2016/10/27

هل يؤدي تباين المصالح الى تفكك الأحلاف في سوريا؟

د. ليلى نقولا
يوماً بعد يوم يتعقّد المشهد الممتدّ بين الساحتين السورية والعراقية، وتختلط الأوراق، وتتباين مصالح الدول على جبهتي المحاور المتقاتلة، بدون أن تتعثر أو أن يكون هناك خلط كبير في مشهد التحالفات. ويبدو التحالف الذي بنته الولايات المتحدة الأميركية أكثر إرباكاً من تحالف موسكو - طهران - دمشق - حزب الله، لكن الأخير لا شكّ يعاني من تبايُن مصالح بين أطرافه، قد يكون حلّها مؤجَّل، فماذا لدى الطرفين؟

1- حلف واشنطن:
صحيح أن الاستراتيجية الأميركية اليوم، وبعد حوالى سنوات ستّ على بدء النزاع في سوريا، تهدف إلى تحقيق "التوازن السلبي" بين جميع الأطراف، ودفعها لمقاتلة بعضها البعض بدون أفق إلى أن يُستنزف الجميع، فتربح واشنطن بدون تدخُّل عسكري برّي مباشر على الأرض، لكن استراتيجية الاستنزاف هذه لم تكن أساس الاستراتيجية الأميركية منذ بدء النزاع في سوريا، بل كانت الاستراتيجية الأميركية بالتأكيد تهدف إلى ربح سريع نسبياً، والإطاحة بالرئيس بشار الأسد، وتنصيب بعض المعارضين الموالين لواشنطن مكانه.

عانت الاستراتيجية الأميركية منذ بدء النزاع ولغاية اليوم، من إخفاقات بنيوية لم يكن بالإمكان تخطّيها، منها تباين مصالح حلفائها، واضطرار الأميركيين للتفريط بأحدهم عند الضرورة، وعدم وجود(وعدم القدرة على صنع) جيش برّي يقاتل للأهداف الأميركية حصراً، وأخيراً التدخُّل العسكري الروسي المباشر الذي قلب موازين القوى، في وقت كانت واشنطن وحلفاؤها قد بدأوا يحققون الانتصارات، خصوصاً عند تأسيس "جيش الفتح"، الذي قام بهجوم ساحق واستطاع احتلال مناطق هامة في الشمال السوري.

وبغض النظر عن هوية الفائز في الانتخابات الأميركية المقبلة، فإن الرئيس الأميركي المقبل ومهما كانت استراتيجيته المعتمَدة، وسواء كانت أولويته إسقاط الأسد (هيلاري كلينتون) أو محاربة "داعش" (دونالد ترامب)، فسوف يصطدم بالمعوقات البنيوية نفسها، أي الأجندة التركية المستقلة والمتفلتة، وعدم القدرة على تشكيل مجموعات مسلّحة "موثوقة وفعّالة" للقتال، بالاضافة الى الوجود الروسي في سوريا.

2- حلف موسكو:
بالرغم من أن الظاهر يشي بعدم وجود تباينات في هذا الحلف، لكن التدقيق في مصالح أطرافه تشي بالكثير:

بداية، إن ارتكاز هذا التحالف على قوات بريّة مقاتلة من الجيش السوري وحلفائه؛ من حزب الله وبعض الميليشيات العراقية، يجعل من الأسهل عليه تحقيق انتصارات ميدانية، وتخطي العقبة التي تعاني منها واشنطن، وهي "القتال البرّي الفعّال".

لكن مصالح الحلفاء في هذا الحلف تتباين على المدى المتوسط والطويل، وأبرزها ما يلي:

أ‌-       إن موسكو التي تطمح إلى أن تمد أنابيب الغاز عبر "السيل التركي" إلى أوروبا، والمتحالفة مع "إسرائيل"، لا يضيرها أن تنفّذ واشنطن استراتيجيتها بقطع التواصل الجغرافي بين إيران وسوريا- لبنان، عبر كونتونات تؤسس لها في الشمال والشمال الشرقي السوري، فذلك ينهي المشروع المنافس الذي يصل الغاز الإيراني إلى السواحل السورية، ويضيّق إمكانية وصول السلاح إلى المقاومة في لبنان.

ب‌-  كما الأميركيين، يجد الروس أنفسهم محرَجين بالاستراتيجية التركية التوسعية في سوريا، لكنّ الاثنين يدركان مدى الأهمية الاستراتيجية لتركيا في المنطقة ككل، وفي النزاع السوري بشكل خاص، لذا يصمتان على ما يقوم به أردوغان في سوريا، سواء على حساب سيادة الدولة السورية (حليفة الروس)، أو على حساب الأكراد(حلفاء الأميركيين).

ت‌-  تتلاقى مصالح الإيرانيين مع المصالح التركية في محاولة تحجيم الأكراد والقضاء على أحلامهم الانفصالية، بينما يدافع الروس عن حق الأكراد في الاشتراك في المحادثات السورية في جنيف، وكانوا سبّاقين في الاعتراف بالحقوق الكردية، من خلال فتح ممثلية للأكراد في موسكو، علماً أن الروس لم يحاولوا أن يتحدّوا أو ينافسوا الحضور الأميركي العسكري في مناطق سيطرة "وحدات حماية الشعب" الكردية، ولم يعمدوا إلى تجهيز قواعد عسكرية لهم في الحسكة والقامشلي رداً على قيام واشنطن باستخدام مطار "رميلان" شمالي الحسكة، بالإضافة إلى قاعدة عسكرية أخرى قرب عين العرب - كوباني. واللافت أن الروس اكتفوا بالوساطة بين الجيش السوري والأكراد حين حاول الأكراد السيطرة على الحسكة وطرد الدولة السورية منها.

بالنتيجة، تتشابك مصالح الأطراف المتدخلة في النزاع السوري وتتباين بحسب القضية والطرف المعني، لكن الأحلاف لا تتفكك، ولن نشهد أي انتقال من محور إلى آخر، لعدم قدرة أي طرف على تحمُّل تلك التكلفة. لذا، وبانتظار جلاء غبار المعارك الدائرة في كل من العراق وسوريا، ستستفيد تركيا من سباق النفوذ بين الأميركيين والروس، وحاجة كل منهما لها كدولة محورية في المنطقة، بينما تبدو إيران الضامن لعدم التقسيم؛ باستخدام نفوذها في كل من العراق وسوريا لمنعه، بينما لا يبقى مفر أمام السوريين إلا الثقة بكل من الإيرانيين والروس وما يقررونه، فلولاهم لما استطاعت الدولة السورية الصمود والتقدّم بهذا الشكل.

2016/10/06

هل يشنّ اوباما الحرب على الجيش السوري؟

د. ليلى نقولا
يوماً بعد يوم تُقرع طبول الحرب الكبرى في سوريا، وتزداد التصريحات المتشجنة بين كل من الروس والأميركيين، خصوصاً بعدما سقط الاتفاق الهشّ الذي عقده وزير الخارجية جون كيري مع الروس حول حلب ووقف العمليات العدائية، والذي لم يعمّر سوى أيام معدودة، خرق خلالها المسلحون الهدنة حوالى 300 مرة، وانتهت بقصف طائرات التحالف الدولي للجيش السوري في دير الزور، قابلها قصف روسي لغرفة عمليات حلب، والتي ذكرت تقارير إعلامية أنه قتل فيها ضباط "إسرائيليون" وغربيون وأتراك.

وبالتوازي مع قرع طبول الحرب وارتفاع وتيرة التهديدات بين الروس والأميركيين، يعتقد البعض أنه ما زال بإمكان الرئيس باراك أوباما - وبالفترة المتبقّية لديه -إصدار الأوامر بشنّ حرب على النظام السوري، أو على الأقل شنّ ضربات جوية قاسية لتعطيل قدراته الجوية، ويعطون مثالاً على ذلك قيام الرئيس الأميركي بيل كلينتون بقصف العراق في آخر يوم من ولايته، بينما يعتقد البعض الآخر أن الأميركيين باتوا محرَجين في سوريا، لذا يحاولون التعويض عن هذا الإحراج بالصراخ والتهديدات.

وبغض النظر عن مدى دقة أي من التكهنات الواردة أعلاه، فبلا شكّ هناك خلط أوراق كبيرة في المنطقة، والأشهر المقبلة ستكون مصيرية في مستقبل النزاع السوري ككل، والأميركيون أمام خيارات كبرى في حال قرروا زيادة تدخُّلهم العسكري في سوريا:

أولاً: خيار الحرب الدولية الشاملة هو خيار مستبعَد، لأنه لا الروس ولا الأميركيين مستعدون للدخول في حرب مباشرة في الشرق الأوسط، لما لهذا الخيار من نتائج كارثية على العالم أجمع.

ثانياً: خيار الحرب الأميركية المحدودة على الجيش السوري، وتعطيل قدراته الجوية، وهو خيار مطروح منذ زمن، خصوصاً أن المتابع لسياق التباينات داخل الإدارة الأميركية، يلاحظ ما يلي:

1-   منذ بداية الأزمة السورية كان هناك قرار رئاسي واضح، يدعمه البنتاغون الأميركي، بعدم التدخل العسكري المباشر في سوريا، لأن الأميركيين الذين ما زالوا لغاية اليوم يدفعون ثمن حروب بوش في العراق وأفغانستان، هم بغنى عن مغامرة عسكرية أخرى يُدخلون فيها الجيش الأميركي في حرب يعرفون كيف تبدأ ولا يعرفون كيف تنتهي.

2-   في المقابل، كانت وزارة الخارجية الأميركية خلال عهد هيلاري كلينتون - وكما كشفت نصوص عقيدة أوباما في "ذي اتلانتك" - تميل إلى مزيد من التدخُّل العسكري الأميركي، وإلى إعطاء المجموعات المسلّحة في سوريا ما تحتاج إليه للانتصار في المعركة ضد النظام السوري. أما في عهد جون كيري، وبالرغم من جولاته التفاوضية المستمرة مع الروس، فالغالب أنه وجزء هام من إدارة وزارة الخارجية كانوا يميلون لصالح الخيار العسكري، والدليل الوثيقة الاعتراضية المسرَّبة عن 51 مسؤولاً في الخارجية، والتي انتقدت سياسة أوباما في سوريا وطالبت بتدخُّل عسكري أكبر، بالإضافة إلى تهديدات كيري المستمرة بالخطة "ب"، وأخيراً كلام كيري المسرَّب عن لقائه مع معارضين سوريين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ونشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، والذي عبّر فيه عن إحباطه لأن جهوده الدبلوماسية لإنهاء النزاع في سوريا لم يتم دعمها بعمل عسكري تشنّه الولايات المتحدة.

الأرجح أن جون كيري، في تفاهمه الأخير مع لافروف، كان يراهن على تكرار سيناريو الهدنة السابقة، أي إلزام الروس والسوريين بفعل لا شيء، بينما يُعطى الأميركيون وحلفاؤهم الوقت الكافي لإعادة تسليح المجموعات المسلحة ومدّها بالإمداد اللازم لاستئناف القتال، بينما يأخذ المسؤولون العسكريون الأميركيون على ذلك التفاهم أنه كان بصدد سحب ورقة هامة يملكها الأميركيون في استراتيجتهم العسكرية في سوريا، وهي ورقة القتال عبر الجماعات المسلحة، ففصل "النصرة" عن المجموعات المسلحة الأخرى يعني فعلياً إضعاف المجموعات المسلحة في مقابل الجيش السوري، فالقتال في سوريا يعتمد بشكل رئيسي على "النصرة"، ولا يمكن للبنتاغون أن يخسر ورقة رابحة في النزاع السوري بدون أن يطلب في المقابل مكاسب سياسية كبرى لم تكن موجودة في الاتفاق الأخير.

تحسُّباً لهذا الخيار، صعّد الروس من وتيرة تهديداتهم العلنية، وقاموا بتزويد الجيش السوري بصواريخ "أس 300"، للدفاع عن النفس "القانوني والمشروع في القانون الدولي"، في حال قرر الأميركيون المغامرة بهذا الخيار.

برأيي، وبناءً على دراسة المعطيات الشخصية للرئيس أوباما، والتاريخية المتعلقة بدروس الحروب في الشرق الأوسط، وكلفة أي خيار عسكري غير محسوب النتائج، وتأثيره على نتائج الانتخابات الأميركية، يمكن القول إن الأميركيين لن يذهبوا الى خيار الحرب مع روسيا ولا إلى خيار الضربات الجوية المحدودة للجيش السوري، فما لم يفعله أوباما خلال أزمة الكيماوي لن يفعله وهو يغادر البيت الأبيض، وقد تكون حادثة دير الزور تجربة أراد الأميركيون من خلالها اختبار مدى استعداد الروس للردّ، وأتتهم النتيجة واضحة.

لذا، سيركّز الأميركيون في هذه الفترة الانتقالية على الانتصار على "داعش" في الموصل أو الرقة، بينما يحرصون في المقابل على عدم السماح للروس وحلفائهم بقلب موازين القوى العسكرية، والإبقاء على التوازن السلبي بين جميع القوى في سوريا، مما يستنزفها جميعها؛على طريقة "عدو عدوي في الشرق الأوسط يبقى عدوي".

2016/09/29

الروس... وسيناريو "الأفغنة" في سوريا


د. ليلى نقولا
بدأت الحملة العسكرية للجيش السوري لتحرير حلب بعد انهيار الهدنة الروسية الأميركية التي كان واضحاً أنها لم تكن جدّية من الأساس، والتي نشر الروس بعض وثائقها، بينما سرّب الأميركيون في وقت سابق بعض بنودها.

ولعل التستُّر الأميركي على بنود الهدنة، ثم قيام مقاتلات التحالف الدولي بشنّ غارة على الجيش السوري في دير الزور، والتمهيد لـ"داعش" لاحتلال بعض المراكز الاستراتيجية، يشيرون إلى أن الاستنزاف - استنزاف الجميع - ما زال الخيار الأفضل بالنسبة للإدارة الأميركية والبنتاغون، وهو ما دفعهم إلى التصعيد العسكري والإعلامي والاشتباك الدبلوماسي مع الروس في مجلس الأمن.

ولعل التصريحات الأميركية حول أن انهيار الهدنة في سوريا قد يؤدي إلى قيام حلفائهم الخليجيين والسعوديين، وحتى الأتراك، بإمداد فصائل المسلحين السوريين بصواريخ مضادة للطائرات قد تكون جزءاً من التفكير الاستراتيجي الأميركي بتحويل الساحة السورية إلى مستنقع للروس، مستعيدين التجربة الأفغانية، ويعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون ذلك، كما قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال جوزيف دانفورد، خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلَّحة في مجلس الشيوخ، حين اعتبر أنه ما زال من غير الواضح إن كانت روسيا قد باتت في مستنقع في هذا الوقت في سوريا، قبل أن يستدرك ويُطمئن بأن الأميركيين وحلفاءهم يملكون مجموعة واسعة من الخيارات العسكرية التي يمكن أن تساعد في تغيير الحسابات الروسية في سوريا.

فما هي الاحتمالات المتاحة أمام خيار "الأفغنة"؟

بداية، شكّلت أفغانستان - تاريخياً - بالنسبة للروس درساً عسكرياً مؤلماً يستفاد من خبرته ويُخشى من تكراره، تمامًا كما الدرس الفيتنامي للأميركيين، وهو درس عسكري استفادت منه جميع الدول الكبرى التي تقاتل في حروب لامتماثلة، حيث يغرق الجنود في حروب العصابات التي من الصعب جداً لأي جيش نظامي أن ينتصر فيها. من هنا، يدرك الأميركيون أهمية أفغانستان في الذاكرة الجماعية الروسية، لذا يحاولون بشكل دائم التهويل على الروس - إعلامياً وسياسياً - بالمستنقع السوري لثنيهم عن التقدُّم العسكري في سوريا.

أما عسكرياً، فتجزم الدراسات العسكرية أن سلاح الجو وحده لا يستطيع أن يحسم معركة، لذا تحتاج المعارك إلى جيوش برّية تقاتل على الأرض لكسب الحرب. من هنا، فإن ما يخفف من الخسائر الروسية وإمكانية استنزافهم بشرياً في سوريا، الاتكال على القوة البرية التي يشكّلها الجيش السوري وحلفاؤه للتقدم برياً في المعارك التي يمهّد لها سلاح الجو الروسي.

أما بالنسبة للصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف، والتي تمّ بالفعل إدخال البعض منها إلى الساحة السورية، وهي التي ساهمت في إسقاط بعض الطائرات السورية في وقت سابق، والتي يهدد الأميركيون باحتمال مدّ المجموعات المسلحة بها لإسقاط الطائرات الروسية، فأمام هذا الخيار مصاعب عدة، أبرزها:

1-      تبدُّل ولاءات المجموعات المسلحة في سوريا، وتفلُّت بعضها من قبضة الراعي الإقليمي أو الدولي والالتحاق بتنظيم "داعش" أو "النصرة"، وللأميركيين تجربة مُرّة مع "نواة الجيش السوري" الذين حاولوا تأسيسه في تركيا ولم يبقَ لهم منه سوى خمسة عناصر، بينما استسلم الآخرون وسلّموا أسلحتهم الأميركية لـ"جبهة النصرة".

2-      سوق بيع الأسلحة الذي يدرّ ملايين الدولارات على المُتاجرين به، وإمكانية قيام المجموعات المسلَّحة ببيع هذه الصورايخ لجهات غير مرغوب فيها، تقوم بإطلاق تلك الصواريخ على طائرات التحالف الدولي في سورية والعراق، أو على الطائرات التركية التي تقاتل في الشمال السوري.

3-      يعمل الطيران الروسي بشكل أساسي في وسط وشمال سوريا أكثر من الجبهة الجنوبية (الحدود الأردنية - أو الحدود مع الجولان المحتل)، لذا يجب إدخال الصواريخ تلك بعد موافقة تركيا على إدخالها، فهل يغامر أردوغان بالسماح بإسقاط طائرة روسية أخرى في الشمال السوري؟

4-      احتمال أن يقوم بعض خبراء التحالف الدولي بإدخال بضعة صواريخ، وإطلاقها على الطائرات الروسية لإسقاطها، لإرسال رسالة تهديد للجيش الروسي، لكن أمام هذا الخيار مصاعب أخرى، أهمها شخصية فلاديمير بوتين، الذي سينتقم بشكل شديد، وإمكانية الرصد والاستطلاع المتطورة التي ستمكّن الروس من كشف مسار هذه الصورايخ ودخولها والجهة التي أطلقتها، والتي قد تسبب حرب مباشرة بين الغرب وروسيا، وهو خيار عالي الكلفة والمخاطر قد لا يتحمل أحد تكلفته.

في النتيجة، يبدو خيار استنزاف الروس من خلال "الأفغنة" صعباً في المدى القصير والمتوسط، بينما قد يكون متاحاً على المدى الطويل، ويدرك الروس جيداً هذا الأمر، لذا يهرولون إلى التفاهم مع الولايات المتحدة كلما سنحت لهم الفرصة، إذ تبقى كلفة أي حل سياسي أفضل بكثير من الاستنزاف الطويل الأمد، ولعل تجربة فشل الهدنة الأخيرة دفعتهم إلى الإيمان بأن لا حلّ متاح أمامهم للتخلص من سيناريو "الأفغنة" المرعب، سوى الذهاب إلى محاولة حسم عسكري يقلب موازين القوى السورية، ويدفع الرئيس الأميركي القادم إلى طاولة المفاوضات.

2016/09/22

بين عُقَد الهدنة السورية وإفشالها...مَن يحكم أميركا؟


د. ليلى نقولا
أثارت الضربات الجوية التي شنّتها طائرات التحالف الدولي على الجيش السوري في دير الزور نوعاً من الصدمة، لسببين؛ الأول: أن حبر التفاهم الروسي الأميركي حول الهدنة لم يجفّ بعد، والثاني: ما ظهر أنه نوع من "التعاون" بين التحالف الدولي و"داعش"، بعدما استفاد التنظيم الإرهابي من الضربة الجوية ليسيطر على بعض المناطق الاستراتيجية الهامة في سوريا.

وبالرغم من إعلان التحالف أن الأمر كان خطأ استخبارياً، وأنه يحقق في الموضوع، إلا أن كل ما حصل منذ إعلان الاتفاق ولغاية اليوم يثير العديد من التساؤلات حول آلية اتخاذ القرار في الولايات المتحدة، خصوصاً بسبب ما ظهر - إعلامياً على الأقل - من أن البنتاغون ساهم من خلال هذه الضربة الجوية في إفشال هدنة كانت وزارة الخارجية الأميركية قد اتفقت عليها مع الروس.

يُجمع الباحثون على أن دراسة صُنع القرار في الإدارة الأميركية هي مغامرة صعبة، فهناك العديد من العوامل والظروف الموضوعية والتاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى تعدُّد اللاعبين والقوى في صياغة والتأثير عليه، مع العلم أن أياً منها ليست له صفة الحسم في كل منها، فما يستطيعه طرف ما في قضية ما، قد لا يجعله المؤثر الحاسم في كل القضايا.

بشكل عام، تتأثر عملية صُنع القرار في أي دولة بأمرين: الطرف المقرِّر، والبيئة أو الظروف الموضوعية والزمانية والمكانية المتعلقة بالقرار، علماً أن الظروف التاريخية السابقة للقرار، والتأثيرات اللاحقة للقرار، تشكّل في ذهن صاحب القرار ومحيطه العديد من الدوافع السيكولوجية والموضوعية لاتخاذ القرار أو عدمه.

وفي تطبيق ذلك على الأميركيين والتفاهم مع الروس، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نُغفل تأثير وتصوّرات الحرب الباردة وما لها من جذور نفسية وسيكولوجية في ذهن صانع القرار والجمهور الأميركي على حد سواء، ما يعني أن أي تفاهم يعقده الأميركيون مع الروس سيكون مطبوعاً بعدم الثقة والخوف من "العدو" التاريخي.

وتبدأ عملية صنع القرار عامة في السياسة الخارجية، بدوافع أساسية، أي الحاجة إلى اتخاذ قرار بسبب وجود تغيرات في البيئة الخارجية، والذي يتأثر بشكل أساسي وحاسم بتقدير للموقف "Definition of situation"، أي نظرة صاحب القرار ورؤيته للتطورات، ووعيه للأخطار. من هنا، ندرك أن البيئة العسكرية المتشكّلة في سورية بعد حصار حلب، جعلت الأميركيين يؤمنون بحاجة إلى عقد تفاهم - هدنة مع الروس يحفظ الستاتيكو الميداني في سورية خلال مرحلة انتقالية بين رئيسين أميركيين، لأن خسارة حلب في هذا الوقت بالذات كانت ستسبب انقلاباً في موازين القوى لصالح الجيش السوري وحلفائه.

ولعل تقدير الموقف هذا، هو التباين الأساسي بين كل من وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون، فالتصورات لحجم الخطر والتهديد وفُرَص نجاح الهدنة في سورية تأثروا بالتصورات العقائدية والخلفيات الفكرية والاجتماعية وأدوار كل منهما.

ظهر التباين واضحاً بين كل من البنتاغون ووزارة الخارجية في خيار التفاهم مع الروس، وتجلّى في عوامل عدّة، أهمها: الهدف من هذه الهدنة، وتأثيرها على الأهداف الأخرى التي يريد الأميركيون تحقيقها في سورية، والنتائج المترتبة عليها، وهل هناك بدائل أفضل من خيار التعاون مع الروس لتحقيق الأهداف الأميركية؟

كما يبدو من دراسة صنع القرار الأميركي في الذهاب إلى الهدنة، فإن الرئيس الأميركي ومعه الخارجية اتخذا صيغة "الخيار العقلاني" (Rational choice)، الذي يؤمّن المصلحة الأميركية، أي دراسة البدائل، واختيار الموقف الأقل كلفة والأكثر ربحاً، أي تحقيق الربح النسبي الأكبر بإطالة فترة الاستنزاف، ومنع "العدو" من تحقيق مكاسب ميدانية، مستغلاً انشغال الأميركيين بانتخاباتهم الرئاسية.

بينما يبدو أن البنتاغون الرافض بقوة لخيار التفاهم مع الروس، قد اختار "النموذج الإدراكي" (Cognitive model)، أي رفض الخيارات التي أثبتت عدم جدواها في السابق، والبحث عن البدائل التي تتفق مع التصورات والعقيدة الأميركية التي تجد في الروسي "خطراً دائماً" على الأمن القومي الأميركي، ويجب منعه من التحوُّل إلى قوة عالمية، أو على الأقل من التحوُّل إلى قوة تُقاسم الأميركيين النفوذ في الشرق الأوسط.

كل هذا مقبول خلال صناعة القرار، لكن المشكلة تكمن لدى الأميركيين في أن الانقسام داخل الإدارة الأميركية ظهر إلى العلن بعد اتخاذ القرار، وقامت الأطراف الأميركية بمحاربة بعضها على الأرض السورية، فالغارة الجوية في دير الزور أصابت جون كيري قبل أن تصيب الجيش السوري، وأضرّت بصورة أميركا في الشرق الأوسط قبل أن تضرّ بالروس، وشوّهت صورة الرئيس باراك أوباما المتَّهم بالتردد والعجر؛ بإظهاره غير قادر على فرض وجهة نظره على المعترضين داخل إدارته.. علماً أن هذا التحليل يبقى بناءً على فرضية أن الخارجية الأميركية كانت صادقة بالذهاب إلى التفاهم مع الروس، اللهم إلا إذا كان الموضوع كله توزيع أدوار داخل الإدارة الأميركية، لكنها فرضية مستبعَدة، بسبب الضرر الكبير الذي لحق بصورة الإدارة الأميركية، ولا ينسجم مع صورة الولايات المتحدة كدولة عظمى، آمَنَ الجميع في العالم بتجذُّرها بالمؤسساتية والديمقراطية.