2017/07/13

تحرير الموصل...هل انتهت وظيفة التوحش؟


د. ليلى نقولا
يؤشر انتصار العراقيين على "داعش" وتحرير الموصل إلى بداية نهاية التنظيم الإرهابي في نسخته المشرقية، والتي ستكون حافزاً للسوريين للانتهاء من ظاهرة "داعش" في سوريا، علماً أن السباق لوراثة الأراضي التي يحتلّها "داعش" اليوم في سوريا وملء الفراغ الذي سيخلّفه انتهاء "داعش" يشكّل المعركة الجدّية للمحاور المتصارعة.
بعد نهاية "داعش" في المشرق، ما هو مصير هذا التنظيم الإرهابي؟ وهل سيتمّ استخدامه في مناطق أخرى كما تمّ استخدامه في العراق وسوريا؟
بداية، يجب الإشارة إلى أنه من الواضح أن "داعش" وسواه من المجموعات الإرهابية، مازالت وسيلة ممتازة للاستخدام في تقويض استقرار الدول، بهدف اخضاعها وتفتيتها، أو بهدف إغراق الجيوش والمجتمعات في معارك لا طائل لها تستنزف كل طاقتها البشرية والمادية والنفسية، لذا لن تكون نهاية "داعش" هي نهاية الإرهاب العالمي، بل إن انتهاء وظيفة "داعش" في ساحة من الساحات ستؤدي إلى إعادة تصدير الإرهابيين إلى أماكن أخرى لوظائف ومهام أخرى.
ويمكن القول إن نشاط التنظيم الإرهابي قد يتحوّل إلى شمال أفريقيا، لدعم "بوكو حرام"، خصوصاً المنطقة الحدودية بين الكاميرون وتشاد ونيجيريا، وآسيا الوسطى، لاسيما في أفغانستان، حيث ينشط التنظيم منذ 2014 باسم ولاية خراسان، وجنوب الفليبين، حيث تعمل جماعة "أبو سيّاف".
وفي كل من المناطق المذكورة أعلاه، يمكن أن تستفيد الدول الكبرى من وجود "داعش" ومحاربته، لكننا سنركّز في ما يلي على أهمية ووظيفة تحوّل "داعش" إلى أفغانستان:
يعمد "داعش" - أفغانستان، أو ما يسمى "ولاية خراسان"، منذ فترة إلى شنّ هجمات إرهابية متكررة على العديد من المناطق، خصوصاً على المراكز الدينية الشيعية، بالإضافة إلى تصعيد خطابه ضد الحكومة، ومحاولة توسيع نفوذه على حساب "طالبان"، واتهامها بالكفر.
ولعل وجود "داعش" وتمدّده في ما يسمى ولاية خراسان، يحقق أهدافًا عدّة، منها:
أولاً: محاولة تقويض الاستقرار والأمن في إيران، وذلك عبر تغلغل "داعش" في مناطق البلوش (بلوشستان)، والتي تتوزع اليوم بين ثلاث دول: باكستان وأفغانستان وإيران. وتشير التقارير المختلفة إلى أنه ومنذ مطلع القرن العشرين والحركات القومية البلوشية تحاول أن تؤسس دولة مستقلة لها في بلوشستان، واتخذ الصراع طابعاً مذهبياً بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران عام 1979، ويتغلغل "داعش" وبعض المجموعات الإرهابية في تلك المناطق، مستغلين الحاجة والفقر والدِّين لتجنيد المقاتلين، خصوصاً ضد إيران.
ولعل ما يزيد أهمية الأمر، اكتشاف حقول نفطية تحتوي على مخزون هائل من الغاز الطبيعي في منطقة بلوشستان، ووقوعها على طول المسار المقترح لخط "أنابيب السلام"، والمصمَّم لنقل الغاز الطبيعي من إيران إلى الهند عبر باكستان، وهو ما يغري "داعش" للسيطرة عليها كما سيطر على حقول النفط في سوريا والعراق وليبيا في وقت سابق.
ثانياً: يمكن لولاية خراسان (داعش أفغانستان) أن تُستخدم كما تمّ استخدامها في العراق؛ لزيادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وبالتالي إعادة نشر قوات أميركية في ذلك البلد، لما لتلك المنطقة من أهمية حيوية في الصراع الجيوسياسي؛ الأميركي - الروسي والأميركي - الصيني.
ثالثاً: يمكن لتمدد "داعش" (خراسان) في دول آسيا الوسطى، والتي تعاني من مشاكل عديدة منذ التسعينات بعد بروز حركات "الإسلام السياسي" الراديكالي، خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وإعلان الاستقلال، أن يؤثر سلباً على طريق الحرير الجديد، الذي تقوم الصين بإنشائه لتطوير التجارة بين الصين وأوروبا، مستخدمة التنمية كأداة لفرض هيمنة جيوسياسية اقتصادية في تلك المنطقة.
ثالثاً: تؤمّن ولاية خراسان عمقاً استراتيجياً للايغور المسلمين الصينيين، الذين يقطنون مقاطعة صينية تتمتع بنظام إداري خاص، تقع في أقصى شمال غرب البلاد، وتمرّ فيها طريق الحرير الجديد، علماً أن التقارير أشارت في وقت سابق إلى أن 5000 من الايغور الصينيين قد التحقوا بـ"داعش" في سورية في السنوات السابقة.
رابعاً: من شأن ازدياد نفوذ "داعش" في آسيا الوسطى أن يهدد الأمن القومي الروسي، وذلك لأن أمن روسيا مرتبط إلى حدّ بعيد بأمن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ولأن إغراء التطرُّف الديني قد يمتد كالنار في جميع جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.
إذاً، انتهت وظيفة "داعش" في العراق، وعاجلاً ستنتهي وظيفته في سوريا، وسيتحوّل إلى مناطق أخرى يزرع فيها الرعب ويمارس التوحش ويقوّض استقرار الدول، خصوصاً في المناطق الاستراتيجية والنفطية.

2017/06/29

ماذا يريد ترامب من بيان الكيماوي السوري؟


د. ليلى نقولا

تباينت المواقف في واشنطن حول التحذير الذي أطلقه البيت الأبيض من أن النظام السوري يستعد لشنّ هجمات كيميائية محتملة، محذرًا الرئيس الأسد من أن هذا الفعل سوف يكلفه غاليًا.
ولقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز أن الاستخبارات الأميركية ووزارتا الدفاع والخارجية، تشكك في صدقية بيان البيت الأبيض بشأن ما سمّاه احتمال استخدام السلاح الكيميائي في سوريا، بل على العكس من ذلك، تبيّن أن الجهات المكلفة بعمليات جمع المعلومات الاستخبارية في سوريا وحتى بالتحضير للردّ العسكري، ليست على علم بما أثاره البيت الأبيض!.

وبعد تراجع البيت الأبيض عن التهديد، وإعلان الأميركيين أن الرئيس السوري قد فهم الرسالة الأميركية جيدًا وتراجع عن استخدام الكيميائي، تطرح على بساط البحث، أسئلة حول الأهداف الحقيقية للرسالة الأميركية والتهديد بتدخل عسكري.

وقد تكون من جملة الأهداف، ما يلي:
- الردّ على انتصارات الجيش السوري وحلفائه في الميدان، إذ تذكر التقارير الواردة من الميدان السوري تقدم القوات السورية على جميع الأصعدة ووصوله الى الحدود العراقية السورية، وسعيه الحثيث للوصول وتثبيت تمركزه على الحدود الأردنية ومع فلسطين المحتلة كما تقدمه باتجاه تحرير دير الزور.

وتمامًا كما في حادثة كيماوي خان شيخون وما تلاها من قصف لمطار الشعيرات، كان الجيش السوري متقدمًا ميدانيًا، ما يعني عدم حاجته لاستعمال أي سلاح كيميائي وهو القادر على تكبيد المسلحين خسائر كبيرة بالقصف العادي لذا لا حاجة لاستعمال سلاح قد يستخدم كذريعة للغرب للرد العسكري ضده.

- حاجة ترامب لإظهار القوة أمام حلفائه الغربيين، خاصة قبل ذهابه الى باريس في حال قرر تلبية دعوة الرئيس الفرنسي. ولم يتأخر الفرنسيون والبريطانيون، فقد سارعوا الى التعبير عن استعدادهم للتدخل العسكري، ولعل الرئيس الفرنسي الشاب الذي يحتاج كما ترامب لإظهار قوته كان الأسرع فلقد زايد على ترامب معلنًا استعداده لقصف من جانب آحادي فرنسي في حال استخدام السلاح الكيميائي.

- حاجة ترامب لعمل ما يخفف عنه الضغوطات الداخلية خاصة في ظل التحقيقات المستمرة بعرقلته للعدالة، والتحقيقات حول تورط من حوله ومنهم صهره، بالتخابر مع الروس. لم ينسَ ترامب كيف حصد تشجيعًا وتصفيقًا من قبل معارضيه حين قام بقصف مطار الشعيرات في سوريا، فقد يكون بحاجة لعمل شيء ما، يخفف عنه وطأة الضغوط الداخلية التي تكبله وتقلقه بشكل أكيد.

لكن، لم تطابق حسابات البيدر مع حسابات حقل ترامب، فالرسائل الروسية والايرانية والسورية أتت واضحة غير ملتبسة، بأن حلفاء سوريا لن يسكتوا عن أي عدوان يقوم به ترامب أو مغامرة يريد أن يفكّ فيها أزمته الداخلية.

فالايرانيون حذروا من اللعب بالنار، ولكن الردّ الروسي أتى بشكل أكثر وضوحًا وقوة وذلك على مستويات متعددة، من وزارة الخارجية الى الكرملين، وحتى من قبل رئيس الأركان الروسي الذي اصطحب الرئيس السوري بشار الأسد معه في طائرة عسكرية، لزيارة قاعدة حميميم الخ.. وفي ذلك رسالة واضحة وجليّة حول طبيعة الردّ الروسي على أي عدوان أميركي على سوريا، واستعداد الروس للقتال للحفاظ على مصالحهم في سوريا، وحتى للدفاع عن الرئيس السوري بشار الأسد.

ثانيًا، كان التسريب الذي قامت به نيويورك تايمز واضحًا لجهة عدم قبول الجنرالات الأميركيين بأي مغامرة متهورة غير محسوبة النتائج في الميدان السوري، وخاصة أنهم سارعوا الى إفراغ بيان البيت الأبيض من الصدقية وشككوا فيه، ما يعني نزع الشرعية الداخلية عن أي عمل عسكري يريد ترامب القيام به في سوريا.

ثالثًا، في التاريخ الحديث ما زالت ذاكرة الدول والشعوب حافلة بالأكاذيب التي أطلقها جورج بوش الأبن ووزير خارجيته حول امتلاك العراق لإسلحة الدمار الشامل وشنّ حرب مدمرة ما زالت المنطقة تنوء تحت ثقل نتائجها لغاية الآن. لذا، فإن التذكير الروسي بذلك وإعلان وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون استعداد بلاده للمشاركة العسكرية "بشرط أن يكون التدخل مبررًا وقانونيًا"، يشير الى أن زمن تخطي القانون الدولي والعدوان على الدول السيدة، بذرائع وأكاذيب مفبركة صار من الماضي. 

2017/06/22

ما هو مصير داعش بعد انتهاء مهمته في المشرق؟


د. ليلى نقولا
أعلنت العديد من التقارير الاعلامية أن داعش قد فجّر الجامع النوري الكبير، أحد أبرز مساجد العراق التاريخية، ومئذنته "الحدباء" التي تعتبر من أهم الآثار التاريخية والتي يطلق على الموصل اسم الحدباء تيمنًا بها.
مسجد "النوري الكبير"، بناه مؤسس الدولة الزنكية، الأمير نور الدين محمود زنكي عام 1173، بمدينة الموصل، وهو المكان الذي ألقى فيه أمير داعش أبو بكر البغدادي  خطبته الشهيرة والتي أعلن فيها الخلافة، حيث كان لاختيار ذلك الجامع بالتحديد رمزية تاريخية، باعتبار أن المساحة التي كان داعش ينوي السيطرة عليها واعلان خلافته فيها هي نفسها المساحة التي سيطر عليها نور الدين زنكي قبل حوالى تسع قرون.

ويأتي تفجير الجامع النوري، مؤشرًا مبكرًا لانتهاء داعش في بلاد الشام، فالتنظيم الارهابي بات يتقهقر في كل من سوريا والعراق بعد أن أدّى العديد من المهام، فنشر الفوضى والقتل والرعب في كل أرجاء المنطقة بتنفيذه عمليات انتحارية في كل من دول المشرق، كما زاد الشرخ بين المذاهب الاسلامية السنية والشيعية، وقضى على وحدة المجتمعات بقيامه بالفظائع ضد الاقليات الدينية في المنطقة وسبي النساء وتعذيبهن وبيعهن في سوق الرقيق.
هذا على الصعيد الاجتماعي والسياسي، أما على الصعيدين العسكري والاستراتيجي، فقد قام داعش لفترة ليست بقصيرة بإلغاء الحدود التاريخية بين سوريا والعراق، واستنزف الجيشين العراقي والسوري، لكنه بالمقابل أدّى الى ظهور الحشد الشعبي العراقي المدعوم ايرانيًا، كما أدّى الى عودة الأميركيين عسكريًا الى العراق وتشكيل تحالف عسكري دولي لمحاربة التنظيم، والأهم أنه سمح للأميركيين بالتواجد عسكريًا في سوريا، لأول مرة في تاريخهم، وتأسيس قواعد عسكرية ضمن هذه الدولة تحت ستار مكافحة الارهاب الداعشي.

واليوم، يتقهقر داعش أمام الضربات التي يتعرض لها في كل من سوريا والعراق، وتتقلص المساحة التي يسيطر عليها، ويبدو أن مهمته المشرقية قد انتهت وما هي إلا شهور قليلة حتى يُعلن انتهاء التنظيم في بادية الشام، بعد أن يكون كل طرف قد استفاد من رقعة جغرافية "حررها من قبضة داعش"، فيحصل الأكراد على جزء من الجغرافية السورية يأملون تأسيس دويلتهم عليها، ويسيطر الأميركيون على جزء آخر على الحدود المشتركة بين العراق وسوريا والاردن، ويقيمون قواعد عسكرية فيها وفي مناطق الأكراد، ويسيطر الأتراك على جزء جغرافي في الشمال السوري، ويبقى الجيش السوري مشغولاً بمحاولة تحرير ما تبقى من الجغرافيا السورية التي خرجت بفعل الحرب عن السيادة السورية.

فما هو مصير داعش بعد انتهاء مهمته في المشرق العربي؟

على ما يبدو هناك 3 طرق سيسلكها عناصر داعش المهزومين في المنطقة:

- الطريق الاول: بقاء بعض عناصر التنظيم من أبناء العراق وسوريا في المنطقة، وذلك من خلال خلع بدلة داعش والالتحاق ببعض المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام السوري وذلك لإشغال الجيش السوري وحلفاءه لأطول مدة ممكنة.

- الطريق الثاني: شمال أفريقيا
رغم فقدان داعش لمراكزه الثابتة في ليبيا، لكن التنظيم يتمتع بحضور وانتشار في الداخل الليبي، ويبدو أن مهمة داعش في ليبيا لم تنتهِ وما زال التنظيم الارهابي مصرًا على التواجد في ليبيا، واعتمادها مقرًا للانطلاق الى الدول المجاورة، للتغلغل في أفريقيا ولتهديد كل من تونس ومصر والجزائر ومالي ونيجيريا وغيرها.

- الطريق الثالث: أفغانستان
بالرغم من محدودية الجغرافيا التي يسيطر عليها داعش في أفغانستان، إلا أن بروزه بشكل مفاجئ وسيطرته على مناطق استراتيجية هامة، ومنها تورا بورا المقر التاريخي لزعيم القاعدة أسامة بن لادن  والذي خسرها فيما بعد، كما قتاله ضد طالبان، والأخطر صدور تقارير وتصريحات روسية رسمية(لافروف) تشير الى أن طيرانًا "مجهولاً" يلقي الاسلحة والمساعدات لداعش في أفغانستان غازمًا من قناة البنتاغون وحلف شمالي الاطلسي اللذان نفيا الأمر.... كل ذلك يشير الى أن ظهور داعش المفاجئ وسيطرته المستغربة على مساحات واسعة من العراق وسوريا وليبيا قد تتجدد في أفغانستان.

ولعل من المهم الإشارة الى أن بروز داعش في أفغانستان وسيطرته على مناطق حيوية، سيؤدي الى مزيد من الاضطرابات في آسيا الوسطى ودولها، ما قد يدفع الأميركيين الى الاسراع في إرسال آلاف الجنود الى هناك لمحاربة داعش.

وقد يكون من المجدي التذكير بأن أمن آسيا الوسطى مرتبط الى حد بعيد بالأمن القومي الروسي والأمن القومي الصيني، كما بطريق الحرير الجديد الذي تقوم من خلاله الصين بتجارة بريّة سريعة مع اوروبا، تهدف من خلالها الى تفعيل طريق الحرير القديم، وهو يتضمن حاليًا 7 خطوط تنقل البضائع بريًا بين اوروبا والصين بمعدل 18 يومًا للرحلة.

وفي كلا الحالتين الأخيرتين، سيشكّل داعش قلقًا للصين سواء في افريقيا حيث تتغلغل شركاتها وتنافس بقوة، أو في آسيا الوسطى وفي الدول المجاورة للصين والتي ستؤثر بشكل كبير على استقرار الصين الداخلي خاصة في ظل انضمام الآلاف من الايغور الصينيين الى داعش في وقت سابق.

2017/06/01

الحدود العراقية السورية: من يحسم صراع الإرادات الايرانية الأميركية؟


د. ليلى نقولا

تتواصل المعارك في سوريا للقضاء على تنظيم داعش الارهابي، وتشي الأنباء الواردة من الميدان السوري بأن مسألة الانتهاء من داعش باتت مسألة وقت ليس أكثر، وأن العام المقبل قد يأتي وتكون "اسطورة داعش" قد انتهت بشكل كامل.

والمفارقة، أن القضاء على داعش سوف ينهي فصلاً من فصول الأزمة السورية لكنه يفتحها على مزيد من التعقيد، حيث ستنتفي "المنطقة العازلة" التي يشكّلها داعش بين قوات الجيش السوري وحلفاؤه، وبين قوات المعارضة المدعومة من الأميركيين والدول الاقليمية.

ولعل الأسابيع التي تلت إعلان " مناطق خفض التوتر" قد أبرزت بشكل واضح وجلّي، أن الاستراتيجية الاميركية وبعد ست سنوات، قد انتقلت من هدف إسقاط الأسد والسيطرة على سوريا بالكامل، الى هدف قطع التواصل الجغرافي بين كل من العراق وسوريا، ومحاولة السيطرة على الحدود العراقية السورية لمنع التواصل الجغرافي الاستراتيجي الذي تستخدمه ايران في دعم محور المقاومة الممتد من طهران الى بيروت مرورًا عبر العراق وسوريا، ما يعني إضعافًا لكل مكونات هذا المحور بقطع شريانه الحيوي.

وقد ظهر للوهلة الأولى، أن الروس لا يضيرهم أو لا تعنيهم هذه المسألة باعتبار أن التواصل الجغرافي بين العراق وسوريا ليس من أولوية اهتماماتهم، وأن مصالحهم في سوريا تتجلى في القضاء على الارهاب، وحفظ النظام واستقراره، والإبقاء على القواعد العسكرية على المتوسط وهو حلم لم يستطع الروس تحقيقه حتى في عزّ الامبراطورية القيصرية، علمًا أن مسألة تلك الحدود تعني مسألة حياة أو موت بالنسبة للإيرانيين في المنطقة ما يعني أنهم قد يكونوا مستعدين لتحمل أكلاف كبيرة أو حتى الدخول في اشتباكات مباشرة مع الأميركيين لمنع اغلاقها بوجههم بشكل كامل كما يود الأميركيون.

وبما أن المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، فقد تبين من الإنزال الروسي الداعم للقوات المتقدمة نحو بلدة التنف، أن الروس يدركون أهمية دعم الحلفاء في مسألة مصيرية بالنسبة لهم كالحدود العراقية السورية، وخاصة أن الأهداف الأميركية في سوريا ما زالت ثابتة، علمًا أن الاستراتيجية المتبعة لتحقيق تلك الأهداف تبدلت على مدى سنوات الحرب الست وذلك على الشكل التالي:

- اعتمد اوباما في البداية استراتيجية هجومية تقضي بدعم المقاتلين المعارضين والسماح لدول إقليمية متعددة بدعم عسكري ومالي وتدريبي تحت اشراف أميركي، واستبيحت الحدود السورية مع كل من تركيا والاردن والعراق ولبنان.

- وبفشل الاستراتيجيات الهجومية المتعددة في إسقاط النظام بشكل كامل، والاكتفاء بإشغاله وتشديد الضغط عليه، وبدخول حلفاء النظام بشكل تدريجي في القتال، وباصرار الروس على التدخل العسكري ومنع إسقاط النظام بالقوة، انتقل اوباما الى استراتيجية الاستنزاف، أي محاولة تحقيق أكبر قدر من المكاسب عبر ترك الكل يستنزف الكل، على أن تقوم المجموعات التكفيرية باستنزاف كل من الروس والايرانيين والجيش السوري وحزب الله، فيتم إضعاف الجميع وتربح أميركا بدون أكلاف حقيقية.

- ومع مجيء ترامب، تمّ الترويج لإمكانية عقد تفاهمات مع الروس تعطيهم ما يريدونه في كل من سوريا وشرق أوروبا، على أمل أن يتمّ تحقيق هدف أكبر وهو " تفكيك التحالفات" بإبعاد الروس عن كل من الصين والايرانيين، ما يسمح بالضغط على الصين وباحتواء النفوذ الايراني في المنطقة بشكل أساسي.

لكن المشاكل التي يعانيها ترامب في الداخل، واستخدام الذريعة الروسية في محاولة عزله، والتهديدات الداخلية الدائمة لفريق ترامب بالخيانة، لجمت إندفاعة ترامب وفريقه تجاه الروس ودفعت الإدارة الى مسرحة حادثة "خان شيخون" وما تلاها من قصف الشعيرات، لإظهار ترامب وكأنه "بطل" ينفذ ماعجز أوباما عن تحقيقه، ولكسب التأييد في الداخل أو على الأقل، لتخفيف الانتقادات ضده.

وبالفعل، سكتت الأصوات الداخلية المنتقدة لفترة قصيرة، وأعلن بعض معارضيه أن ترامب بعد قصف سوريا "بات فعلاً رئيسًا للولايات المتحدة"!... لكن شهر العسل لم يدم، وسرعان ما استعيد الهجوم على الإدارة أقوى من ذي قبل.

إذًا، يدرك الروس أن ترامب مهما فعل ومهما قدم للداخل الاميركي، لن يُسمح له بالحكم بدون مشاكل داخلية، وستكون العلاقات مع الروس موضع ابتزاز دائم للرئيس الأميركي وإدارته، لذا لا يمكن لهم أن يراهنوا على بناء الثقة مع الأميركيين والتعاون في سوريا، لأن التجاذبات داخل الإدارة والضغوط عليها ستجعل من السهل الانقلاب على أي تفاهم أميركي روسي، وخذلان "الشريك الروسي" مجددًا.

من هنا، بات الجميع بانتظار جلاء معركة الحدود العراقية السورية ومعارك البادية السورية باعتبار أن نتائجها ستكون المؤشر الحقيقي لما سيكون عليه مستقبل سوريا ومحور المقاومة، فإن استطاع الأميركيون السيطرة على كافة الحدود العراقية السورية ( وهو أمر بات مستبعدًا بعد التطورات الأخيرة ووصول الحشد الشعبي العراقي الى الحدود مع سوريا) فيستطيعون تضييق الخناق على محور المقاومة وقد يفرضون التقسيم، وإن استطاع محور المقاومة السيطرة على أجزاء من تلك الحدود، فيعني أن السيطرة الأميركية على أجزاء أخرى قد أفرغ من مضمونه الاستراتيجي بشكل كبير.

2017/05/04

مبادرة "مناطق التهدئة": ما لها وما عليها


د. ليلى نقولا

تلتقي وفود من الدولة السورية والمعارضة في آستانا، برعاية اقليمية ودولية وذلك لبحث إمكانية تثبيت وقف اطلاق النار، ولمناقشة مبادرة تقدم بها الروس تفضي الى إنشاء 4 "مناطق تهدئة" تهدف الى وقف التصعيد، وتفترض حظر الطيران الجوي السوري فيها، على أن يكون الاتحاد الروسي وجمهورية تركيا وجمهورية إيران الإسلامية ضامنون لمراعاة نظام وقف إطلاق النار في الجمهورية العربية السورية.
أما المناطق المشار اليها، والتي ستكون مناطق آمنة،  فهي محافظة إدلب، ريف حمص الشمالي، الغوطة الشرقية، ومناطق في جنوب سوريا.
وبرعاية القوى الضامنة، سوف يكون هناك منع استخدام أي نوع من أنواع الأسلحة، وعودة الحياة المدنية، وتأمين استعادة المرافق الحيوية، وتأمين البنى التحتية، وغيرها من أدوات دعم الحياة، اي قابلية تلك المناطق للعيش المدني.
ومن النقاط الهامة في المبادرة، تهيئة ظروف العودة الآمنة والطوعية للاجئين، وعمل هيئات الحكم المحلي.
وستقوم كل من الحكومة السورية، ومجموعات المعارضة المسلحة، بمهام التفتيش والمراقبة على حدود تلك المناطق، في المناطق الفاصلة، وستنتشر قوات فصل عسكرية (مراقبة) من الدول المعنية، لمراقبة الامتثال لوقف اطلاق النار.
تقوم كل من الحكومة والمعارضة بالقتال ضد تنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرها من المجموعات المسلحة التي لا تقبل التسوية ولا تلتزم بوقف اطلاق النار.

وبالرغم من موافقة الحكومة السورية على هذه المناطق، واعلان المجموعات المسلحة المتواجدة في أستانا، قبولها بتلك المناطق "بشكل مؤقت" لئلا تؤدي  في النهاية الى تقسيم سوريا، فإن هذه المبادرة قد تحتوي على نقاط ايجابية ونقاط سلبية، نذكر منها ما يلي:

1- إن مناطق التهدئة المشار اليها، قد تكون هي نفسها المناطق الآمنة التي نادى بها كل من أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع تبدل التسمية فقط.

2- أن فرض حظر الطيران فوق تلك المناطق، ووجود مناطق فصل تتواجد على حدودها قوى تفتيش تضم كل من الجيش السوري والمعارضة المسلحة، يعني أن تلك المناطق عمليًا خرجت من سيطرة وسيادة الدولة السورية. ولنا في النموذج العراقي خير شاهد، حيث تمتعت المناطق الكردية بحكم ذاتي خلال عهد صدام حسين بعدما استطاع الأميركيون عبر مجلس الأمن من فرض مناطق حظر طيران فوق تلك المناطق.

3- تقوم المبادرة على إعادة سبل الحياة الكاملة الى المناطق التي تسيطر المعارضة المسلحة، بعدما عجزت المنظمات الاوروبية عن القيام بهذه المهمة وتحقيق ما يشبه هيكلية  "دولة" فيها، وبعدما قام الجيش السوري ولمدة سنوات عدة بمنع إمكانية الحياة في تلك المناطق لئلا تخرج من كنف الدولة السورية، ولئلا يستقر فيها المسلحون واقتطاع أجزاء من الأراضي السورية وتأمين حياة فيها بحيث تخرج من السيادة السورية الفعلية.

4- قد يكون لهذه المبادرة ايجابيات لناحية عودة المهجرين واللاجئين، وهو ما يريده المجتمع الدولي باعتبار أن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية للاجئين السوريين باتت تثقل كاهل المجتمعات المضيفة، علمًا أن المنظمات الانسانية تبرر عدم عودة اللاجئين بأنهم يخشون العودة الى مناطق النظام قبل الحل السياسي النهائي، وعليه، فإن هؤلاء سيكون أمامهم خيار العودة الى مناطق المعارضة في حال كان ادعاؤهم صحيحًا.

5- إن الوضع المؤقت هذه المناطق، وإنشاء قوات فصل عسكرية داخلية، ورقابية دولية، تشير الى أن هذه المناطق إن تحقق تأسيسها بشكل جدّي، ولم تعمل التباينات الاقليمية بين الدول الراعية للمجموعات المسلحة في إفشال هذا المشروع واجهاضه، قد تكون مقدمة لتقسيم مؤقت لسوريا، لا يُعرف مداه، ولا يُعرف متى تعود الى حضن الدولة السورية بعدما يكون الحكم قد استقر للمسلحين وعادت الحياة بشكل طبيعي الى تلك المناطق، فما الذي سيقنعهم بالتخلي عن مكاسبهم والعودة الى حضن الدولة؟