2025/07/24

تفكيك ونقد الفلسفة الإسرائيلية في العلاقات الدولية

في خطاب ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) عام 2017، قال: "ما لا تفرضه على الأرض، لا يُحسب لك في التاريخ".

تعكس هذه العبارة رؤية "إسرائيل" التي ترتكز على مبدأ القوة والتوسع لتصبح لاحقاً جزءًا من فرض الحقائق على أرض الواقع وهي رؤية لطالما شكّلت السياسة التي ينتهجها الإسرائيليون، والتاريخ الذي يحاولون فرضه منذ تأسيس الكيان عام 1948.

في مجال العلاقات الدولية، تنطلق عبارة "ما لا تفرضه على أرض الواقع لا يُحسب لك في التاريخ" من المدرسة الواقعية حيث يؤكد مفكرون مثل هانز مورغنثاو أو نيكولو مكيافيللي أن القوة، المستمدة أساساً من القدرات والاستعداد لاستخدامها، هي المحدد النهائي لنتائج السياسة الدولية. وعليه، لكي يترك أي فاعل، سواء كان دولة أم غير دولة، بصمةً دائمةً في التاريخ، يجب أن يُشكل الأحداث على أرض الواقع بشكل واضح، وذلك من خلال القوة العسكرية، أو الإكراه الاقتصادي، أو الهيمنة السياسية.

ومع ذلك، فإن العديد من الدروس التاريخية، أسقطت هذه المقولة، وأعادت تعريف العلاقات الدولية عبر رؤية نقدية، وهو ما أثارته المدرسة البنائية التي اعتبرت أنه بالرغم من أهمية القدرات المادية والعسكرية وقدرتها على فرض مسار الأمور على الأرض، فإن السرد التاريخي ليس دائماً مجرد انعكاس للقوة الغاشمة، بل يتشكل من خلال الأفكار والمعايير والهويات المشتركة. على سبيل المثال، قد "تفرض" دولة إرادتها، ولكن إذا أدان المجتمع الدولي هذا الفعل على نطاق واسع باعتباره غير شرعي، فقد يكون إرثها التاريخي إرثًا منبوذًا لا منتصرًا، بغض النظر عن فعاليته المباشرة على أرض الواقع، وهو ما حصل لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. سقط نظام الفصل العنصري هناك، بالرغم من قدراته المادية والعسكرية وفرضه وقائع على الأرض، ولم يكتب التاريخ ما أراده مؤسسوه أن يكتبوه بالحديد والنار.

 

وبالعودة الى "إسرائيل"، تجسّد عبارة نتنياهو فلسفة "الحقائق على الأرض"، السياسة الإسرائيلية الحالية التي تهدف إلى ترسيخ وقائع يصعب تغييرها مستقبلاً، سواء من خلال إبادة الفلسطينيين وتهجير مَن تبقى منهم من غزة، وتوسيع سياسة الاستيطان وقضم الأراضي في الضفة الغربية، واحتلال أراضٍ عربية كما في سوريا ولبنان.

 

وتكرّس المجازر الإسرائيلية والحروب التي حصلت بعد الهجوم الذي شنّته حماس في 7 أكتوبر 2023 محاولة إسرائيلية لتشكيل النظام الإقليمي، إذ تسعى "إسرائيل" إلى" إعادة ترسيم قواعد الصراع، ورسم حدود جغرافية جديدة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.

لكن، بالرغم من قدرة "إسرائيل" على فرض وقائع جديدة على الأرض خلال عامي 2023- 2025، وبالرغم من توسعها المفرط في الأراضي العربية، إلا أن الأثمان المدفوعة لتلك القوة الغاشمة قد لا تؤدي إلى تقييم التاريخ لها كما يريد نتنياهو فعلاً.

 

فبالرغم من التأييد الأميركي الشامل، تواجه "إسرائيل" عزلة أخلاقية على صعيد الرأي العام العالمي، وقانونية تتجلى في قرارات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، ومزيد من نزع الشرعية عن سلوكها في العالم، ومنها أوروبا.

 

أما في فلسطين، فبالرغم من الإبادة التي يقوم بها الإسرائيليون، ما زال الفلسطينيون يقاومون وما زالت أعمال المقاومة المسلحة تكبد الإسرائيليين خسائر في غزة. وفي الداخل الإسرائيلي، تشير التقارير إلى أن أكثر من 70% من الإسرائيليين لا يثقون بمستقبل "دولتهم"، وأن الهجرة التي حصلت خلال العامين الماضيين غير مسبوقة في تاريخ الكيان، وأن الاعتماد على "اقتصاد الحرب" سيؤدي لاحقاً إلى ركود تضخمي، وهجرة الكفاءات، وأن الانقسامات الداخلية وارتفاع التطرف اليهودي "التكفيري" سيؤديان إلى مشاكل داخلية ولن يكون بالإمكان الحفاظ على الاستقرار على المدى المتوسط والطويل.

 

وهكذا، تشكل عبارة نتنياهو انعكاساً لمدرسة سياسية تؤمن بأن "القوة تصنع التاريخ"، غير أن قراءة أعمق لواقع منطقة الشرق الأوسط تكشف أن الوقائع المفروضة، إذا لم تُدعَم بشرعية دولية وتوافق شعبي، قد تتحول إلى بؤر صراع دائم، ما يضعف قيمتها التاريخية على المدى الطويل.

 

لا شكّ في أن هذه الفترة التاريخية، تشكّل مرحلة من مراحل السيطرة الإسرائيلية على الأراضي العربية، ولكن التاريخ لا يُقاس فقط بالقوة القهرية المادية، فكم من حضارة انقرضت بعدما توسعت وفرضت سيطرتها بالغزو والحديد والنار. 

2025/07/18

في لحظة فراغ استراتيجي ورسم خرائط: قراءة في التقارب التركي الإماراتي

للمرة الثالثة منذ عام 2021، يقوم رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد بزيارة تركيا لتوقيع اتفاقيات تجارية واستثمارية، في وقت قام فيه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بخمس زيارات للإمارات خلال الفترة نفسها.

 

وفي مسيرة العلاقات بين الدولتين، محطتان أساسيتان: الربيع العربي الذي شكّل نقطة تحوّل جذرية وافتتح مساراً من التنافس الجيوسياسي والجيو اقتصادي بينهما، وعام 2021، الذي اعتبر نقطة بداية لإعادة ضبط العلاقة، والانتقال بها إلى مسار جديد.

 

1قبل الربيع العربي

 تميزت العلاقة بين الدولتين بشراكة اقتصادية، حيث استفاد المقاولون الأتراك من النهضة العمرانية الإماراتية، وأظهر المستثمرون الإماراتيون اهتمامًا بقطاعات مختلفة من الاقتصاد التركي. أما في السياسة، فكانت أهداف الدولتين وتطلعاتهما مختلفة، فلم تتباين ولم تتقاطع ايضاً.

 

اعتمدت الإمارات في فترة ما قبل الربيع العربي سياسة "هادئة" تركز على النهوض والتنمية الداخلية، وتفوض السعودية إلى حد كبير مسائل الأمن الإقليمي الأوسع. بينما اتبعت تركيا، في السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية، سياسة "صفر مشاكل"، مؤكدة المشاركة الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي لتعزيز مكانتها الإقليمية. وكانت أنظارها تتجه أكثر للدخول إلى الاتحاد الأوروبي وتعزيز نفوذها في جوارها المباشر، لذا لم تتقاطع طرق الإمارات وتركيا الاستراتيجية في تلك الفترة.

 

2الربيع العربي: مسار التصادم

مثل اندلاع الربيع العربي في عام 2011 نقطة تحول حاسمة في العلاقات الإماراتية التركية، حيث كشف تعامل كل من الدولتين مع الثورات، اختلافات أيديولوجية عميقة الجذور أدت الى تنافس وحروب بالوكالة بين الطرفين.

 

اتخذت الإمارات العربية المتحدة، مدفوعة بقلق عميق من عدم الاستقرار السياسي وخطر متصوّر من الحركات الإسلامية، موقفًا مضادًا للثورات بشدة. رأت القيادة الإماراتية في جماعة الإخوان المسلمين تهديدًا وجوديًا لنظامها الملكي ولاستقرار المنطقة، فعمدت إلى دعم الأنظمة القائمة وأسهمت مع السعودية في دعم الثورات المضادة.

 

على العكس من ذلك، تبنت تركيا سياسة خارجية ذات توجه أيديولوجي إسلامي، ورأت في الربيع العربي فرصة غير مسبوقة لتوسيع نفوذها وتعزيز نموذجها الإسلامي، أو ما أطلق عليه اسم "العثمانية الجديدة".

 

وباستثناء سوريا، حيث دعم الطرفان مجموعات مناهضة للرئيس السوري السابق بشار الأسد، تباعدت رؤى الدولتين، واحتدم التنافس الاستراتيجي بينهما واتخذ طابعاً أيديولوجياً: نهج الإمارات المدني- الدولتي، المناهض للإسلام السياسي، مقابل موقف تركيا ذي التوجه الإسلاموي- العابر للدول القومية.

 

وهكذا، تخلت تركيا عن سياسة "صفر مشاكل" لمصلحة سياسة خارجية أكثر حزمًا ومواجهة في كثير من الأحيان، بينما تخلت الإمارات عن هدوئها التقليدي لمصلحة دور أكثر قوة وتدخلًا، فحصلت الحرب بالوكالة بين الطرفين في مسارح عدّة منها القرن الأفريقي، وشرق المتوسط ليبيا، والخليج نفسه (خلال فترة الأزمة مع قطر) وغيرها.

 

وخلال تلك المنافسة على النفوذ، استخدم كل طرف أدوات القوة التي يمتلكها، فبينما ركّزت الإمارات على الدبلوماسية الاقتصادية مستفيدة من صناديقها السيادية الضخمة، استخدمت تركيا – التي لا تمتلك القوة المالية نفسها – الدعم العسكري والدبلوماسية الثقافية التي تعتمد على الدين والقومية. وتنافست الدولتان أيضاً في مجال الحرب الإعلامية والمعلوماتية، وبينما ركزت الإمارات على المنتديات المتعددة الأطراف العربية، ركزت تركيا على المنتديات الإسلامية.

 

3عام 2021: عام التحول

شكّل عام 2021، عاماً مفصلياً، فقد تمت إعادة العلاقات بين الدولتين "تقريباً" إلى سابق عهدها، لأسباب عّدة أبرزها تدهور الاقتصاد التركي، وانهيار الليرة وحاجة تركيا إلى الاستثمارات الخليجية. أدرك الأتراك أن سياساتهم الإقليمية والمواجهات المستمرة كانت مكلفة اقتصاديًا ودبلوماسيًا، لذا، كان التقارب – خاصة مع دول الخليج العربي- وسيلة لخفض التكاليف وتخفيف العزلة الإقليمية والدولية.

 

في المقابل، وجد الخليجيون - بشكل عام- أن السياسات الهجومية التي اعتمدوها خاصة بعد عام 2015، باتت مكلفة، لذا انطلقوا إلى سياسة براغماتية تهدف إلى "تصفير المشاكل"، فتم رفع الحصار عن قطر، وتسوية المشاكل مع الدول الإقليمية كإيران وتركيا الخ.

 

وكان للأحداث التي حصلت قبل ذلك، وعدم رد فعل الأميركيين على قصف أرامكو واستهداف الداخل السعودي، والانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان، بمنزلة جرس إنذار لدول الخليج لتعزيز استقلالها الاستراتيجي وتنويع شراكاتها الأمنية.

 

وعليه، إن التقارب التركي الإماراتي اليوم ليس بالضرورة أن يعكس تطابقاً في الرؤى أو الأهداف، بل لأنهما أدركتا بعد سنوات من التنافس الحاد والصدام الأيديولوجي، أن الكلفة الباهظة للمواجهة تفوق بكثير المكاسب التي حققتاها.

 

وفي ظل تغيير هائل في الشرق الأوسط، وفي ظل محاولات رسم شرق أوسط جديد فيه من التهديدات والفرص على حد سواء، لدى كل من الدولتين رغبة في تصدّر المشهد الإقليمي من موقع الفاعل الذي يسهم في صناعته، ومن باب الاستفادة من التطورات التي حصلت بعد 7 أكتوبر 2023 خاصة ضعف "محور المقاومة" وما ترتب عليه من فراغ استراتيجي، إذ تسعى كل دولة منهما للاستفادة منه لتعزيز نفوذها الإقليمي. 

2025/07/14

هل بلغت "إسرائيل" نقطة "الذروة" في حرب إيران؟

هناك إجماع تقريباً، لدى المحللين الأميركيين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتصل بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، في اليوم الأخير من الحرب على إيران، وطلب منه إيقاف الحرب، بينما يقول الباحث الأميركي المرموق الدكتور جون مارشايمر إن نتنياهو "توسل" ترامب للعمل على وقف الحرب.
وهذا يشير إلى أن الإسرائيلي، وصل في اليوم الـ 12 للحرب مع إيران الى ما يسمى "نقطة الذروة" culminating point.
صاغ كارل فون كلاوسفيتز، في كتابه الشهير "عن الحرب"، مفهوم "نقطة الذروة" للإشارة الى ما يُعرَّف - في الاستراتيجية العسكرية- بأنه الحد بين الإطارين النظري والعملي للهجوم، أي اللحظة التي تصبح فيها القوة العسكرية عاجزة عن تنفيذ عملياتها بفعالية أو مواصلة تقدمها، أو حين يصبح الاستمرار في الحرب مكلفاً جداً، وحيث تصبح تلك التكلفة أكبر من الفوائد المرجوة من الحرب.
ويعود العجز عن الحفاظ على الزخم الحربي إلى عوامل عدة أبرزها التحديات اللوجستية، وقوة العدو، وعدم القدرة على إخضاعه، أو ضرورة راحة القوة المهاجمة واستعادة قدراتها وغيرها من الظروف سواء العسكرية أم الاجتماعية أم الاقتصادية أو جميع ما سبق.
يحدد كلاوسفيتز، أن الهدف الأهم بالنسبة للقوة المهاجمة هو تحقيق أهداف الحرب قبل الوصول إلى هذه النقطة. في المقابل، فإن الهدف الاستراتيجي للقوة المدافعة هو إيصال القوة المهاجمة إلى نقطة ذروتها قبل أن يتمكن المهاجم من تحقيق أهدافه، وبالتالي تحويل مجرى الصراع لمصلحة المدافع، فيكون انتصر بصموده وليس بالضرورة بربح المعركة عسكرياً.
وعليه، إن سوء تقدير اللحظة المحورية التي تشكّل "الذروة" يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة، بما في ذلك الفشل العملياتي، مع العلم أن "نقطة الذروة" لا تنطبق فقط على المستويات التكتيكية والعملياتية للحرب، بل أيضًا على قدرة الدولة الكلية على تحمل الصراع أو تحقيق أهدافها الاستراتيجية طويلة المدى عبر الأبعاد العسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدبلوماسية.
هذه النقطة تمثل الحد الأقصى لقدرة الدولة على إبراز قوتها، وبعدها تبدأ قوتها وقدراتها في التراجع بسبب استنزاف الموارد، أو إرهاق الجيش، أو التحديات اللوجستية.
تُعد هذه النظرة الشاملة والمتعددة الأبعاد لـ"نقطة الذروة" أساسية لإجراء تحليل دقيق وشامل لوضع دولة خلال الحرب، إذ قد تحقق الدولة نصرًا عسكريًا في ساحة المعركة، ولكن إذا أصبحت التكاليف الاقتصادية غير قابلة للاستمرار، أو إذا تآكل النسيج الاجتماعي بسبب الصعوبات الطويلة، أو إذا حدّت العزلة الدبلوماسية من الخيارات الاستراتيجية المستقبلية، فقد تصل إلى نقطة ذروة استراتيجية تحدّ قدرتها على استثمار الانتصارات العسكرية وتسييلها في تحقيق أهداف سياسية.
وبالعودة الى "إسرائيل"، فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار: هل يشير طلب نتنياهو إيقاف الحرب على إيران، أن "إسرائيل" وصلت إلى "نقطة الذروة" في اليوم الـ12 للحرب؟
رغم تحقيق "إسرائيل" انتصارات تكتيكية، إلا أن التكاليف والقيود العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية تشير إلى أنها قد تكون اقتربت من حدود قدرتها الاستراتيجية، أو ربما قد وصلت إليها بالفعل في بعض المجالات.
- بالنسبة للذروة العسكرية، لقد أظهرت "إسرائيل" تفوقًا تكتيكيًا أمنياً وتكنولوجياً، خاصة في السيطرة الجوية والضربات الدقيقة والتغلغل الأمني، وألحقت أضرارًا كبيرة في الداخل الإيراني في اليوم الأول. لكن، عندما بدأ الإيرانيون بالردّ وتكبيد "إسرائيل" خسائر كبرى، انتقلت المعركة الى نوع من توازن القوى الذي أرهق الإسرائيلي ودفعه إلى طلب وقف الحرب.
- أما الذروة الاقتصادية، فبحسب التقارير الأميركية، بلغت تكلفة الحرب 6 مليارات دولار (حوالى 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي)، مع إنفاق يومي بلغ 725 مليون دولار. كما ارتفع العجز في "إسرائيل" إلى 8.5٪، والدين العام إلى 74٪.
هذه التكاليف ستؤدي إلى اختلال في الاقتصاد، وهروب العقول من قطاع التكنولوجيا، ما يهدد قدرة "إسرائيل" على الصمود الاقتصادي طويل الأمد، وبالتالي اقترابها من نقطة الذروة الاقتصادية، حيث تؤدي الحروب المستمرة إلى تآكل الاستقرار المالي وتراجع النمو المستقبلي.
- في مجالي الذروة الاجتماعية والسياسية، تشير استطلاعات الرأي العام، إلى أن الجمهور يعاني إنهاكاً شديداً بعد نحو عامين من الصراع.
- الذروة الدبلوماسية: على المستوى العالمي، تزداد عزلة "إسرائيل" في العالم والإدانات الدولية لها، وتراجعت إمكانية التطبيع مع السعودية، وأدانت دول مجلس التعاون الخليجي والعديد من دول الجنوب العالمي العدوان الإسرائيلي على إيران.
وهكذا، تكون "إسرائيل" قد وصلت إلى ذروة دبلوماسية. وبالرغم من نجاحها العسكري في توجيه ضربات إلى محور المقاومة، لكن ذلك لم يكن من دون ثمن، حيث أدت الأحداث من 7 أكتوبر ولغاية اليوم إلى زيادة عزلتها الدولية بالرغم من الدعم الأميركي والغربي.
وهكذا، ورغم النجاح العسكري الذي حققته "إسرائيل" على المدى القصير، إلا أنها تواجه تكاليف باهظة تجعلها تقترب – أو وصلت بالفعل – إلى نقطة الذروة في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، ما سيعني تراجعاً على المدى الطويل يحد من قدرتها على استثمار "إنجازاتها العسكرية المرحلية" في تحقيق أهداف سياسية طويلة المدى. 

2025/07/06

العدالة الانتقائية: "إسرائيل" والولاية القضائية العالمية في أوروبا

تقدّم المحامي والنائب في البرلمان الأوروبي عن إسبانيا خاومي أسينس بالنيابة عن موكله سيرجيو توريبيو أمام المحكمة الإسبانية بشكوى ضدّ مسؤولين سياسيين وأمنيين وعسكريين إسرائيليين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وذلك خلال الاعتداء والاختطاف لطاقم سفينة "مادلين" التي كانت تحمل مساعدات إنسانية وتهدف لكسر الحصار عن قطاع غزة.

 

وتتضمّن الشكوى أوامر اعتقال ضدّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصفته أعلى سلطة تنفيذية والقائد الأعلى لـ "الجيش" الإسرائيلي، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بصفته كان المسؤول الأول عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، وقائد سلاح البحرية الإسرائيلية دافيد سالاما، والمتحدّث الرسمي السابق باسم "الجيش" الإسرائيلي دانيال هغاري، وكبار قادة وحدة الكوماندوس في البحرية الإسرائيلية، بالإضافة الى كلّ من يظهره التحقيق متورّطاً.

 

قانونياً، تمثّل هذه الدعوى فرصة لكلّ مواطن إسباني من أصل فلسطيني أو لبناني، لديه أقارب أو عائلة في غزة أو لبنان وتعرّضت للاعتداءات الإسرائيلية، للانضمام إلى الدعوى أو رفع دعوى مماثلة انطلاقاً من مفهوم الولاية القضائية العالمية.

 

يُمثّل مفهوم الولاية القضائية العالمية ركيزة أساسية في السعي لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، وهو يسمح لأيّ دولة بمقاضاة الأفراد مرتكبي الجرائم الدولية الكبرى (جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية والتعذيب) بغضّ النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الجاني. ويعدّ هذا المبدأ استثناءً لمبادئ الولاية القضائية التقليدية المتعلّقة بالإقليمية (مكان وقوع الجريمة)، وجنسية الجاني، وجنسية الضحية، لكن يجب أن يتقدّم بها متضرّرون مباشرون أو أقاربهم.

 

تُلزم المعاهدات الدولية، مثل اتفاقيات جنيف لعام 1949 (وتحديداً أحكامها المتعلّقة بـ "الانتهاكات الجسيمة") واتفاقية مناهضة التعذيب، الدول الأطراف صراحةً بمقاضاة أو تسليم (مبدأ التسليم أو المحاكمة) الأفراد الموجودين على أراضيها والمشتبه في ارتكابهم مثل هذه الجرائم. كما يُقرّ القانون الدولي العرفي بالولاية القضائية العالمية لمجموعة أوسع من جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية.

 

ولكي تمارس محكمة وطنية الولاية القضائية العالمية، يجب أن تتوافر عدّة شروط، هي:

 

- أن تكون التشريعات الوطنية تخوّل المحاكم الوطنية ممارسة الولاية القضائية العالمية على الجرائم الدولية الكبرى.

 

- أن تكون الجريمة ضمن فئة الجرائم الدولية الكبرى الخاضعة للولاية القضائية العالمية.

 

وكانت الدول الأوروبية، وخاصة تلك الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قد أدرجت مقاضاة تلك الجرائم الدولية إلى حدّ كبير في أنظمتها القانونية المحلية، مما أدى إلى إنشاء الإطار القانوني للولاية القضائية العالمية. كذلك، كانت دول مثل ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا، تاريخياً، في طليعة الدول التي طبّقت الولاية القضائية العالمية.

 

تاريخياً، اعتمدت بعض الدول الأوروبية، ولا سيما بلجيكا وإسبانيا، قوانين أوسع نطاقاً للولاية القضائية العالمية، سمحت ببدء الدعاوى حتى من دون حضور المتهم شخصياً. على سبيل المثال، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، رُفعت شكوى في بلجيكا ضدّ أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بالجرائم المرتكبة في مجزرة صبرا وشاتيلا. وبالمثل، حقّقت المحاكم الإسبانية في قضايا تتعلّق بالأعمال الإسرائيلية في غزة.

 

لكن، بسبب الضغوط السياسية والتداعيات الدبلوماسية، تمّ تعديل القوانين الوطنية لتقليص صلاحية المحاكم المحلية في تطبيق قوانين الولاية القضائية العالمية. على سبيل المثال، ضيّقت بلجيكا وبريطانيا نطاق ممارسة المحاكم الوطنية للولاية القضائية العالمية بشكل كبير بعد ضغوط سياسية أبرزها تلك المتعلقة باعتقال مسؤولين إسرائيليين (شارون في بلجيكا، وتسيبي ليفني في بريطانيا)، وبدأت بعض الدول الأخرى تضع شروطاً أكثر صرامة، مثل شرط وجود المتهم على أراضيها أو موافقة مدعٍ عامّ رفيع المستوى.

 

وتسبّبت الجرائم التي يرتكبها إسرائيليون، بازدواجية أخلاقية وقانونية للدول الأوروبية في إطار تطبيق القانون الجنائي الدولي:

 

1- تطبيق الولاية القضائية العالمية: في وقت استقبلت العديد من المحاكم الأوروبية قضايا تقدّم بها مواطنون في قضايا متعلقة بجرائم ارتكبت في سوريا أو أفريقيا، إلّا أنّ الاعتبارات السياسية والخشية من توتر العلاقات السياسية مع "إسرائيل" يجعلهم متمسّكين بشروط صارمة خاصة في القضايا المتعلقة بالمسؤولين الإسرائيليين ومنها اشتراط حضور المتهم شخصياً إلى المحكمة.

 

2- تطبيق الالتزامات بموجب نظام روما الأساسي: بالرغم من أنّ معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هم أطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والذي يعني أنّ تلك الدول أدرجت جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية في قوانينها الوطنية، إلّا أنّ العديد منها أعلن عن نيّته التملّص من تلك الالتزامات في معرض واجباتهم باعتقال بنيامين نتنياهو المطلوب للحكمة الجنائية الدولية.

  

2025/07/01

أربعة سيناريوهات تحدّد مصير نتنياهو

في موقف لافت ويحصل للمرّة الأولى في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، حيث يتدخّل رئيس أميركي بالقضاء في "إسرائيل"، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب منشورين متتاليين على منصة "Truth Social"، اعتبر فيهما أنّ محاكمة نتنياهو هي "مطاردة ساحرات" سياسية، و"يجب أن تُلغى فوراً أو يُمنح (نتنياهو) عفواً، فهو بطل حربي عظيم".

 

وفي منشور لاحق، قال ترامب إنّ "الولايات المتحدة تنفق مليارات سنوياً لحماية إسرائيل، ونحن لن نسمح بحدوث ذلك" إذا استمرّ الحكم القضائي على نتنياهو.

 

وبالتزامن مع هذه التصريحات، قرّرت المحكمة تأجيل جلسات محاكمة نتنياهو لأسباب "دبلوماسية وأمنية".

 

أثارت منشورات ترامب ردود فعل متباينة في "إسرائيل"، حيث اعتبرت المعارضة أنّ ذلك يشكّل تعدّياً على استقلالية القضاء، بينما دعم حلفاء نتنياهو دعوة ترامب معتبرين أنّ الرئيس الأميركي محقّ وأنّ إلغاء المحاكمة اعتراف بـ "الضرورة الوطنية" لقيادته البلاد.

 

وقد تبدو مبادرة ترامب نوعاً من ملاقاة لطروحات إسرائيلية حصلت في وقت سابق، حيث طرح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، فكرة "صفقة اعتراف بالذنب، والخروج من المشهد السياسي مقابل إلغاء المحاكمة" عنه وذلك لتخفيف التوتر الاجتماعي والسياسي والاستقطاب في "إسرائيل".

 

وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود مفاوضات سرية تدور خلف الكواليس بين فريق الدفاع عن نتنياهو، والنيابة العامّة، بهدف التوصّل إلى صفقة تقضي بإنهاء محاكمته في قضايا الفساد، مقابل انسحابه من الحياة السياسية. إلّا أنّ نتنياهو لا يُبدي استعداداً للمغادرة بشكل نهائي، بل يُفاوض على تقديم تنازلات سياسية وأمنية، منها إنهاء حرب غزة وإعلان النصر، مقابل عفو رئاسي شامل لا يوسم بالعار السياسي ما يعني العودة إلى الحياة السياسية والترشّح إلى الانتخابات المقبلة مستفيداً من الدعم اليميني الذي يحظى به خاصة بعد الحرب على إيران.

 

وكشفت القناة 12 العبرية أنّ القاضي المتقاعد أهارون باراك، الذي يشغل حالياً منصب ممثّل "إسرائيل" في محكمة العدل الدولية، يرعى جهود الوساطة بين النيابة وفريق الدفاع عن نتنياهو. وقد عُقد اجتماع سري في منزل باراك بـ "تل أبيب" الشهر الماضي، لمناقشة صفقة الادّعاء قبل بدء جلسات الاستجواب المضاد لنتنياهو. باراك شدّد على أنّ أيّ اتفاق يجب أن يتضمّن خروجاً نهائياً لنتنياهو من الحياة السياسية، بينما يصرّ محامو نتنياهو على أنّ موكلهم لن يقبل وصمة العار، التي قد تحرمه من الترشّح أو تولّي مناصب رسمية مستقبلاً.

 

 وفي ظلّ هذه المعطيات، ما هي السيناريوهات المحتملة؟

 

1- السيناريو الأول: الخروج الآمن مقابل إنهاء الحرب والعفو

في هذا السيناريو يستطيع نتنياهو أن يحفظ مستقبله السياسي ويعمد إلى التفاهم على صفقة سياسية – قضائية شاملة تُنهي محاكمته مقابل إنهاء حرب غزة، لكن من دون اعتراف صريح بالذنب أو تحميله وصمة العار السياسي.

 

مواضيع متعلقة

 

فرانشيسكا ألبانيزي.. المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة

13 تموز 09:34

 

 

"إسرائيل" الكبرى.. بين الحقيقة والوهم!

13 تموز 09:30

 

وهكذا قد تتضمّن الصفقة:

 

وقف الحرب على غزة، مقابل إصدار عفو رئاسي.

 

إعلان "نصر" عسكري يعزّز شرعيّته السياسية أمام الجمهور.

 

وتبقى له إمكانية الترشّح للانتخابات المقابلة ومحاولة العودة إلى الحكم.

 

سوف ترفض المعارضة هذا الأمر، وستصرّ على خروجه من السياسة كلياً.

 

2-السيناريو الثاني: استمرار المواجهة القضائية والسياسية

 يفشل التفاوض بين فريق الدفاع والنيابة العامّة، ويرفض نتنياهو أيّ صفقة تتضمّن إدانة أو اعتزالاً دائماً من الحياة السياسية. وتبقى حالة الاستقطاب الداخلي الإسرائيلي والسيف المصلت على نتنياهو بالسجن، وتفتح الباب لإدانته لاحقاً ما ينهي مستقبله السياسي.

 

الأخطر في هذا السيناريو استمرار حرب غزة إلى ما لا نهاية لأنّ نتنياهو سيستخدمها لإطالة وجوده في السلطة، حيث أعلن مراراً أن لا انتخابات في ظلّ الحرب.

 

3-السيناريو الثالث: تجميد المحاكمة وانتظار التسوية

بذريعة الأوضاع الأمنية والدبلوماسية، يتمّ تجميد محاكمة نتنياهو مؤقتاً، ويبقى الحال على ما هو عليه، بانتظار ما ستؤول إليه التسويات الإقليمية التي سيقوم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الإقليم.

 

هذا السيناريو يؤجّل الحسم، لكنه يُبقي جميع الأطراف في موقع المساومة، مع احتمالات إعادة خلط الأوراق لاحقاً، وفقاً لتطوّرات إقليمية أو ضغوط أميركية متزايدة.

 

4-السيناريو الرابع: إخراج نتنياهو من الحكم لإخراج "إسرائيل" من العزلة الدولية

في ظلّ التصاعد المتواصل للاتهامات الدولية بجرائم حرب وإبادة في غزة، وتزايد عزلة "إسرائيل" على الساحة العالمية، يتمّ طرح ربط الانتهاكات والإبادة والحروب بنتنياهو وحلفه اليميني المتطرّف، وبالتالي يكون الأنسب التخلّص من نتنياهو باعتباره عبئاً على "إسرائيل".

 

في هذا السيناريو، يبدأ ترامب، بدافع الحفاظ على "إسرائيل وصورتها العالمية ومستقبلها" في ممارسة ضغط غير مباشر على نتنياهو للخروج نهائياً من الحياة السياسية. الهدف "إنقاذ صورة إسرائيل"، وفتح الطريق أمام تطبيع أوسع وتسوية إقليمية شاملة لا يمكن لليمين المتطرّف أن يقبل بها.

 

في هذا السيناريو، يُدفع نتنياهو إلى القبول بصفقة اعتزال مشرّف مع عفو كامل، لكن بشرط ألّا يعود إلى الحكم مجدّداً. وبذلك، يُقدّم ترامب نفسه كمن "أنقذ إسرائيل من الانهيار الدبلوماسي"، وقام بتوقيع اتفاقيات سلام لاحقة في الشرق الأوسط، ما يخدم أجندته السياسية الداخلية أيضاً.

 

بالنتيجة، وبسبب الغموض الذي يلفّ القضية، والأدوات التي ما زال نتنياهو يملكها في الداخل، والتطوّرات المتسارعة في المنطقة، تبقى السيناريوهات جميعها مطروحة لغاية الآن. 

2025/06/24

الجغرافيا الإيرانية: نعمة أم نقمة؟

في تغريدة لافتة على منصته (Truth Social) بتاريخ 22 حزيران/يونيو 2025 كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب: "قد لا يكون من المقبول سياسياً استخدام مصطلح "تغيير النظام"، لكن إذا كان النظام الإيراني الحالي غير قادر على "جعل إيران عظيمة مجدّداً"، فلماذا لا يحصل تغيير في النظام؟؟؟MIGA!!!»

 

وجاءت التغريدة بعد الضربات الجوية الأميركية على ثلاث منشآت نووية إيرانية أساسية ادّعى خلالها ترامب وكبار المسؤولين الأميركيين أنّ الهدف تعطيل البرنامج النووي الإيراني ومنع إيران من تصنيع قنبلة نووية، ورفضوا الاتهامات بأنّ الهدف هو تغيير النظام في إيران.

 

وفي هذا الإطار، يخشى الكثير من الأميركيين أن يكون أولادهم ضحية خدعة جديدة تشبه خدعة أسلحة الدمار الشامل العراقية، والتي استخدمت مبرّراً لاجتياح أميركي للعراق خارج إطار القانون الدولي. ومع الإدراك بحجم الاختلاف الجوهري الكبير جداً بين مقوّمات العراق ومقوّمات إيران من جميع النواحي الديموغرافية والعسكرية والعقائدية والسياسية إلخ، سنبحث تأثير جغرافية إيران على قوتها الحالية وقدرتها.

 

منذ الإمبراطوريات القديمة وحتى نشوء القوى العظمى الحديثة، أدّت التضاريس والمناخ والموقع دوراً محورياً في تحديد قوة الدولة وقدرتها على الحفاظ على أمنها. وفي هذا السياق، قد تبدو الجغرافيا "نعمة" تمنح الدول مزايا طبيعية، أو "لعنة" تستجلب تدخّلات خارجية وتحوّل الدولة الى ساحة تجاذب وصراع. مع العلم أنّ الجغرافيا وحدها ليست عاملاً حاسماً، فالموقع الاستراتيجي يتحوّل إلى نعمة إذا كانت الدولة قوية ولها مقوّمات الحفاظ على نفسها، بينما الموقع الجغرافي نفسه يتحوّل نقمة إذا كان الحكم المركزي ضعيفاً والشعب منقسماً على ذاته.

 

توفّر الجغرافيا للدولة تحصينات طبيعية وموارد وفيرة وموقعاً استراتيجياً، فالدول التي تمتلك حواجز طبيعية كالجبال أو الصحاري الواسعة أو تفصل بينها وبين العالم محيطات (كالولايات المتحدة الأميركية) تنعم غالباً بأمن أكبر حيث يصعب على الدول التوسّعية غزوها. بالمقابل، تؤدّي الجغرافيا دور النقمة، حيث تشكّل قلقاً للدول التي لا تمتلك موانع طبيعية تمنع الغزو خاصة إذا كانت في منطقة مليئة بالتحدّيات والأطماع الاستعمارية.

 

أما في إيران، فقد شكّلت الجغرافيا الإيرانية سيفاً ذا حدّين طبع التاريخ الإيراني، فبالرغم من أنّ تضاريس إيران تشكّل درعاً واقية طبيعية حيث يُوصَف هذا البلد بأنه حصن طبيعي، تحيط به سلاسل جبلية شاهقة وصحارٍ شاسعة قاسية، شهدت إيران عبر تاريخها الطويل العديد من الغزوات، ترك كلٌّ منها بصماته التي لا تُمحى على العقل الجمعي الإيراني وإدرامه للمخاطر والتهديدات. وأدرك الإيرانيون مبكراً أنّ الجغرافيا مهما بلغت من تحصين لا تحمي دولةً، لذا حرصت النخب الحاكمة، على اختلاف العصور، على تعزيز التماسك الاجتماعي، وبناء عمق ديموغرافي في قلب الهضبة، وتوجيه التنمية والعمران نحو المناطق الوسطى بعيداً عن نقاط الضعف الحدودية.

 

يكمن جوهر القوة الجغرافية لإيران في أطرافها الجبلية. إذ تمتد جبال زاغروس على طول حدودها الغربية والجنوبية الغربية، مُشكِّلةً حاجزاً وعراً أعاق تاريخياً الغزوات المقبلة من الغرب. وفي الشمال، تحرس جبال البرز سواحل بحر قزوين، مما يجعل التوغّلات من الشمال صعبة بالقدر نفسه. أمّا الهضبة الإيرانية الوسطى، فتسيطر عليها صحراء ملحية شاسعة، هما دشت كوير ودشت لوت، واللتان تشكّلان كابوساً لوجستياً لأيّ عملية عسكرية واسعة النطاق. وقد جعلت هذه العوامل، عبر القرون، احتلال إيران بشكل كامل والسيطرة عليها أمراً بالغ الصعوبة، كما تشهد على ذلك معاناة حتى أعظم الغزاة مثل المغول والعثمانيين.

 

أما الخاصرة الرخوة الإيرانية فهي منطقة خوزستان في الجنوب الغربي، وخاصة السهول الخصبة المتاخمة للعراق، والتي كانت المناطق التي هاجم صدام حسين إيران عبرها. تعتبر هذه المنطقة أقلّ وعورة مقارنة ببقية إيران، مما جعلها أكثر المناطق ضعفاً، مع العلم أنّ لها أهميتها الاستراتيجية أيضاً إذ إنها غنية بحقول النفط وتطلّ على الخليج. وقد أدّت استراتيجية إيران الحديثة، وتحالفها مع العراق بعد سقوط صدام حسين، دوراً كبيراً في تقليص التهديدات الأمنية على البلاد والتي قد تتأتّى من تلك الخاصرة الرخوة.

 

وهكذا، إن قدرة إيران على الصمود اليوم في وجه التهديدات، لا تكمن في جغرافيّتها وحدها، بل في قدرتها التاريخية على توظيف هذه الجغرافيا ضمن استراتيجية دفاعية مُحكمة تُزاوج بين قسوة التضاريس وصلابة الإرادة الوطنية، وقوة العقيدة التي تطبع نظامها وقواتها المسلحة ونظام حكمها.

 

لقد نجحت إيران، في تطوير عقلية سياسية وأمنية تجعل من تضاريسها الوعرة خطوط صدّ طبيعية، مدعومة بشبكة دفاعية بشرية وعسكرية متجذّرة في الوعي الجمعي للإيرانيين، الذين باتوا يعتبرون الحفاظ على وحدة أرضهم واستقلال قرارهم وردّهم للعدوان على بلادهم، مسألة كرامة ووجود لا تقبل المساومة. 

2025/06/17

"الالتفاف حول العلم": دراسة الظاهرة الإيرانية

تصاعدت التوترات الإقليمية ووصلت المواجهة بين "إسرائيل" وإيران إلى ذروتها بعد قيام "إسرائيل" بعدوان استهدف مواقع حيوية داخل الأراضي الإيرانية، واغتيال قيادات وعلماء نوويين، أعاد إلى الأذهان ذكريات الحرب العراقية – الإيرانية، وأثار الخوف والقلق لدى الشعب الإيراني.

 

وفي خضم هذا التصعيد، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدعوة مباشرة للإيرانيين يحثّهم فيها على الانتفاض ضد حكومتهم وإسقاط النظام، وبدأت الصحف ووسائل الاعلام الغربية تشير إلى إمكانية «تغيير النظام» في إيران والدعوة للعودة إلى الملكية واستقبال المعارضين الإيرانيين.

 

غير أنّ تلك الدعوات لم تلقَ القبول المتوقع، بل على العكس، فقد أسهمت الهجمات والدعوات الخارجية في إحياء مشاعر الوطنية لدى شريحة واسعة من الإيرانيين، فتجلّى أمام العالم من جديد مفهوم «الالتفاف حول العَلَم» الذي يوحّد الشعوب في وجه التهديد الخارجي مهما كانت خلافاتهم الداخلية عميقة.

 

ما هي ظاهرة "الالتفاف حول العلم"؟

في جوهرها، تشير عبارة "الالتفاف حول العَلَم" إلى ميل المواطنين للاتحاد وإظهار قدر أكبر من الوطنية والدعم لحكومتهم في أوقات التهديد الخارجي أو الطوارئ الوطنية. يستمد المصطلح رمزيته من الصورة المجازية للمواطنين الذين يتجمعون فعليًا حول عَلَم بلادهم كإشارة إلى الوحدة في مواجهة الشدائد.

 

صاغ "جون مولر" هذا المصطلح في السبعينات، حين درس كيف أن تأييد الرأي العام الأميركي للرئيس يرتفع عادةً خلال النزاعات والأزمات الدولية، واعتبر أن فكرة "الالتفاف حول العَلَم" تجسّد جانبًا أساسيًا من السلوك الاجتماعي البشري: وهو غريزة الاتحاد في مواجهة التهديد المشترك، ففي أوقات الخوف أو عدم اليقين، يسعى الناس بشكل طبيعي إلى التضامن وإلى قيادة واضحة.

 

درس العديد من الخبراء أسباب هذه الظاهرة؛ إذ نسبها "تاجفيل" إلى "نظرية الهوية الاجتماعية"، والتي تعني أن الانتماء الوطني يدفع الناس إلى دعم المؤسسات والرموز الوطنية في أوقات الأزمات. وركز بعض الباحثين على التهديد نفسه، معتبرين أن حاجة الناس لتعزيز أمنهم تدفعهم إلى الالتفاف والدعم المتزايد للمؤسسات الوطنية.

 

وتناول آخرون الظاهرة من منظور عاطفي، موضحين أن الغضب وانعدام الأمان والقلق تؤدي إلى ظهور آثار الالتفاف. وفي دراسة شملت ما يقرب من 200 حرب شارك فيها الجيش الأميركي، توصلت الدراسة إلى أن هذا التأثير لا يمكن أن يحدث من دون رسائل مؤثرة تصوغها النخب، إذ توصّلت إلى أن "مدى قوة تأثير الالتفاف في الولايات المتحدة يعتمد إلى حد كبير على رسائل النخب ذاتها".

 

في التطبيق، وبالرغم من أن المبدأ يشير إلى ظاهرة وطنية صحية، فإن الحال ليست دائماً كذلك.

 

في بعض الأحيان، قد يستغل القادة السياسيون هذا الميل، فيندفعون إلى تصدير أزماتهم إلى الخارج والقيام بحروب خارجية، وذلك طمعاً بتعزيز الوحدة الوطنية بتعزيز القلق الوجودي وتصوير المعارضة غير وطنية، وبالتالي تمكّن الحكومة من تجاوز حدودها القانونية، أو تُستخدم كوسيلة لإلهاء الرأي العام عن مشاكل داخلية. هذا بالضبط ما يفعله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يندفع في سياسة الهروب إلى الأمام، كلما تصاعدت الانقسامات الداخلية في "إسرائيل" وكادت تطيحه أو تطيح حكومته اليمينية المتطرفة.

 

دراسة الحالة الإيرانية

وفي إيران، أدت الحرب إلى حالة من "الالتفاف حول العلم"، حيث رُفِعت الأعلام الإيرانية والرموز الوطنية بكثافة، وأُقيمت تجمعات التضامن مع الدولة، وعبّر متظاهرون خلالها عن غضبهم، واعتبروا أن المقاومة والردّ على "إسرائيل" مسألة كرامة وطنية وبقاء. كما عبّر متظاهرون إيرانيون في مدن أوروبية عن تضامنهم، مستنكرين الأفعال الإسرائيلية ورافعين الأعلام الإيرانية.

 

وقوبلت دعوة نتنياهو إلى الإيرانيين للانتفاض ضد حكومتهم برفض واسع، إذ رفض كثير من الإيرانيين، بغض النظر عن موقفهم من النظام، خطابه، معتبرين إياه منافقًا، وقال أحد سكان طهران: "إسرائيل" تستهين بحبنا لبلدنا؛ قصفنا لن يدفعنا للخروج إلى الشوارع ضد حكومتنا." وفي وسائل التواصل الاجتماعي، عبّر الكثير من الإيرانيين عن غضبهم، وتحدث معارضون سابقون عن أنهم بالرغم من معارضتهم للحكومة فإن المسألة الآن، هي مسألة وطن وليست مسألة "نظام".

 

وهكذا، يتّضح أن مفهوم "الالتفاف حول العَلَم" يظلّ حاضرًا وفعّالًا عند تعرّض الدول لتهديد خارجي، كما شهدنا في الحالة الإيرانية عقب الهجمات الإسرائيلية الأخيرة. ورغم الانقسامات الداخلية والآراء المتباينة تجاه النظام، فإن التهديدات الخارجية وحالة الخطر عزّزا مشاعر التضامن والانتماء الوطني لدى شريحة واسعة من الإيرانيين، فتوحّدوا خلف رمز الدولة وسيادتها.