2025/04/24

حلّ "تبادل الأراضي" في أوكرانيا: ما الذي سيخسره الروس؟

تعثرت المفاوضات الغربية حول أوكرانيا، والتي كان من المزمع عقدها في لندن بين وزراء خارجية عدد من الدول لبحث السلام في أوكرانيا، وتم خفض تلك المحادثات إلى مستوى المسؤولين، وذلك بعد رفض الأوكران مناقشة خطة الولايات المتحدة للاعتراف بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم.

 

وبالرغم من إصرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاستمرار في المساعي لحلّ الأزمة، فإنه من غير المتوقع تحقيق اختراقات كبيرة في المدى المنظور، وذلك لأن التنازلات الإقليمية المطلوبة من أوكرانيا كبيرة جداً، ما يعني إعلان خسارة الحرب والأرض، وبسبب عدم قبول الأوروبيين بالخطة الأميركية للسلام، وخسارة المجهود الحربي والسياسي والاقتصادي بعد سنوات ثلاث من القتال مع الروس.

 

وكانت نيويورك تايمز قد كشفت عن حجم التدخل الأميركي والغربي في الحرب الأوكرانية، في مقال بعنوان "الشراكة: التاريخ السري للحرب في أوكرانيا" (المنشور في 29 آذار/ مارس 2025) والذي سلط الضوء لا فقط على مساعدة لوجستية غربية وإمداد بالسلاح، بل على شراكة عسكرية تامة سرية وواسعة النطاق في الحرب الدائرة في أوكرانيا.

 

ويكشف التحقيق، الذي يستند إلى أكثر من 300 مقابلة في بلدان متعددة، أن الولايات المتحدة لعبت دورًا أكثر فعالية وانخراطاً في العمليات العسكرية الأوكرانية مما أُقر به سابقًا، شمل ذلك التخطيط الاستراتيجي، وقيادة العمليات وتأمين الدعم المباشر، واتخاذ القرارات العسكرية، وذلك من مركز قيادة في فيسبادن، ألمانيا، المعروف باسم "فرقة عمل التنين". ويكشف المقال أنه على الرغم من النجاحات المبكرة، أدت الخلافات الداخلية داخل قيادة أوكرانيا واختلاف الرؤى الاستراتيجية إلى انتكاسات، أبرزها الحملة الفاشلة لاستعادة باخموت عام 2023.

 

وبعد انتخاب دونالد ترامب، وخشية إدارة بايدن مما سيتخذه ترامب من قرارات حول أوكرانيا، انتقلت مهمة قيادة هذه الغرفة العسكرية إلى حلف الناتو في كانون الأول/ ديسمبر عام 2024، إضافة الى الدعم العسكري والمالي الواسع الذي منحه بايدن لأوكرانيا في أيام ولايته الأخيرة.

 

وعلى هذا الأساس، فإن التهديد الذي يقوم به ترامب لأوكرانيا، لا يجد آذاناً صاغية لدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، إذ إن عدداً من الدول الأوروبية أبدى استعداداً تاماً لاستكمال المهمة ودعم أوكرانيا "حتى النهاية" ومهما "تطلب الأمر."

 

وتعرض خطط السلام الأميركية مقترحات متعددة جميعها رُفضت من قبل الاوكرانيين، فعلى سبيل المثال، اقترح مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف أن يكون مصير أوكرانيا كمصير برلين بعد الحرب العالمية الثانية، بينما اقترح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن يحصل تبادل للأراضي بين الطرفين.

 

وبعد أن فشل الاقتراح الأميركي السابق حول تقسيم أوكرانيا إلى مناطق نفوذ شبيهة ببرلين مع انتشار قوات أوروبية في أقسامها الغربية، وجرى رفضه من قبل جميع الأطراف، بمن فيهم الروس الذين لا يريدون انتشاراً عسكرياً غربياً على حدودهم، يبقى العرض الأميركي الساري حالياً هو "فكرة تبادل الأراضي.

 

فما الذي يمكن أن يخسره الروس في عرض كهذا؟

1. التخلي عن شبه جزيرة القرم (غير مرجّح على الإطلاق): خط أحمر روسي.

 

من غير الممكن إطلاقاً أن يتخلى الروس عن شبه جزيرة القرم، إذ تُعتبر جزءاً من الأراضي الروسية التي جرت خسارتها بخطأ تاريخي حديث العهد، وتُعتبر ذات أهمية استراتيجية للروس نظرًا لوجود قاعدة أسطولها في البحر الأسود في سيفاستوبول.

 

2- الأقاليم الأربعة: دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا وخيرسون

 

قد تُضطر روسيا للتخلي عن فكرة ضم "كامل هذه الأقاليم" خاصة الأجزاء التي لم تحتلها أو تدمجها بالكامل، والاكتفاء بالمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية الكاملة حالياً. وقد تتضمن التسوية تخلّي الروس عن طموح السيطرة على هذه الأراضي مقابل الاحتفاظ بمناطق أخرى (مثل شبه جزيرة القرم أو أجزاء من دونباس)، وهو اقتراح قد يقبله الروس مرحلياً مقابل رفع العقوبات المفروضة على روسيا.

 

3- كورسك وبيلغورود

 

وهي الأراضي داخل روسيا التي يقول الأوكران إنهم ما زالوا يسيطرون عليها، ويقول الروس باستعادة السيطرة عليها.

 

من المستحيل أن يقبل الروس ببقاء القوات الأوكرانية داخل أراضيهم أو التنازل عن أي جزء من الجغرافيا الروسية مهما كانت الإغراءات الأميركية. هذا خط أحمر روسي آخر لا يمكن التفاوض عليه.

 

وبالرغم من أن العروض المطروحة أميركياً قد لا تناسب الطموحات الروسية، إلا أن الروس يتركون للطرف الأوكراني رفضها من دون أن يقوموا بإثارة حساسية دونالد ترامب باعتبارهم الطرف المعرقل للسلام.

 

وعليه، من غير المرجح أن تقبل روسيا أي اقتراح يتضمن التنازل عن الأراضي التي ضمتها بالفعل، أو أن تتخلى عن القرم أو عن أراضٍ في كورسك وبيلغورود، إلا إذا مُنيت بهزيمة عسكرية كبيرة، وهذا سيناريو لم يكن متوافراً بالأساس قبل وصول دونالد ترامب ولن يكون متوافراً في ظل الإدارة الأميركية الحالية.

  

2025/04/14

ترامب الرأسمالي: حروب لخدمة "الطبقات الوسطى"؟

منذ مجيء الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008، وضع الرؤساء الأميركيون نصب أعينهم، هدف تحسين الوضع الاقتصادي وإنعاش الطبقات المتوسطة التي تضررت بشكل كبير من تلك الأزمة.

 

لم يحصل تدهور وضع العائلات الأميركية والطبقات المتوسطة في الولايات المتحدة الأميركية بين ليلة وضحاها، بل عبر مسار زمني متدرج. فالعقود الممتدة من الحرب العالمية الثانية إلى السبعينيات من القرن الماضي، كانت عصراً ذهبياً للطبقة الوسطى الأميركية، إذ قادت الولايات المتحدة قطاع التصنيع العالمي مع منافسة خارجية ضئيلة.

 

كانت مرحلة السبعينيات بداية التحوّل، فقد تأثر الاقتصاد الأميركي بأزمات النفط والركود التضخمي، وصعود المنافسة الصناعية العالمية. بعدها، أدى مجيء ريغان والسياسات التي اتبعها في الثمانينيات إلى تحوّل كبير في النظام الاقتصادي الأميركي.

 

أدّت العولمة التي انطلقت بقوة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، إلى مسار كارثي بالنسبة إلى الصناعات والأجور والطبقات المتوسطة الأميركية لم يعد بالإمكان وقفه، عمّقته بقوة الأزمات الاقتصادية والفقاعات المالية خلال القرن الحادي والعشرين.

 

إذاً، هي مجموعةٌ من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، أدّت إلى تآكل الطبقات الوسطى في الولايات المتحدة الأميركية، نذكر أبرز تلك الأسباب:

 

1) التقدم التقني والتكنولوجي، الذي أدّى إلى تغيّر في وجهة التصنيع وحلّت الآلات مكان العديد من الوظائف متوسطة الأجر. أدى هذا إلى هوّة وظيفية، تشبه الهوّة بين الفقراء والأغنياء، حيث ازداد عدد الوظائف عالية المهارات والأجور، وكذلك الوظائف منخفضة المهارات والأجور، مع تناقص الوظائف بينهما.

 

2) العولمة وسعي الشركات للربح

 

مع العولمة، ازدادت الهوّة بين الأغنياء والفقراء، وأدّت هيمنة وول ستريت على السوق إلى تحويل التركيز من الاستثمار طويل الأجل في العمال إلى الربح قصير الأجل.

 

أدى سعي الشركات إلى الربح الكبير، بالتزامن مع تحرير التجارة العالمية، وإنشاء مناطق تجارة حرّة، إلى انتقال الوظائف إلى الخارج حيث تكون العمالة أرخص. وهكذا، خسر العمال الأميركيون وظائفهم، خاصةً في قطاع التصنيع، بسبب انتقال المعامل إلى الخارج، ومنها المكسيك (بعد توقيع اتفاقية نافتا) وإلى آسيا بشكل عام والصين لاحقاً، حيث الأجور أقل، والشروط أسهل.

 

3) تحرير الاقتصاد والسياسات الحكومية

 

خلال عهد الرئيس رونالد ريغان، حصل تحوّل في بنية النظام الأميركي الاقتصادية، إذ قام بتحرير الاقتصاد، وخفض الضرائب على الشركات والأثرياء وتقليص الإنفاق الاجتماعي وتخفيض الدعم للأسر(حضانة، إجازة مرضية، مساعدات مدرسية، إلخ)، وهي السياسة نفسها التي اتبعتها مارغريت تاتشر في بريطانيا واستمر فيها الرؤساء الأميركيون بعده.

 

بالإضافة إلى ذلك، بدأ مع ريغان ما يسمى "فجوة التعليم" حيث بات التعليم العالي مكلفاً جداً، وأصبح الأميركيون أقل قدرة على الحصول على شهادات جامعية من دون الوقوع في فخ الديون. مع العلم أن العمل في السوق المعولم بات يشترط الحصول على شهادات جامعية عالية.

 

4) عدم تناسب الأجور مع ارتفاع الأسعار

 

لم تقم الولايات ولا الحكومات الفيدرالية، بتحسين الأجور لمواكبة التضخم وارتفاع أسعار السكن، والدراسة الجامعية، والرعاية الصحية، ورعاية الأطفال الخ...

 

وتذكر العديد من التقارير أن الأسر الأميركية حالياً، حتى تلك ذات الدخل المزدوج، تكافح لتحقيق الاستقرار الذي كان يمكن أن يوفره دخل فرد واحد في الأسرة قبل 50 عاماً.

 

5) تراجع النقابات العمالية

 

بالرغم من تشديد التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي الذي يتزعمه برني ساندرز على ضرورة تفعيل النقابات العمالية، وإدراج ذلك في برنامج الرئيس جو بايدن عام 2020، فإن نسبة الأميركيين المنتسبين إلى النقابات تبلغ أقل من 10% من العمال، فيما كانت هذه النسبة أكثر من 30% خلال الخمسينيات من القرن الماضي.

 

في النتيجة، يبدو أن السياسات التي يقوم بها ترامب سواء حرب التعريفات الجمركية لحماية وتعزيز التصنيع المحلي، أو طرد العمال غير الشرعيين لتوفير فرص عمل للأميركيين، أو غير ذلك من السياسات، تهدف الى إنعاش الاقتصاد الأميركي وخلق فرص عمل، وتعزيز الطبقات المتوسطة.

 

وبالرغم من رغبة ترامب في تعزيز وضع الشركات الكبرى عبر تخفيض الضرائب، لكن سياساته الحالية تبدو أكثر توجهاً نحو تعزيز الطبقات المتوسطة وإعادة الولايات المتحدة – بقدر المستطاع-إلى فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حين شكّلت الهيمنة الأميركية فرصة لرفاهية الأميركيين بدل أن تكون عبئاً عليهم بتكاليفها الكبيرة، فهل ينجح في ذلك، أم يكون عليه التخلي عن الهيمنة في سبيل تخفيض التكاليف؟

  

2025/04/09

هل استغلّ الأوروبيون أميركا أم العكس؟

في تصريحات مثيرة للجدل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن أوروبا عاملت الأميركيين معاملة سيئة. وخلال لقاء في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قال ترامب "إن الاتحاد الأوروبي سيئ للغاية معنا، إنهم لا يأخذون سياراتنا، ولا يأخذون منتجاتنا الزراعية، ومع ذلك، يرسلون ملايين السيارات سنوياً لنا، مرسيدس وBMW، ونحن لا يمكننا بيع سيارة أميركية واحدة إلى أوروبا. لن يكون الأمر كذلك بعد الآن، لن ندع ذلك يستمر".

وحين سأله المراسل عمّا إذا كان عرض الاتحاد الأوروبي إعفاءً كاملاً من التعريفات الجمركية على السيارات والسلع الصناعية، كافياً، أجاب ترامب: "لا، لا يكفي، تم إنشاء الاتحاد الأوروبي لخداع الولايات المتحدة واستغلالنا، ويجب أن يدفعوا عن الاستغلال الحاضر والماضي".

المساعدات الأميركية لأوروبا تاريخياً

نبدأ مع خطة مارشال، والتي تُعرف رسمياً باسم "برنامج الإنعاش الأوروبي"، وقد طبّقتها الولايات المتحدة الأميركية في أوروبا الغربية لمساعدتها على النهوض بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تمّ ضخ مليارات الدولارات في البنى التحتية والتعافي الاقتصادي.

عسكرياً، أنشأت الولايات المتحدة وحلفاؤها حلف شمالي الأطلسي، لتأمين الحماية للأوروبيين، وكرادع ضد الاتحاد السوفياتي. وبالإضافة إلى دفع ما يقارب 75% من موازنة الحلف بمفردهم، نشر الأميركيون جنودهم في أوروبا في قواعد عسكرية في مختلف أنحاء القارة الغربية، ولاحقاً في أوروبا الشرقية. ويقدّر عدد الجنود حالياً بمئة ألف عسكري أميركي في أوروبا.

أما تجارياً، فأوروبا هي أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة؛ إذ يتبادل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار من السلع والخدمات سنوياً، وتعدّ الشركات الأميركية من أكبر المستثمرين في أوروبا.

لكنّ ترامب يقول إن الأميركيين يخسرون تريليوناً و 900 مليار دولار في تجارتهم مع الاتحاد الأوروبي، في وقت يقدمون لهم الدعم العسكري والحماية في حلف "الناتو".

استفادة الأميركيين من أوروبا

دفعت الولايات المتحدة الأموال الطائلة، وأسهمت في نهضة أوروبا، لكن ذلك يعدّ من الأكلاف التي يفترض بالدول التي تطمح إلى الزعامة العالمية دفعها لأجل تحقيق القبول بالقيادة العالمية.

أدّت خطة مارشال إلى إنعاش الاقتصاد الأوروبي، لكنها جعلت الأسواق الأوروبية مفتوحة للأميركيين، وأسهمت في تعزيز مستوى الدخل الأوروبي لتحفيز الاستهلاك، هذا بالإضافة إلى حصولهم على عائدات ضخمة على استثمار خطة مارشال من خلال التجارة والاستثمار طويلي الأجل، ويمكن الإشارة هنا إلى ما قاله الرئيس الأميركي هاري ترومان، حين أكد أن المساعدات الأميركية في تحقيق ازدهار أوروبا ضرورية ليس فقط لشعوب أوروبا، بل أيضاً لصحة اقتصاد الولايات المتحدة.

وهكذا، وفي خضم الحرب الباردة، استطاع الأميركيون من خلال تحالفهم مع الأوروبيين بناء شبكة عالمية من القواعد العسكرية والتحالفات السياسية لمواجهة الاتحاد السوفياتي وردعه، بالإضافة إلى تعزيز تفوّقهم وهيمنتهم العالمية، وفرض الرأسمالية في الأسواق العالمية، وتحوّل الدولار إلى عملة احتياطية عالمية، بعدما حوّل نظام بريتون وودز (1944) الدولار الأميركي إلى عمود فقري للتجارة الدولية.

وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أسهم الأميركيون في إنشاء الاتحاد الأوروبي، لتعزيز قوتهم ونفوذهم العالمي، وحصلوا على "الشرعية" للهيمنة الأحادية العالمية عبر الأطر العالمية المتعددة الأطراف التي لعبت لصالح تكريس نفوذهم العالمي، خصوصاً في ظل توسع "الناتو" واستخدامه كأداة عسكرية للهيمنة الأميركية.

في النتيجة، لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في المساعدة على إعادة بناء أوروبا وتأمينها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ قدّمت للأوروبيين المساعدات الاقتصادية والحماية العسكرية، وأسهم الدعم الأميركي لأوروبا في تحقيق ازدهار واستقرار ونمو اقتصادي مطرد. لكن، في المقابل، حقق الأميركيون مكاسب استراتيجية واقتصادية وزعامة عالمية من وراء ذلك.

من الناحية الاستراتيجية، كان الاستثمار الذي قامت به الولايات المتحدة في أوروبا إحدى أنجح مبادرات السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، ولاحقاً في القرن الحادي والعشرين أيضاً حيث سار الأوروبيون وراء الأميركيين في مشاريعهم الخارجية، منها قضايا الشرق الأوسط، الحرب الأوكرانية، الثورات في القوقاز والبلقان، رفض التوسّع الصيني وغيرها.

  

2025/04/04

"يوم التحرير" الأميركي: هل يقود الى أفول الهيمنة الأميركية؟

منذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، وسّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتماده على التعريفات الجمركية كوسيلة في سياسته الخارجية، مستهدفاً المنافسين الاقتصاديين، مثل الصين، وأيضاً حلفاء رئيسيين، مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي واليابان.

 

وفي ما سمّاه "يوم التحرير"، فرض ترامب تعريفات جمركية جديدة وواسعة النطاق، وشملت الإجراءات فرض ضريبة بنسبة 25% على السيارات المستوردة، و20% على جميع الواردات الأخرى، مع نسب أعلى استهدفت شركاء تجاريين محددين: %34 على الواردات الصينية، و%24 على الواردات اليابانية، و%20 على واردات الاتحاد الأوروبي.

 

يصوّر ترامب تعريفاته الجمركية على أنها تصحيح لعقود من الممارسات التجارية غير العادلة، زاعماً أن العولمة أضعفت القوة الصناعية الأميركية، وأن هذه التعريفات ستجبر الشركات على إعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة من خلال جعل الواردات باهظة الثمن، وأن هذه الإجراءات ستعيد إحياء قطاعات عدّة داخل الولايات المتحدة ما يقلل الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية.

 

والسؤال المحوري يبقى: كيف تؤثر هذه الإجراءات في هيمنة أميركا على العالم؟

في كتابه "العالم في حالة كساد: 1929-1939"، الصادر عام 1973، كان تشارلز كيندلبيرغر أول من تحدث عن نظرية "الاستقرار عبر الهيمنة"، واعتبر أن "الفوضى الاقتصادية والكساد الكبير بين الحربين العالميتين يعودان جزئياً إلى غياب قائد عالمي ذي اقتصاد مهيمن".

 

ووفقاً لتلك النظرية التي طوّرها روبرت جلبين في ما بعد، يعتمد الاستقرار الدولي على وجود قوة عظمى مهيمنة تقود النظام العالمي من خلال توفير السلع العامة (مثل الأمن، والاستقرار المالي، وقواعد التجارة الحرة). وتستفيد القوة المهيمنة من هيمنتها تلك، حتى لو تحملت تكلفة غير متناسبة لتوفير الأمن والسلع العامة. وهكذا، فإن التكامل بين الحماية والإنتاج يعني أن الحفاظ على النظام المهيمن يبقى مفيداً للقوة المهيمنة.

 

 ووفقاً لنظرية تراجع الهيمنة، فإن الهيمنة مؤقتة، ومحدودة بذاتها، وذاتية الهزيمة. تنمو الدول "المستفيدة مجاناً"، وتضع المزيد من الضغط على القوة المهيمنة، في حين تُدير الدولة القوية النظام الدولي وتوفر السلع العامة كعبء من أعباء وتكلفة الهيمنة.

 

ويقول جيلبين إن جميع القوى العالمية المهيمنة ستسقط حتماً في النهاية، لأن "التوسع" سيتجاوز "الفوائد" في مرحلة معينة، واعتماد الحمائية قد يقوّض المكاسب النسبية للمهيمن. ولهذا، فإن القوة المهيمنة المفرطة في الالتزام "ستكون أكثر ميلاً إلى التنازل عن سيطرتها على المناطق المتنازع عليها والتركيز على إدارة انحدارها السياسي والاقتصادي من خلال خفض الإنفاق الدفاعي والسعي إلى اتباع سياسات مالية ونقدية راديكالية". وبالتالي، سيحصل تغيّر في توزيع القوة في النظام، فتصعد دول أخرى وتتحدى القوة المهيمنة.

 

يحدد جيلبين 3 أسباب لتراجع الهيمنة

1. التكاليف الداخلية: العجز المالي والنفقات العسكرية المفرطة (حرب أوكرانيا، وحروب إسرائيل في الشرق الأوسط)

 

2. صعود منافسين في الساحة الدولية: الصين على سبيل المثال

 

3.عدم الرضا عن النظام الدولي، وهو ما شهدناه في يقظة الجنوب العالمي التي حصلت بعد حروب الغرب الجماعي، سواء في أوكرانيا أو في الشرق الأوسط (2022- 2025).

 

وكما يبدو، تحاول الإدارة الأميركية الحالية أن تقوم برد فعل دفاعي ضد هذه التحديات، لكن هذه الإجراءات قد تسرّع من تقويض الهيمنة بدلاً من تعزيزها، إذ إن الحفاظ على الهيمنة وتعزيزها يتطلب التمسك بالقيادة متعددة الأطراف وتوفير المنافع العامة للدول (مثل استقرار النظام الاقتصادي والأمن وغيرهما) والحفاظ على تحالفات قوية عبر التمسك بحلف الناتو والتحالف عبر الأطلسي.

 

وهكذا، يصبح أمام الولايات المتحدة، وللتعامل مع تكاليف الهيمنة الباهظة، ولئلا تخسر هيمنتها على العالم، السير في خيارات ثلاثة هي:

 

1. تجديد هيمنتها عبر الابتكار، كما فعل رونالد ريغان في الثمانينيات. يمكن للولايات المتحدة أن تجدد هيمنتها من خلال الابتكار التكنولوجي والاقتصادي، بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية أو الاقتصاد التقليدي فحسب، ما يعزز الميزة النسبية للدولة، ويسمح لها بالسيطرة على الصناعات الحيوية وتشكيل المعايير العالمية.

 

2. الانكفاء الحمائي الذي يقوده ترامب، وفيه مخاطرة بفقدان النفوذ العالمي رويداً رويداً عبر فقدان الثقة بالنظام الذي أرسته الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية وعزّزته بعد تفكك الاتحاد السوفياتي

 

3- التكيف مع تعددية الأقطاب، ولكن من الصعب على الأميركيين القبول به في الوقت الحاضر، حتى لو كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد قال أواخر شهر كانون الثاني/يناير الماضي إن العودة إلى عالم متعدد الأقطاب لا بدّ منه، وإن وجود قوة أحادية في العالم ليس بالأمر الطبيعي، وهو كان نتيجة لنهاية الحرب الباردة.

 

وبناء عليه، تشير سياسات ترامب الجمركية إلى تحول الولايات المتحدة من الهيمنة الليبرالية التي تنتفع وتقدم منافع للنظام إلى محاولة الهيمنة القسرية على العالم، أي من القيادة إلى الإكراه، إذ تتم الهيمنة عبر التهديد باستخدام القوة وبالحروب التجارية والعودة إلى الحمائية. هذه السياسات قد تقدم مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تعرّض الهيمنة الأميركية للخطر على المدى الطويل، وقد تدفع إلى نظام عالمي أكثر فوضوية على المدى المتوسط.

  

2025/03/28

تقرير "تقييم التهديدات" الأميركي: إيران قوية ولكن

صدر التقييم السنوي للتهديدات لعام 2025، وهو التقرير الذي تعدّه أجهزة الاستخبارات الأميركية، وتحدد فيه التهديدات المحتملة ضد المواطنين الأميركيين والدولة والمصالح الأميركية في العالم.

 

تبرز الصين في التقرير جهةً فاعلة تشكّل الدولة الأكثر قدرة على تهديد المصالح الأميركية عالمياً، ثم تأتي كل من روسيا وكوريا الشمالية وإيران تهديداتٍ محتملةً على الرغم من أن التقرير يرى أن الصين تبقى "أكثر حذراً من روسيا وإيران وكوريا الشمالية بشأن المخاطرة في صورتها في العالم، اقتصادياً ودبلوماسياً، والظهور في مظهر عدواني".

 

في منطقة الشرق الأوسط، يتحدث التقرير عن كل من إيران وسوريا والتهديدات التي تأتي من المجموعات الإرهابية، وخصوصاً "داعش" وتلك المرتبطة بالقاعدة. ويقوم التقرير بمراجعة القدرات العسكرية والدبلوماسية والسيبرانية، والتحديات الداخلية التي تواجهها إيران، على الشكل التالي:

 

أولاً: القدرات العسكرية والاستراتيجية الإيرانية

يُدرج التقرير امتلاك إيران ترسانة صاروخية كبيرة تشمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة، والتي تُعَدّ حجر الزاوية في استراتيجيتها، دفاعياً وهجومياً. ومع ذلك، فإن التقييم الاستخباري يشير إلى أن إيران تواجه صعوبات في تعويض خسائرها العسكرية بسبب الضربات الإسرائيلية لمواقعها الدفاعية، وتراجع نفوذ حلفائها، مثل حزب الله والنظام السوري.

 

وفي التقييم، عسكرياً وأمنياً، يتحدث التقرير عن استمرار قوة إيران، في الحرب غير التقليدية، والتفوّق أيضاً في استخدام الوكلاء (مثل الحوثيين في اليمن) لضرب المصالح الأميركية والإسرائيلية من دون مواجهة مباشرة، بالإضافة إلى القدرات الصاروخية وتهديد مضيق هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية. وعلى الرغم من أن سقوط نظام الأسد، الحليف الرئيس لطهران، يُعَدّ ضربة موجعة للمحور، فإن الجهات المنضوية في "محور المقاومة" لا تزال تُمثّل مجموعة واسعة من التهديدات في المنطقة.

كذلك، يتحدث التقرير عن فعالية القدرات السيبرانية الإيرانية، وخصوصاً بعد أن حدث تطور في القدرات الهجومية في القرصنة والتأثير الإعلامي عبر اختراقات موجَّهة (مثال: اختراق حملة ترامب عام 2024).

 

ويتحدث التقرير عن ردع إيراني "محدود" بعد "فشل" الضربات الإيرانية ضد "إسرائيل" عام 2024 في تحقيق نتائج حاسمة، وضعف القدرات التقليدية الإيرانية، بحيث يعاني الجيش الإيراني بسبب المعدات القديمة وضعف التدريب، وخصوصاً في القوات الجوية والبرية

 

أما في إطار البرنامج النووي، فيقول التقرير إن "إيران لا تُصنّع سلاحاً نووياً"، لكن النقاش الداخلي بشأنه يتصاعد في ظل تزايد التهديدات للأمن القومي الإيراني، على الرغم من أن المرشد علي خامنئي لم يغيّر قراره حرمة السلاح النووي.

 

ثانياً: الأبعاد السيبرانية والدبلوماسية

يتحدث التقرير عن أن إيران باتت لاعباً رئيساً في الحرب السيبرانية، بحيث تُنفذ عمليات هجومية ضد الولايات المتحدة و"إسرائيل" وحلفائهما. وتشمل هذه العمليات هجمات تصيد احتيالي، واختراقات لأنظمة حساسة، ونشر معلومات مضلِّلة لتعزيز نفوذها.

 

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تسعى إيران لتعميق علاقاتها بخصوم الولايات المتحدة، مثل روسيا والصين، لتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية. كما تحاول تعزيز تعاونها مع دول الجنوب العالمي، ومع الدول الإقليمية العربية في الخليج.

 

ثالثاً: التحديات الداخلية وتأثيرها في استقرار النظام

يتحدث التقرير عن أزمة اقتصادية خانقة تعانيها إيران، تتمثل بانخفاض النمو، والتضخم المرتفع، وتبدّل أسعار الصرف، الأمر الذي يفاقم الاستياء الشعبي. وأدت الاحتجاجات الداخلية، مثل تلك التي اندلعت عامَي 2022 و2023، إلى زيادة الضغوط على النظام، الأمر الذي يهدّد استقراره.

 

في النتيجة، على الرغم من أن التقرير يركّز على ما يسميه "هشاشة" إيران، فإنه يعترف، في أجزاء وازنة منه، بأن استثمار إيران في جيشها وقواتها التقليدية كان مجدياً، ويجعلها قادرة على مواجهة التهديدات المتنوعة، ومحاولة ردع أي هجوم من الولايات المتحدة أو "إسرائيل" والدفاع في مواجهته.

 

بناءً عليه، إذا أخذنا في الاعتبار الأهداف التي تبغيها الولايات المتحدة من نشر التقرير، والذي يتجاوز، بصورة عامة، كونه مجرد وثيقة استخبارية لتقييم المخاطر والتهديدات، ليشكّل إنذاراً مبكّراً للمخاطر الأمنية المحتملة، وأداة للضغط على الخصوم، وآلية لتوجيه السياسة الخارجية الأميركية.

 

بناءً على ما سبق، فإن إشارة التقرير إلى ضآلة احتمال قيام إيران بتعويض خسائرها، وأن تشكيل تهديد كبير للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط هو ضئيل في المدى القريب، والتأكيد أن المرشد الأعلى علي خامنئي لا يرغب في توريط إيران في صراع مباشر وموسع مع الولايات المتحدة وحلفائها... تعني أن لا حاجة للإدارة للهرولة إلى التصعيد العسكري مع إيران، لأن إيران – بحسب التقرير- "قوية" في بعض المجالات (مثل الصواريخ والحرب غير التقليدية)، إلا أن التهديد الإيراني المباشِر للمصالح الأميركية، في المدى القريب، محدود، وخصوصاً مع تركيز طهران على مشاكلها الداخلية، وبسبب قرارها تجنب حرب كبرى في المنطقة.

  

2025/03/21

المرأة في السياسة: التحديات في إقليم متفجر

عند فهم الحركات الاجتماعية، من الضروري أن ندرك أنها ظواهر ديناميكية وتاريخية، وبالتالي فهي "تتشكل في إطار تاريخي معين، وتنمو أو تنكمش استجابةً لظروف موضوعية إمّا تمكّنها، وإمّا تعوّقها. وعليه، يجب فهم الحركات الاجتماعية من خلال الظروف التي توجد فيها، وليس بشكل منفصل، أي أن الزمن عامل حاسم في فهم الحركات الاجتماعية، وكذلك المكان والفضاء اللذين تعمل فيهما.

وهكذا، فإن نجاح الحركات الاجتماعية هو وليد اللحظة التاريخية، بحيث تتقاطع الظروف الاقتصادية، السياسية، والثقافية، لتفتح مسارات التغيير أو تغلقها.

تاريخياً، منذ أواخر القرن التاسع عشر بدأت الحركات التي تسعى للحصول على حق المرأة في التصويت والترشح، على الرغم من أن الحركات الاجتماعية الأخرى المرتبطة بتحرير العبيد وسواها كانت بدأت قبل ذلك بقرون.

بعد الحرب العالمية الثانية، توسعت الحركات النسوية، ومعها حركات السلام، ومناهضة العسكرة وسباق التسلح، وحركات البيئة، والحركات المناهضة للتمييز، عرقياً وإثنياً وجندرياً... إلخ. حدث هذا التوسع في سياق أزمات سياسية واقتصادية، وعلى إثر حروب كبرى، وظهور وسائل الإعلام الجماهيري، والتغيرات العلمية السريعة والتحولات التكنولوجية، والتوسع في تقنيات وسائل التواصل الحديثة.

اليوم، تسير منطقة الشرق الأوسط إلى منعطف حاسم يتّسم بعدم اليقين المستقبلي. وبالتالي، فإن المسار الذي ستتخذه المنطقة سيؤثر في مسار التقدم الذي يمكن أن تحققه النساء في السياسة في المنطقة ككل، وفي لبنان.

ونجد أن المنطقة يمكن أن تتجه إلى السيناريوهات التالية:

1. السيناريو الأول: الانتقال من الحروب والاستبداد إلى الديمقراطية.

2. السيناريو الثاني: الانتقال إلى دويلات طائفية، أو سيادة الأصولية الدينية.

3. السيناريو الثالث: ربط النزاع وبقاء الحال على حالها (أقله في المدى القصير).

في السيناريو الأول، بحيث تتعزز الديمقراطية ويتم احترام التنوع، يمكن للنساء الاستفادة من التطورات لتأسيس حركات سياسية جديدة خارج الإطار الطائفي التقليدي، مستفيدة من فشل المنظومة القديمة في تأسيس دول حديثة.

وهذا يحتاج أن تخرج المرأة من التركيز على الإطار الجندري وتعزيز الخطاب الذي يتحدث عن الإصلاح والتنمية الاقتصادية والبيئة... إلخ، أي الخروج إلى إطار عام أرحب، وخصوصاً في ظل الحاجة الماسّة إلى سياسات أكثر شمولاً.

تحقُّقُ السيناريو الثاني سيؤدي إلى انكماش في المساحة الديمقراطية، وسيتم تضييق العمل السياسي، عبر صعود التيارات الدينية الأصولية، التي ستقوم حتماً بمزيد من الإقصاء والتهميش للحركات النسائية.

كيف يمكن للنساء مواجهة هذا الاتجاه؟
- الاستفادة من الضغط الدولي على السلطات الجديدة لتعزيز دور المرأة.

- التركيز على روايات بديلة تُبرز دور المرأة في الأزمات محركاً أساسياً للحلول، وليس عنصراً هامشياً، كما يراها الاصوليون.

- بناء تحالفات مع القوى المعتدلة داخل الأحزاب السياسية لتعزيز خطاب أكثر تقدمية بشأن المرأة.

أما في المسار الثالث، وهو المرجَّح في المدى القصير، فيمكن للنساء إطلاق حملات لفرض قوانين أكثر إنصافاً للنساء في السياسة. لا يزال لبنان يفتقر إلى قوانين تضمن مشاركة نسائية عادلة في السياسة، مثل الكوتا النسائية، على سبيل المثال، لا الحصر.

كذلك، يمكن استخدام الضغط، إعلامياً ومجتمعياً، لتغيير الرأي العام بشأن دور المرأة في الحكم، وإنتاج محتوى سياسي يعكس صورة أكثر واقعية وتقدمية عن دور النساء في السياسة.

في المحصلة، المطلوب اليوم ليس فقط زيادة عدد النساء في السياسة، بل المطلوب أيضاً تغيير جذري في الثقافة السياسية، بحيث تصبح مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار أمراً طبيعياً، وليست استثناءً.

زد على ذلك، أن هناك حاجة ماسّة إلى تطوير خطاب سياسي نسوي جديد وواضح، لا يقتصر فقط على قضايا "المرأة"، بل يشمل الرؤى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأشمل. وذلك يتطلب من النساء الخروج من الأنا النسوية، للتركيز على قضايا الفقر، والفساد، والعدالة الاجتماعية، والأمن، وغيرها من القضايا، من أجل جذب دعم أوسع من المجتمع، عبر معالجة قضاياه الملحّة.

 

2025/03/17

معضلة استقلال أوروبا الأمني: هل تؤدي إلى تفكك الاتحاد؟

منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يعيش الأوروبيون هاجس قيام الأميركيين بالتخلي عن سياسة عمرها نحو ثمانية عقود تقوم على الالتزام بالأمن الأوروبي في مواجهة التهديدات الخارجية. وهكذا، وفي مواجهة عدم اليقين الذي وضعتهم فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب، يتدارس الأوروبيون فكرة "الاستقلال الأمني الاستراتيجي".

 

أصبح الاستقلال الاستراتيجي الدفاعي لأوروبا قضيةً مُلحّة تطرح على بساط البحث في الدول الأوروبية كلّ على حدة، وفي مؤسسات الاتحاد بشكل عام، وتهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية ومنها الولايات المتحدة الأميركية خصوصاً بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فترته الأولى والحالية أن على أوروبا أن تقوم بالدفاع عن نفسها بنفسها، وأن على الدول الأوروبية زيادة موازناتها الدفاعية ومساهماتها في حلف "الناتو" لتقليص الاعتماد على الدعم العسكري الأميركي إذ تئن الميزانية الأميركية تحت وطأة الإسراف في الموازنات الدفاعية والتسلح وتتقلص الأموال لتنمية البنى التحتية في الداخل، وبالتالي تتقلص البحبوحة التي كان يعيشها المواطنون الأميركيون من الطبقات المتوسطة.

 

وعلى هذا الأساس، طرحت المفوضية الأوروبية خطة "إعادة تسليح أوروبا" ReArm Europe ، بهدف تحسين الاعتماد على الذات في مواجهة التحديات الأمنية التي تعيشها أوروبا، وإلى تعزيز الإنفاق الدفاعي والتعاون بين دول الاتحاد الأوروبي، ويشمل ذلك آليات مالية مثل القروض للمشتريات الدفاعية المشتركة وزيادة الاستثمارات العسكرية.

 

تُركز الخطة التي طُرحت من قبل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان ديرلاين على الحاجة إلى توفير ما يصل إلى 800 مليار يورو للدول الأعضاء لتعزيز إنفاقها الدفاعي، وذلك على الشكل التالي:

 

- الجزء الأول من الخطة ينص على تفعيل "بند الإعفاء الوطني من ميثاق الاستقرار والنمو"، وتخفيف "القيود المالية المفروضة على الدول الأعضاء" لزيادة التمويل العام المخصص لمشاريع الدفاع، وهذا يسمح بزيادة الإنفاق الدفاعي للدول بنسبة 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

- أما الجزء الثاني، فيتألف من قروض بقيمة 150 مليار يورو ستُقدم للدول الأعضاء لتمويل استثمارات دفاعية أقرتها المفوضية. وستُمكّن هذه الأداة بشكل خاص من إجراء عمليات شراء مشتركة لأنظمة المدفعية والصواريخ والطائرات المسيرة وغيرها من القدرات الدفاعية.

 

تسعى المفوضية من خلال هذه الآلية، لتعزيز قدرة الاتحاد على الاستمرار بدعم أوكرانيا عسكرياً من أجل استنزاف الروس واستمرار الحرب بعد قرار دونالد ترامب بقطع المساعدات العسكرية عن أوكرانيا (بالرغم من أنه عاد وأقرّ استمرارها بعد موافقة الأوكران على هدنة لمدة 30 يوماً على إثر المحادثات التي عقدوها مع الأميركيين في جدّة).

 

لا شكّ، إن العرض النظري للخطة والذي يبدو واعداً لا يعني التوقّع أن تؤدي هذه الخطة إلى "استقلال أمني استراتيجي" أوروبي خلال وقت قصير ومتوسط، ومن غير المعروف إذا كانت تلك الخطة تستطيع أن توفّر الضمانات الكافية للدول الأوروبية (لا سيما دول أوروبا الشرقية) التي تعدّ نفسها مهددة أمنياً من قبل الروس.

 

ولأن الخطة لا تبدو كافية عملياً، تشخص الأنظار إلى الدولتين القائدتين في الاتحاد الأوروبي للاضطلاع بمهمة قيادة " دفاع مستقل" لأوروبا، ولتعويض الفراغ الاستراتيجي الذي سيتركه الانسحاب الأميركي من التعهدات الدفاعية لأوروبا، وعلى هذا الأساس عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتوسيع نطاق الردع النووي الفرنسي ليشمل الدول الأوروبية الأخرى، لكن خطر نشوب حرب مع الروس من جرّاء هذا العرض يجعله بعيداً عن القبول به من قبل الدول الأوروبية، خصوصاً تلك المجاورة لروسيا، أو قابلاً للتحقق على الصعيد العملي بسبب مخاطره العالية.

 

أما المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرز فيعد بتعزيز الإنفاق العسكري والتعاون مع الحلفاء الأوروبيين في مجال الدفاع، حيث يعرض أن يتم زيادة الاستثمار في الدفاع لتصل إلى 500 مليار يورو، وتخطي القيود الصارمة التي تحظّر توسّع الدين العام الألماني.

 

في المحصلة، يجد الأوروبيون أنفسهم أمام معضلة أمنية جديدة، تفرض عليهم النظر إلى مستقبل الاتحاد بطريقة مختلفة، وحيث بات عليهم المفاضلة بين: الإنفاق على الدفاع للوصول إلى استقلال دفاعي استراتيجي، أو الإنفاق على التنمية وتعزيز النمو الاقتصادي للإبقاء على رفاهية الشعوب الأوروبية، وبالتالي استمرار بقاء الاتحاد كتلة موحّدة.