2021/09/20

هل يتم "تلزيم" ايران بحفظ الاستقرار في الشرق الاوسط؟

د.ليلى نقولا

توترت الأجواء بين كل من فرنسا من جهة والولايات المتحدة الأميركية واستراليا من جهة ثانية، بعدما قام الأميركيون بإغراء الأخيرة لعقد شراكة مثلثة الأضلاع، بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا، ما أدى الى تراجع استراليا عن إتمام صفقة لشراء غواصات فرنسية متفق عليها منذ عام 2016، وإبرام صفقة بديلة مع الولايات المتحدة وبريطانيا.
وقد يكون السياق الذي يسير فيه الأميركيون، يشي بالكثير من التغيرات على الصعيد العالمي، وتراجع عن سياسة استراتيجية معتمدة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان الأميركيون يهدفون دائمًا إلى المحافظة على حرية وصولهم إلى المناطق الحيوية بلا قيود، وعلى نظام سياسي متوازن يضمن لهم نفوذًا في كل من أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط (الخليج تحديدًا)، لذا هم لم يترددوا في بذل كل ما يمكن من امكانيات عسكرية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية لحماية هذا الهدف الحيوي والرئيسي بالنسبة لهم.
كان الهدف الرئيسي الدائم للولايات المتحدة، ليس فقط منع الآخرين من الاقتراب أو محاولة مدّ نفوذهم إلى الحيّز الأميركي، بل أيضًا محاولة مدّ نفوذها الى مناطق الآخرين ومنافستهم في حيّزهم الجغرافي لضمان حرية الوصول والحركة في تلك المنطقة الحيوية، ولو كانت بعيدة جغرافيًا عن الولايات المتحدة.
المجالان الأولان (أوروبا وشرق آسيا) يعتبران من المناطق الحيوية بالنسبة للأميركيين بسبب تواجد قوى عظمى أخرى، وبالتالي يهمّ الولايات المتحدة منع أي دول منافسة مؤثرة من السيطرة على تلك المناطق، أو منع الولايات المتحدة من حرية الحركة في تلك المناطق. أما المجال الثالث - الشرق الأوسط - فمهم بسبب وجود النفط، وهو مصدر طبيعي بالغ الأهمية للدول الكبرى في جميع أنحاء العالم.
في مسار التاريخ الأميركي كله، كانت أوروبا أهم هذه المناطق الثلاث. اعتمدت الولايات المتحدة سياسة "أوروبا أولاً" حتى قبل دخولها الحرب العالمية الثانية ؛ فعلى الرغم من أن اليابان، وليس ألمانيا، هي التي هاجمت بيرل هاربور، حافظ الأميركيون على سياسة "أوروبا أولاً" طوال فترة الحرب. وخلال الحرب الباردة، كانت أوروبا ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة أكثر من آسيا، ولهذا السبب كان الأميركيون يحوّلون القوات الأميركية من آسيا إلى أوروبا عندما يزداد التشنج بين القطبين .
واليوم، يبدو مسار الأمور مختلفاً جداً عما كان عليه في السابق، فالانسحاب الفوضوي من أفعانستان وإعادة طالبان الى السلطة بعد 20 عاماً من الحرب الأميركية في ذلك البلد، والاستعداد الاميركي للانسحاب عسكرياً من منطقة الشرق الأوسط، وتراجع التواجد العسكري في السعودية، بالاضافة الى التشنج المستجد مع فرنسا (وهي إحدى أبرز الحلفاء في حلف الناتو وقدمت الكثير من الخدمات للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط)، يشير الى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية، وتبدل ترتيب تلك المناطق بحيث تصبح: آسيا أولاً، ثم أوروبا، وأخيراً الشرق الأوسط.
وعليه، إن القادم من السنوات، سيشهد تراجعاً ملحوظاً في الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط، وتوكيل جهات إقليمية متعددة بإدارة الصراع وتأمين الاستقرار. لذلك، إن قوى إقليمية متعددة ستسعى لسدّ الفراغ الاستراتيجي، فمن هي الدول المؤهلة لذلك؟ وأين يمكن أن تقف براغماتية الأميركيين وتمسكهم بثوابت السياسة الخارجية التقليدية؟
الجواب البسيط، إن دولاً اقليمية عدّة تستعد لتأمين الاستقرار وسدّ الفراغ الاستراتيجي الذي سيتركه الأميركيون، علماً ان براغماتية الأميركيين لا يحدّها حدود، ومن يعتقدون اليوم أن العداء الذي تكنّه الولايات المتحدة لإيران سيمنعها من عقد صفقة معها يتم بموجبها "تلزيم" الايرانيين بتأمين الاستقرار في بعض الساحات، يمكن أن يكتشف خطأه غدًا. عسى أن يتعظ اللبنانيون ويترفعون عن استخدام بلدهم ساحة لتحصيل الاوراق والمكاسب في هذا الوقت الفاصل.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق