2025/06/13

الصراع في أميركا: أبعد من قانونَي "التمرد" و"بوسيه كوميتاتوس"

تتحضر التيارات المعارضة لدونالد ترامب، سواء من الديمقراطيين أو سواهم، لتظاهرات حاشدة بعنوان "يوم- لا ملوك"، وذلك خلال الاستعراض العسكري الذي سيقام في 14حزيران/ يونيو 2025، بالتزامن مع ذكرى 250 عاماً على تأسيس الجيش الأميركي. ويهدف هؤلاء من الاستعراض العسكري (وهو نادر الحدوث في الولايات المتحدة الأميركية) إلى إظهار "النزعة الملكية الجديدة" لدونالد ترامب، وتحويل رمزية الجيش إلى أداة سياسية تُستخدم في ترهيب الخصوم وتكريس النزعة السلطوية، وإسكات المعارضين في الداخل.

 

وتشهد الولايات المتحدة موجة احتجاجات وإخلال بالأمن، عقب مداهمات نفذتها إدارة الهجرة والجمارك، استهدفت مهاجرين غير نظاميين، خصوصاً في مدينة لوس أنجلوس في كاليفورنيا.

 

وفرضت السلطات المحلية حظر تجوّل في عدد من المدن، ووقعت اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة. وقامت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنشر قوات الحرس الوطني ومشاة البحرية في لوس أنجلوس، الأمر الذي وصفه حاكم كاليفورنيا، غافين نيوسوم، بأنه تجاوز سلطوي وانتهاك لسيادة الولاية.

 

- الإطار القانوني للنزاع بين ترامب وحاكم كاليفورنيا:

 

الإطار القانوني الذي يحكم هذا الخلاف هما قانونان مترابطان، ولكن مختلفان وهما: قانون التمرد (1807) وقانون بوسيه كوميتاتوس (1878).

 

الفرق بين قانون التمرد وقانون بوسيه كوميتاتوس

من المهم توضيح أن هناك خلطاً شائعاً بين قانون التمرد (Insurrection Act) وقانون بوسيه كوميتاتوس (Posse Comitatus Act)، رغم أنهما قانونان منفصلان ويؤدي كل منهما وظيفة مختلفة تماماً في النظام القانوني الأميركي.

 

قانون التمرد، الذي أُقرّ عام 1807، يتيح للرئيس الأميركي استخدام القوات المسلحة الفيدرالية داخل الولايات المتحدة في حالات التمرد أو العنف الذي يعوق تطبيق القانون، ويمكن تفعيله حتى من دون موافقة حاكم الولاية في ظروف محددة.

 

في المقابل، قانون بوسيه كوميتاتوس، الصادر عام 1878، وُضع للحد من استخدام الجيش في الشؤون المدنية، ويُعدّ بمنزلة حامٍ لمبدأ فصل السلطات والحريات المدنية، إذ يمنع القوات الفيدرالية - ولا سيما الجيش الأميركي- من المشاركة في تطبيق القانون داخل البلاد إلا بموجب استثناءات قانونية محددة، مثل تلك التي يمنحها قانون التمرد.

وبالتالي، فإن القانونين لا يتعارضان من حيث المبدأ، لكن استخدام أحدهما (قانون التمرد) هو ما يسمح قانونياً بتجاوز قيود الآخر (قانون بوسيه كوميتاتوس).

 

حدود القانون العسكري: قانون بوسيه كوميتاتوس

يحظر هذا القانون استخدام الجيش في إنفاذ القوانين داخل الأراضي الأميركية. ومع ذلك، يمكن للرئيس تجاوزه عبر:

 

قانون التمرد.

 

دعم حماية الممتلكات الفيدرالية، وهو ما استخدمه ترامب لتبرير نشر المارينز.

 

وينص قانون التمرد أنه "عندما يحدث تمرد في أي ولاية ضد حكومتها، يجوز للرئيس، بناء على طلب مجلسها التشريعي أو حاكمها، إذا لم يتمكن المجلس التشريعي من الانعقاد، استدعاء قوات من ميليشيا الولايات الأخرى إلى الخدمة الفيدرالية، بالعدد الذي تطلبه تلك الولاية، واستخدام القوات المسلحة التي تراها ضرورية لقمع التمرد".

 

وخوفاً على الحريات الفردية التي يقدسها الأميركيون، يحظر "قانون بوسيه كوميتاتوس" على القوى العسكرية الفيدرالية – في الأوقات العادية- المشاركة في إنفاذ القانون المدني في الولايات. وبالرغم من هذا الحظر، فإن قانون "التمرد" استخدم 30 مرة منذ 1807، من أبرزها:

 

أ‌- الحرب الأهلية الأميركية بأمر من الرئيس لينكولن (1861- 1865).

 

ب‌- حماية الطلاب السود في ليتل روك، أركنساس بأمر من الرئيس أيزنهاور (1957).

 

ت‌- حماية مسيرة الحقوق المدنية في ألاباما بأمر من الرئيس ليندون جونسن (1965).

 

ث‌- قمع أعمال الشغب في لوس أنجلوس (1992) بناءً على طلب حاكم الولاية.

 

ج‌-  هدد الرئيس ترامب باستخدامه عام 2020 خلال احتجاجات جورج فلويد، لكنه لم يُفعّله.

 

وحالياً، استند ترامب إلى المادة 10 U.S.C. § 12406 التي تخوّل الرئيس نشر الحرس الوطني (من دون موافقة حاكم الولاية) في حالات تمرد أو تعذر تنفيذ القوانين بالقوات النظامية.

 

 السياسة أبعد من القانون

لا شكّ، تعكس هذه التظاهرات الاستقطاب السياسي الحاد الذي يطبع المجتمع الأميركي، والخلاف الذي بات يتخطى الانقسام الحزبي التقليدي في الولايات المتحدة، حيث يستفيد ترامب من "الموجة الحمراء" الساحقة التي حصلت في الانتخابات الأخيرة، لتركيز السلطات في يديه، ومحاربة خصومه ومنعهم من تكرار ما قاموا به خلال فترته الأولى.

 

يقوم ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض بخطة واضحة لتقليص الاعتراض داخل إدارته، ولتحسين قدرته على فرض أجندته السياسية، ويظهر ذلك ليس من خلال تحدي حكام الولايات ونشر القوات الفيدرالية من دون إذنهم فحسب، بل في عملية التطهير الواسعة التي حصلت في المؤسسات الفيدرالية، وفي اشتباكه مع الجامعات وآخرها جامعة هارفارد، وما تمّ نشره حول إعادة هيكلة مجلس الأمن القومي، حيث جرت إقالة مستشار الأمن القومي مايك والتز مع عدد من الأعضاء الذين لا يتفقون تماماً مع أجندته، بمن فيهم من يعدّون من أبرز داعمي "إسرائيل" وبنيامين نتنياهو.

 

في المقابل، يتحرك الديمقراطيون وتيار العولمة، مدعومين بأجنحة من "الدولة العميقة" والمتضررين من سياسات ترامب، في محاولة لعرقلة هذا التوجه ومنعه من تنفيذ أجندته بالكامل، في تكرار لما استطاعوا فعله خلال فترته الأولى حين أغرقوه بالدعاوى القانونية والمظاهرات والاتهامات بالتعامل مع روسيا وغيرها بحيث كبّلوا يديه ومنعوه من تحقيق أجندته في السياسة الخارجية والداخلية.

 

وبالنتيجة، تشكّل المظاهرات التي انطلقت من كاليفورنيا أكثر من مجرد احتجاجات على الهجرة، بل مؤشراً على اشتباك داخلي حول شكل النظام الأميركي ذاته: هي رأس جبل الجليد في صراع أجنحة داخل الدولة العميقة، وصراع بين ترامب وتيار العولمة، يتخذ عنواناً إعلامياً: "النزاع بين النزعة السلطوية الترامبية من جهة، والتعددية والحريات والفصل بين السلطات من جهة أخرى"، لكنه في الحقيقة صراع أعمق من ذلك بكثير.

  

2025/06/05

"إسرائيل": الابتزاز كسياسة عامة

يعد تشكيل حكومات أغلبية (من حزب واحد) في "إسرائيل" أمراً نادراً جداً ويكاد يقال إنه لم يحدث في تاريخ الكيان. ولعل لذلك أسباباً متعددة أبرزها اعتماد نظام انتخابي يعتمد التمثيل النسبي ومقياس الدائرة الواحدة، وتُوزع مقاعد الكنيست بحسب نسبة الأصوات التي يحصل عليها كل حزب.

 

إضافة إلى ما سبق، تسهم التعددية الحزبية في "إسرائيل" في تشتيت المقاعد والأصوات. وبناء ًعلى هذين المعيارين، يصعب على أي حزب بمفرده أن يحصل على أغلبية النصف زائداً واحداً.

 

وهكذا، يعتمد الحكم على ائتلافات تجمع أحزاباً متعددة يتعين عليها التفاوض والتوصل إلى تسويات لتحقيق أغلبية تشريعية. لكن الحكومات الائتلافية، ورغم ضرورتها في أنظمة الأحزاب المتعددة، هي عرضة بطبيعتها لعدم الاستقرار الناتج أما عن المناورات السياسية للأحزاب المشاركة فيها، أو عن "الابتزاز السياسي"، حيث تلجأ الأحزاب الصغيرة، وغالبًا ما تكون أيديولوجية، إلى استغلال موقعها الحاسم لانتزاع تنازلات سياسية كبيرة تحت تهديد حلّ الائتلاف.

 

ويُعدّ مفهوم "إمكانات الابتزاز" الذي طرحه جيوفاني سارتوري عام 1976 أساسًا في فهم هذه الديناميكية. حيث أشار إلى أن أهمية الحزب في النظام السياسي لا تُقاس فقط بحجمه أو "إمكاناته الائتلافية"، بل أيضًا بقدرته على التأثير في ديناميكيات التنافس السياسي، وخصوصًا عندما يغيّر هذا التأثير اتجاه المنافسة. بعبارة أخرى، يمكن لحزب يمتلك "إمكانات الابتزاز" أن يجبر الأحزاب الأخرى، خاصة تلك المشاركة في الحكم، على تعديل استراتيجياتها لتفادي نتائج سلبية، مثل انهيار الحكومة.

 

تتأثر مصداقية وفعالية تهديدات الابتزاز أيضًا بدوافع الأحزاب. حيث تُصنف الأحزاب عادةً إما على أنها تسعى للمناصب (تركز على الحصول على مناصب وزارية ومزاياها) أو تسعى للسياسات (تركز على تحقيق أهداف أيديولوجية محددة). وغالبًا ما تكون الأحزاب التي تمثل مصالح أيديولوجية أو طائفية محددة مستعدة للمخاطرة بانهيار الحكومة إذا لم تُلبَّ مطالبها الأساسية، ما يجعل تهديدها أكثر مصداقية، وهي الحال في قضية تجنيد الحريديم في "إسرائيل".

 

أزمة تجنيد الحريديم في "إسرائيل"

منذ تأسيس "إسرائيل"، تم إعفاء الرجال الحريديم من الخدمة العسكرية الإلزامية بهدف التفرغ للدراسة الدينية. ومع مرور الوقت وتزايد أعدادهم، أصبح هذا الإعفاء نقطة خلاف رئيسية داخل المجتمع الإسرائيلي، لأنه يخلّ بمبدأ المساواة بين المواطنين.

 

تزايدت حدّة الأزمة، مع استمرار الحرب الدائرة في غزة، وتركيز المجهود العسكري على جنود الاحتياط، مع ما في ذلك من خسائر على الاقتصاد وعلى العائلات. وتفاقمت القضية بين نتنياهو وحلفائه من اليمين، بعد تأكيد قرار المحكمة العليا بعدم قانونية الإعفاء، والطلب من الجيش القيام بالتجنيد.

 

وتضغط الأحزاب الحريدية على الائتلاف الحاكم لإقرار قانون يعفي عددًا كبيرًا من الشباب الحريدي من الخدمة العسكرية، مهددين بالانسحاب من الحكومة ما لم يتم إحراز تقدم بشأن الإعفاء، ما يجعل نتنياهو والليكود أمام معضلة الخيار بين احتمالين أحلاهما مرّ:

 

أ‌- الخضوع للأحزاب الدينية والإعفاء من التجنيد من أجل الحفاظ على الحكومة، وبالتالي مخالفة قرار المحكمة العليا وتوصيات الجيش بالتجنيد... وهو أمر يرفضه العديد من شرائح المجتمع، وقد صدرت أصوات داخل الائتلاف الحكومي تنتقد التنازل في هذا الملف والخضوع لابتزاز الأحزاب الدينية.

 

وكانت صحيفة معاريف قد نقلت أن يولي إدلشتاين، رئيس لجنة الدفاع في الكنيست، من بين نواب الليكود الذين يُصرّون على وجوب تجنيد الحريديم وأن يواجه المتهربون من الخدمة عقوبات قانونية. ودافعت المتحدثة باسمه، مايان سامون، عن هذا الموقف، فكتبت على موقع X: "نحن في واقع النضال من أجل وطننا، بينما يترنح إخواننا تحت وطأة خدمة الاحتياط، وتنهار عائلاتهم ويلجأ الأزواج إلى الطلاق بسبب هذا الضغط".

 

ب‌- عدم الرضوخ لابتزاز الأحزاب اليمينية، مع ما ينتج عن ذلك من أخطار تهدد الائتلاف الحكومي. تشير تقارير صحافية إلى أن حزب يهدوت هتوراة قد ينضم إلى تصويت حجب الثقة، والتي قد تؤدي، في حال إقرارها، إلى حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة. مع العلم، أن هناك أكثر من 15 مشروع قانون لحل الكنيست قيد النظر حاليًا، بعضها من المعارضة والبعض الآخر طرحه أعضاء كنيست من الائتلاف سعيًا وراء نفوذ سياسي مع تقدم الدورة الصيفية.

 

وهكذا، وفي ضوء ما تكشفه أزمة تجنيد الحريديم في "إسرائيل"، يتضح أن الابتزاز السياسي بات سِمة متأصلة في بنية الحكم الائتلافي الإسرائيلي، لا مجرد استثناء ظرفي، ويبدو أن الصراع على قانون التجنيد بات يتجاوز حدود الخلاف السياسي المعتاد، ليصبح اختبارًا حاسمًا لبقاء الحكومة نفسها.

 

وتكشف هذه الأزمة وما حولها واستمرار الحرب على قطاع غزة، عن مؤشرات السياسة الداخلية الإسرائيلية، والتي تفيد:

 

أولًا، بأن السياسات العامة تعمل لمصلحة مصالح فئوية ضيقة، كما يتجلّى في الإصرار على إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية رغم المعارضة الواسعة، وعلى استمرار الحرب على غزة بالرغم من تزايد نسبة المؤيدين لانتهائها وأولوية الإفراج عن الرهائن.

 

ثانياً، بتآكل الثقة الشعبية في ديمقراطية النظام الإسرائيلي، إذ يرى كثيرون أن القرار السياسي بات رهن قرار إما المرجعيات الدينية المتطرفة أو نتنياهو وزوجته. 

2025/05/28

حرب غزة: مقاربة لفهم استعصاء جبهة اليمن

يستمر إطلاق الصواريخ اليمنية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تعهدت حركة أنصار الله اليمنية باستمرار هجومها على "إسرائيل" ما دامت حرب الإبادة مستمرة على قطاع غزة، وذلك بالرغم من قيام الاحتلال الإسرائيلي بشنّ غارات على اليمن إحداها في 6 أيار/مايو الحالي، ألحقت أضراراً بالمطار الرئيسي في العاصمة صنعاء وأدت الى استشهاد عدد من المدنيين اليمنيين.

 

وبالرغم من الضربات الأميركية (سابقاً) والإسرائيلية المستمرة منذ آذار/ مارس 2025، وبالرغم من قوتها، والتكاليف المادية والبشرية اليمنية، من غير المتوقع أن تؤثر الضربات الجوية استراتيجياً على القوة اليمنية، أو تثني اليمنيين عن الدفاع عن أنفسهم أو عن القيام بردود أفعال عسكرية انتقامية مقابلة.

 

إن محاولة فهم استعصاء جبهة اليمن أمام التحالف الدولي الذي أنشأته الولايات المتحدة "حارس الازدهار" و "إسرائيل"، يتطلب فهماً معمقاً لتركيبة اليمن السياسية والاجتماعية والجغرافية، وكذلك لطبيعة جماعة أنصار الله الحوثية وأسلوبها في القتال، وهي على الشكل التالي:

 

1الجغرافيا المعقدة

تمتلك اليمن تضاريس جبلية معقدة تُصعّب العمليات العسكرية التقليدية وتعطي أفضلية لليمني للتخفي وتعيق فعالية الضربات الجوية التي اعتمد عليها الأميركيون والإسرائيليون في هجومهم على اليمن. كذلك، تشكّل الجبال الوعرة والمرتفعات عوائق طبيعية تسهم في منح ميزة قتالية في الحروب كافة.

 

هذه التضاريس توفر غطاءً طبيعياً ممتازاً للتمركز، والانسحاب، وإعادة الانتشار، كما تعيق فعالية الطيران والاستطلاع، وهنا، يمكن أن نقول إن الأميركي والاسرائيلي وقبلهما التحالف الدولي لم يستفيدوا من الدروس التاريخية للقتال في اليمن.

 

2الأساليب القتالية

بسبب الحرب التي يخوضونها منذ عام 2015، طوّر اليمنيون أساليبهم العسكرية التي تجعل إمكانية هزيمتهم صعبة. يمتلك اليمنيون بنية تحتية عسكرية مرنة ومنتشرة في مناطق متفرقة من الجغرافيا التي يسيطرون عليها في اليمن، ويعتمدون على التخفي، التمويه، واللامركزية القتالية والعسكرية، لذا فإن الضربات لم تؤثر على قدرتهم على إطلاق الصواريخ على تل أبيب واستهداف الطائرات الأميركية في البحر، وإسقاط الطائرات المسيّرة بدقة.

 

3العوامل المجتمعية والعقائدية

المجتمع اليمني قبلي بطبعه، ويتمتع بتماسك اجتماعي يمنح جماعة أنصار الله الحوثية حاضنة مجتمعية يصعب اختراقها، ويمنع الاقتتال الأهلي الذي يمكن توظيفه من قبل استخبارات خارجية لإضعاف جماعة ما.

 

زد على ما سبق، أن اليمنيين لا يقاتلون "إسرائيل" والأميركيين من أجل مصالح سياسية، بل يعتبرون أنفسهم في "حرب مقدسة" لنصرة فلسطين، ما يجعل المقاتل أكثر استعدادًا للتضحية، وأكثر صبرًا على المعاناة، ويعزز من قدرته على الصمود أمام الحصار والهجمات الجوية التي حصلت، والتي أضرّت بالبنية التحتية وأدّت إلى سقوط ضحايا مدنيين.

 

4الدعم الخارجي

أي جماعة مقاتلة لا تمتلك عمقاً استراتيجياً أو تتلقى دعماً خارجياً لا تستطيع أن تصمد طويلاً في مواجهة "أكبر قوة عسكرية في العالم وأكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط"، لذلك فإن الدعم الذي تتلقاه جماعة أنصار الله الحوثية من الخارج يشكّل عاملاً مساعداً في ذلك الاستعصاء، لكنه ليس العامل الحاسم.

 

اعتمد اليمنيون على تطوير محلي لأسلحة متقدمة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، مستفيدين من الهندسة العكسية للأسلحة المهرّبة واستنساخ تقنيات إيرانية وصينية، إضافة إلى تصنيع محلي للأسلحة باستخدام مواد بسيطة ومكونات تجارية متاحة.

 

وعليه، من المرجّح أن تستمر جبهة اليمن في إسناد غزة ودعم الفلسطينيين في الصراع مع "إسرائيل"، وذلك لعدة عوامل أهمها:

 

أولاً: رغبة جماعة أنصار الله في عدم التخلي عن الفلسطينيين في ظل تعرضهم لحرب إبادة. بعد تعرّض أطراف "محور المقاومة" لضربات كبرى، وفي ظل انشغال إيران بمفاوضات ملفها النووي، يبقى اليمني هو الطرف الوحيد (في المحور) القادر والراغب على دعم وإسناد غزة.

 

ثانياً، رغم تصاعد القصف وتدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، لا تزال جماعة أنصار الله تحظى بدعم شعبي واسع نسبياً في مناطق سيطرتها، والدليل هو التظاهرات الهائلة التي تخرج كل يوم جمعة نصرة لغزة وفلسطين لأسباب عدة أبرزها التعاطف الشعبي اليمني الواسع مع الفلسطينيين في غزة، حيث يسود الشعور بالمظلومية التاريخية، ما يعزز من تماسك القواعد الشعبية، حتى في ظل التحديات الاقتصادية والخدمية.

 

ثالثاً: قيام جماعة أنصار الله الحوثية باستهداف "إسرائيل"، يمنحها شرعية إضافية في نظر شريحة واسعة من المجتمع اليمني، وكذلك هم باتوا محط افتخار من قبل شرائح واسعة من الشعوب العربية التي تنظر إلى غزة بعين "العاجز" عن إيقاف حرب الإبادة.

 

رابعاً: هذه الجبهة تُعد منخفضة الكلفة نسبيًا لليمنيين، مقابل تكلفة عالية تتحملها "إسرائيل" سواء من ناحية أمنها القومي، أم من ناحية الهيبة الدولية، وتأثيرها في الضغوط على نتنياهو داخلياً لعقد صفقة وإنهاء حرب غزة.

 

هذا إضافة إلى الكلفة الاقتصادية الكبيرة على "إسرائيل" عبر توقف شركات الطيران عن الوصول إلى مطار بن غوريون، والحصار المستمر على الموانئ الاسرائيلية وقدرة اليمنيين على السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية مثل البحر الأحمر وباب المندب... كل هذه الامور تجعلها ورقة ضغط سياسية حيوية أساسية- وتقريباً وحيدة خارجياً- لإنهاء الحرب على غزة. 

2025/05/22

الضغوط الأميركية على إيران: مسارات ثلاثة متوازية


أعلن وزير خارجية سلطنة عمان، بدر بن حمد البوسعيدي أن الجولة الخامسة من المحادثات الإيرانية الأميركية ستُعقد في روما يوم الجمعة 23 أيار/ مايو الجاري. وفي الوقت نفسه، أفادت شبكة "سي.إن.إن" الأميركية، نقلاً عن مسؤولين أميركيين مُطلعين، بأن معلومات استخبارية جديدة حصلت عليها الولايات المتحدة تشير إلى أن "إسرائيل" تُجهّز لضرب منشآت نووية إيرانية.
وبالرغم من أن الشبكة نقلت عن المسؤولين أن مثل هذه الضربة ستكون خروجًا صارخًا عن سياسة الرئيس دونالد ترامب، إلا أن التطورات المتسارعة في التفاوض حول الملف النووي الإيراني، تشي أن الأميركيين يستخدمون مسارات ثلاثة للضغط على إيران في مفاوضاتها النووية، وذلك عبر ما يلي:
1- المسار الأميركي: ضغوط قصوى وتهديدات، وحوافز مشروطة
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد وصوله إلى البيت الأبيض، إعادة تفعيل الضغوط القصوى على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات في ملفها النووي وعلى طاولة التفاوض.
وبالرغم من تصريحات ترامب المتكررة عن اعتقاده بإمكانية عقد اتفاق جيد مع إيران، إلا أنه هدد بعواقب وخيمة وباستخدام الخيار العسكري في حال لم تمتثل إيران للشروط، أو في حال وصول المفاوضات إلى حائط مسدود. وفي الوقت الذي تجري فيه دورات من التفاوض بين الطرفين، تقوم- بالتوازي- وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات جديدة تستهدف صادرات النفط والقطاع المالي الإيراني، بهدف تجفيف مصادر دخل طهران، كما أعلن ترامب، الذي أدان قيام الإدارة السابقة بالإفراج عن أموال إيرانية مجمدة.
2- المسار الإسرائيلي: تهديد عسكري
بالرغم من أن الرئيس ترامب فاجأ نتنياهو بالتفاوض مع إيران، إلا أن الأميركيين يستفيدون من التهديدات الإسرائيلية بضربة للمنشآت النووية الإيرانية.
قال ترامب إنه لا يحبذ العمل العسكري في هذه الفترة، لكنه أشار الى أنه لم يمنع الإسرائيليين كلياً من القيام بعمل عسكري ضد إيران، وأشار إلى أنهم سيقومون بذلك بمفردهم الآن، لكنه هدد في حال انهارت المفاوضات فإن الأميركيين سيشتركون مع الإسرائيليين في تلك الضربات.
3- المسار الأوروبي: التهديد بآلية "الزناد بلاس"
ظهر مصطلح "Snapback Plus" في سياق التهديدات التي أطلقتها الدول الأوروبية الثلاث، فرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة (E3) والتي أشاروا فيها الى أنهم يريدون التفاوض مع إيران، والتوصل معها إلى اتفاق، وإلا فإنهم لن يقوموا بإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران من خلال آلية "الزناد" فحسب، بل أيضًا بفرض عقوبات إضافية على إيران.
ما هي آلية "الزناد"؟
هي بند في قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صادق على الاتفاق النووي (JCPOA)، يتيح لأي دولة مشاركة في الاتفاق إعادة فرض العقوبات الأممية السابقة على إيران إذا رأت أنها غير ملتزمة بالاتفاق.
بمجرد تفعيل هذه الآلية، تُعاد جميع العقوبات التي رُفعت بموجب الاتفاق، بما في ذلك تلك المتعلقة بالبرنامج النووي، وتطوير الصواريخ البالستية. ومن الجدير بالذكر أن هذه الآلية تنتهي في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
وخلال جولة المفاوضات التي عُقدت في 16 أيار/مايو الحالي في إسطنبول، هددت الدول الأوروبية بتفعيل آلية الزناد وتشديد العقوبات، وأنها ستفعّل آلية الزناد "Snapback" ضد إيران، وأنها ستفرض حتى ما هو أبعد من ذلك من عقوبات واسعة النطاق على طهران، وضرورة إدراج بند بعنوان "زناد بلس" ضمن نص الاتفاق الذي يجري التفاوض بشأنه بين إيران والأميركيين.
وهكذا، يستفيد الأميركيون من المسارات الثلاثة المتوازية في الضغط على إيران. فـ "إسرائيل" تريد أن تكبّل إيران بشروط صعبة وتجردها من جميع مصادر قوتها، والدول الأوروبية تستخدم التهديد بآلية "الزناد بلاس" من أجل تحقيق أمرين: الضغط على إيران ودفعها إلى تقديم تنازلات كبيرة للأميركيين، وفي الوقت نفسه تثبيت دورها في العملية التفاوضية، خصوصًا مع قيام ترامب بإقصاء الأوروبيين من المفاوضات مع إيران ومن تصوراته للحل في أوكرانيا.
وبالنظر إلى ما تقوم به الدول الأوروبية و "إسرائيل"، فإن الطرفين يلعبان دور الداعم و "المكمل" للدور الأميركي وتعزيز موقف واشنطن التفاوضي من خلال التهديد أو إضافة تداعيات قانونية متعددة الأطراف، وبالتالي يعمل الأميركيون والأوروبيون عبر قنوات متوازية، لكن ذات أجندة مشتركة لممارسة الضغوط القصوى على إيران. 

2025/05/16

هل يتحوّل الإنجاز إلى عبء؟ "إسرائيل" وفخ "الانخراط المفرط"

تشير التطوّرات الإقليمية المتسارعة بعد عام 2023، إلى أنّ التوجّهات الإسرائيلية لا تقتصر على السيطرة على غزة وقضم الضفة الغربية فحسب، بل تمتدّ نحو إعادة تشكيل شامل لخريطة الشرق الأوسط بما يتماشى مع رؤى اليمين الإسرائيلي الذي يسعى لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، وتحقيق الهيمنة الاستراتيجية طويلة الأمد على الشرق الأوسط برمّته.
ولتحقيق هذه الأهداف، تطرح القوى الحاكمة في "إسرائيل" ذلك في مسارين متوازيين: تقسيم الدول المحورية مثل سوريا، وإعادة تعريف الصراعات بما يُخرج القدس والقضية الفلسطينية من مركزيّتها التاريخية، مقابل فرض وقائع جيوسياسية جديدة على الأرض في لبنان وغزة وسوريا وقد يكون في الأردن ومصر.
وهكذا، تكوّنت ظروف إقليمية تشكّل فرصة ذهبية لـ "إسرائيل"، لتطبيق الحلم التوسّعي، ولتغيير الشرق الأوسط، في مشهد يمكن اختصاره كما يلي:
- انتهاء تهديد "الجبهة الشمالية" الممتدة من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.
- تحوّل سوريا إلى ساحة مفتوحة أمام مشاريع التقسيم، حيث تبقي "إسرائيل" احتلالها للجولان السوري، والمناطق الجديدة التي احتلتها بعد سقوط النظام، بالإضافة الى تقسيم الباقي إلى كيانات طائفية وإثنية، أبرزها: شمال شرقي كردي مدعوم أميركياً، شمال غربي تحت النفوذ التركي، وساحل علوي تحت حماية روسية، وسط وجنوب مفتوحان لصراعات متعدّدة الولاءات.
- إنهاء العمق الاستراتيجي الذي طالما مثّلته سوريا لصالح المقاومة الفلسطينية واللبنانية.
- فتح المجال أمام اتفاقيات أمنية/اقتصادية مع قوى كردية أو محلية انفصالية داخل سوريا.
- حاجة الحكم الجديد في سوريا لرفع العقوبات الأميركية مما يجعله يقبل بشروط الرئيس دونالد ترامب وأهمها التطبيع (ويبدو غير مشروط بعودة الأرض المحتلة ــ بحسب الطرح الأميركي ــ لغاية الآن).
لكنّ هذه الفرصة التاريخية لـ "إسرائيل" وتوسّعها في الإقليم، قد تحمل في طيّاتها تهديداً على المدى الاستراتيجي الأبعد، حيث تهدّد بأن تتحوّل إلى "انخراط مفرط" يؤدّي غلى زعزعة استقرارها وأمنها لاحقاً.
أ‌ـــــ ما هو الانخراط المفرط؟
الانخراط المفرط هو مصطلح في العلاقات الدولية يُستخدم لوصف الحالة التي تتورّط فيها دولة بشكل مفرط في صراعات أو التزامات خارجية، سياسية أو عسكرية أو دبلوماسية، من دون أن تكون لديها قدرة واضحة أو خطة مستدامة لإدارتها.
منذ نشأتها، اعتمدت "إسرائيل" على عقيدة أمنية قائمة على الردع الاستباقي والضربات الوقائية، ضمن بيئة إقليمية عدائية. لكنّ التطوّرات التي حصلت بعد عام 2023، والتي أدّت إلى مرحلة جديدة من التورّط العسكري الواسع جغرافياً، والذي قد يؤدّي لاحقاً الى انخراط مفرط على المدى الطويل، خاصة إذا ما واجهت مقاومة مستمرة من السكان المحليين وأهالي المناطق المحتلة.
ب ـــــ محاور الانخراط المفرط الإسرائيلي
منذ أكتوبر 2023، دخلت "إسرائيل" في أطول عملية عسكرية مستمرة داخل قطاع غزة، تخلّلتها اجتياحات برية، عمليات اغتيال، واشتباكات مع المقاومة الفلسطينية، وقتل ما يزيد عن 50 ألف فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال. في المقابل، واجهت الحرب الإسرائيلية على غزة انتقادات دولية واسعة، وتحوّلت الإبادة في غزة إلى عبء أخلاقي، سياسي، حيث حوّلت الرأي العام العالمي كما لم تفعل أيّ حرب إسرائيلية ضدّ الفلسطينيين منذ عام 1948.
ورغم الإنجازات التكتيكية، لم تحقّق "إسرائيل" الأهداف التي وضعتها، فلم تقضِ على حماس بالكامل، ولم تحرّر الرهائن من دون صفقة تبادل، ولم تستطع تهجير الفلسطينيين من القطاع.
وكلما طال أمد الحرب، ازدادت التصدّعات السياسية والمجتمعية والتحدّيات الاقتصادية داخل "إسرائيل". ويعاني "الجيش" من تحدّيات في الاحتياط والتجنيد، وسط إرهاق جنود الاحتياط وانتقادات واسعة لإعفاء الحريديم، واتهامات لحكومة نتنياهو بأنها تعمل لمصالح شخصية ولا تهتم بالأسرى (أكده الجانب الأميركي).
وعليه، وانطلاقاً من معايير الانخراط المفرط في العلم الاستراتيجي، يمكن القول إنّ الإنجازات التي يتباهى بها نتنياهو وحكومته، قد تتحوّل إلى عبء، خاصة في حالة استمرار تعدّد الجبهات من دون أفق سياسي وبغياب استراتيجية خروج واضحة تؤدّي إلى استنزاف الموارد والقدرات، وتزيد الانقسام الداخلي، وتزيد من تأكّل الشرعية الدولية.
وما يجعل من الحالة الإسرائيلية أصعب، هو أنّ "إسرائيل" ليست قوة عالمية ضخمة لتتحمّل انخراطاً مفرطاً لوقت طويل، بل هي "دولة" صغيرة تملك قدرات متقدّمة وتحظى بدعم خارجي واسع، لكنها محدودة الموارد والسكان. بالتالي، فإنّ الانخراط المفرط لا يُنذر فقط بالتراجع الاستراتيجي، بل قد يشكّل تهديداً لبنية "الدولة" ومجتمعها الذي سينقسم على نفسه كلما زادت الأعباء. 

2025/05/09

الاتفاق مع اليمن: "إسرائيل" قلقة من "دبلوماسية الانسحاب" الأميركية

على وقع توقيع اتفاق ثنائي مع جماعة أنصار الله الحوثيّة في اليمن، والذي شكّل مفاجأة للطرف الإسرائيلي الذي بقي خارج هذا الاتفاق ولم يعرف به مسبقاً، ولم يتمّ إدراج التهديد اليمني لـ "إسرائيل" ضمنه، يتحضّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجولة شرق أوسطية، يزور فيها كلّاً من السعودية والإمارات وقطر، والتي من المتوقّع أن يعقد فيها صفقات كبرى، ويوقّع العديد من العقود الاستثمارية.

 

في ولايته الثانية، أعاد دونالد ترامب إحياء وتعزيز سمة مميّزة طبعت الدبلوماسية المعتمدة في رئاسته الأولى: الانسحاب من الالتزامات. ويمثّل نهج ترامب في تلك الدبلوماسية انفصالاً حقيقياً عمّا اعتمدته الإدارات الأميركية السابقة والتي قامت على بناء التحالفات الثابتة والحرص على تأمين مصلحة الحلفاء، والمشاركة المستدامة في المعاهدات الدولية.

 

 يمكن تعريف هذه الاستراتيجية بتطبيق ترامب الانسحاب الاستراتيجي من الالتزامات ضمن معايير ثلاثة:

 

- الأول: الانسحاب الأحادي من الاتفاقيات العالمية (خاصة تلك المتعدّدة الأطراف) لتحقيق ما يسمّيه مصلحة أميركا في عالم يستغلّ الولايات المتحدة ويحصل على أموال طائلة من دون تحقيق مكاسب للأميركيين.

 

- الثاني: التهديد بالانسحاب من المفاوضات كوسيلة ضغط لتحقيق مكاسب.

 

- الثالث: الانسحاب من الالتزامات الأميركية السابقة بالتحالفات ومن العمل على تأمين مصلحة الحلفاء والشركاء الاستراتيجيّين.

 

تعتمد هذه الاستراتيجية على سياسة "حافة الهاوية"، وهي سياسة براغماتية تهدف إلى الضغط على الخصوم والحلفاء، لتقديم تنازلات ومكاسب ولتغيير شروط معاهدات يراها الأميركيون غير عادلة.

طبّق ترامب هذه الاستراتيجية الدبلوماسية في ولايته الأولى، فانسحب من اتفاقيات المناخ، ومن العديد من المعاهدات الاستراتيجية مع الروس، كما انسحب من الاتفاق النووي الإيراني الذي تمّ توقيعه خلال عهد أوباما عام 2015، وهدّد بالانسحاب من حلف الناتو في حال لم يقم الحلفاء بالمساهمة العادلة في تحمّل الأعباء.

 

في ولايته الثانية، جدّد ترامب التزامه بدبلوماسية الانسحاب من الالتزامات التي ـــــ برأيه ـــــ لا تفيد المصالح الأميركية، فأكّد أنّ المساعدات الأميركية لأوكرانيا ليست مجانية، وبالفعل علّق حزمة مساعدات بقيمة 60 مليار دولار في آذار/مارس 2025، وهدّد بالانسحاب من الحملة العسكرية وتقديم الدعم لأوكرانيا، إلا في حال وافق الأوكرانيون على توقيع صفقة المعادن، والتعهّد بالتوصّل الى اتفاقية سلام مع الروس.

 

وقد نجحت هذه الاستراتيجية، حيث توصّل الأميركيون وحكومة زيلينسكي إلى توقيع اتفاقية المعادن التي منحت مكاسب استثمارية كبرى للأميركيين في الأراضي الأوكرانية من دون أن تقدّم أيّ ضمانات أمنية لأوكرانيا كما كان الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي يشترط لتوقيع الصفقة.

 

 وفي أيار/مايو 2025، فاجأت إدارة ترامب الجميع بتوقيع اتفاق مع جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن. وقالت الخارجية العمانية في بيان، إنّ اتصالات أجرتها مسقط مع الأطراف المعنية أسفرت عن تفاهم سيتوقّف بموجبه كلّ طرف عن استهداف الآخر، بما في ذلك السفن الأميركية.

 

ووفقاً للبيان، فإنّ الاتفاق يضمن سلامة السفن الأميركية وليس كل السفن من ضربات الحوثيين، كما أنه لا ينصّ على وقف ضرب "إسرائيل" من الأراضي اليمنية.

 

وشكّل هذا الاتفاق صدمة في "إسرائيل"، إذ نقلت هيئة البثّ الإسرائيلية عن مسؤولين إسرائيليين أنهم "فوجئوا بإعلان ترامب". كما نقل موقع أكسيوس الأميركي عن مسؤول إسرائيلي كبير أنّ إدارة ترامب "لم تخطر تل أبيب بهذه الخطوة".

 

جسّد اتفاق ترامب مع جماعة أنصار الله اليمنية، تكريساً حقيقياً لدبلوماسية الانسحاب الأميركي من الالتزام بمصالح وأمن الحلفاء، وكرّس أولوية المصالح الأميركية على حساب الجميع، الخصوم والحلفاء، على حدّ سواء، ومنهم "إسرائيل".

 

لا شكّ أنّ هذه الاستراتيجية الأميركية الجديدة تشكّل تهديداً لمستقبل وأمن "إسرائيل". لقد اعتمدت "إسرائيل" دائماً على الدعم الأميركي غير المشروط، والذي أمّن لها مظلة بحيث عملت الإدارات الأميركية على تحقيق مصالح "إسرائيل" حتى لو أضرّت بمصلحة أميركا العليا. أما الآن، فالسياسة التي يعتمدها ترامب في العالم باتت تعتمد على منطق "الربح" ـــــ

 

"الكلفة" للأميركيين من دون احتساب الكلفة على الحلفاء، وبالتالي بات على "إسرائيل" كما أوروبا أن تتكيّف مع فكرة أنّ الدعم الأميركي ليس مضموناً دائماً.

  

2025/05/01

قناة السويس: هل لمصر مصلحة في إعفاء الأميركيين من الرسوم؟

في موقف غير مألوف، طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مصر وبنما السماح للسفن التجارية والعسكرية الأميركية بالمرور عبر قناتي السويس وبنما مجانًا، وقال إنه كلّف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بمتابعة الأمر.

 

لا شكّ، تأتي هذه الطلبات الجديدة لدونالد ترامب من ضمن أهداف عدّة مرتبطة بتعزيز الاقتصاد الأميركي، وتعزيز التصنيع وذلك عبر جعل البضائع المصنوعة في الولايات المتحدة أكثر إغراءً للمستهلكين في العالم، وعبر تقليص كلفة الصناعة والتجارة والنقل، وفرض التعرفات على البضائع المستوردة من الخارج، وتقليص كلفة الشحن على البضائع الأميركية الخ....

 

كيف يمكن أن تقارب مصر هذا الطلب؟

- المقاربة الاقتصادية/ السياسية:

قد لا يكون لقيام مصر بإعفاء السفن الأميركية من رسوم المرور تأثير اقتصادي كبير، فالسفن التي تحمل العلم الأميركي تشكّل أقل من 1% من أسطول الشحن العالمي، حيث تُسجّل معظم السفن المملوكة للولايات المتحدة تحت "أعلام الملاءمة" (مثل ليبيريا وبنما وجزر مارشال) لتجنب ارتفاع التكاليف.

 

زد على ذلك، أن السفن الأميركية التي تمر عبر قناة السويس تعد نسبة "ضئيلة جداً" من حركة مرور قناة السويس، وتتألف بشكل رئيسي من السفن العسكرية وحاملات الطائرات، لذا فإن مجموع ما ستخسره مصر من الإيرادات من إعفاء السفن التي ترفع العلم الأميركي هو حوالى 40 مليون دولار (بحسب ميزانية القناة في عام 2024).

 

وفي حسابات الربح المادي أيضاً، تعدّ مصر من أكبر الدول المتلقية للمساعدات الأميركية السنوية، خاصة العسكرية منها، والتي تقدّر بقيمة 1.5 مليار دولار سنوياً، وعليه فإن الإعفاء من رسوم المرور في قناة السويس، يعدّ قيمة بسيطة نسبياً في مقابل ما يحصل عليه المصريون من مساعدات من الإدارات الأميركية.

 

وعليه، قد تجد الحكومة المصرية من مصلحتها أن تمنح ترامب هذا الاستثناء للسفن التي ترفع العلم الأميركي، باعتبار أنه، من الناحية الاقتصادية، الموارد التي تتقاضاها مصر من تلك السفن قليلة جداً مقارنة بالأرباح السياسية والاستراتيجية التي يمكن أن تجنيها مصر من منح ترامب هذه "المعاملة التفضيلية".

 

- المقاربة القانونية:

تبقى هناك بعض العوائق القانونية، حيث تعمل هيئة قناة السويس بموجب "القانون الرقم 30 لسنة 1975"، الذي يحظر السياسات التمييزية، ويستمد قوانينه ونظامه من اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، والتي تعد حجر الزاوية في القانون الدولي الذي يحكم عمل ومرور السفن في قناة السويس. مع العلم أن مصر كانت قد أكدت التزامها باتفاقية القسطنطينية بعد تأميم القناة من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1956.

 

وتنص الاتفاقية على وجوب بقاء القناة مفتوحة لجميع السفن "من دون تمييز بين أعلامها" في السلم والحرب، وتُحظر المعاملة التفضيلية أو الإعفاءات من الرسوم لدول محددة، خاصة في المادة الثانية عشرة التي تنص: "لا يجوز للدول الموقّعة السعي للحصول على مزايا أو امتيازات إقليمية أو تجارية في عمليات القناة".

 

واستمر التزام مصر بتلك الاتفاقية حتى خلال فترة توقف القناة عامي 1967 و1975، حيث استمر تأكيد مصر لحياد القناة والتزامها بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة والتي ترعى عمل القناة على الرغم من توقف العمل في القناة بسبب الحرب وتداعياتها.

 

المشكلة القانونية هنا، قد تدفع بمصر إلى التريث في منح الأميركيين هذا الاستثناء أو الاعفاء من الرسوم، ليس بسبب الإشكال القانوني فحسب، بل لأن من الممكن أن تعمد دول أخرى الى طلب "معاملة تفضيلية" أسوة بالولايات المتحدة الأميركية، وهو أمر لن يستطيع المصريون تلبيته، لأنه يقوّض المصادر المالية التي يحصلون عليها من قناة السويس سنوياً.

 

في النتيجة، القانون الدولي يحظر منح إعفاءات ومعاملة تفضيلية، ويشير إلى أن الإعفاءات الممنوحة لدول محددة غير قابلة للتنفيذ قانونيًا بموجب اتفاقية القسطنطينية، ما يعني أن منح الأميركيين معاملة تفضيلية يعني انتهاك مصر لالتزاماتها بموجب المعاهدة.

 

لكن، بالرغم مما سبق، فإن سيادة مصر التامة على القناة، واستناداً إلى حق الدول السيادي في التصرف بالإيرادات وتوقيع اتفاقيات ثنائية تحفظ مصالحها الاستراتيجية ومنح امتيازات لبعض الدول دون أخرى، قد تدفع المصريين الى إعطاء ترامب ما يريده من معاملة تفضيلية للسفن الأميركية، وهو ما سيعلنه انتصاراً لسياسة "أميركا أولاً" التي يقوم بتنفيذها، لأن كلفة عدم القيام بذلك والاصطدام بترامب قد تكون كبيرة جداً.