2022/03/28

لماذا يقامر بايدن بمستقبل أوروبا؟


 

في مقابلة مع شبكة سي إن إن[1] في العشرين من آذار/مارس، انتقد زيلينسكي الحلفاء الغربيين وتعاملهم مع أوكرانيا "في ضوء التهديدات الروسية  لبلاده المستمرة منذ سنوات"، معتبراً انهم تهربوا من إدخال أوكرانيا الى حلف الناتو، ولو قبلوا بذلك في الوقت المناسب لما تعرضت بلاده للحرب. وقال زيلينسكي:

 

"طلبت منهم شخصيًا أن يقولوا بشكل مباشر إننا سنقبل انضمامكم إلى الناتو خلال عام أو عامين أو خمسة... وكان الرد واضحًا جدًا، لن تكون أوكرانيا عضوًا في الناتو أو الاتحاد الأوروبي، لكن الأبواب ستبقى مفتوحة في العلن".

 

هذا الحديث الصريح من زيلينسكي، يشي بأن الغرب كان يدرك مدى خطورة إدخال أكرانيا الى الناتو ولم يكن ينوي القيام بهذه المغامرة، ولكنه أراد استفزاز روسيا بعدم القبول بعدم ضمّ أوكرانيا علانية، أي أن الحرب كانت أمراً مرغوباً ومطلوباً من قبل الغرب.

 

وهكذا، يبدو أن أوكرانيا لم تكن فقط مجرد دولة في أوروبا، بل هي قاعدة متقدمة للغرب وللأميركيين خصوصاً، وقد تمّ استثمار الكثير من الموارد العسكرية والبيولوجية فيها، بسبب الاعتقاد بأنها ستكون بمأمن من الغزو الروسي وأن هناك استحالة تغيير الحكم فيها ليعود الى ما كان عليه في الاعوام التي سبقت عام 2014، وقد جعلها الغرب آداة لاستفزاز الروس في عقر دارهم وفي عمق مجالهم الحيوي.

 

ولقد كشفت هذه الأزمة وتصريح زلينسكي ليس فقط الاندفاع الغربي الى الحرب، ولكنها كشفت هشاشة النظام الأوروبي. تستمد أوروبا قوتها ظاهريًا من قوة اقتصادها، وما يسمى بـ "القيم المشتركة" للنظام الليبرالي القائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

 

أ‌-     بالنسبة للاقتصاد:

 

سيكون الازدهار الاقتصادي والأمن والاستقرار الذي يتمتع به الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الضحية الأولى لهذه الحرب في أوكرانيا. لقد شكّلت أزمة كورونا المنعطف الأول الذي واجه الدول الاوروبية، حيث اندفعت كل دولة للحمائية والأنانية القومية على حساب الآخرين، واليوم تأتي الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة والتضخم واللاجئين، لتضيف مشاكل الى المشاكل الموجودة والمتأتية من فترة ما بعد كورونا.

 

يعترف العديد من الدول الأوروبية أن حظر الطاقة الروسية سوف يؤدي الى نتائج كارثية على اقتصاداتهم، وبالرغم من ذلك يزايد الأميركيين والبريطانيين في ذلك، ويدعون الدول الاوروبية الى حظر الطاقة الروسية بالرغم من كل المخاطر التي يمكن أن ترافق هذا القرار.

 

وكان كثير من خبراء الطاقة حذّروا قادة الاتحاد الاوروبي من عواقب "كارثية" على أسواق النفط والغاز العالمية إذا نفذت الولايات المتحدة تهديداتها بفرض حظر على صادرات الطاقة الروسية. توقع هؤلاء أن تؤدي هذه الإجراءات إلى زيادة قدرها عشرة أضعاف في سعر المتر المكعب من الغاز الطبيعي وأن يصل سعر برميل النفط الى 300 دولار أميركي. وحذّر الروس بأنهم قد يوقفوا إمدادات الغاز عبر نورد ستريم 1 ويامال، في حال تمّ اتخاذ خطوات تصعيدية كهذه.

 

إن قراراً خطيراً كهذا، سيكون وقعه على أوروبا أخطر من قرار الحرب ذاته، لأنه سيؤدي الى انهيار مالي وفوضى سياسية وتجزئة جغرافية على أساس قومي من جديد.

 

إن الاندفاعة الأوروبية وراء الأميركيين في زيادة استفزاز الروس وحظر الطاقة ستكون وصفة دمار لأوروبا، وقد لا يكون متاحاً أمام الاميركيين القيام بخطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب هذه المرة لاختلاف الظروف والتحالفات، ولانعدام اليقين بنتائج الحرب.

 

ب‌- القيم العالمية المشتركة

 

يوماً بعد يوم، تتساقط القيم الليبرالية التي لطالما تغنّى بها الغرب، إذ تحوّلت وسائل التواصل الغربية ووسائل الاعلام الى الرقابة ومنع الصوت الأخر، واستبداد الصوت الواحد (التيار السائد)، بالاضافة الى سيادة منطق الحرب على كل ما عداه من دعوات الحوار، حيث يُتهم مطلقوها بأنها أدوات بروباغندا روسية.

 

لقد سقطت أقنعة التسامح والحريات والتعاطف الانساني، وباتت الوسائل الغربية تعجّ بخطابات عنصرية صريحة، وتفضيل الانسان "المسيحي"، "ذو الشعر الأشقر والأزرق العينين" على اللاجئين الآخرين، الذين يتم وصفهم بعدم التحضّر، بالاضافة الى تمويل وتقوية الحركات اليمينية المتطرفة، والنازية الجديدة والحركات الفاشية.

 

وهكذا، نكتشف أن الغربيين تعمّدوا استفزاز الروس برفض القبول علناً بالطلب الروسي بعدم إنضمام أوكرانيا الى الناتو، بالرغم من أنهم يدركون خطورة الأمر، فتسببوا بالحرب لإغراق روسيا في اوكرانيا، بالرغم من كل الأخطار والمشاكل التي يمكن أن تتأتى من ذلك.

 

إن حديث جو بايدن مؤخراً، عن أن هناك "نظاماً دولياً جديداً" تتم صياغته الآن، قائلاً " الآن هو الوقت الذي تتغير فيه الأشياء. سيكون هناك نظام عالمي جديد وعلينا قيادته". يعني أن الأميركيين تيقنوا فقدانهم السيطرة على النظام القديم، لذلك دفعوا الروس الى حرب في أوكرانيا،على أمل أن تؤدي تلك الحرب الى إعادة عقارب الساعة الى الوراء، وإمساكهم بخيوط اللعبة مجدداً. لغاية الآن، يبدو الاوروبيين خاسرين بمقدار الخسارة الروسية إن لم يكن أكثر، ويبدو أن الأميركيين يقامرون بمستقبل أوروبا في محاولة منهم لإعادة هيمنتهم على العالم. لكن ماذا لو انقلب السحر على الساحر، واستطاع الروس أن يحققوا انجازاً استراتيجياً وعسكريا في هذه المعركة، وقلبوا قواعد اللعبة؟.

 

 

  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق