2016/12/29

مقابلة حول مفاوضات آستانة والدور التركي

ما بعد حلب... تحوّل في الاستراتيجية الأميركية؟


د. ليلى نقولا
لم تتضح بشكل مفصّل السياسة الخارجية التي سينتهجها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، وما زال من المبكّر الحكم على مدى التزامه بالوعود التي قطعها في حملته الانتخابية فيما خصّ سياسته الخارجية، خصوصاً الشرق أوسطية.

من خلال اختياره للشخصيات في إدارته، ومن خلال دراسة سيرة المرشحين لتبوء مناصب رفيعة في الإدارة الأميركية، ومن خلال دراسة تصريحات ترامب ومستشاريه، يمكن القول إن الرئيس الأميركي سينتقل من استراتيجية "الاستنزاف" التي اتبعها الرئيس السابق باراك أوباما، إلى استراتيجية "تفكيك الأحلاف".

خلال عهد الرئيس باراك أوباما، كان واضحاً أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد الانخراط العسكري المباشر في الحرب السورية الدائرة، لكنهاالتزمت بتقديم الدعم السياسي واللوجستي والتقني والإعلامي لما تسميه "المعارضة المعتدلة"، بهدف إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وفيما بعد، وبعد تعذّر تحقيق الهدف المنشود خلال "أشهر معدودة"، كما وعد الرئيس أوباما ومعاونوه مراراً، وبعد تيقّن الإدارة عدم إمكانية تحقيق هذا الهدف بعد التدخُّل العسكري لكل من إيران وروسيا وحزب الله، وعدم وجود بديل "مقبول" للحكم في سورية تستطيع تسويقه في سورية والعالم، انتقل الأميركيون إلى استراتيجية "الاستنزاف"، من خلال تحقيق توازن القوى، بحيث يقوم الأميركيون بإمداد المجموعات المسلّحة بالأسلحة والعتادوالتدريب، وتأمين مصادر تمويل، ليس بهدف إسقاط الأسد، بل بهدف الاستمرار بالقتال إلى ما لا نهاية، حيث يُنهك الجميع (الارهابيون، والروس، والإيرانيون، والجيش السوري، وحزب الله)، فيستفيد الأميركيون و"الإسرائيليون" من استنزاف الكل في حرب الكل ضد الكل.

لكن وصول ترامب الى السلطة، واختيار فريق إدارته، وإعلانه المستمر عن نيته التعاون مع الروس، يشير إلى أن الهدف سيكون "تفكيك الأحلاف"، خصوصاً تلك التي ساهمت إدارة أوباما بتمتينها وتقويتها انطلاقاً من وحدة المصالح والمخاطر، فما هي الأحلاف التي قد يحاول ترامب تفكيكها؟

أولاً: الحلف الروسي - الصيني

يشير اختيار الثلاثي؛ وزيري الخارجية "تيلرسون" والدفاع "ماتيس" ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي "فلين"، والمعروفين بتعاطفهم وتأييدهم للتقارب مع الروس،إلى أن الرئيس الأميركي المقبل سيكون جدياً في سياسة التعاون مع روسيا، وفي فتح صفحة جديدة في العلاقات الروسية الأميركية، لطالما نادى بها الروس خلال عهد أوباما، لكن إدارة الأخير والبنتاغون كانا ضدها.

أما بالنسبة للصين، فلترامب نظرة مختلفة، وتسيطر على فكر مرشحي إدارته؛ هاجس "احتواء" الصين كونها مرشحة لتنافس الولايات المتحدة على الساحة العالمية، وقد أعلن ترامب مسبقاً عزمه على إعادة التفاوض مع الصين حول قضايا التجارة المتبادلة.

من هنا، فإن ترامب قد يستخدم التقارب مع الروس للضغط على الصين، وكما استفادت الصين - في وقت سابق - من قيام الروس بإشغال الأميركيين في الشرق الأوسط، لتأخيرهم عن تنفيذ استراتيجية "الاستدارة نحو آسيا"، قد يستفيد ترامب من التقارب مع الروس وتوفير الجهد العسكري المبذول في كل من العراق وسورية، وتحويله إلى بحر الصين الجنوبي، للقيام باحتواء الصين عسكرياً، للضغط عليها في مجلات أخرى كالاقتصاد والتجارة وغيرها.

ثانياً: الحلف الروسي - الإيراني

شخصيات ثلاث في إدارة ترامب مهيّأة لتنفيذ سياسة ترامب العدائية تجاه إيران: مستشار الأمن القومي "فلين"، ووزير الدفاع"ماتيس"، ومدير سي أي أي "بومبيو".

بشكل عام، لم تكن العلاقات التاريخية بين كل من إيران وروسيا موسومة بالثقة، لكن المصالح المشتركة في تحدي المشروع الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الحرب في سورية، جعلت هذه العلاقة تختلف عما سبق، ما يعني أن الاميركيين (خلال عهد أوباما) ساهموا بشكل أو بآخر بتمتين العلاقة الروسية - الإيرانية ونقلها إلى إطار استراتيجي مختلف عما قبله.

قد يفكّر الأميركيون بأن التعاون مع الروس في القضية السورية، وأولوية محاربة "داعش" على إسقاط النظام السوري، وإعطاء روسيا ما تريد من نفوذ في أوروبا الشرقية، سيجعلون روسيا تعيد النظر في تحالفها الاستراتيجي مع إيران، باعتبار أن ما يريد الروس تحقيقه من مصالح من خلال هذا الحلف قد أعطتها إياه الولايات المتحدة مباشرة، فلماذا تُبقي على حلفها مع إيران، خصوصاً أن للدولتين مصالح اقتصادية متباينة ستظهر تباعاً بعد حل الأزمة في سورية؟

قد يكون هذا ما يفكّر به ترامب، ولا شكّ أنها استراتيجية ذكية، لكن ليس بالضرورة أن تنجح في تنفيذ الأهداف الأميركية المرسومة، فمنذ الحرب الأميركية على العراق ولغاية اليوم، تعاني الاستراتيجيات الأميركية في الشرق الأوسط من مشاكل في التنفيذ، لكن هذا لا يعني أن الأميركيون لا يمتكلون أدوات القوة الكافية لفرض نفوذهم في الشرق الأوسط، والانتقال من خطة إلى أخرى لتحقيق الأهداف المرجوّة.

2016/12/15

تحرير حلب وسقوط تدمر!... كيف ولماذا؟


د. ليلى نقولا
بانتصار الجيش السوري وحلفائه في حلب، تكون قد فُتحت صفحة جديدة من صفحات الحرب السورية، عنوانها قدرة الدولة السورية على استرجاع الأراضي من سيطرة المسلحين، أو كما وعد الرئيس السوري بشار الأسد: تحرير كامل الأراضي السورية بدون استثناء.

ولعل المفاوضات الروسية - الأميركية التي رافقت الحملة العسكرية السورية في حلب، أظهرت عدم قدرة الأميركيين على السيطرة على قرار المسلحين، بدليل أنهم رفضوا دعوات جون كيري للانسحاب، بينما استمر الأتراك في المفاوضة حتى اللحظات الأخيرة، وهو ما أثمر اتفاقاً يقضي بخروج المسلحين إلى الأرياف.

لكن، بلا شكّ، كانت لعودة "داعش" للسيطرة على تدمر، نتائج سلبية على مسار الحرب الدائرة في سورية ضد الإرهاب، وعلى الانتصار الذي حققه الجيش السوري وحلفاؤه في حلب، ويتبين من التصريحات الروسية بعد سقوط تدمر مرة أخرى بيد "داعش"، أن الروس كانوا الأكثر استياءً من سقوط تدمر، وفي تبريرهم لأسباب السقوط، ركّز الروس - بحسب إعلامهم - على عاملين:

أولاً: فشل الاستخبارات العسكرية السورية، فقد دخل المئات من مقاتلي "داعش"إلى الرقة في شهر تشرين الثاني كمدنيين، وهؤلاء استطاعوا السيطرة بسهولة على مراكز الجيش السوري على المرتفعات،والتي لم تكن محميّة بشكل جيد كما يؤكد الروس، بالإضافة إلى تأخُّر الاستخبارات العسكرية السورية في إيصال المعلومات حول أرتال "داعش" المهاجمة إلى الروس في قاعدة حميميم وقيادة السفن الروسية في البحر الأبيض المتوسط، ما تسبب في العجز عن توجيه ضربات قبل دخولهم إلى المدينة الأثرية.

ثانياً: يشير الروس إلى قيام التحالف الدولي بفتح ممر خاص سُمح لمقاتلي "داعش" المحاصَرين في الموصل بالخروج منه، وتمّ توجيههم فوراً نحو تدمر.

إن صحّت التبريرات الروسية، وإن ثبُت بالفعل أن التحالف الدولي قد وجّه "داعش" نحو الرقة لاحتلالها، فهذا قد يشير إلى معطيات هامة أبرزها ما يلي:

1-      أن صلاحية استخدام "داعش" كورقة للاستنزاف لم تنتهِ بعد، وأنه ما زال بيَد الأميركيين الكثير من الأوراق للعبها، حتى لو انفردت تركيا بورقة المسلحين من المجموعات المسلحة الأخرى. ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى تقدم "داعش" والسيطرة على تدمر بهذه السهولة، كما قتاله على مشارف مدينة الباب لصدّ الأتراك ومجموعاتهم المسلّحة، بينما قام في وقت سابق بتسليم مناطقه تسليماً لقوات "درع الفرات" التركية.

2-      كما تشير إلى أن الأميركيين، وبالرغم من تصريحات الرئيس المنتخَب دونالد ترامب الواعدة حول التعاون مع الروس وقيامه بتشكيل إدارته من المؤيّدين لعلاقات أفضل مع الروس، يحاولون في هذه الفترة الفاصلة اكتساب أوراق تفاوضية إضافية يقدمونها للرئيس، لاستخدامها خلال المفاوضات المقبلة حول تقاسم النفوذ في سورية.

3-      قد يهدف البنتاغون إلى إرسال رسالة مزدوجة إلى الرأي العام الأميركي وإلى الرئيس المنتخَب دونالد ترامب، الذي اعتبر أن استراتيجية مكافحة الإرهاب فاشلة، وأن المعركة ضد "داعش" كارثية وتحتاج إلى إعادة نظر.

سقوط تدمر مرة أخرى يشير إلى فشل الاستراتيجية الروسية لمكافحة الإرهاب، خصوصاً بعدما تباهى الروس مراراً بنجاحهم في مكافحة الإرهاب، بدليل تحرير تدمر بعد وقت قصير نسبياً من تدخّلهم العسكري المباشر في سورية، وعدم قدرة الأميركيين على استعادة المدن العراقية من "داعش" بسرعة.

وقد يكون الأميركيون قد استفادوا  إعلامياً من سقوط تدمر، للقول إن الحفاظ على الانتصار وتثبيت الاستقرار بعد تحرير مدينة من الإرهاب، أصعب من التحرير نفسه، وإنه باستطاعة جيش ما أن يسيطر على مدينة عسكرياً، لكن استكمال السيطرة وفرض الاستقرار هو التحدي الأساسي، وإن "داعش" لم يستطع استعادة أي مدينة عراقية بعد تحريرها، وذلك بسبب استراتيجتهم المعتمَدة على دراسة المعطيات وتثبيت مقومات الدفاع بعد نجاح الهجوم.

بالنتيجة، تحرير حلب وتزامنها مع سقوط تدمر يكشف - بشكل أساسي - أن انتصار الجيش السوري واستعادة مدينة كبرى مثل حلب، لا يمكن أن يشكّل نهاية للحرب السورية، باعتبار أن الدول الكبرى والدول الإقليمية ما زالت مستعدّة للقتال حتى آخر سوري،إلى أن تحقق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وأن جميع القوى ما زالت قادرة على التحشيد وإمداد المعارك السورية بالمقاتلين الذين لا يملكون سوى الاختيار بين الموت في الأراضي السورية أو الاعتقال في بلدانهم،ويخطئ من يعتقد أن الحلّ في سورية هو حلّ عسكري، بل هو حلّ سياسي بالضرورة، وما الميدان إلا وسيلة يهدف من خلاله كل طرف إلى تحقيق مكاسب ونفوذ في منطقة سيتغيّر شكلها بعد الحرب السورية لمئة سنة مقبلة.

2016/12/08

هل سيؤدي تعاون ترامب مع الروس الى حل سوري؟


د. ليلى نقولا
قد تتعدد الأسباب التي أدّت إلى انهيار المسلحين في حلب، وفرارهم أو تسليم أنفسهم للجيش السوري الذي يتقدم بسرعة غير مسبوقة في أحياء حلب لتحريرها، لكن اللافت في الأمر أن المسلحين فوّضوا الأتراك بالتفاوض على خروجهم من حلب بعد يوم واحد من إعلانهم أنهم لن يخرجوا، وذلك في ردٍّ واضح وصريح على جون كيري الذي كان يفاوض الروس على خروجهم، وكأنهم بذلك يقطعون على الأميركيين أي إمكانية للاستفادة من هذا الخروج، ويمنحون الأتراك ورقة تفاوضية تضاف إلى الأوراق التي يجمعها التركي في سوريا.



أساساً، لم تكن أطراف الإدارة الأميركية الفاعلة على الأرض السورية متّفقة على المفاوضات التي يُجريها وزير الخارجية مع الروس، وأتت تصريحات المسلحين لتعمّق الإحراج الذي يشعر به جون كيري، ففي سيناريو مكرر عن حادثة دير الزور التي قطعت الطريق على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقده كيري مع لافروف، وما أن انتشرت أخبار عن لقاء مرتقَب بين كيري ولافروف للاتفاق على إخراج المسلحين من حلب، حتى تمّ استهداف المستشفى الميداني الروسي، حيث يذكر الكرملين أن إحداثياته أُعطيت للمسلحين بدقة.

واقعياً، تبدو جميع الأطراف الضالعة في الحرب السورية على عجلة من أمرها، لمحاولة تغيير موازين القوى على الأرض، ويجنح أطراف الإدارة الأميركية الحالية إلى فعل شيء ما يحفظ المجموعات المسلحة السورية، وذلك قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، خصوصاًأن الأسماء التي يختارها ترامب لإدارته تؤشّر إلى تغيير حقيقي في السياسة الأميركية في سوريا، خصوصاً بالنسبة لدعم تلك المجموعات.

بالتأكيد، تخشى الإدارة الحالية ومعها صقور البنتاغون من تأثير مستشاري ترامب والوزراء الجدد، خصوصاً مايكل فلين؛ مستشار الرئيس للأمن القومي،والذي سيكون له تأثير كبير على سياسة ترامب السورية، فمن المعروف أن فلين كان رئيساً للاستخبارات العسكرية الأميركية بين 2012 و2014، واستقال بعد نشوب خلافات بينه وبين فريق الرئيس الأميركي باراك أوباما حول سوريا بالتحديد.

وقد نشبت تلك الخلافات بعدما أصدرت وكالة الاستخبارات العسكرية بقيادة فلين وهيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي بقيادة الجنرال مارتن ديمبسي تقريراً عام 2013، تشير فيه إلى "عدم وجود معارضة معتدلة قابلة للحياة في سوريا"، وأن "الولايات المتحدة بالتالي تسلّح المتطرفين". كما توقع التقرير أن يؤدي سقوط الأسد إلى الفوضى، وربما سيطرة "الجهاديين" على سوريا؛ كما حصل في ليبيا. ويُعتبر فلين من أكثر المؤيدين لخيار التعاون والتنسيق مع الروس للقضاء على "المتطرفين"، وفي مقابلات صحفية بعد استقالته، اعتبر فلين أن الادارة تجاهلت عمداً تقرير الاستخبارات العسكرية، واعتبر أن "ذلك كان قراراً مدروساً"، وأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته إدارة أوباما هو الاستمرار بدعم المجموعات المسلحة السورية.

انطلاقاً مما سبق، يمكن القول إنّ توجُّه الإدارة الجديدة بمحاربة الإرهاب يبدو جدياً لغاية الآن، خصوصاً بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد، أن البنتاغون يقوم حالياً بمراجعة استراتيجيته لمحاربة الإرهاب بتوجيهات من الرئيس المنتخَب دونالد ترامب، وعلى هذا الأساس يحاول كل من البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إي) ووزارة الخارجية الأميركية في الفترة الانتقالية بين عهدَي ترامب وأوباما، أن يحافظوا على المجموعات السورية المسلحة، والاستفادة منها قدر المستطاع.

لكن هل يعني هذا الحل السوري بات قريباً بعد مجيء ترامب؟

من خلال ما رشح من أسماء الإدارة الجديدة للرئيس ترامب، يبدو الرئيس الأميركي جدياً في تطبيق ما جاء في عناوين حملته الرئاسية من أنه يريد أن يتعاون مع الروس في القضية السورية، وأن أولويته القضاء على "داعش"، وأن مشكلته ليست في بقاء بشار الأسد، ولعل تلك المعايير تُنهي الإشكاليات الرئيسية التي عطّلت جنيف وأفشلت الحوار السوري - السوري، لكنّ عداءه لإيران قد يمنع الوصول إلى حلٍ سريع في سوريا، إذ إن الاتفاق على فكرة التعاون مع الروس من أجل الوصول إلى حل سياسي في سوريا لا يعني بالضرورة أن الاتفاق على أسس هذا الحل السياسي قد تمّ، بالإضافة إلى أن تصوُّر الحل الذي قد يرضي الروس والأميركيين قد لا يرضي الإيرانيين، وهم فاعل أساسي في القضية السورية، ولا يمكن تجاهله أو المسّ بمصالحه في سوريا.

المشكلة التي قد يواجهها الوصول إلى حل في سوريا، هو محاولة ترامب تحجيم الإيرانيين ومنعهم من تحقيق مكاسب ونفوذ في سوريا، ومحاولة إلغاء الاتفاق النووي، أو على الأقل تحجيم قدرة الإيرانيين على الاستفادة من هذا الاتفاق، بالإضافة إلى مستقبل الوجود العسكري الأميركي والتركي في الشمال السوري، ناهيك عن مستقبل القواعد العسكرية الأميركية في تلك المنطقة. في المقابل، سيجد الروس أنفسهم أمام إشكالية التوفيق بين مصلحتهم الاستراتيجيةبالتعاون مع الأميركيين وتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، وبين مصالح السوريين ومصالح حلفائهم الإيرانيين، الذين سيتعرّضون لمحاولة احتواء من الإدارة الجديدة.

2016/11/17

رسائل الشمال السوري الى ترامب


د. ليلى نقولا
يعيش الشمال السوري مرحلة مصيرية هامة، باعتبار أن الأشهر المقبلة التي تفصل الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب عن البيتالأبيض تشكّل أكثر من مسافة فاصلة بين عهدين في السياسة الأميركية، إذ أنها قد تكرّس - إن صدقت وعود ترامب الانتخابية - عهداً جديداً من التعاون بين الأميركيين والروس في سورية.

ويواجه الأميركيون مشاكل عدّة في الشمال السوري ينبغي حلّها في هذه الفترة الفاصلة، أهمها:

1-      السباق بين الأميركيين والروس على قلب موازين القوى الميدانية: يبدو من الواضح أن البنتاغون يسعى لتحقيق مكاسب عسكرية كاسرة للتوازن مع الروس وحلفائهم في سورية، خصوصاً في الشمال السوري، وذلك بعدما أفشل في وقت سابق اتفاق لافروف - كيري، وعطّل إمكانية عقد أي تفاهم بين وزارة الخارجية الأميركية والروس خلال الأشهر المتبقية من عهد أوباما.

في المقابل، يسعى الروس للحفاظ على تفوّقهم العسكري وقلب موازين القوى العسكرية لصالحهم، لفرض وجهة نظرهم على الإدارة الأميركية المقبلة، مع العلم أن المسار العسكري الروسي يقف إلى حد بعيد عند خطوط حمراء دولية لا يريد الروس أن يتجاوزوها، وهي الإبقاء على إطار للتعاون مع الأميركيين،وأن يصلوا في النهاية إلى أهدافهم السياسية برضى الولايات المتحدة وليس ضدها.

2-      الابتزاز التركي للأميركيين، من خلال الصراع بالوكالة، عبر المجموعات المسلحة السورية، بين الأميركيين والأتراك داخل الأراضي السورية؛ فالاقتتال بين الفصائل المنضوية في "درع الفرات" في مدينة "أعزاز" للسيطرة على المعابر، وإن لم يكن مفاجئاً في حصوله، لكنه هام في توقيته وأهدافه قبيل انطلاق الحملة التركية نحو مدينة "الباب" السورية. أما السبب المعلن لهذه المعارك فهو اتهام "أحرار الشام" (الموالية للأتراك) لبعض الفصائل الأخرى بالخيانة، من خلال تمرير السلاح والمعلومات لـ"وحدات حماية الشعب الكردية"، وهذا الاقتتال والسيطرة على المعبر يُعدّ انقلاباً على تفاهمات سابقة بين الأتراك والأميركيين بتسهيل مرور السلاح والعتاد إلى الفصائل المدعومة أميركياً، والتي تقاتل باسم "قوات سورية الديمقراطية".

وقد يكون الأتراك في هذه اللحظة قد استوعبوا أن الأميركيين محرَجين اليوم بين عهدين متناقضين، لذا يحاولون الضغط عليهم عسكرياً وابتزازهم من خلال معادلة: إما القبول بالاحتلال التركي لمدينة الباب ثم الرقة، وإلا تحريض الفصائل السورية على إخراج الأميركيين عسكرياً من الريف الشمالي لحلب بكاملها؛ تماماً كما فعل أردوغان مع الأوروبيين حين نجح في ابتزازهم من خلال الضغوطات الإنسانية وتدفُّق اللاجئين.

3-   الإحراج الأميركي بالتقاتل بين الحلفاء (الأتراك والأكراد)، والسباق المحموم لكل منهم نحو مدينة الباب الاستراتيجية لتحريرها، إذ يحتاج الأكراد للسيطرة على "الباب" لتحقيق التواصل الجغرافي بين كانتونَي "عفرين" و"عين العرب"، بينما تحقق تركيا من خلال الوصول إلى "الباب" والسيطرة عليها هدفين: الأول، منع الأكراد من تحقيق ربط جغرافي للإقليمين الكرديين اللذين تسيطر عليهما "وحدات الشعب الكردية"، أما الثاني فيكون في فرض الجيش التركي كمحرّر للرقة من "داعش"، ما يعني تحقيق المنطقة الآمنة التي لطالما نادى بها أردوغان، والتي تقدَّر مساحتهابنحو 5 آلاف كيلومتر.

وضمن هذا الصراع بين الحلفاء، لا يستطيع الأميركيون التخلّي عن "قوات سورية الديمقراطية"، التي أظهرت أنها قد تكون الحليف الأفضل للقتال البرّي، كما لا يستطيع الأميركيون أن يتخلوا عن الأكراد بالذات بعدما أقاموا قواعد عسكرية في مناطق الأكراد في الشمال الشرقي السوري، لكن في المقابل إن الأهمية الاستراتيجية لتركيا وقدرتها على الابتزاز وممارسة الضغوط من خلال تأثيرها على مسار الصراع برمّته في سورية، يجعل من الصعب تحدّيها بدون خسائر.

واقعياً، تُعدّ الأشهر الفاصلة بين انتهاء عهد أوباما وتسلّم دونالد ترامب مقاليد السلطة في الولايات المتحدة من الشهور الصعبة في سورية، فالجميع يسعى لأن يحجز له مكاناً مميَّزاً على طاولة المفاوضات، وأن يفرض وجهة نظره وتصوره للحلّ على الإدارة الأميركية الجديدة، والجميع ينطلق من فكرة أنه في حال سار قطار الحل السوري بقيادة أميركية - روسية، فمن الافضل أن يكون داخل القطار لا على سكة الحديد.

2016/11/10

ترامب رئيسًا.. ماذا عن الشرق الأوسط؟


د. ليلى نقولا
يعيش العرب والمسلمون قلقًا غير مسبوق بوصول دونالد ترامب الى السلطة في الولايات المتحدة الاميركية، بسبب تصريحات ترامب العنصرية تجاه المسلمين التي رافقت حملته الانتخابية والتي استاء منها الجميع وفضّلوا كلينتون التي عرفت بقدرتها على تدوير الزوايا أكثر.
وكما هومعروف دائمًا فإن خطاب المرشح يختلف عن خطاب الرئيس الذي يصبح رئيسًا مسؤولا عن شعب بكامله ولا يعود بحاجة للعب على الغرائز والعواطف لكسب الأصوات، لذا لن يكون هناك خوف على الأميركيين من أصول مسلمة الا لمن يثبت أنه يعيش بطريقة غير شرعية أو يقوم بأعمال غير مشروعة في الولايات المتحدة مثلهم مثل باقي المهاجرين غير الشرعيين الذين هددهم ترامب بمحاسبتهم وطردهم.
أما بالنسبة للشرق الاوسط، فيمكن التكهن بسياسة الولايات المتحدة في هذه المنطقة من خلال ما أعلنه ترامب عن سياسته الخارجية في وقت سابق خلال حملته، وبالاخص في ملفات ثلاث هي الاهم:
-الملف النووي الايراني: عارض ترامب الاتفاق النووي الايراني واعتبره مضرًا بالولايات المتحدة، وكسب بذلك تأييد اللوبي اليهودي في أميركا وتأييد نتنياهو أيضًا، ولكن تجدر الاشارة الى أن الاتفاق النووي الايراني هو اتفاق دولي صدر بموجبه قرار من مجلس الامن الدولي بموجب الفصل السابع أي انه ملزم لكافة الدول، كما يعني عدم قدرة الاميركيين على تعطيله، كل ما يمكن للأميركيين أن يقوموا به هو الضغط على شركاتهم لعدم الاستثمار في السوق الايراني، وهذا يضر بالشركات الأميركية بالدرجة الاولى، أو أن يقوموا بفرض عقوبات آحادية جديدة على ايران وهذا لن يؤثر كثيرًا على الايرانيين، لأن السوق العالمي مفتوح أمامهم.
-الموقف من الارهاب: تعتبر كلينتون أنه يمكن اعتماد "الصبر الاستراتيجي" مع الارهابيين في سبيل تحقيق مكاسب أكبر هي إعادة تشكيل الشرق الاوسط، والاطاحة بالنظام السوري و"منعه من قتل المدنيين" كما عبّرت هي في مناسبات عدة وكما عبرت المجموعات الموالية لها ضمن وزارة الخارجية الاميركية في رسالة اعتراضيةغير مسبوقة تمّ تسريبها الوسائل الاعلام لاحراج الرئيس الأميركي باراك اوباما.
بينما يعتبر ترامب ان كلينتون والادارة الاميركية هم من صنعوا الارهاب وقاموا بتكبيره الى أن أصبح وحشًا لا يمكن السيطرة عليه، لذا يجب القطع مع الممارسات السابقة ومحاسبة المسؤولين عن تمويل الارهاب من الدول الخليجية، والتي كما كشفت ويكليكس عن كلينتون"انها كانت تعرف ان الحكومات القطرية والسعودية نفسها هي من تموّل الارهاب، وليس بعض الافراد الاثرياء الخليجيين ولكنها غضت النظر وسهلت ذلك".
- الموقف من القضية السورية: أعلن ترامب صراحة أن أولويته القضاء على داعش وليس على الرئيس السوري بشار الاسد بعكس هيلاري كلينتون التي أعلنت أنها ستقطع مع سياسة اوباما المترددة، وستزيد من الدعم العسكري للمعارضة "المعتدلة" وخصوصاً الأكراد والمجموعات السنية كما أعلنت هي نفسها في تصريحاتها خلال الحملة، وقد ردّ ترامب خلال المناظرة التلفزيونية على كلينتون بقوله " من هم هؤلاء؟ أنت لا تعرفين من هي هذه المجموعات التي تريدين تسليحها، وهذا هو الخطأ نفسه الذي ارتكبتيه في السابق وساهم في نشوء داعش".
ويرى ترامب أن الحل في سوريا يجب ان يكون سياسيا بالتعاون مع الروس، وأن الأميركيين عليهم أن يتخلوا عن استراتيجية تغيير الأنظمة بالقوة.
انطلاقًا من كل ذلك، نجد أن القلق في منطقة الشرق الاوسط من وصول ترامب غير مبرر، بالعكس، فإن صَدَق ترامب في تنفيذ وعوده حول السياسة الخارجية في الشرق الاوسط، فقد يكون هذا الأمرمسهلاً للحل في سوريا،وقد نشهد حلاً للنزاع السوري في العام المقبل بالاتفاق بين الروس والاميركيين، لكن هذا التفاؤل قد يعرقله قدرة البنتاغون في هذه الفترة الفاصلة على قلب موازين القوى على الارض في سوريا، بحيث يصبح باستطاعته أن يفرض وجهة نظر مختلفة ضد روسيا على الرئيس الجديد. من هنا، فإن الأشهر الفاصلة بين 8 تشرين الثاني 2016 وشباط 2017، ستكون محفوفة بالمخاطر الميدانية في سوريا حيث سيعمد كل طرف الى محاولة قلب موازين القوى لصالحه، لكي يفرض وجهة نظره على الرئيس الأميركي الجديد.