2023/11/06

جرائم الحرب الإسرائيلية.. المحاسبة واجبة و"ممكنة"

يقف العالم متفرجاً على الإبادة التي تقوم بها "إسرائيل" في غزة، حيث يرتكب "الجيش" الإسرائيلي أفعالاً تشكّل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والتي من المفترض أن تشكّل وثائق دامغة لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين، وجميع من أمر بهذه الأعمال وحرّض عليها ونفذها. ونذكر بعضها بإيجاز شديد:

 

الحصار

الحصار المحكم ومنع المياه والمواد الغذائية والمحروقات، هما "جريمة حرب" مؤكدة، إذ إن القانون الدولي يحظر أي شكل من اشكال العقوبات الجماعية ضد السكان، وذلك سنداً للمواد (الـ33، الـ146، والـ147)، التي تؤكد وجوب حماية المدنيين في اتفاقية جنيف الرابعة.

 

 كما أن تجويع شعب بأكمله، ومنع الغذاء والدواء عنه، ومنع الوقود عن المستشفيات، تشكّل "جريمة إبادة" كاملة الأركان، وهي تنتهك على نحو واضح المادة  الـ55 من اتفاقية جنيف لعام 1949، والتي تنص على أن "من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها، على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات الطبية وغيرها إذا ما كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية. ولا يجوز لدولة الاحتلال أن تستولي على أغذية أو إمدادات أو مهمات طبية مما هو موجود في الأراضي المحتلة، وعليها أن تراعي احتياجات السكان المدنيين".

 

الهجمات على المدنيين

تشكّل الممارسات الإسرائيلية جرائم حرب موصوفة بدقة ضمن قائمة جرائم الحرب التي تضمنها نظام روما الأساسي لعام 1998، والتي تشمل الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949، وبينها إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها من دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك، وتعمّد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم تلك، أو ضد منشآت مدنية لا تشكل أهدافاً عسكرية، ومهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأي وسيلة كانت، وتعمّد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، عبر حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمّد عرقلة الإمدادات الإغاثية.

 

مخالفات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة:

- وفقاً للمادة الـ147 من اتفاقية جنيف الرابعة، تتضمن المخالفات الجسيمة للاتفاقية أفعالاً معينة إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية، مثل: القتل العمد، وتعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، وتدمير الممتلكات واغتصابها على نحو لا تبرره ضرورات حربية، وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية.

 

- الحق في الحياة والسلامة البدنية، وهو حق أساسي تكفله المادة الثالثة من اتفاقيات جنيف، المؤرخة في الـ12 من آب/أغسطس 1949. ويقوم القانون الدولي الإنساني على أساس التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وهذا المبدأ منصوص عنه في المادة الـ48 من البروتوكول الإضافي الأول، والتي تنص على ما يلي:

 

-"العمليات يمكن أن توجه فقط ضد الأهداف العسكرية، ويجب أن يتمتع السكان المدنيون والأشخاص المدنيون بحماية عامة، وبالتالي لا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا، وكذلك الأشخاص المدنيون محلا للهجوم. وتحظر أعمال العنف أو التهديد به".

 

- "تحظر الهجمات العشوائية". وقصف منطقة بأكملها يُعَدّ شكلاً من أشكال الهجمات العشوائية المحظورة. فكل هجوم، سواء عن طريق القصف الجوي أو غيره من الوسائل، يعامل عدداً من الأهداف العسكرية المنفصلة المتمايزة على نحو واضح، والموجودة داخل مدينة أو بلدة أو قرية، أو غير ذلك من الأماكن التي تضم تمركزاً مماثلاً للمدنيين، بصفتها هدفاً عسكرياً واحداً، يُعَدّ هجوماً عشوائياً محظوراً.

 

- كما "تحظر هجمات الردع ضد السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين. وتُحظر أيضاً الهجمات التي تنتهك مبدأ التناسب، وهي هجمات يُتوقع منها أن تسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابةً بهم أو أضراراً بالأعيان المدنية".

 

 توقيع "إسرائيل" على تلك الاتفاقية

صادقت "إسرائيل" على "اتفاقية جنيف الرابعة" بتاريخ الـ6 من تموز/يوليو 1951، لذا تنطبق هذه الاتفاقية وبنودها على الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" بعد حرب الأيام الستة في عام 1967. بالإضافة إلى ذلك، أقرّت محكمة العدل العليا الإسرائيلية، في قرارها الصادر في 30 أيار/مايو 2004 رسمياً، بانطباق "اتفاقية جنيف الرابعة" على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

وتنصلاً من مسؤوليتها، تزعم "إسرائيل" أنها لم تعد قوة احتلال منذ أن انسحبت من القطاع في أيلول/سبتمبر 2005، غير أن هذا المبرر لا يستند إلى أي أسس قانونية أو موضوعية. فـ"إسرائيل" تفرض سيطرتها الفعلية على القطاع، من خلال التحكم في معابره وحدوده ومجاله الجوي ومياهه الإقليمية. كما أن قواتها تقوم، بين فترة وأخرى، بتنفيذ عمليات عسكرية واسعة في أراضيه. بناءً عليه، فإن حالة الاحتلال الإسرائيلي ما زالت قائمة، وهو ما يفرض ضرورة مراعاة الواجبات التي يفرضها عليها القانون الدولي الإنساني كـ"دولة" احتلال، وإيقاف جرائم الحرب المستمرة التي ترتكبها بحق الفلسطينيين.

 

هل تستطيع اسرائيل التنّصل من المسؤولية؟

أكدت المحكمة الجنائية الدولية أن اختصاصها يسري على جميع الاراضي الفلسطينية، بعد أن باتت فلسطين عضواً في نظام المحكمة. لذلك، فإن المحكمة ملزمة بعدم السماح بإفلات المسؤولين الإسرائيليين من العقاب، علماً بان نظام المحكمة لا يعتدّ بالحصانات الرسمية.

 

 وتعُدّ المادة الـ8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أن الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي، بما فيها الهجمات العشوائية المتعمدة وغير المتلائمة، والتي تضر بالمدنيين، تكون "جرائم حرب" عندما يتم ارتكابها مع توافر القصد الجنائي، وهو ما يمكن إثباته بكل سهولة في ظل تصريحات الإسرائيليين التي تجاهر بهذا الأمر، وتدعو إلى إبادة الفلسطينيين في غزة.

 

ويمكن أيضاً اعتبار الأشخاص مسؤولين جنائياً بسبب "محاولة" ارتكاب جرائم الحرب، بالإضافة إلى أولئك الذين ساهموا في "تسهيل ارتكابها أو المساعدة عليه أو تقديم العون له"، أو قد تقع المسؤولية أيضاً على الأشخاص الذين "يخططون أو يسهلون ارتكاب جرائم الحرب"، أو "يحرضون على ارتكابها"، وهو ما يمكّن من توسيع المسؤوليات لتشمل نتنياهو وأركان مجلس الحرب والجيش وغيرهم.

  

بلينكن.. القراءة في كتب قديمة

يقوم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بجولة في المنطقة، لحشد التأييد لخطته التي يريد من خلالها دعم اسرائيل وجعلها تستفيد من أحداث 7 اكتوبر، لتهجير أهل غزة، وتصفية القضية الفلسطينية.

وكما في الزيارة الأولى، ما زال بلينكن وإدارة بايدن يصرّون على محاولة الحصول على ضوء أخضر عربي، لخطط، أقل ما يقال عنها أنها كارثية، على الشعب الفلسطيني، بدءًا من التفكير بتهجير جماعي، وصولاً الى مقاربة الجولة الحالية بعنوان "التفكير باليوم التالي".

تباينات الآراء والمواقف بين العرب والأميركيين في الاجتماعات التي عقدها بلينكن، وظهرت الانقسامات الى العلن، حيث أكدت الدول العربية المشاركة (مصر والسعودية والإمارات وقطر بالإضافة إلى الأردن) على موقف موحد في إدانة مواصلة القصف الإسرائيلي على قطاع غزة الذي أدى إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين، وإدانة ما يقوم به المستوطنون في الضفة الغربية، ورفض التهجير الجماعي للفلسطينيين، وطالبوا بوقف فوري لإطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة، بينما رفض بلينكن وقف إطلاق نار معتبراً أنه سيتيح لحماس إعادة التموضع وتكرار ما فعلت، بحسب تعبيره.

وحده الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبدى انفتاحاً على الحديث في سيناريوهات ما بعد حماس في غزة، حيث أبدى استعداد السلطة لتولي المسؤولية، مشترطاً أن يكون ذلك من ضمن حل شامل، متناسياً أن هناك 150 فلسطينياً قتلهم الاحتلال في الضفة الغربية منذ بداية الاحداث، وتغاضى عن قيام المستوطنين بمهاجمة القرى الفلسطينية وحرق البيوت وسرقة المواشي وتهديد أهلها.

وبالعودة الى فشل بلينكن المتكرر في زياراته للمنطقة، نستطلع أن الأميركيين ما زال يقرأون في نفس الكتب القديمة التي تلعب على وتر التاقضات العربية، والتناقضات المذهبية بين المسلمين، بدون أن يتقينوا أن الشرق الاوسط تغيّر، وما كان يصح سابقاً لم يعد يصحّ الآن، ونورد بعض الملاحظات:

-      لقد تنبّه العرب الى أن العالم يتغير، وكشفت الحرب الأوكرانية أن الغرب لم يعد حاكماً أوحد للعالم بل إن عالم الجنوب بدأ ينهض ليقاوم الهيمنة الغربية. وكانت المواقف التي اتخذتها الدول العربية برفض طلبات زيادة انتاج النفط ورفض المطالب بالمشاركة في العقوبات الغربية على روسيا، دليل كبير على أن الخليج تغيّر أيضاً وأدرك أهمية دوله في نظام عالمي يتغيّر بسرعة.

-      يراهن الأميركيون على الاستثمار في الصراع السنّي الشيعي في المنطقة، فبعد أن رفضت كل من مصر والاردن أي مخطط لتهجير الفلسطينيين الى سيناء، طرح الأميركيون مخططاً لنقل أهل غزة الى الانبار العراقية، مقابل أموال ومساعدات، وتخت غطاء "زيادة الديمغرافيا السنية لإقامة توازن مع الشيعة في البلاد".

وكان الرد العراقي بالرفض، وخرجت مظاهرات عراقية الى الحدود مع الاردن لرفض أي مخطط لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، ورفض العدوان على غزة.

-      كان هناك اعتقاد غربي بأن العرب سيقبلون تصفية القضية الفلسطينية، تحت ستار القضاء على حماس، وذلك بسبب الاخطاء التي ارتكبتها حركة حماس خلال الربيع العربي، حيث يعتبر العديد من الدول العربية أن حماس ساهمت في تقويض أمنهم القومي، وتسببت بمقتل العديد من مواطنيهم، وكانت آداة في مشاريع خارجية.

لكن، هذا لم ينجح أيضاً، ورفض العرب الدخول في مخطط إنهاء قضية فلسطين، ووضعوا موقفهم من "حماس" جانباً، لأن أي تصفية للقضية الفلسطينية سيكون وبالاً على جميع الدول العربية والأمن القومي العربي ككل.

 

في المحصلة، بالطبع هناك لوم وعتب على الموقف العربي الرسمي، الذي لم يستطع أن يكون على قدر تمنيات وتطلعات شعوبه، ولم يستطع أن يواكب حركة أحرار العالم الذين يملأون الشوارع لمساندة غزة. لكن، من حق الدول الشرعي أن توازن بين مصالحها المتعددة، ويبدو أن الدول العربية تسعى لحفظ مصالحها الاستثمارية ومصالحها مع الولايات المتحدة، مع الابقاء على خط من الثوابت والمبادئ.

طبعاً يمكن تفهّم مصالح تلك الدول ورغبتها في تحديد ما يناسبها من تقديم الدعم والمساندة للآخرين، مع التنويه بأن العرب الذين تتهاون دولهم في الموقف من العدوان على غزة وتبقي على علاقاتها الجيدة مع اسرائيل، لا يحق لشعوبهم كيل الاتهامات للبنان، والتنظير على اللبنانيين في كيفية دعم القضية الفلسطينية. 

2023/10/31

المشهد الإسرائيلي الداخلي: "الخراب" قادم سريعاً



ما زال الإسرائيليون يحاولون الخروج من صدمة ما حصل في 7 تشرين الأول/أكتوبر، والاختراق الأمني الكبير الذي لم يكن أحد في "إسرائيل" أو في العالم يتوقّع حصوله، وحيث كانت جميع التحذيرات تتأتى من الأخطار الداخلية، حيث نبّه الرئيس الإسرائيلي من خطورة الانقسامات على بقاء "إسرائيل"، من دون أن يتخوّف أحد من الخطر القادم من غزة.
قبل عملية طوفان الأقصى، ولسنوات عديدة، استمرّ الإسرائيليون من قيادة عسكرية وسياسية، بتهديد كلّ من إيران ولبنان، واستمر نتنياهو يعرض صوراً في الأمم المتحدة والمحافل الدولية ويطلق تهديدات بقصف إيران وبتحرّك إسرائيلي منفرد، في حال لم تتحرّك الولايات المتحدة الأميركية للقضاء على برنامج إيران النووي، متناسين أن قدرة الفلسطينيين على تحمّل الظلم والجور، ستنتهي في يوم من الأيام.
سقوط وهم فائض القوة العسكرية
لفترة طويلة، استمر شعور الإسرائيليين على الصعيدين السياسي والعسكري بوهم فائض القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، حيث أن التقييمات العالمية أعطت "إسرائيل" تفوّقاً واضحاً على جيرانها، وعلى معظم دول العالم الثالث، إضافة إلى وهم قوة الردع وصورة "الجيش الذي لا يقهر" والتي استمرت راسخة في أذهان الإسرائيليين بالرغم من تجارب حرب لبنان وغزة المتعدّدة.
خلطت عملية "طوفان الأقصى" الأوراق في "إسرائيل"، وقارن بعض الإسرائيليين الإخفاق الإسرائيلي بـ "حرب أكتوبر" عام 1973، معتبرين أنها "خسارة" يمكن تخطّيها كما حصل في السابق، إلا أن الخبراء الإسرائيليين قلّلوا من واقعية هذه المقارنة معتبرين الإخفاق في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أكبر بكثير من الهزيمة عام 1973.
ويذكر العديد من الخبراء العسكريين، أن الجيش الإسرائيلي خسر الحرب عام 1973، لكنه كان في جاهزية عالية ومستوى عالٍ، بينما الأحداث الحالية أكدت وجود "فشل عسكري واستخباري وسياسي كبير" في "إسرائيل". ويشير الأستاذ في العلاقات الدولية، أوري بار يوسف والذي ألّف كتاباً عن حرب أكتوبر، في مقال له في هآرتس، إلى أن "الإخفاق عام 1973 كان إخفاقاً فرديّاً لبعض المسؤولين السياسيين والعسكريين، في حين أن الإخفاق في أكتوبر 2023 كان إخفاقاً مؤسساتيّاً أصاب المؤسسة العسكرية والسياسية برمّتها".
وفي حوار مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، إيال هولاتا، خلال ندوة في واشنطن، يقول هولاتا "لقد تمكّنوا من خداع مجموعتنا وتحليلاتنا واستنتاجاتنا وفهمنا الاستراتيجي" وأضاف: "لا أعتقد أنّ أيّ شخص كان منخرطاً في شؤون غزة لا ينبغي أن يسأل نفسه كيف وأين موقعه أيضاً من هذا الفشل الذريع".
المشهد السياسي والمجتمعي: الانقسام العمودي
في مقال لشعبة التخطيط الاستراتيجي في هيئة الأركان، اللواء يعقوب بنغو، نشرته مجلة "الجيش" في كانون الثاني/يناير عام 2023، حذّر بنغو من مخاطر انهيار التماسك المجتمعي على الأمن القومي وعلى صورة "إسرائيل" في عيون أعدائها.
ويذكر بنغو "أن من بين العناصر الهامة التي ساعدت "إسرائيل" على تنفيذ استراتيجيتها في العقود الأولى من وجودها، هو تماسك المجتمع ومناعته واستعداده لتحمّل العبء المطلوب لصالح الردّ الأمني، بما في ذلك الاستعداد للخدمة في الجيش وارتفاع تكاليف الأمن، والاستعداد لمنح المنظومة الأمنية وزناً كبيراً في عملية صناعة القرارات في قضايا الأمن القومي"، معتبراً أن التحدّي الذي تُواجهه "إسرائيل" يكمن في "كيفية المحافظة على هذا الاتّجاه بمرور الوقت".
تاريخياً، ومَن يدرس المجتمع الإسرائيلي خلال الحروب المتعددة التي خاضتها "إسرائيل" ضد العرب، يجد أن التلاحم والتكاتف يكون على أشدّه في "إسرائيل" خلال تلك الأزمات، وأن الإسرائيليين، دائماً، كانوا يؤجّلون المطالبات بالاستقالة والمحاسبة لما بعد الحرب.
اليوم، تبدو "إسرائيل" مختلفة كلياً، حيث تخرج المظاهرات المطالبة باستقالة نتنياهو وحكومته، وبتحمّل المسؤولية، وتشكّك في كفاءة مجلس الحرب الوزاري، وتطالب بإعادة المختطفين والأسرى من غزة. كما تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مشاعر الغضب الإسرائيلية من الإخفاق الحكومي، ويتهمون أطرفاً في الداخل الإسرائيلي بالتواطؤ. وكان البعض نشر صورة ابن نتنياهو على شواطئ ميامي، متسائلين لماذا لا يتم استدعاؤه كما تم استدعاء الشباب من الاحتياط من جميع أنحاء العالم للمشاركة في الحرب.
ويتهم الإسرائيليون نتنياهو بأنه كان مستفيداً من الانقسام الفلسطيني، وأنه "أراد استخدام حماس" كذريعة لتقويض حكم السلطة الفلسطينية، وعدم الاعتراف بأي حقوق للفلسطينيين في دولة، ولتوسيع المستوطنات، وقطع التواصل بين الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي محاولة للهروب إلى الأمام، حاول نتنياهو التنصّل من المسؤولية وإلقاء اللوم على القادة الأمنيين، حيث كتب تغريدة بهذا الشأن، ثم تراجع فمحاها واعتذر، بعد موجة الغضب والانتقادات التي طالته.
لا شكّ، أن مستقبل نتنياهو السياسي، الذي قوّض المؤسسات السياسية والقضائية للمحافظة عليه، قد انتهى. لكن، وبالنظر إلى تاريخ نتنياهو في محاولة الإفلات من المساءلة، مهما كانت الأثمان والنتائج على المؤسسات الإسرائيلية، من المتوقّع أن تشهد "إسرائيل" بعد هذه الحرب، انقسامات كبرى، ستعمّقها نرجسية نتنياهو وتمسّكه بالسلطة، وقد يكون السلاح الذي يوزّعه بن غفير على المستوطنين، ودعوة نتنياهو للإسرائيليين لحمل السلاح، وصفة حقيقية لحرب أهلية إسرائيلية ستبدأ حالما تهدأ المعارك على قطاع غزة. 

2023/10/30

ماذا حقق حزب الله في حرب غزة؟

ليلى نقولا

تصدر الكثير من التساؤلات والاتهامات الممزوجة بالعتب، أو بالتنمر، أو باللعب على الوتر الغرائزي، والتي تقول أن "غزة تركت وحيدة" وأن "المحور" تركها لمصيرها، وهناك من يتساءلون "لماذا لا يتدخل حزب الله؟".

 

وبغض النظر عن هوية المتسائلين المتباينة، وأهدافهم، ونياتهم، ولا مجال للخوض فيها هنا، إذ منهم مَن يسأل بحسن نية، وبعضهم يسألون أما لتوريط لبنان، أو لاستنقاذ رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، والجيش الاسرائيلي من المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه. 

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمير نقلت عن مسؤولين أميركيين "أن إسرائيل عدلت خططها العسكرية بشأن غزة، بشكل يتماشى مع اقتراح وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، وذلك بعدما أثارت خطط الغزو البري انزعاج المسؤولين الأميركيين، الذين أعربوا عن قلقهم من افتقار تلك الخطط إلى أهداف عسكرية قابلة للتحقيق وكذلك من عدم قدرة واستعداد القوات الإسرائيلية بعد لشن غزو بري".

 

وبالعودة الى حزب الله، لا شكّ أن الاتهامات التي تساق له ولـ "المحور" غير منطقية، وذلك للأسباب التالية:

 

- استمرار حزب الله في لبنان في إشغال ثلث الجيش الاسرائيلي على الحدود مع لبنان، مع ما يعني ذلك من استنزاف للجيش الاسرائيلي، وعدم قدرته على التحشيد لاقتحام غزة برياً. وبالرغم من تسميتها مناوشات، فإن ما يحصل على الحدود الجنوبية اللبنانية هو حرب فعلية وحقيقية، ولكن إطارها الجغرافي محدود.

 

- أظهر حزب الله للجميع وخاصة للبنانيين، أن اسرائيل مردوعة، ولولا هذا الردع لقامت بقصف جوّي لمناطق لبنانية واسعة رداً على استهداف قواعدها العسكرية في داخل فلسطين المحتلة، كما كانت تفعل دائماً.

 

- الرسائل النارية التي تمّ إرسالها الى الأميركيين، والتي دفعتهم الى نصح الاسرائيليين بعدم توسيع الحرب وعدم إعطاء ضوء أخضر لنتنياهو لشنّ حرب برّية على غزة.

 

- بالرغم من كل ما حصل خلال الحرب السورية، دخلت جبهة الجولان عامل ضغط إضافي على اسرائيل ومن ضمن إرسال الرسائل المحذّرة من مغبة توسيع الصراع.

 

- تهجير واسع وشامل للمستوطنات المحاذية للبنان، وهي المرة الأولى – منذ بداية الصراع العربي الاسرائيلي- حيث تُمنع اسرائيل من تطبيق مبدأ "أخذ الحرب إلى ديار العدو".

 

- الاستنزاف وعدم القدرة على الدخول البرّي الى غزة، ستسمح بظهور الانقسامات الاسرائيلية، وانهيار الجبهة الداخلية خاصة في ظل وجود عدد كبير من الاسرى الاسرائيليين في غزة، ويطالب أهلهم بإعادتهم.

 

في المحصلة، من المبكر الحكم على نتائج هذه الحرب التي ما زالت دائرة لغاية اليوم، لكن بكل الاحوال، ما جرى في 7 اكتوبر، سيذكره التاريخ بأنه نقطة تحوّل فاصلة، ستغيّر وجه المنطقة الى الأبد، ولن تعود اسرائيل كما كانت، كما أثبتت التطورات أن الترجيحات بأن دور حزب الله تراجع في المنطقة بعد حصول التسويات وبعد توقيع اتفاق الترسيم، أثبتت عدم صحتها، وها هي التطورات عادت وقلبت موازين القوى في المنطقة، بشكل لم يكن أحد يتوقعه.

  

2023/10/26

حرب غزة: "إبادة" وليست "تطهيراً عرقيّاً"


بالرغم من أنّ كلّ ما تفعله "إسرائيل" في غزة اليوم، ينطبق عليه وصف "إبادة" بجميع المعايير القانونية الدولية، ما زال الغرب يصرّ على أن هذه الأعمال هي "دفاع عن النفس"، في حين قال بعض الخبراء في الأمم المتحدة إنه "تطهير عرقي"، علماً أن هذا المصطلح يصف جريمة غير موجودة، ولم يشملها نظام المحكمة الجنائية الدولية والتي دخلت فلسطين عضواً في نظامها.

ويأتي الحرص الغربي على تبرئة "إسرائيل" من تهمة "الإبادة"، لأنها تعتبر "جريمة الجرائم" في القانون الدولي، ولأنه إضافة إلى وجودها في نظام روما الأساسي (نظام المحكمة الجنائية الدولية)، فهي الجريمة التي خصصها القانون الدولي، مبكراً، باتفاقية خاصة لمنعها عام 1951.

 

1-جريمة الإبادة:

أوّل من صاغ مصطلح "الإبادة الجماعية" هو المحامي البولندي اليهودي رافائيل ليمكين عام 1944 من خلال الجمع بين كلمة geno، من الكلمة اليونانية التي تعني العرق أو القبيلة، مع كلمة -cide، المشتقّة من الكلمة اللاتينية وهي مرادف للقتل.

 

طوّر ليمكين مفهوم الإبادة الجماعية جزئياً ليصف الهولوكوست، ولكن أيضاً ليشير إلى الجرائم السابقة التي اعتبر فيها أن أمماً ومجموعات عرقية ودينية قد تمّ تدميرها بشكل كامل أو جزئي، ومنها مذبحة الأرمن.

 

وبعدها، باتت جريمة الإبادة الجماعية جريمة مستقلة يعاقب عليها القانون الدولي، وذلك في اتفاقية خاصة أقرّت عام 1948، والتي دخلت حيّز النفاذ عام 1951، وذلك لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ثم أقرّ نظام روما الأساسي تجريمها وكذلك في النظام الأساسي لمحكمة رواند ومحكمة يوغسلافيا السابقة وغيرها.

 

وذكرت محكمة العدل الدولية في عدّة قرارات، أن أحكام "اتفاقية الإبادة الجماعية" تجسّد المبادئ التي تشكّل جزءاً من القانون الدولي العرفي العام، ما يعني أنه سواء كانت الدول صدّقت على اتفاقية الإبادة الجماعية أم لا، فهي ملزمة من الناحية القانونية بمبدأ اعتبار الإبادة الجماعية جريمة بموجب القانون الدولي، وعليها بالتالي التزام قانوني بمنعها والمعاقبة عليها.

 

وتتضمّن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 (المادة 2) تعريفاً للإبادة الجماعية بأنها "أياً من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية ..."، بما في ذلك:

 

- قتل أعضاء من الجماعة؛

 

- إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة؛

 

- إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً؛

 

- فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة؛

 

- نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.

 

2- التطهير العرقي:

أصبح "التطهير العرقي" المصطلح السائد المستخدم لوصف جرائم الإبادة الجماعية لتجنّب استخدام كلمة "إبادة جماعية". وعلى النقيض من "الجرائم ضد الإنسانية" المتمثّلة في الترحيل أو النقل القسري للسكان، وجريمة "الإبادة الجماعية" و"جرائم الحرب"، فإن هذا المصطلح لا يظهر في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا توجد معاهدة تجرّم "التطهير العرقي".

كذلك، التطهير العرقي لم يُعترف به كجريمة مستقلة في القانون الدولي. ولا يوجد تعريف دقيق لهذا المفهوم أو ماهية الأفعال الجرمية التي يمكن تصنيفها على أنها "تطهير عرقي".

 

3- التوصيف القانوني لما ترتكبه "إسرائيل" في غزة:

عملياً، إنّ استخدام مصطلحات "التطهير العرقي" أو "الإبادة الجماعية" أو "الجرائم ضد الإنسانية" لا علاقة له بعدد الأشخاص الذين قتلوا، بل بمعايير قانونية محدّدة. وينطلق الإثبات القانوني للقول إن هناك فعل "إبادة جماعية" والفرق بينها وبين الجرائم الأخرى، وهو إثبات "النية" لدى مرتكبي الجرم، بإهلاك تلك الجماعة كلياً أو جزئياً بوصفها جماعة (وهو عنصر يصعب غالباً تحديده).

 

على سبيل المثال، في قضية دارفور(السودان)، قالت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة بقيادة القاضي أنطونيو كاسيزي إن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين في دارفور، لا يمكنها اعتباره جريمة "إبادة" لأنها لم تجد دليلاً كافياً على "نية" حكومة السودان بإهلاك الجماعة بصفتها "جماعة". ولكن، هذا لا يعني تبرئة المتهمين من حكومة السودان بارتكاب جرائم دولية، بل تمّ اتهامهم بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" وذلك بحسب المعطيات القانونية المتوافرة.

 

أما في الموضوع الإسرائيلي، فمن الواضح أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي وصفت الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية"، وتلك التي دعت إلى قتل جميع سكان غزة، وإلى ترحيلهم جماعياً بالقوة إلى سيناء، وغيرها... تثبت "النية" الإسرائيلية بإبادة أهل غزة كلياً أو جزئياً بصفتهم الجماعية.

 

وبما أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يشمل جميع الأراضي الفلسطينية، فإن المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، يستطيع أن يباشر بنفسه التحقيقات ضد الحكومة الإسرائيلية، ومن دون أن تكون "إسرائيل" عضواً في تلك المحكمة، وذلك لأن تلك الجرائم وقعت على أرض "دولة" عضو. هذا وكانت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة، أصدرت حكمها في 5 شباط/فبراير 2021، ورأت "أن المحكمة تملك اختصاصاً في حالة فلسطين، وأن المنطقة المعنية تشمل غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية".

 

في النتيجة، وبالرغم من أنه لن يكون متعذّراً إثبات "النية" الإسرائيلية في إهلاك أهل غزة جزئياً أو جماعياً، ولكن في حال تمّ تجنّب استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" قانونياً لسبب ما، فمن المستحسن عدم استخدام مبدأ "التطهير العرقي"، لأنه جريمة لا تقع في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي انضمت إليها فلسطين، ومن الأفضل استخدام "جرائم ضد الإنسانية" و"جرائم حرب" على مصطلح "التطهير العرقي"، لوجودهما في صلب نظام المحكمة.

 

 

2023/10/22

أوروبا وفلسطين... سقوط سياسة توزيع الأدوار

أوروبا وفلسطين...سقوط سياسة توزيع الادوار

تستمر الوفود الأميركية والأوروبية المؤيّدة لـ "إسرائيل" في التقاطر على المنطقة، وإبداء الدعم غير المحدود لحكومة نتنياهو في ما يريد فعله، وما يفعله من إبادة للمدنيين في غزة، وقصف المدنيين من دون تمييز ومن دون التزام بأي قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني، والتي تحظر استهداف المدنيين وتهجيرهم، وتحظر تعمّد قصف المستشفيات والأعيان المدنية.

 

وكان اللافت أن قادة الدولتين الأوروبيتين الأقوى في الاتحاد الأوروبي، وهما ألمانيا وفرنسا، تخلّوا عن سياسة توزيع الأدوار التي لطالما استخدموها مع العرب منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي، وكشفوا الأقنعة اليوم وتشاركوا في توزيع التهديدات والتحذيرات يميناً ويساراً على لبنان بالأخص، وعلى كلّ من يساعد الفلسطينيين في دفاعهم عن أنفسهم ضد آلة القتل الإسرائيلية.

 

وقد كشفت الصحف اللبنانية أن وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا حملت إلى لبنان رسالة تحذيرية وتهديدية في آنٍ، معتبرة أن "لبنان سيدفع ثمناً باهظاً في حال قرّر حزب الله دخول المعركة ضد إسرائيل".

 

أما على الجانب الألماني، فقد نقلت وزيرة الخارجية الألمانية إلى المسؤولين في لبنان التحذيرات والنصائح نفسها التي نقلتها وزيرة الخارجية الفرنسية. ودعت الوزيرة الألمانية رئيس الحكومة اللبنانية نجيب الميقاتي إلى التواصل مع حزب الله لثنيه عن الانجرار إلى الحرب "ناصحة بأن يبقى لبنان بمنأى عمّا يجري".

 

ومع وصولها إلى "إسرائيل"، ارتفعت نبرة تهديدات الوزيرة الألمانية، التي اعتبرت أن أمن "إسرائيل" خط أحمر بالنسبة لألمانيا، وقالت "أحذّر إيران، وأحذّر الميليشيات الشيعية في العراق، أحذّر الحوثي في اليمن من إشعال الإرهاب والانضمام إليه".

 

وبعد هذا التوافق الكلّي في سياسات الدول الأوروبية، تتبدّل أحد أبرز السياسات التي كانت تطبع السياستين الألمانية والفرنسية تجاه الشرق الأوسط، وذلك كما يلي:

 

- السياسة الفرنسية: السياسة العربية Politique Arabe

بعد الحرب العالمية الثانية، قامت الجمهورية الفرنسية الرابعة بمحاولة يائسة لتجميع إمبراطوريتها المتهالكة، لكن الأمر لم يكن ممكناً واعترف شارل ديغول أخيراً بالهزيمة في حرب استقلال الجزائر.

 

وبالرغم من التاريخ الاستعماري في المنطقة، حاول ديغول أن يصيغ لفرنسا دوراً محورياً في الشرق الأوسط، وأن يحوّل نظرة الشعوب إليها من قوة استعمارية إلى "بطلة الاستقلال الوطني"، وذلك ليحقّق لفرنسا نفوذاً في المنطقة، يوازي النفوذ الذي كانت تتمتع به سابقاً، ولكن بأسلوب مختلف تماماً يؤمّن لفرنسا استمرار امتيازاتها التجارية والاقتصادية والنفوذ السياسي، ونشر الفرنكوفونية.

 

وبالرغم من أن فرنسا كانت حليفة لـ "إسرائيل"، لكنها استطاعت أن تؤمّن لها مكانة خاصة لدى العديد من الدول العربية باعتبارها مناصرة لقضاياهم، وأدّى الرؤساء الفرنسيون هذا الدور بمهارة، فكانوا يحرصون على الظهور بمظهر "العرّاب" للبنان وسابقاً سوريا في السياسات الأوروبية والغربية.

 

-  السياسة الألمانية: التوازن Ausgewogenheit

منع الوضع الدولي ألمانيا من تطوير طموحاتها الاستعمارية في الشرق الأوسط في أواخر القرن التاسع عشر. وبعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن أولوية ألمانيا الغربية الحفاظ على مكانة ما في الشرق الأوسط، بل بقيت سياستها من ضمن السياسة الأميركية.

 

وبمجيء المستشار الألماني كونراد أديناور وتشديده على ضرورة تطوير علاقات وثيقة مع "إسرائيل" لاعتبارات "أخلاقية" وكوسيلة لإعادة تأسيس ألمانيا على المسرح العالمي، تفاوضت ألمانيا على اتفاقية تعويضات مع "إسرائيل" للتعويض عن جرائم النازية، ما جعل ألمانيا واحدة من أبرز الشركاء الرئيسيين في المساعدات والتجارة، والتزمت ببرنامج لتسليم الأسلحة سراً إلى "إسرائيل".

 

أعادت ألمانيا النظر في سياستها تجاه المنطقة في عهد المستشار فيلهلم براندت واعتمدت نهجاً سمي "سياسة التوازن"، وسعت هذه السياسة الجديدة إلى مواءمة علاقات ألمانيا الخاصة مع "إسرائيل" بشكل أفضل مع مصالحها الاقتصادية والأمنية المتنامية في الشرق الأوسط، فاعتمدت خطاباً أكثر توازناً تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

 

على عكس المملكة المتحدة وفرنسا، ليست لألمانيا علاقات تاريخية طويلة الأمد مع العالم العربي، ولا شكّ أن علاقتها الخاصة والمميّزة مع "إسرائيل" ومصالحها الأوسع في منطقة الشرق الأوسط، أبقت الصراع بين "إسرائيل" وجيرانها العرب على رأس أجندة السياسة الخارجية الألمانية. وهكذا، استمرت العلاقات الألمانية الإسرائيلية راسخة، وتتمتع بمستويات عالية من تبادل المعلومات والاتصال والتعاون.

 

واجهت "سياسة التوازن" أولويات متضاربة لدى الحكومات الألمانية، وبالرغم من تبدّل الخطاب العلني في فترات مختلفة ومع حكومات مختلفة، إلّا أنّ الثابت الدائم للسياسة الألمانية في الشرق الأوسط هو الشراكة الألمانية – الإسرائيلية، حيث حافظت ألمانيا على شحنات الأسلحة السرية والتعاون الاستخباراتي والتعويضات المالية، وظلت ألمانيا داعماً مخلصاً لـ "إسرائيل" في الأزمات الدولية، وحتى قرار مشاركة ألمانيا في قوات اليونيفيل في جنوب لبنان بعد حرب عام 2006 عزته ميركل إلى التزام ألمانيا بأمن "إسرائيل".

 

في النتيجة، إن تاريخاً من التباين في السياسات الألمانية والفرنسية في التعامل مع الشرق الأوسط، وأولويات كلّ دولة في تحالفاتها الشرق أوسطية والعربية، انتهى. هكذا، اقتربت سياسة الدولتين من بعضهما البعض، حين شعرت "إسرائيل" بالخطر، فظهرت الأولوية الحقيقية للسياسة الخارجية للدولتين: "أمن إسرائيل".

  

2023/10/16

الحرب الإعلامية في "طوفان الأقصى".. هل انتصرت غزة؟


تترافق حرب الإبادة التي تقوم بها "إسرائيل" في قطاع غزة مع حرب نفسية تشنّ على الفلسطينيين في القطاع وحرب إعلامية لكسب الرأي العام العالمي لتأييدها في الحملة المنهجية التي تشنّها تحضيراً لتنفيذ إبادة في غزة وكسب التعاطف مع الإسرائيليين، مدّعين أنهم ضحايا، وأن الفلسطينيين مسؤولون جماعياً عما حصل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

 

في المقابل، لم يكن الجانب الفلسطيني ودعاة السلام وحقوق الشعوب في العالم مكتوفي الأيدي، بل واكب هؤلاء مقاومة الفلسطينيين للعدوان الإسرائيلي مع مواجهة دفاعية إعلامية تؤكد حقهم في أرضهم وتوثق الهمجية الإسرائيلية، إضافة إلى قيام المقاومة بحرب نفسية على "الجيش" الإسرائيلي عبر توعده بتحويل توغله البرّي في غزة إلى مقبرة لجنوده وتكبيده خسائر فادحة في حال استمر في إبادة الفلسطينيين.

 

الحرب في وسائل الإعلام بين التقليدي والحديث

بدت تغطية معظم وسائل الإعلام الغربية التقليدية مطابقة للموقف الرسمي الذي يعتبر القصف الإسرائيلي من مبدأ الدفاع عن النفس، وكرر الإعلام الغربي السردية الإسرائيلية التي وصمت المقاومة الفلسطينية بالإرهاب.

 

ولترسيخ سردية وصورة تبرر أفعال الاحتلال واستهدافه المدنيين، نقلت وسائل الإعلام الغربية صوراً مزورة قالت إنها لأطفال قطعت رؤوسهم، وأكد بايدن مشاهدته لها، ليتبين فيما بعد أنها من صنع الذكاء الاصطناعي، وتقوم مذيعة شبكة "سي أن أن" بالاعتذار.

 

يضاف هذا إلى أن كبريات الصحف العالمية نقلت الخبر أيضاً من دون تحقق وتدقيق، ونقلت صوراً لأطفال فلسطينيين مدعيةً أنهم إسرائيليون من دون أن تقدم اعتذاراً أو تستدرك خطأها، بما يدل على فقدان المهنية وعدم الاكتراث بالاتهامات بتزوير الحقائق، بعدما كشفت حروب سابقة انخراط الإعلام الغربي في تزوير الحقائق تمهيداً لدفع الرأي العام إلى تأييد شنّ حلف الناتو الحروب.

 

يعدّ انتشار وسائل الإعلام الحديث عاملاً مهماً في تلك الحرب الإعلامية الدائرة حالياً، بعدما احتكر الإعلام الغربي التقليدي الصورة العالمية والسردية لمصلحة "إسرائيل" منذ زمن بعيد.

 

وقد أدى تطور وسائل الإعلام الحديث وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى السماح في كسر الاحتكار الذي مارسه العرب طويلاً، وبدأ الناشطون يبثون الصور والأفلام المباشرة، ويوثقون المجازر، ويعرضون الأفلام التوضيحية... ما شكّل عاملاً مهماً في نشر الوعي وإطلاع الجمهور على جرائم الاحتلال وتعمده قتل المدنيين وعدم تمييزه بين المدنيين والعسكريين وعدم الامتثال لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، ومنها مبدأ التناسب.

 

ويمكن لمراقب صفحات التواصل الاجتماعي أن يلاحظ ما يلي:

 

- الصفحات العربية: طغى الترحيب بعمليات المقاومة في الداخل الإسرائيلي على الصفحات الناطقة باللغة العربية. وفي وقت لاحق، بدأت تنتشر صور العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وتوثيق المجازر والدعوات إلى إيقاف "إسرائيل" حمام الدم في غزة.

 

 - الصفحات الغربية: في الأيام الأولى، سيطرت الصفحات التي تدعو إلى إدانة حماس وتؤكد حق "إسرائيل" في الانتقام على السردية العامة، وبدت أنها تكاد تفرض وجهة نظرها على الرأي العام الغربي، لكن سرعان ما بدأت هذه السردية تتحوّل لمصلحة فلسطين، بعد بث صور المجازر الإسرائيلية وانخراط الناشطين في كشف زيف السردية السابقة، ما أدى إلى ازدياد عدد المطالبين بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة.

 

وفي هذا الإطار، يلاحظ أن الصفحات الغربية والأميركية الموالية لـ"إسرائيل" تستمر في السعي لشيطنة كل من يحمل العلم الفلسطيني أو يؤيد فلسطين أو يدعو إلى عدم إبادة الفلسطينيين، معتبرة أنه "مؤيد لحماس" و"مؤيد للإرهاب" (كما يصفونه).

 

وطالبت الدول الغربية بطرد كل متظاهر أو كل من يحمل علم فلسطين، باعتبار "أنهم إرهابيون سيتحولون لقتل الأوروبيين فيما بعد"، داعيةً "إسرائيل" إلى "التخلص نهائياً من الفلسطينيين".

 

حرب إعلامية حول "النكبة الجديدة"

ترافق العدوان الإسرائيلي على غزة واعتماد استراتيجية الأرض المحروقة مع تكثيف استخدام أساليب الحرب النفسية على الفلسطينيين ورفع وتيرة استهداف المدنيين بالتزامن مع دعوات إعلامية إسرائيلية، وعبر رسائل صوتية، لأهل غزة للتوجه إلى جنوب القطاع، طالبة منهم مغادرة منازلهم قبل قصفها.

 

مخطط التهجير ودعوات الرحيل هذه لاقت استنكاراً واسعاً في مواقع التواصل، ودفعت الكثير من المعلقين، حتى الناشطين الغربيين، إلى التساؤل: إلى أين يمكن أن يذهب أهل القطاع؟ مستشهدين بما قاله رئيس الوزراء البريطاني يوماً من أن غزة سجن كبير مفتوح.

 

وهكذا، يندفع الإسرائيلي مصحوباً بدعم أميركي وغربي غير مسبوق لتنفيذ إبادة وتهجير جماعي جديد يشبه إلى حد بعيد نكبة عام 1948، فيدعو الفلسطينيين إلى مغادرة غزة جماعياً والتوجه نحو الحدود مع مصر التي رفضت مخططاً لإقامة مخيمات في سيناء، بعدما أعلن الإسرائيليون أنهم مستعدون للمساهمة في تمويل إقامة مدن للفلسطينيين في سيناء، وتحدث إعلاميون إسرائيليون عن عروض أميركية لمصر بشطب ديونها في مقابل ذلك.

 

في المحصلة، ومهما كانت نتائج هذه الجولة من القتال عسكرياً، لا شكّ في أن الاحتلال الإسرائيلي تعرّض لضربة شديدة لم يشهد مثلها منذ تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، لا إعلامياً ولا سياسياً ولا عسكرياً، إذ شهدت المناطق التي يسيطر عليها والمستوطنات التي أقامها على الأراضي الفلسطينية اشتباكات فعلية لأول مرة، فيما كانت "إسرائيل" في السابق تقاتل دائماً في الأراضي العربية، ويكون الضحايا عرباً.

 

هذه الضربات التي تعرض لها الاحتلال ستبقى في ذهن الإسرائيليين لفترة طويلة، وستؤثر في ثقة المستوطنين بـ"الجيش" وقدرته بعدما كانت ثقتهم بمؤسسات الحكومة والأحزاب والإعلام وسواها قد اهتزت سابقاً. ولا شكّ في أن ذكريات 7 أكتوبر ستبقى طويلاً في ذهن الإسرائيليين الذين سيمتنعون عن السكن في المستوطنات والمناطق القريبة من غزة، وقد يغادرون بشكل نهائي.