المعارضين الذكور، ومن فئة طائفية معينة.

ولعل الانخراط العسكري الأميركي في ظل إدارة ترامب، يشير الى رغبة حقيقية لدى الاميركيين بتقسيم سوريا، والاحتفاظ بنفوذ أميركي مباشر في المناطق الواقعة في الشرق والشمال الشرقي السوري، بالاضافة الى حزام أمني يحمي اسرائيل، لذا فإن الفرز السكاني، ومحاولة تغيير البنية السكانية لتلك المناطق، وإسكان المعارضين للأسد في تلك المناطق لتكون بيئة حاضنة للوجود الاميركي فيها، قد يكون من الأسباب المشجعة للتغيير الديمغرافي أيضًا.

إذًا، بالفعل هناك قلق من تغيير ديمغرافي في سوريا، وقلق أكبر من الفرز السكاني الذي قد يؤدي الى تقسيم فعلي للأراضي السورية، وقد يكون النظام السوري استفاد من هجرة المعارضين الجماعية الى اوروبا والى البلدان المجاورة، خاصة وأن معظم هؤلاء قد لا يستطيع التصويت في أي انتخابات قادمة، ولكن المسؤولية ملقاة على عاتق جميع المنخرطين في تلك الحرب وليست مسؤولية طرف وحده كما يحاول اعلام المعارضة الاشارة اليه.

2017/04/18

العَلمانية في لبنان: تجربة خاصة وممكنة!


محاضرة قدمت في فرنسا في مؤتمر عقده التجمع من أجل لبنان- فرنسا، في تشرين الثاني 2009
مقدمة
أولاً: التطور التاريخي للنظام الطائفي اللبناني
ثانيًا: الاشكاليات التي يخلقها مفهوم العَلمانية في لبنان
ثالثًا: استغلالات المفهوم في لبنان
رابعًا: تفسير يلائم البيئة اللبنانية
خامسًا: هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟
 مقدمة
يمكن قراءة العَلمانية على انها جملة التحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والايديولوجية التي أدّت الى اعتبار أن الانسان الفرد بوصفه ذاتًا حرّة هو أساس التكوين الاجتماعي، وغرض الثقافة والسياسة، ما يعني أن الانتماء الأكثر أهمية، من وجهة نظر العَلمانية، هو الانتماء الإنساني. من هنا يكون كل تمييز للإنسان على أساس الانتماءات اللاحقة للانتماء الإنساني هو تمييز مخالف لطبيعة الإنسان، وانتقاص من قيمته الانسانية.
تمثّل العَلمانية أحد المكتسبات الأساسية للبشرية، وخطوة مركزية في تحرير العقل البشري وحلاً لمسألة الغيبيات. هي مسألة سياسية أولاً قبل كل شيء، وليست مسألة دينية على الاطلاق، ولعلها الأقدر على إعطاء البعد الروحي والديني للانسان كل مفاعيله وموجباته.
إن جوهر العَلمانية يرتبط الى حد بعيد بالحرية، حرية الآخر المختلف في الوجود، وفي حقه في الاختلاف، لذا تبتعد العَلمانية عن التكفير، وتحترم الحرية الدينية وتعترف بالتعددية وحرية الاعتقاد، بل والحق في تغيير الدين، وتضمن في الآن نفسه استقلال ارادة الانسان وحريته الفردية.
تتجسد العَلمانية الحقيقية في رعاية حرية الإنسان وحمايتها، وعلى رأسها حق الفرد في التفكير والتعبير عن الرأي وإعلان المعتقد، وحقه في أن يمارس شعائر الدين أو لا يمارسها، وحقه في أن يحدد بنفسه درجة علاقته بالدين وطبيعة هذه العلاقة، وحقه في أن يعارض الحكومة ويناقض توجهاتها بأسلوب سلمي، وغير ذلك من الحقوق المندرجة في المواطنية.
وعليه، تكون “الدولة العَلمانية” هي الحل الضروري والانقاذي لاخراج لبنان من الازمة البنيوية للنظام السياسي، وللفصل بين النظام القابل للتعديل والتغيير، وبين الكيان الوطني الثابت. لكن تجاوزًا لحساسية البعض على استخدام مصطلح “العَلمانية” ولئلا نغرق في الشكليات والتسميات وننسى المضمون والهدف المنوي تحقيقه، يمكن لنا استخدام تعبير “الدولة المدنية” بدل “الدولة العَلمانية”، طالما أن الجوهر واحد.  
فما هي أسس هذه الدولة العَلمانية- أو الدولة المدنية- المناسبة للبنان؟ ولماذا يرفضها كثرٌ في لبنان، وكيف يستغلونها؟ وكيف نتصورها كمفهوم صالح للبيئة اللبنانية ومتأقلم ومتصالح معها؟ وما هو مشروع التيار الوطني لتطبيق هذه الدولة المنشودة؟
أولاً: التطور التاريخي للنظام الطائفي اللبناني
 المعلوم أن الكيان اللبناني كان قد برز في الحيّز الدولي كساحة صراع بين الدول الكبرى للسيطرة على المنطقة، وقد أُدخلت الطوائف الدينية اللبنانية ومذاهبها المختلفة في شبكة نفوذ تلك الدول، فكل دولة أجنبية، بسبب لونها الديني، تدخلت مدّعية حماية طائفة معينة من الطوائف اللبنانية فروسيا القيصرية مثلاً حمت الطائفة الأرثوذكسية، وفرنسا حمت الطائفة المارونية، والإمبراطورية النمساوية حمت الروم الكاثوليك، والإنكليز حموا الدروز، أما السلطنة العثمانية فحمت الطائفة السنّية.
وقد نشأت عن تلك الظروف ثقافة سياسية عُرفت بـ “ثقافة القناصل” لدى أعيان ووجهاء لبنان الذين اخترعوا أنواعًا مختلفة ومتناقضة من الأفكار القومية والوطنية المتأثرة بالنفوذ الفكري والثقافي للدول الأجنبية الحامية.
وكنتيجة لذلك، تطوّرت نزعات مختلفة تمامًا لدى الطوائف اللبنانية، اتخذت شعارات عدة منها “خوف المسيحيين” و “غبن لاحق بالمسلمين”[1]، أضيف اليها مصطلحات تلاءمت مع التطورات الاقليمية السائدة، كمصطلحات “العروبة العَلمانية” مقابل “العروبة الإسلامية الطابع”، زد على ذلك “القومية اللبنانية” على الطريقة الكتائبية مقابل “عقيدة وحدة بلاد الشام” على طريقة الحزب السوري القومي الاجتماعي.
هذا بالإضافة إلى تطوير عقيدة سياسية على يد كل من شارل مالك وميشال شيحا وغيرهما تقول بأن الديمقراطية في لبنان لا يمكن أن تكون ديمقراطية مبنية على حرية الفرد، بل على المساواة السياسية بين الطوائف، على أن تكون الدولة مجرّد حَكَم في صراع الطوائف فيما بينها، وهو في النتيجة والواقع العملي  “صراع الدول الحامية لتلك الطوائف”.
 ولعل نظام المحاصصة الطائفية الذي بدأ مؤقتًا عام 1943 وتحول الى عرف دائم، كرّسه الدستور بعد التعديلات التي أقرّت عام 1990 بناءً على اتفاق الطائف، قد جعل الدولة مساحة لتحاصص الطوائف المختزلة بزعمائها، وجعل التناقضات والصراعات بينهم تأخذ طابعًا طائفيًا مقيتًا، فتعيق عمل السلطة، وتعرقل بناء دولة القانون والمؤسسات، وتفتح المجال لتغطية الولاءات والمراهنات الخارجية ولحماية وتفشي الفساد والفاسدين ونمط الزبائنية، وينتج فتنًا وحروبًا أهلية متكررة، ويجعل لبنان ساحة مفتوحة لصراع تتداخل فيه العوامل الخارجية مع الداخلية، فتضعف سيادة الدولة الخارجية والداخلية المنقوصة أساسًا، فقد تنازلت الدولة عن صلاحياتها للطوائف، أو بالاحرى إن الطوائف التي سبق وجودها وجود الدولة أسست دولة هشّة ومحدودة القوة وتركت لنفسها الكثير من الاستقلالية والصلاحيات المفترض بالدولة الاضطلاع بها. وهكذا قامت علاقة عكسية بين سيادة الدولة وقوة الطوائف في لبنان، فكلما زادت قوة الطوائف تقلصت سيادة الدولة والعكس بالعكس.
تحولت الطائفية نظام حياة الشعب اللبناني بأكمله، تخترق بناه الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية وتدخل في تركيبة مؤسساته. واذا كانت وقائع التاريخ اللبناني قد أثبتت ان هذه المحاصصة الطائفية كانت السبب في كثير من الازمات الداخلية والحروب، وإنها الحاجز المانع للتطور الديموقراطي للنظام، فان هناك في المقابل قوى واسعة ترى ان هذا النظام الطائفي هو سبب وجود لبنان، وان الدعوة الى تجاوزه تعني إلغاء هذا الكيان.
وفي هذا الاطار، يصف الفقيه الدستوري ادمون رباط صيغة تعايش اللبنانيين التي كرّسها الدستور بعد التعديلات التي اقرّت عام 1990 بالقول: “ان اللبنانيين سيبقون خاضعين، كل منهم في إطار طائفته، لقوانينها وشرائعها، في حياتهم العائلية والروحية العامة، باعتبار ان لا بد لكل مواطن لبناني من ان يكون منتميًا الى طائفة معينة، في ولادته وزواجه ووفاته، وبالتالي في حياته العامة، الأمر الذي يجعل الروح الطائفية ملتصقة بشخصه وأسرته، ويجعل كل عمل سياسي يقوم به، كالانتخاب والمنافسة في اقتناص الوظائف العامة والوزارات مستمرًا، طبيعيًا، في خضوعه لروح طائفته وميولها ومصالحها وتياراتها، وذلك كله لأنه سيبقى عضوًا حيًا لطائفته الاصلية”[2].
وعليه، ومن أجل الخروج من هذه الدوامة المستمرة من التدخلات والتدخلات المضادة، ومن أجل العبور  بلبنان من دولة الرعايا الى دولة المواطنين، والتخلص من الفكرة الدولية التي ترى في لبنان “الدولة الحاجز” أو “الدولة الساحة”، علينا أن نقضي على المحاصصة الطائفية والزبائنية والسير باتجاه علمنة الدولة والمجتمع، وهذا هو التحدي أمام التيار الوطني الحر بما يمثله من قوة تغييرية وتحررية هدفها تحرر الانسان- المواطن اللبناني بعدما أنجزت تحرير الارض. 
ولكي ينجح التيار الوطني الحر في تحقيق هذا الهدف البعيد المدى، وادارة هذه المعركة السياسية الصعبة بنجاح، لا بد من رؤية سياسية واضحة تربط بين كل العناصر الإشكالية بأوجهها المختلفة، اللبنانية والعربية والدولية، تبدأ بتوضيح مفهوم العَلمانية على ضوء معطيات الواقع اللبناني المرتبط الى حد بعيد بالواقع العربي والاسلامي كون لبنان جزء لا يتجزأ من محيط أكبر يتفاعل معه ويتأثر به وبالتحولات الجارية فيه.

ثانيًا: الاشكاليات التي يخلقها مفهوم العَلمانية في لبنان 
تبدو العَلمانية غير مفهومة في لبنان،  وفي كثير من البلدان العربية الاخرى وذلك بسبب تعدد وجهات النظر حول هذا المفهوم الخارج من التجربة الاوروبية، ولعل ما يزيد في الغموض هو ان العَلمانية كما الديمقراطية قد تكون عالمية بجوهرها ومفاهيمها ولكنها تختلف من حيث التطبيق بين بلد وآخر، وهذا ما نلاحظه في البلدان العريقة بالعَلمانية، كفرنسا وانكلترا والولايات المتحدة وغيرها.
فالعَلمانية على الطريقة الفرنسية بمعنى Laïcité قامت بفصل الدولة عن الدين بشكل تام، بينما في الدول الأنكلو – سكسونية لا يزال الدين يلعب دورًا بارزًا في الحياة الاجتماعية والسياسية، فملكة بريطانيا هي رأس الكنيسة الإنجيلية الرسمية، وكذلك الحال في أميركا حيث تزدهر التيارات الأصولية البروتستنتية، وقد عاد “المقدس” الى المفردات السياسية في الولايات المتحدة الاميركية بعد 11 أيلول 2001 وخاصة خلال عهد بوش الابن… غير أن الدول في تلك المجتمعات تبقى على الحياد في الأمور الدينية ولذلك لا تمانع إنشاء كنائس جديدة من حيث معتقداتها اللاهوتية  ولا ترفض وجود طوائف دينية من غير الديانة المسيحية.
بالنسبة للبنان، لم يشهد مفهوم سياسي معارضة حادة قادتها مكوّنات النظام الطائفي اللبناني كما شهده مفهوم العَلمانية. فقد توحدت المؤسسات الدينية والروحية، المسيحية منها والاسلامية وسائر الفاعليات السياسية ضد هذا الشعار، منذ طرحه.
رأت فيه هذه القوى خطرًا يتهدد مصالحها وينقل البلد الى إطار سياسي مختلف، فاتخذت الحملة ضد العَلمانية طابعًا سياسيًا دينيًا ايديولوجيًا، فوسمتها بالالحاد والسعي الى الغاء الاديان وتهديم المجتمع والقضاء على الطوائف، ووصل الامر الى حد وصف العَلمانية بأنها آداة تدمير مقومات الكيان والنظام والأسس التي قام عليها لبنان.
قوى ثلاث تقف في وجه الاصلاح في لبنان: الاقطاع السياسي الذي يتألف من وجهاء تقليديين، زعماء الحروب الطائفية الذين تحوّلوا الى سياسيين، وطبقة أصحاب الصفقات. وتشكل الطائفية رأس مال الثلاثة معًا، والوسيلة التي يحافظون بها على السلطة ويتناقلونها…وهذا ما حوّل النظام السياسي اللبناني الى حرب أهلية صامتة. ولقد شوّه هؤلاء المتضررين العَلمانية، وحرضوا المجتمع ضدها وذلك من خلال ما يلي:
–         وسمها بالالحاد: لأن جهل المفهوم طغى على الكثيرين من متوسطي الثقافة والمعرفة، وجمهور الناس الأوسع، فألصقوا بها الكثير مما لا يدخل في صلبها ولا يشكّل روحها الحي، فاعتقدوا أنها “إلحاد” ينكر الله ويتنكّر للأديان، والبعض اختزلها بأنها “حرب على رجال الدين”.
–           تغليب المصلحة الخاصة، أدرك من يتضرر منها، أي أصحاب النفوذ في مجتمع العلاقات الإقطاعية والتقسيمات العشائرية والعائلية والطائفية، الذين جعلتهم هذه العلاقات زعماء راسخين يتوارثون الزعامة كتوارث الأملاك الشخصية، أدركوا العَلمانية على حقيقتها، بوصفها خلاصًا للمجتمع من ذلك الإرث المتخلّف، وكسراً للتقاليد، وتجاوزاً للعشيرة والطائفة، وصولاً إلى التساوي أمام القانون، وإلغاء كل أشكال التمييز غير الناجم عن الكفاءات… أدركوا تأثيرها عليهم فحاربوها ونعتوها بأبشع الاوصاف.
–         رفض اسلامي ومسيحي: كثر من المسلمين يرفضون العَلمانية معتبرين انها نتاج مسيحي وذلك بسبب الخلط الذي يقيمونه بين المسيحية والغرب، فبالنسبة لهم الغرب والمسيحية واحد.
وهناك بعض المسيحيين الذين يصدّقون مقولة “علمانية الاسلام” فيرفضون العَلمانية لأنها – برأيهم- تتفق مع النظام المجتمعي الاسلامي مع ما في ذلك من مفارقات.
–         التطبيق الخاطئ الذي مارسه مدّعو العَلمانية، وذلك من خلال أمرين:
أ‌-     تحت رايات العَلمانية والوحدة وغيرها من المفاهيم قامت أنظمة قمعية في دول الجوار اللبناني، وفي ظل شعاراتها جرى إضعاف الحراك السياسي في المجتمعات العربية، وانتشرت الآحادية في الفكر والسياسة والحياة الحزبية، وانصرف الناس عن السياسة إلى ضفاف أخرى، بعضها عدمي، وأكثرها تقليدي، أي إنهم عادوا إلى التذرع بالعشيرة أو الطائفة أو العائلة.
ب‌- خسرت العَلمانية حجتها حين تداخلت مع بعض البنى الفكرية الهشة، فصارت علمانية سطحية مسكونة بالتخلف والتعصب للرأي ورفض الآخر وقمع المخالفين لإرادة قادة الأحزاب والمؤسسات والحكومات، وتسخير المنابر الإعلامية لرأي دون آخر، واحتقار هواجس وآراء الجماعات التي تعيش قلقًا فعليًا وليس اعلاميًا، قلق غذاه واستفاد منه مدّعو التكلم باسم الاديان.
ولعل التطبيق الخاطئ من قبل مدّعي العَلمانية، والاستخدامات المصلحية في المجتمع اللبناني، ساهمت الى حد بعيد في تأخير مسيرة العَلمانية في لبنان، فكلما سارت عجلة الاصلاحات المؤدية الى تطبيق العَلمانية كلما زاد الضغط الذي يمارسه المتضررون، وبرزت استخدامات خاطئة للعلمانية في لبنان شوهتها وحدّت من امكانية تطبيقها وهو ما سنذكره في ما يلي. 
ثالثًا: استغلالات المفهوم في لبنان[3]: 
لقد استغل كثر من السياسيين والمفكرين والاعلاميين اللبنانيين مفاهيم العَلمانية، لغايات خاصة بعيدة كل البعد عن الهدف الاسمى لتحقيق العَلمانية ألا وهو احلال الولاء الوطني بدل الولاء الطائفي، وتحويل لبنان من فدرالية الطوائف الى وطن يعيش فيه ابناؤه على قدم المساواة. ويمكن القول ان هذه الاستخدامات والاستغلالات للعلمانية تراوحت بين الجهل وسوء الفهم أو عدم ادراك في بعض الحالات وسوء النية في حالات اخرى.
أ‌-     الاستخدام الوظيفي:
يطالب بعض اللبنانيين بالعَلمانية لأنها تحول دون طائفية الوظيفة، وتلغي الكوتا المخصصة لكل طائفة. والملاحظ أنه في المقابل، يتشبث بعض المسلمين والمسيحيين بالطائفية معتبرين أن فيها “مصلحة للطائفة وتأمينًا لحقوقها” في الوظائف العامة وخاصة وظائف الفئة الاولى، وهنا السؤال الاكبر: كيف يؤمن وصول شخص من طائفة معينة – بغض النظر عن كفاءته- حقوق الجماعة بأكملها؟ وكيف يمكن لمساواة شكلية (6 و6 مكرر) أن تؤمن مساواة بين المواطنين وحفاظًا على حقوقهم ؟
ب‌-الاستخدام القانوني:
يهم بعض اللبنانيين من العَلمانية فقط إلغاء قوانين الاحوال الشخصية، والوصول الى قانون مدني، وبالاخص قانون طلاق مدني سهل، يوفر عليهم الجهد والمال المبذول للمحاكم الروحية خاصة المسيحية منها.
ت‌-الاستخدام السياسي:
هناك البعض الآخر من اللبنانيين الذين يهمهم من العَلمانية موضوع “إلغاء الطائفية السياسية”، لأنها تخولهم أن يصلوا الى المراكز العليا في الدولة التي حجزها الدستور والأعراف لطوائف دون أخرى.
ث‌-الاستخدام الامتيازي:
يرفض كثر من المسيحيين العَلمانية لأن الطائفية برأيهم تؤمن لطوائفهم “امتيازات” في النظام، يخافون أن تضيع منهم إذا تمت العَلمانية، وقد تزايد هذا الخوف من العلماينة و”الغاء الطائفية السياسة” بعد نشر دراسات احصائية تفيد أن نسبة المسيحيين تقلصت في لبنان الى ما دون الثلاثين بالمئة. وهكذا يربط هؤلاء ضياع هذه “الامتيازات” أو “الضمانات” بضياع “المسيحية في لبنان” بل ونهاية لبنان بشكله التعددي!!
ج‌-  الاستخدام التعجيزي:
يطالب بعض اللبنانيين بالعَلمانية “الشاملة”، فيرفعون السقف مطالبين “اما علمانية شاملة أو لا علمانية” وفي ذلك قطع الطريق على العَلمانية بحد ذاتها.
في إدراك هؤلاء أن المسلمين يريدون “إلغاء الطائفية السياسية” لان الميزان الديمغرافي هو لمصلحتهم، بينما يرفضون علمنة “قانون الاحوال الشخصية” لذا إن المطالبة بالعَلمانية الشاملة تؤدي الى “رفض اسلامي لها”.
في المقابل قد يقبل المسيحيون بعلمنة “الاحوال الشخصية” ولكنهم بالتأكيد لن يقبلوا بالغاءالامتيازات وإلغاء المناصفة بين المسيحيين والمسلمين التي أقرّها الدستور في الرئاسات الثلاث ووظائف الفئة الاولى، لذا فإن المطالبة بالعَلمانية الشاملة سيؤدي أيضًا الى رفض مسيحي لها. 
وهكذا، وانطلاقًا من المقاربة الواقعية، ندرك أنه لا يمكن تطبيق العَلمانية في لبنان إلا من خلال “تكييف” المفهوم وأقلمته مع الواقع اللبناني السائد، لأن مقاربة موضوع العَلمانية في لبنان من منطلق اكاديمي بحت هي مقاربة خاطئة لا بل قاتلة، لأنه لا يمكن لنا مقاربة هذا الموضوع الا من خلال دراسة التجربة المعيوشة للدولة الطائفية القائمة في بلدنا، وتكييف المفهوم ليتلاءم معها.
رابعًا: تفسير يلائم البيئة اللبنانية
بما انه ليس للعلمانية تفسيرًا واحدًا وليس لها نهجًا موحدًا، وبما ان العَلمانية كالديمقراطية وحقوق الانسان تختلف في تطبيقاتها العملية باختلاف البيئة الثقافية والاجتماعية في بلد معين، فهذا يفرض علينا ايجاد التفسير الملائم لها في المجتمع المعني أي في المجتمع اللبناني، وايجاد خريطة طريق مناسبة لتحقيقه.
بداية، وبما ان المجتمع اللبناني موسوم بالعامل الديني والطائفي، فلا بد من تنظيف المفهوم مما علق به من رواسب ومفاهيم ألصقت به زورًا وأهمها صفة الالحاد أو محاربة الدين.
1-  العَلمانية لا ترفض الله ولا تقبله، بل هي قاصرة وعاجزة عن قول أي شيء بالله، إذا كان موجود أو غير موجود. العَلمانية لا تدّعي أن لها قولاً تقوله عن الله، بل تترك ذلك لله ورسله وكتبه وللايمان بهم. وعليه، يكون من الطبيعي وجود “علمانيين مؤمنين” يعيشون في الوقت ذاته الدين وقيمه والعالم الزمني وقيمه، ويميزون بين الاثنين ولا يخافون من تفاعلهما. فالدين هو علاقة فردية عامودية بين الانسان وخالقه تفرض عليه التزامًا بنصوص “مقدسة” وقواعد سلوكية معينة، أما العالم الزمني فيعيشه الانسان في علاقات جماعية وفردية أفقية، تفرض عليه أنواعًا أخرى من الالتزامات وضعتها القوانين الوضعية. وهكذا فإن اختلاف الحيز الذي يُمارس فيه الديني والزمني، يفرض تمييزًا واستقلالية بين الاثنين، يعيشهما الانسان بدون مزج بينهما أو سيطرة أحدهما على الآخر.
وهكذا تكون العَلمانية هي الاستقلالية عن الدين، والاستقلالية لا تعني بأي شكل من الاشكال العدائية، بل الحياد التام بينهما. لذلك يمكن أن نقول أن العدائية للدين ليست عَلمانية بل هي ضد العَلمانية لأنها تجعل ذاتها على مستوى الدين وفي حقله وقيمه ومقوماته، ونقيضًا له ومن ثم تنصّب نفسها دينًا، ولو بالمعنى السلبي.
2-  بالنسبة للقيم الدينية، العَلمانية تقبل ما جاءت به الاديان من قيم انسانية جليلة وهامة للجنس البشري، كاحترام الانسان، كل انسان، والمساواة والحرية والعدالة… لكن العَلمانية ترفض على الاديان “احتكارها للقيم الانسانية” واعتبارها ان “الانسان لا يصل الى هذه القيم إلا من خلالها”… العَلمانية تقول بهذه القيم نفسها، ولكنها تقول بقيمة القيم بذاتها، أيًا كان مصدرها. إن قيمة القيم ليس في ورودها في هذا الكتاب أو ذاك، بل قيمتها أنها لأجل خير الانسان ونموه وتكامله، ولعل الاهم من القيم هو تطبيقها الفعلي على أرض الواقع.
3-  العَلمانية ليست مسيحية ولا اسلامية، لأنها صفة للمجتمع ليس للدين. هي نظرة شاملة للعالم تؤكد استقلاليته بكل مقوماته وأبعاده وقيمه. والاستقلالية تعني أن هناك قيمًا ذاتية فعلية للعالم والمجتمع والانسان وقضاياه غير مستمدة من الدين والقيم الدينية وغير خاضعة لهما، أي انها تجعل تمايزًا بين العالم والدين وتعترف بمميزات كل منهما بدون امتيازات للواحد على الآخر.
4-  إن العَلمانية هي السبيل الوحيد لتحقيق مبدأ الموطنية، ولا صحة لأي ادعاء بوجود مواطنية حقيقية بغيرها. فإذا كان مبدأ المواطنية يعني تساوي الناس، أي المواطنين، أمام القانون، فإن العَلمانية هي التي تجعل القانون ذاته قانون مواطنية لا قانون يميّز بينهم على أساس انتمائهم الطائفي.
5-  العَلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة لا تعني فصله عن المجتمع أو التقليل من دوره في حياة الناس الاجتماعية، ولا تعني إضعاف مكانته في منظومة القيم الأخلاقية والسلوكية، وفي صوغ هذه القيم وفق مقتضيات الزمن، فالقيم الإنسانية التي تجعلها الأديان محورًا للنشاط الإنساني، تظل ماثلة في الوجدان الاجتماعي ومرشدًا للسلوك، وهي تتجلى وفق خصائص البيئة المحددة زمانيًا ومكانيًا. إن فصل الدين عن المجتمع غير ممكن، والإنسان الفرد، بوصفه الوحدة الاجتماعية الأولى، هو الذي يحدد “بحرية” علاقته بالشعائر الدينية وأفكار الدين وقيمه بحرية تامة. 
6-  من البديهي أيضًا أن فصل الدين عن السياسة لا يعني فصله عن رجل السياسة. فيمكن للسياسي أن يكون متديناً، لكن المطلوب هو أن ينطلق في نشاطه السياسي من واقع محدد ملموس، ومن قوننة مدنية ديمقراطية للحياة السياسية، لا من منطلقات دينية.
7-  أما بالنسبة لرجال الدين فالعَلمانية لا تحارب رجال الدين فلا صلاحية لها بمحاربتهم أو محاكمتهم، بل تحصر نفسها في مواجهتهم عندما يتجاوزون تفرغهم واختصاصهم الديني ليهتموا بالشأن المجتمعي لا سيما السياسي والحزبي منه.
وعليه، يكون على العَلمانية التي نطالب بها في لبنان، أن تؤدي الى ما يلي:
1-   تحرير الوطن، وذلك من خلال اعادة الاعتبار الى المفهوم العالمي الذي يحدد الوطن بوجود شعب مكوّن من أفراد قاموا بعقد اجتماعي فيما بينهم وارتضوا العيش معًا ضمن اقليم معين[4]، ما يسمح بإحلال الانتماء الوطني مكان الانتماء الطائفي، مع الابقاء على حرية الايمان والتدين.
2-  اعتبار الانسان اللبناني قيمة بحد ذاته بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الجنسي أو الاثني أو غيره. وهكذا يكون كل انسان، هو القيمة المطلقة بالنسبة للدولة ومؤسساتها وللدين ومؤسساته، ولا يستمد قيمته من الوسيط الديني أو حتى الوسيط المدني.
3-  تحرير الطوائف من الطائفية، وتحرير الدين من التصورات الخاطئة عن الله التي يبثّها المتكلمون باسم الطوائف لأجل استمرارية وجودهم، والادعاء بقدسية السلطة لعدم انتقادها، ومنها التصورات التي تجعل من الله القوة والنصر لفئة المؤمنين به ضد أعدائهم ، القائل بالعنف، بل المحرّض عليه ضد الذين ليسوا من معسكره … كما وتحرير جماعة المؤمنين من التحالفات المشبوهة التي تقيمها الاحزاب الدينية من أجل الوصول الى السلطة.
4-  تحرير المواطنية بما تفرضه من مساواة في الحقوق والواجبات من الامتيازات الطائفية التي تجعلها مواطنية ناقصة، حيث لا مساواة فيها بين المواطنين بل تمييزًا فيما بينهم بحسب انتمائهم الديني.
5-  استقلالية السياسة عن الدين، واستقلالية الممارسة السياسية عن الانتماء الديني والطائفي، وبالتالي استقلالية هذه الممارسة السياسية عن تدخل الرؤساء الدينيين.
6-  تحرير المجتمع من استغلال الحاكم لانتمائه الطائفي سلبًا أو ايجابًا في تسهيل او اعاقة عمل المؤسسات.
7-  القدرة على محاسبة الحاكم ومحاكمته بدون الخوف من التفاعلات الطائفية وبدون ان يعتبر ذلك مسًا بحقوق الطائفة وتهديدًا وتحديًا لها.
8-  تحرير الوظائف من قاعدة (6 و6 مكرر) التي تضرب أسس الكفاءة والجدارة وتخل بمبدأ “الانسان المناسب في المكان المناسب”
9-  استقلالية المجتمع المدني عن المجتمع الديني والعكس بالعكس، مع الابقاء على التفاعل بين القيم الانسانية والقيم الدينية على قدم المساواة، فتغتني القيم الانسانية من القيم الدينية والعكس بالعكس.
10-         استحداث قانون مدني للأحوال الشخصية، وتعميم الثقافة الدينية والاخلاقية والوطنية بدل التعليم الديني في المؤسسات التربوية كافة. 
خامسًا: هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟
نحن نؤمن أن المسألة مسألة تمازج والتحام بين اللبنانيين وليس مسالة فرض كما حصل في تركيا، فمن أجل تطبيق النظام العَلماني في لبنان، نحن بحاجة لموافقة غالبية الشعب اللبناني عليه. ويبدو أن المجتمع اللبناني قد بلغ مرحلة من النضوج لتقبل هذه المفاهيم، فالصعوبات لم تعد روحية وايديولوجية كما في السابق بل باتت محض سياسية.
و”يبقى الأمل هو هذه الاجيال الجديدة التي تتخرج من الجامعات كل سنة، هؤلاء سيغيرون وجه المجتمع، بهم يتجدد علميًا وثقافيًا وسياسيًا… وبالتربية والتعليم والكثير من الجهد والصبر والعمل الدؤوب يمكن أن يتحول المواطن في لبنان الى مواطن طائفي الانتماء وطني الولاء.. إنجاز كهذا يحتاج الى دولة قوية، ومسؤولين رؤيويين، ينتزعون الخوف من النفوس، ويزرعون الثقة بين المواطنين”. [5] المشروع جاهز لدى التيار الوطني الحر، لكنه يحتاج ظروفًا مناسبة لترجمته على الارض، وهو يتجلى في العناوين التالية[6]:

1)    نعتبر أنّ الديمقراطيّة التوافقيّة، المعمول بها حاليّاً، ليست بالنسبة إلينا هدفًا، ولكنّها تصلح، في المرحلة الراهنة، لأن تكون وسيلة مرحليّة تضمن العيش المشترك في سلام، بانتظار نجاح تحقيق الشروط الكفيلة  باعتماد الديمقراطيّة الأصليّة التي تتحدّد فيها الإرادة العامّة بآليّات النظام الأكثريّ، وهي هدفنا ومرتجانا. لذا، سوف نستمرّ في تقديم الاقتراحات ومشاريع القوانين التي نراها قادرة على تعزيز الديمقراطيّة في لبنان وتطويرها.
2)    على رغم أنّ بعض الصفات المدنيّة متوافرة حاليّاً في الدولة اللبنانيّة بموجب الدستور، إلاّ أنّها قائمة أساسًا على الطائفيّة في نظامها السياسيّ والإداريّ، وعلى التشريع الدينيّ في قوانين الأحوال الشخصيّة، دون أن يكون للدولة تشريع مدنيّ خاصّ بها، لذلك وإنطلاقاً من كون السلطة في لبنان تستمدّ شرعيّتَها من الشعب، ومن كون الدولة تكفل حرّيّة الإيمان والمعتقد من خلال قوانين الأحوال الشخصيّة، فإنّنا نعمل على أن تعترف الدولة أيضًا بحقّ المواطنين الراغبين في أن تكون علاقتهم بها مباشرة وليست من خلال الطوائف.
3)    التربية على المواطنيّة هي مشروع متكامل يعمل التيّار الوطنيّ الحرّ على وضعه في خدمة سياسة تربويّة تهدف إلى بناء الدولة اللبنانيّة العصريّة، وذلك من خلال إعادة النظر في أساس مفهوم المدرسة وأهدافها ووسائلها ومناهجها، وفي ذهنيّة إدارتها ومدرّسيها، وإخضاعها لمساءلة المجتمع المدنيّ، فتصبح وطناً مصغّرًا وقادرًا على المزج بين اكتساب المهارات العلميّة وممارسة المهارات المواطنيّة، من خلال وحدة الأهداف فيما بينها.
4)     ظل دور الدولة في الرعاية مغيَّب منذ عهود، وتمّ وضع اليد على مقدّراتها، من أجل توظيفها  ضمن دائرة المصالح الفئويّة والشخصيّة والمحسوبية، ما جعل المواطنين في حالة من التخلّي والعَوَز والخوف من الغد، وجعلهم يلجأون الى طوائفهم للحماية، لذا نعمل على أن تشمل الرعاية الاجتماعيّة جميعَ المواطنين بدون استثناء أو تمييز أو تفضيل من خلال اعتماد نظام متكامل للعدالة الاجتماعية، تكون البطاقة الشخصيّة المتعدّدة الوظائف احدى أركانه.
5)    من خلال مواقع السلطة والقرار التي نسعى إلى تولّيها بأخلاقيّة نضالاتنا السابقة، سنتابع العمل على تحرير المواطن من الإقطاعيّات، من خلال استراتيجيّة إنمائيّة متوازنة، تضمن حقوقه بالتعليم الأساسيّ والصحّة والسكن، وتثبته في أرضه وقريته، مما يؤدي إلى استعادة ولائه للدولة القائمة بواجباتها في الرعاية والحماية، ويتخلى عن الولاءات الجزئية وخاصة الطائفية منها.
6)    سيخوض نوّابنا ووزراؤنا المعركة التي بدأناها ضدّ الفساد والمفسدين في كل الميادين، وذلك بهدف القضاء على استغلال الوظيفة العامّة للمآرب الخاصّة، وإجراء التحقيق القضائيّ ـ الماليّ لوضع حدّ للتدهور الاقتصاديّ والماليّ. انها المعركة التي نخوضها من خلال القوانين والإجراءات العمليّة والتشدّد في العقوبات الخاصّة بالفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش، وفصلها عن السلطة التنفيذيّة وإلحاقها بالسلطة القضائيّة، وكفّ يد السياسيّين عن حماية الفاسدين، واعتبار أيّ تدخل مشاركة في الجريمة.

[1]  تبدل هذا الأمر بعد الطائف والصلاحيات التي اقتطعت من رئيس الجمهورية وأعطيت أما لرئيس مجلس  الوزراء أو لمجلس الوزراء مجتمعًا، وهكذا تحول ما سمي الغبن الاسلامي الى “احباط” مسيحي.
[2]  انظر: ادمون رباط، مقدمة الدستور اللبناني، دار النهار، بيروت، 2004.
[3]  للتوسع في هذا المضمون: المطران غريغوار حداد، العلمانية الشاملة: عناصر حوار، بيروت، لبنان، 2000.
[4]  – بكلام آخر عدم اعتبار الوطن مؤلف من أجزاء دينية هي الطوائف، بل اعادة الاعتبار الى مفهوم الفرد  وحقوقه كمواطن بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي او الجنسي او غيره.
[5] – العماد ميشال عون، رؤيتي للبنان، مكتبة صادر، لبنان، 2007، ص 96-102.
– انظر: البرنامج الانتخابي للتيار الوطني الحر لعام 2009.[6]

2017/04/13

ضربة ترامب العسكرية: ايران والنظام السوري رابحان


د. ليلى نقولا
أتت الضربة العسكرية الأميركية لمطار الشعيرات السوري على أثر حادثة خان شيخون الكيماوية، لتعيد خلط الأوراق ولتساهم في غموض الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط في عهد ترامب، وتفتح الاحتمالات على خيارات متعددة.
في بداية عهد ترامب وقياسًا على ما كان قد صرّح به هو وأركان إدارته، كان من الواضح أن الاستراتيجية الاميركية الجديدة سوف تقطع مع ارث اوباما الذي اعتمد استراتيجية "الاستنزاف"؛ اي أن اوباما حاول أن يبقي التوازن بين كل من المحاور المتقاتلة في سوريا؛ بين المجموعات الارهابية التكفيرية من جهة، والمحور الروسي الايراني- حزب الله- الجيش السوري من جهة أخرى. وبالاستنزاف كان اوباما يحقق مكاسب أميركية صافية بدون خسائر، إذ يُضعف جميع خصومه بدون أن يخسر الجيش الاميركي أي شيء- إلا بعض الدعم اللوجستي والتدريبي والتسليحي لمجموعات معارضة في الداخل السوري- في مقابل انتشار عسكري وميداني ونشر قواعد أميركية في الداخل السوري.
أتت استراتيجية ترامب الاولى في الشرق الأوسط، لتقطع مع استراتيجية "الاستنزاف"، ولتعلن الرغبة في التعاون مع الروس حصرًا، على أن يكون هناك احتواء لايران وتحييد النظام السوري، على أمل أن يستطيع ترامب أن يقنع الروس بأخذ مصالحهم في الشرق الأوسط مقابل التخلي عن دعمهم القوي لمحور المقاومة. وهذه كانت استراتيجية ذكية، تعمل على إغواء الروس وتفكيك الأحلاف التي تشكلت بوجه الادارة الأميركية خلال عهد اوباما ( الحلف الصيني الروسي- الحلف المتشكّل حول سوريا- البريكس).
أما اليوم، وبعدما استطاعت الدولة العميقة الأميركية أن تنتصر على ترامب، وتجعل إدارته تحت سيطرة الجنرالات العسكريين عادت العلاقات مع الروس الى التشنج، وسيكون هناك خاسرون ورابحون في تغيير الاستراتيجية الأميركية تلك، نذكر منهم:
- ترامب: قد يكون ترامب خسر في بعض المواضع بسبب تغيير ما وعد به، ولكن الربح الذي حققه بالدعم الاعلامي والسياسي الاميركي والغربي - وخاصة ممن كانوا ينتقدونه- يعوّض ما يمكن أن يخسره، لا بل يزيده ويريح ترامب في الداخل ويجعله يستمر بحكمه بعدما عاد للسياسة التقليدية المتبعة؛ التدخلات العسكرية ومحاولات الهيمنة التي تؤدي الى مزيد من بيع الاسلحة وتسمح للشركات الأميركية المختلفة بالاستفادة المادية.
- محور المقاومة: المشكلة في الاستراتيجية الاولى، أن ترامب كان يريد اغواء الروس لتحقيق مصالح قد تتضارب مع مصالح محور المقاومة في سوريا، ومنها قطع التواصل الجغرافي بين كل من العراق وسوريا، وأعطاء الاكراد حكم ذاتي، والابقاء على القواعد الأميركية العسكرية في شرق وشمال شرق سوريا، وتقسيم سوريا الواقعي الذي يتيح للأميركيين باقتطاع مناطق نفوذ لهم في الجغرافيا السورية، والتي كانت ستستنزف قوى المقاومة بشكل أكيد. ضف على ذلك، السماح بترتيبات تسمح بحفظ الامن الاسرائيلي بابعاد أي امكانية لتشكّل مقاومة في الجولان المحتل عبر إخراج المثلث الأخطر على الحدود السورية والاردنية مع فلسطين المحتلة من سيطرة الحكومة السورية.
الرابح الأكبر من القصف الاميركي لمطار الشعيرات، يمكن أن تكون ايران هي الرابح الأكبر، لان الاستراتيجية الاميركية الاولى في عهد ترامب كانت عدائية تجاهها، ولم تتبدل اليوم.
أما بالنسبة للنظام السوري، فإغواء الروس كان يمكن أن يسمح ببعض القلق على مصير الرئيس السوري بشار الاسد، الذي لطالما صرّح الروس بأنهم غير متمسكين به بشكل شخصي، ولكنهم يريدون أن يقرر الشعب السوري مصيره بنفسه.
ما تغير اليوم، هو تقليل فرص تباعد المصالح الروسية مع محور المقاومة، بسبب حاجة الروس الى قوى عسكرية تقاتل على الارض، ولأن الثقة بين الطرفين الاميركي والروسي باتت مفقودة بشكل أكبر من قبل، ولا ينسى الروس "الغدر" الذي تعرضوا له في عهد اوباما من خلال القضية الليبية، ومن خلال الاتفاقات التي عقدها لافروف مع جون كيري وأطيح بها على الأرض السورية.
"ربّ ضارة نافعة"، قد يكن هذا المثل ينطبق على الضربة العسكرية لمطار الشعيرات في سوريا؛ فروسيا اليوم ستكون أكثر التصاقًا بحلفائها في سوريا، لأنها تخشى أن تخسر ما حققته من مصالح على الارض السورية، وتخشى على ما حققته من مكاسب استراتيجية هامة لم تستطيع تحقيقه خلال كل تاريخها منذ الامبراطورية القيصرية لغاية اليوم.