2014/04/24

الانتخابات السورية في ميزان الربح والخسارة

د. ليلى نقولا الرحباني
أعلنت دمشق رسمياً عن موعد الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في الثالث من حزيران المقبل، وذلك تطبيقاً للدستور السوري الجديد الذي تمّ تعديله، والذي حوّلها من مجرد استفتاء بالإجابة بـ"نعم" أو "لا" إلى انتخابات رئاسية تعددية، تفسح المجال أمام المرشحين للتنافس ديمقراطياً، كما هو مفترض في أي دولة حديثة.

يثير هذا الإعلان السوري عن موعد الانتخابات الرئاسية ملاحظات عدّة، منها ما يصبّ في مصلحة النظام، ومنها  العكس، ونورد منها ما يلي:

أولاً: لقد انعكس التوتر في أوكرانيا، والخلاف الروسي - الأميركي حول القرم وما بعدها لمصلحة النظام السوري، وهو ما يجعله يسير نحو الانتخابات الرئاسية بثقة، ويطرح ترشّح الرئيس بشار الأسد متكلاً على دعم من حلفائه الإقليميين والدوليين. فقبل أزمة أوكرانيا كان الأميركيون يحاولون عقد صفقة مع الروس، تقضي بالاعتراف بالواقع الفعلي على الأرض والتخلي عن المعارضة السورية، مقابل الضغط على الأسد لعدم الترشّح للانتخابات الرئاسية، والاتفاق على خلَف له، ولو كان أحد من أركان حكمه.

ثانياً: يحاول النظام السوري الاستفادة إلى أقصى حد من التطورات الحاصلة في المنطقة، فالأميركيون والإيرانيون يسيرون بسرعة نحو توقيع اتفاق نووي، يريدون الانتهاء منه قبل دخول الإدارة الأميركية في فترة التحضير للانتخابات النصفية للكونغرس، والتي ستحصل في الخريف المقبل، وعليه سيبقى الملف السوري في درجة ثانية من الأهمية، أو على الأقل يبقى منفصلاً عن تلك المفاوضات، لئلا يتمّ تقويضها.

ثالثاً: يحاول النظام من خلال الإسراع بعقد الانتخابات الرئاسية، الاستفادة من الانتصارات الميدانية التي حققها بالتعاون مع حزب الله، ويعقد الآمال على أن تكون تلك الانتصارات عاملاً مساعداً لمزيد من الانتصارات، تجعله يسيطر على المدن الكبرى، مستغلاً انهيار جبهات المسلحين، والتقاتل "الوهابي" - "الإخواني" الذي يلعب لصالحه ميدانياً، وهكذا، يستطيع تمرير الانتخابات الرئاسية السورية في فترة محرجة للجميع، وفي ظل انشغال أميركي وأوروبي بملفات أوكرانيا، والملف النووي الإيراني، والتنسيق مع إيران لانسحاب الناتو من أفغانستان، والخلاف السُّني - السُّني على قيادة العالم الاسلامي.

لكن، مقابل تلك الحنكة والمقدرة على اقتناص الفرصة في الوقت الأكثر ملاءمة، يبدو أن فكر "الحرس القديم" ما زال يسيطر على تركيبة النظام السوري، ويجعله يخسر بالشكل وإعلامياً ما يربحه بالميدان والسياسة، وذلك من خلال ممارسة سياسة إقصائية للمعارضين.

إعلامياً وسياسياً، لم يكن النظام السوري موفقاً حين وضع معايير ضيقة جداً لمن يحق له الترشّح من السوريين، خصوصاً أن القانون يشترط في المرشح "ألا يكون متزوجاً من غير سورية، وأن يكون مقيماً في سورية مدة لا تقل عن 10 سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشيح، وألا يحمل أي جنسية أخرى غير الجنسية السورية، وألا يكون محروماً من ممارسة حق الانتخاب"، كما فرض القانون على طالب الترشيح أن يكون غير محكوم ولو "ردّ إليه اعتباره"، وأن يكون حاصلاً على تأييد خطي لترشيحه من خمسة وثلاثين عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب.

هذه المعايير قد تدلّ بشكل ما أن النظام السوري قد أراد منع المعارضين من الترشح، وقطع الطريق على إمكانية أحد منهم للترشح، خصوصاً أن معظم معارضي النظام السوري قد نُفُوا قسراً منذ عقود أو سنوات عدّة، وأغلبهم - إن لم يكن كلهم - قد حوكموا أمام المحاكم العسكرية واتُّهموا بـاتهامات معروفة، منها "الخيانة" أو "وهن نفسية الأمة" وغيرها.

وبما أن القوة الشعبية للرئيس بشار الأسد قد ازدادت بشكل كبير بعد التطورات الأخيرة وانتشار الإرهاب والتكفير منذ آذار 2011 ولغاية اليوم، كان من المفترض به أن يلعب الورقة الأكثر ربحاً لديه، وهي منازلة المعارضة في صناديق الاقتراع، وكسب الجولة الديمقراطية بعد كسب الجولات الميدانية، قد يبدو للبعض أن من وضَعَ تلك المعايير الضيقة جداً للترشح، أوحى بضعف النظام السوري وليس قوته، فالقوي والواثق من قدرته على الفوز لا يمنع أحداً من الترشّح، بل بالعكس؛ يفتح الباب لجميع المعارضين للترشح، ويتحداهم في أن يتمكّنوا من هزيمته شعبياً.

عملياً، قد يحقق الرئيس الأسد انتصاراً في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وقد يحقق انتصارت ميدانية أيضاً، لكن هذا لا يعني أنه لا حاجة جديّة لإصلاح النظام من الداخل، أو أن الفكر الإقصائي الذي يسيطر على بعض الإدارات في سورية يمكن استمراره، فالفكر الأحادي يمكن أن يقوّض كل ما يتم بناؤه، ويلغي الشرعية عن كل ما يمكن تحقيقه والانتصار فيه في المعركة ضد الإرهاب.

2014/04/20

هل يتحمل العرب مسؤولية صعود اليمين في اوروبا؟

د. ليلى نقولا الرحباني
في وقت تتوجه الشعوب في العديد من بلدان العالم الى انتخابات إما محلية أو رئاسية، تتوجه أنظار الاوروبيين أيضًا الى انتخابات البرلمان الاوروبي بين 22- و25 أيار المقبل، في ظل قلق من صعود اليمين المتطرف بسرعة كبيرة واحرازه تقدمًا في العديد من البلدان وأهمها نجاحه في فرنسا التي صوتت لليمين الوسط وأعطت اليمين المتطرف بقيادة ماري لوبن نسبة من الأصوات لم يسبق أن حصل عليها حزبها في العقود الماضية (أحزاب يمين الوسط 45,91 في المئة، واليمين المتطرف 6,84 في المئة).
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد المآسي التي تسببت بها كل من الفاشية والنازية في تلك الحرب وغرق الاتحاد الاوروبي في أزماته الاقتصادية والاجتماعية، تشتت أحزاب اليمين المتطرف، ولم يعد لها موقع هام في السياسة الاوروبية بشكل عام. ولكن، ولأول مرة منذ ذلك التاريخ، يشهد العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، عودة لابأس بها لليمين، ووصوله الى البرلمانات المحلية الاوروبية مكتسبًا أصواتًا إضافية من خلال تركيزه على فشل السياسات الاشتراكية والليبرالية، ومستغلاً الأزمة الاقتصادية التي تضرب اوروبا، وتفشي البطالة، والتخويف من المهاجرين، والأهم اعتماد ما هو معروف بسياسة التشاؤم من فكرة الاتحاد الاوروبي.
وعليه، يعيش المهاجرون في اوروبا - ومنهم العرب والمسلمون- قلقًا من صعود اليمين المتطرف في البرلمانات المحلية والبرلمان الاوروبي، وهو قلق مشروع جرّاء العنصرية التي يجاهر بها هؤلاء تجاههم، وخاصة بعد الأحداث التي حصلت في العالم العربي خلال السنوات الثلاث المنصرمة وانتشار الارهاب، واعلان العديد من الدول الاوروبية خشيتها من إعادة تصدير الارهاب الى دولها، في ظل الأزمة التي يعيشها التكفيريون في الميدان السوري. ولكن، وبالرغم من أحقية هذا القلق بالنسبة للمواطنين الاوروبيين من أصول عربية ومسلمة ، ولكن تضخيمه اعلاميًا يبدو بحاجة الى إعادة نظر جدية، من خلال الإجابة على التساؤلات التالية، والتي قد تشير الى مسؤولية ما للدول العربية فيها:
- بماذا تختلف سياسات اليسار الاوروبي عن التصور المفترض لليمين، حين سار الأول في مشروع الشرق الأوسط الكبير، ثم مشروع إحياء الامبراطورية العثمانية، متغاضيًا عما يترتب عنه من نتائج تهجير المسيحيين من الشرق، والضغط على المسلمين الاوروبيين للعودة الى الشرق؟
- بماذا نفع اليسار الاوروبي القضية الفلسطينية، والى أي مدى يتحمل الاوروبيون مسؤولية تاريخية في تأسيس اسرائيل على أراضي فلسطين؟
- ما هي الفائدة التي جناها أو سيجنيها العرب من سياسات الرئيس "الاشتراكي" فرنسوا هولاند؟
- من خلال ما حصل في اوكرانيا، وقيام النازيين الجدد بالسيطرة على الميدان في كييف بدعم مباشر من الاوروبيين، هل صحيح أن الليبراليين أو اليسار الاوروبي بشكل عام، يرفض بالمطلق ايديولوجية اليمين القومي المتطرف؟.
والسؤال الأهم: إذا كانت الدول العربية قد أدرجت معظم حركات الاسلام السياسي على لوائح الإرهاب لديها، وتضغط على الحكومات الاوروبية لتبنيها، كيف يمكن أن نلوم المواطن الاوروبي الذي سيصوّت لليمين خوفًا على أمنه أو تصويتًا ضد سياسة بلاده التي دعمت بعض حركات الاسلام السياسي المتهم بالارهاب وتحالفت معه للقضاء على الرئيس بشار الأسد، ففتحت أمامه الاعلام والسفارات ووزارات الخارجية، فبات يتمشى مزهوًا مختالاً في ساحات بروكسل وباريس ولندن وغيرها، ويمطر الاوروبيين بوابل من التهديدات عبر الانترنت؟.
الإجابة على هذه الاسئلة قد لا تبدد القلق المشروع للمهاجرين العرب والمسلمين في اوروبا، ولكن ظروف صعود اليمين المتطرف وحصوله على أصوات لا بأس في الانتخابات، باتت تفرض على هؤلاء إعادة النظر في خطاب بعضهم المعادي لمن استضافهم، والتوجه للانخراط أكبر في المجتمعات الاوروبية، والأهم، نبذ الإرهاب والتكفير وعدم السماح بتعششه في بيئاتهم الاوروبية.

2014/04/18

منع التأشيرة عن السفير الإيراني.. حق أميركي أم فقدان ثقة؟

د. ليلى نقولا الرحباني
إن منع الولايات للمتحدة الأميركية التأشيرة عن السفير الإيراني المعيَّن حديثاً لدى الأمم المتحدة؛ حميد أبو طالبي، يطرح علامات استفهام عدة في الشأنين القانوني والسياسي، في ظل رغبة واضحة وأكيدة لدى الغربيين والأميركيين في تسوية النزاع مع إيران حول ملفها النووي.
قانونياً، العلاقات بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية بخصوص البعثات الدبلوماسية تحكمها الاتفاقية الموقَّعة بين الطرفين في 26 حزيران 1947، والتي دخلت حيّز التنفيذ في تشرين الأول من السنة نفسها.
المادة 4 من الاتفاقية، خصوصاً الأقسام (11-13)، تفيد بشكل قاطع أن السلطات الفيدرالية للولايات المتحدة لن تفرض أي عوائق أمام البعثات الدبلوماسية المتوجهة للأمم المتحدة (القسم 11)، بغض النظر عن العلاقة بين الدولة التي ترسل مبعوثيها وبين الولايات المتحدة (القسم 12)، أما القسم 13 فيتحدث صراحة عن أن الولايات المتحدة لن تمتنع بأي شكل من الأشكال عن إعطاء التأشيرات لأعضاء البعثات الدبلوماسية، أو تطلب من أحدهم مغادرة أراضي الولايات المتحدة، ما دام يتمتع بالحصانة الدبلوماسية التي تحكمها الاتفاقيات الدبلوماسية بين الدول.
وقبل الإقرار النهائي لتلك الاتفاقية أصدر الكونغرس الأميركي قراراً يجيز للرئيس الأميركي هنري ترومان بتوقيعها، لكنه أقرّ - في ذلك القرار - تحفظاً على تلك الاتفاقية، يُدعى "التحفظ الأمني" (القسم 6 من القانون 80-357)، يفيد بأنه "ليس في تلك الاتفاقية ما يمكن تفسيره بأنه يقلل بأي شكل من الأشكال، أو يحدّ، أو يضعف من حق الولايات المتحدة في حماية أمنها - وبشكل كامل- للسيطرة على دخول الأجانب إلى أراضي الولايات المتحدة، باستثناء منطقة المقرّ (الأمم المتحدة) والجوار المباشر له".
من هنا، وانطلاقاً من الاتفاقية والقراءة المتأنية "للتحفظ الأمني"، لا تملك الولايات المتحدة الحق القانوني أو المسوّغ الشرعي لمنع تأشيرة الدخول عن المبعوث الإيراني للأمم المتحدة، بل كل ما يحق لها هو أن تمنعه من التجوّل خارج منطقة مقر الأمم المتحدة والجوار المباشر لها.
لكن بما أن القانون الدولي لا يعتمد فقط على المعاهدات، بل يمكن الاستناد إلى القانون الدولي العرفي والسوابق وممارسات الدول في هذا الإطار، فقد حاولت الولايات المتحدة مراراً أن توسّع إطار "التحفظ الأمني"، ونذكر على سبيل المثال قضية الامتناع عن منح الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات التأشيرة للدخول عام 1988، فكان موقف الأمم المتحدة واضحاً في هذا المجال، ومن خلال قراءة قانونية وافية أفادت بأن الامتناع الأميركي مخالف للاتفاقيات الموقَّعة بين الطرفين، وأن الأميركيين لا يستطيعون منع منح التأشيرة، ولكنهم فقط يستطيعون منع الشخص المعني من التجوال خارج إطار المساحة المحددة لمقرات الأمم المتحدة، وقد أضاف الرأي القانوني للأمم المتحدة، "خصوصاً أنه لم يثبت أن الشخص المعني كان يهدف من خلال الزيارة للإخلال بأي شكل من الأشكال بأمن الولايات المتحدة، أو المشاركة في أعمال تمسّ أمنها".
من هنا، وتطبيقاً على قضية الدبلوماسي الإيراني "أبو طالبي"، كل ما يحق للإدارة الأميركية قانونياً، وبحسب السوابق، هو أن تفرض عليه حظر التجوال خارج الإطار الجغرافي المعترف به كمقرات للأمم المتحدة، خصوصاً أنه لم يثبت أنه يودّ أن يشارك في أعمال تقوّض أمن الولايات المتحدة، ولو كان قد شارك قبل 35 عاماً في احتلال السفارة الأميركية كطالب يافع، كما أن التاريخ الدبلوماسي الإيراني لم يثبت أنه قام بأي عمل مخلّ بالأمن في الولايات المتحدة، رغم كل القطيعة الدبلوماسية بين الاثنين.
هذا في الشق القانوني، أما في الشق السياسي، فيبدو أن الراديكاليين في البلدين يحاولون تقويض الجهود الدبلوماسية لحلّ الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية، إذ كان يمكن أن تتمّ تسوية القضية بالقنوات الدبلوماسية السرّية قبل خروجها إلى العلن المحرج للجميع، فلو أبلغت الإدارة رفضها للإيرانيين بطريقة سرّية، لكان من الممكن أن تجد إيران مخرجاً بتعيين سفير لها لدى الأمم المتحدة من الطاقم الدبلوماسي الإيراني الذي لا يثير تحفظاً لدى الولايات المتحدة، علماً أنه لا يناسب الدبلوماسية الإيرانية قبول مشروط من قبل الإدارة الأميركية بمنح تأشيرة للسفير الإيراني، ومنعه من التجوال خارج مقرات الأمم المتحدة، لأن ذلك يجعله شبيهاً بدبلوماسيي كوريا الشمالية وسوريا، وهو لا يتلاءم مع التقارب الأميركي - الإيراني الذي تطوّر بعد توقيع الاتفاق المبدئي حول البرنامج النووي الإيراني.
إذًا، يبدو من خلال هذه الأزمة وطريقة معالجتها بالطرق الإعلامية التصعيدية، أن عامل الثقة ما زال مفقوداً بين الطرفين، وأن إرثاً من التصعيد والتشنّج دام عقوداً عدة يحتاج إلى المزيد من الجهود الدبلوماسية الوقائية لتبديده، خصوصاً أن الراديكاليين من الجهتين يتربصون شراً بالاتفاق، ويتمنون فشله.

2014/04/17

أين أخطأت أميركا؟

د. ليلى نقولا الرحباني
أجرت مؤسسة "جالوب" الإحصائية، استطلاعًا عن الدول الأكثر رفضًا لسياسة للولايات المتحدة الأميركية، فتصدرت الدول العربية المراتب الاولى في الاستطلاع، حيث أتت الأراضي الفلسطينية في رأس قائمة الأكثر رفضًا لواشنطن بمعدل 80%، وأتى لبنان في المرتبة الثالثة - بعد باكستان- بمعدل عدم شعبية بلغ 71%، وتليها اليمن التي احتلت المرتبة الرابعة بمعدل 69%، والعراق في المرتبة الخامسة بمعدل 67%، بينما أتت مصر في المرتبة السادسة بمعدل رفض بلغ 57%، وتونس في المركز التاسع بعد سلوفانيا وإيران.
إذا أخذنا هذه الأرقام بعين الاعتبار، علمًا أن "جالوب" هي من المؤسسات الاحصائية الهامّة في الولايات المتحدة الأميركية، ندرك أن العالم العربي بشكل عام بات يستشعر خطر السياسات الاميركية على دوله، ولا نستغرب أن يكون الفلسطينيين الأكثر هم رفضًا في العالم بسبب السياسات الأميركية المنحازة بشدة لصالح اسرائيل ولصالح عدوانها المستمر على الفلسطنيين.
بالنسبة للعراقيين، معروف تمامًا نتائج السياسات الأميركية في العراق الذي أدخلته أميركا في حال من الفوضى وعدم الاستقرار، ورحل الجنود الاميركيين عنه تاركين العراقيين يغرقون في دوامة من العنف والارهاب الذي لا يميّز أحدًا، ويضربهم في حياتهم وأمنهم ولقمة عيشهم. أما اللبنانيون، فيتشاطرون رفض السياسات الأميركية من منطلقات مختلفة ومتباينة، فالمؤيدون للمقاومة يرفضون السياسات الأميركية المؤيدة لاسرائيل وللمعارضة السورية، بينما المختلفون معها بالرأي، فيرفضون السياسة الأميركية باعتبار أنها لم تكن حازمة في مساعدة المجموعات المسلحة في كل من سوريا ولبنان على ضرب المقاومة والنظام السوري معًا.
ولكن ماذا عن البلدان الأخرى، ولماذا برزت تلك النتائج في الدول التي شهدت ثورات وانتفاضات على حكامها السابقين، كمصر وتونس واليمن، والتي قال الأميركيون أنهم يدعمون "الشعوب" فيها؟
في هذه البلدان بالذات، كانت مشكلة الأميركيين أنه حاولوا تنصيب أنفسهم "أوصياء" على تلك الثورات والانتفاضات، وتكريس هيمنة "الاخوان المسلمين" كمشروع أممي عابر للحدود، هدد التنوع العربي العرقي والاثني والديني والمذهبي، وحاول إلغاء الهوية الوطنية، أو حتى فكرة الامة العربية أو القومية العربية لصالح هوية دينية أممية أكبر من الدول ومن الأمة العربية ايضًا، والأنكى أنها تعزز سيطرة دولة غير عربية أخرى( بالاضافة الى اسرائيل) على العرب.
مشكلة هذا المشروع - الذي يتلاءم مع السياسة الافتراضية الأميركية- عربيًا، ما يلي:
- المشكلة الاولى: أن قيادته السياسية لم تكن عربية بالرغم من تشارك العرب فيها، لذا مسّ هذا المشروع بالحس العروبي العام، وأعاد الى الاذهان حقبات استعمارية ظلامية في تاريخ العالم العربي، أدخلته في عصور من الجهل والتخلف لم يخرج منها لغاية الآن.
 - مشكلته الثانية تنافسه مع مشاريع عبر وطنية اقليمية اخرى هدد مصالحها في أماكن عدّة في العالم العربي، فحاربته وأسقطته.
-  مشكلته الثالثة أن الهويات ما تحت الوطنية العربية شعرت بالخطر منه أيضًا فحاربته. لقد أعاد هذا المشروع الاخواني إحياء الذاكرة الجماعية العربية تجاه الاتراك، واستعادت الذاكرة تاريخًا لا يستهان به من المجازر والترويع والتكفير.
لقد كان لإعلان "السلطان العثماني" الجديد رجب طيب أردوغان، رغبته بإعادة إحياء عهد السلطنة العثمانية، أثره في رفض المكونات الاجتماعية للعالم العربي للسياسة الأميركية المباركة والداعمة لهذا المشروع، إذ انه جعل الاقليات المسيحية، بتلاوينها المتعددة العرقية والمذهبية، تستذكر عهد "أهل الذمّة" بما فيه من قتل وتمييز وتهجير واذلال، كما أعاد ايقاظ الوعي الجماعي للاقليات المسلمة، ومنها الشيعة على سبيل المثال لا الحصر، بذكريات مريرة من عهود التنكيل واستخدام الفتاوى الدينية لتبرير اضطهادهم، وتبرير تصرفات السلطان العثماني الذي كان يتمتع بسلطات مطلقة، لا يحدها أي حد، والأمر يصدر من بين شفتيه كان يكفي لإعدامهم، ومصادرة أموالهم دون محاكمة وسؤال.. في الواقع أن أعمال السلاطين التي يريد أردوغان العودة اليها تبدو مقيدة - بصورة نظرية - بأحكام الشريعة الإسلامية، إلا إن رجال الدين قلما كانوا يتأخرون عن إيجاد الأحكام وإصدار الفتاوى التي تخدم مآرب السلاطين، وتضفي على أوامرهم وتصرفاتهم صفة "شرعية"، ونذكر على سبيل المثال، الفرمان السلطاني الصادر عن السلطان سليم الأول، والذي عندما قرر محاربة الشاه إسماعيل الصفوي، أمر بقتل جميع الشيعة الموجودين في البلاد العثمانية، مستنداً في ذلك إلى "فتوى" صادرة من رجال الدين، تعتبر هؤلاء مرتدّين عن الإسلام.
من هنا، يبدو أن العرب يحمّلون الأميركيين مسؤولية سياساتها في المنطقة، ومنها الدعم المطلق لاسرائيل، تفشي الارهاب في المنطقة، ثم مشروع الهيمنة العثماني الذي سقط، وبعضهم يحمّلها مسؤولية "التردد" وعدم الاقدام في الموضوع السوري.... لذا، ولكل هذه الأسباب وغيرها، تبدّى الرفض في الاستطلاع الأميركي، فهل يسأل الأميركيون أنفسهم مجددًا كما سألوا بعد 11 أيلول: لماذا يكرهوننا، فيحاولون تغيير سياساتهم تجاه العالم العربي؟.. الإجابة على هذا السؤال، مقارنة بسياسات ما بعد 11 أيلول، تشير الى النفي، للأسف.

2014/04/06

سقوط ورقة التوت عن المعارضة السورية

د. ليلى نقولا الرحباني

ما أن انتهت المعارك في يبرود، حتى قرر التركي الداعم لجبهة النصرة، فتح معركة ردّ اعتبار في الساحل السوري، والهجوم على المناطق التي تضم أكثرية مسيحية وعلوية، والمعروفة بدعمها للنظام السوري.
ولعل ما تمّ تسريبه عبر يوتيوب، عن اجتماع أمني تركي، لتحضير ذرائع للتدخل في سوريا، ومساندة المجموعات المسلحة بأكثر من قصف مساند، وإسقاط طائرة سورية كانت تقوم بقصف المجموعات الارهابية، بل بأكثر من ذلك، وهو الدخول العسكري التركي في تدخل عسكري مباشر، يطمح الاتراك - وأردوغان تحديدًا- الى أن يؤدي تدخله الى تدخل لحلف الناتو مساندًا القوات التركية لشنّ هجوم على سوريا، بموجب المعاهدة المؤسسة لهذا الحلف، والتي تفيد أن أي إعتداء يحصل على أي دولة من أعضاء الحلف، فإن الحلف يتعهد بالدفاع عن تلك الدول.

يشكّل وجود العامل الأرمني، على خط تلك المعارك، بوجود كتلة مسيحية أرمنية في كسب، تمّ تهجيرها من المنطقة بعد هجوم المعارضة، عاملاً مزدوجًا في حساسية المعركة، وفي الرغبة التركية بالهجوم، وذلك أن العامل العثماني، وهوس العودة الى تلك الحقبة - التي يعتبرها أردوغان حقبة مجيدة في تاريخ تركيا- يطغى على المعطيات التي تفرزها المعركة، ويحدّ في المقابل من قدرة الاتراك على التعمية عما يحصل في الساحل السوري، بسبب وجود جاليات أرمنية في الخارج، وفي أميركا وأوروبا، تقوم بكشف الحقائق التي تحصل هناك، وتعيد الى الإذهان المجازر التي حصلت بحق الأرمن من قبل أجداد أردوغان أنفسهم عام 1915.

وإذا كان بعض غلاة الدفاع عن المعارضة السورية، يتحدثون عن "براءة" المعارضين، أو "الظلم" الواقع عليهم، بسبب ما أسموه بداية "خطف الثورة" من قبل الارهاب القاعدي؛ كجبهة النصرة وداعش وغيرها، ثم ثانيًا "براءتهم" من تهجير الأقليات، واضطهاد الأرمن في كسب، وذلك من خلال محاولة تلميع صورة المجموعات المسلحة بتسويق صور ومقاطع فيديو تظهر أن المسلحين "يحمون" الكنائس والسكان، والتركيز على تصريح الراهبات السوريات سابقًا، بشكر الخاطفين على "حسن ضيافتهم".
وبغض النظر عن الدوافع التركية، وعن رغبة أردوغان في تغيير الواقع السياسي والعسكري والديمغرافي في المناطق الحدودية مع سوريا، ولكن أدعاءات "البراءة" تلك، التي يطلقها المتعاطفين مع الثورة السورية، واولئك المتعرضّين لنفوذ وتأثيرات الاعلام "الثوري" الخارجي، تجعلنا نطرح تساؤلات جوهرية:

أولاً: إذا كانت المعارضة، فعلاً، بريئة من خطف الثورة، وبريئة من الارهاب - وخاصة إرهاب جبهة النصرة- الذي تفشى منذ بداية الانتفاضة، كيف يمكن لهؤلاء الردّ على بعض التصريحات لقادة المعارضة السورية، ومنهم على سبيل المثال رئيس للائتلاف الوطني السوري معاذ الخطيب الذي قام في كلمته في مؤتمر أصدقاء سوريا في تونس في كانون الأول 2012، بمهاجمة الولايات المتحدة الأميركية لإدراجها جبهة النصرة على لائحة المنظمات الارهابية، واعتبر ان "اسلام النصرة وجهادها" هو المحرك الثوري لتحرير الشعب السوري.  وفي بيان آخر مكتوب، يقول وائل مرزا عضو الائتلاف والمشارك في المؤتمر نفسه، "ان إدراج "جبهة النصرة" على قوائم الإرهاب الأميركية دليل تخبط الإدارة أو جهلها أو عنجهيّة بعض المشرفين على الملف السوري، والأغلب أنها مزيجٌ من كل ذلك". ويضيف "لم يقم أفراد الجبهة بفعلٍ عسكري واحد يُبرر هذا القرار الغريب وفق الأعراف القانونية المتعلقة بهذا الأمر. والقرارات الأميركية ليست قرآناً من السماء لا يجوز تغييرها أو إعادة النظر فيها".

ثانيًا: إن التباكي أيضًا على مظلومية المعارضة السورية لجهة موضوع "الاقليات" في سوريا، والإدعاء أنها لم تهدد يومًا الاقليات، فيمكن لهؤلاء أن يطلعوا على أرشيف التصريحات للمعارضين السوريين، ومنهم على سبيل المثال مؤخرًا، وفي موضوع الهجوم على الساحل السوري، إعلان المعارض السوري فوّاز تللو "أنّ بلدة كسب هي بلدة سورية وليست أرمنية. فالأرمن هم ضيوف استقبلناهم منذ مئة سنة على أراضينا السورية وها نحن اليوم نحرّر أرضنا».
وماذا عن تصريح ميشيل كيلو المتلفز في 13 شباط 2013، والذي اعتبر فيه أن "جبهة النصرة وغرباء الشام ولواء احفاد الرسول وأحفاد عائشة" ليست حركات أصولية ولا تقوم باضطهاد الاقليات ولا المواطنين في سوريا؟ متغاضيًا عن ظهور الأفلام ومقاطع الفيديو الموثقة، التي تظهر هؤلاء وهم يقطعون الرؤوس، ومنها - على سبيل المثال لا الحصر- مقطع فيديو على يوتيوب، يظهر النصرة مع مجموعة شيشانيين، يعدمون مطران ومواطن سوري مسيحي من دير الزور، بعد إقامة "الحكم الشرعي عليهم".
هذا غيض من فيض، ولو أراد أحدهم أن يقوم بعمل توثيقي، يجمع فيه تصريحات "قادة الثورة السورية"، الداعمة للارهاب والمبررة له، لجمع آلاف الصفحات ولأدانهم من أفواهم بآلاف المقاطع الموثقة بالصوت والصورة. لذا، إن مَن يتباكون على ثورة سرقت، ويريدوننا أن نصدق شعارات "البراءة" ولوم الآخرين، ينسون أننا في القرن الحادي والعشرين؛ القرن الذي قامت فيه التكنولوجيا بتعرية جميع الأمور السياسية والميدانية وتفاصيل العلاقات الدولية، حتى من ورقة التوت التي لطالما غطت "عورات" مصالح السياسة الدولة، بأفكار الحرية والعدالة والديمقراطية.

2014/03/26

رسائل اقليمية ودولية عبر ريف اللاذقية

د. ليلى نقولا الرحباني

تشي الأخبار المتضاربة حول سير المعارك في ريف اللاذقية، وانتشار صور المسلحين على الانترنت أنه يُراد لهذه المعركة في اللاذقية- مركز الثقل الأساسي للنظام السوري- أن تؤسس لواقع جديد في الحرب السورية، يمتد الى المشهد الاقليمي برمّته، ويوّجه رسائل في اتجاهات عدّة، ويمكن ابراز بعض مؤشراتها:
أولاً: إن الأخبار التي سرت عن تحالف الأضداد في هذا الهجوم، والتنسيق بين المجموعات المسلحة التابعة للسعودية وتلك التابعة لتركيا، يشير بما لا يقبل الشكّ أن القائد الفعلي الذي يحرّك هذا الهجوم هو الأميركي بنفسه لأنه الوحيد القادر على فرض التنسيق بين مجموعات مسلّحة تكفّر بعضها البعض، وقتلت بعضها البعض في معارك عدّة في سوريا.
وقد تكون الأهداف الأميركية من هذا الهجوم متعددة، منها:
أ- توجيه رسالة مباشرة الى الروس في منطقة نفوذهم» الأساسية في سوريا وعلى مقربة من قاعدتهم العسكرية البحرية في طرطوس بأن ما كسبوه بسهولة في قاعدتهم العسكرية البحرية الأخرى في القرم لن يمرّ بسهولة في سوريا.
ب- التعويض عن الخسائر التي منيت بها المجموعات المسلحة على الحدود اللبنانية السورية، ورفع معنوياتهم بعد انتشار تقارير تتحدث عن هجرة معاكسة للمجاهدين القادمين من الخارج.
ج- الحاجة الى انتصار ميداني يوظّف اعلاميًا على أبواب زيارة اوباما الى المنطقة ولقائه الملك السعودي في أواخر الشهر الحالي، في ظل حاجة الأميركيين لإبراز فائض قوة ما في منطقة باتت تتفلت من أيديهم وتنتقد السياسة الأميركية علنًا، ومن هؤلاء بعض الدول الحليفة للأميركيين كأفغانستان على سبيل المثال حيث أعلن الرئيس الأفغاني حامد كرزاي تأييد بلاده لانفصال القرم عن اوكرانيا في تحدٍ واضح للسياسة الأميركية ولحلف الناتو المتواجد في بلاده.
ثانيًا: إن الدخول التركي العلني على خط المعارك الدائرة على حدودهم، وإسقاط الاتراك لطائرة سورية تبيّن أنها كانت ضمن الحدود السورية وليس التركية، كما قيام القوات التركية بقصف مواقع عدّة في الداخل السوري، وتأمين غطاء ناري للمسلحين، ثم توقف التدخل العسكري التركي فجأة في اليوم التالي يشير الى أن تهديدات دولية قد تعرض لها الجانب التركي، وقد تكون قد أتت من الاسطول الروسي بالذات في ظل أنباء عن قيام سفن حربية روسية متموضعة قبالة شاطئ طرطوس بالتحرك نحو الحدود التركية السورية قبالة اللاذقية، وهو ما قد يكون قد أدّى الى إعادة التركي الى صوابه. علمًا أن حزب العدالة والتنمية كان بأمسّ الحاجة الى ذلك التصعيد على الحدود مع سوريا، عشية الانتخابات المحلية لحرف الانظار عن الأوضاع الداخلية والتدهور في التأييد الشعبي الذي يعاني منه لأول مرة منذ عام 2002، بسبب السياسات التي اتبعها أردوغان في الداخل والمشاريع الاقليمية التي دخل فيها وخسر خسارة مدوية.
كما يكتسب الدخول التركي في تلك المعركة طابعًا مذهبيًا وطائفيًا، فالمنطقة التي يحاول أردوغان السيطرة عليها فيها مزيج من العلويين والمسيحيين وخاصة الأرمن الذين تمّ تهجيرهم قسريًا من تركيا الى سوريا ولبنان، بعد المذابح التي قام بها العثمانيون بحق أجدادهم، وقد يكون اردوغان بتعصبه الطائفي قد أراد أن ينتقم من الأرمن القاطنين في تلك المناطق وخاصة في منطقة كسب الحدودية، انتقامًا مزدوجًا؛ الأول لأنه يتهم الأرمن القدامى بالتمرد على أجداده، والثانية للانتقام من الأجيال الأرمنية الجديدة التي شوّهت صورة تركيا في العالم خاصة بعد نجاحها في كسب اعتراف الكثير من البرلمانات الاوروبية والكونغرس الأميركي بالابادة الارمنية،  التي ما تزال حيّة في الوجدان والسلوك الأرمني بالرغم من مرور ما يقارب المئة عام على حدوثها.
في المحصّلة، يبدو أن قدر السوريين أن يدفعوا ضريبة عن العالم أجمع، فالأزمة الاوكرانية والتوتر الأميركي الروسي بات يرخي بظلاله على الحرب في سوريا، فما قبل القرم ليس كما بعدها، والتسوية التي كان يؤمل تحقيقها نتيجة تفاهم روسي أميركي في المنطقة باتت أصعب من ذي قبل، وبالرغم من اعتراف الجميع أن لا حلّ عسكريًا في سوريا، إلا أن الميدان السوري يبقى هو الحَكَم والفيصل الذي سيحدد النتائج ومن يكسب ماذا، ومن يخرج من التسوية ومن يقطف ثمارها.


2014/03/02

من اوكرانيا الى الشرق الأوسط: سياسات ارتجالية وعاجزة


د. ليلى نقولا الرحباني
ينتظر الكثير من السياسيين والمحللين في العالم والمنطقة كيف سيتعامل فلاديمير بوتين مع القضية الاوكرانية للقياس على كيفية تعامله مع القضية السورية، خاصة في ظل الهجمة المرتدّة التي انتهجها الغرب في القضيتين في ظل انشغال بوتين بالالعاب الاولمبية الشتوية والتهدئة التي حاول فرضها خلال تلك الالعاب.
ولعل السياسة الغربية في كل من اوكرانيا وسوريا أظهرت بشكل واضح أنها أرادت استغلال الموقف في كل من اوكرانيا وسوريا، ولكن ها هي الالعاب الاولمبية في سوتشي قد انتهت، وتحرر بوتين من سياسة التهدئة وبات بامكانه أن يتوجه بسياسة انتقامية عقابية في القضايا التي يعتبر انه حصل فيها تعدٍ على مصالح روسيا خلال تلك الفترة.
في اوكرانيا، تطورت الامور الميدانية بشكل دراماتيكي ما دفع بالرئيس الاوكراني الى صدام مع المحتجّين، وبالتالي قبول تسوية سرعان ما التف عليها الغرب دافعًا أنصاره الى التهديد بانقلاب عسكري، أدّى الى هروب الرئيس الاوكراني من البلاد وعزله من قبل البرلمان الاوكراني، الذي دفع الأمور الى تحدي الروس بشكل مباشر من خلال الاجتماع يوم الأحد - في استعجال غير مبرر- ليصوّت على قرار يلغي بموجبه وضع اللغة الروسية في أوكرانيا باعتبارها لغة وطنية ثانية في نصف البلاد تقريبًا، كما يمنع بث القنوات غير الناطقة باللغة الاوكرانية، مما يؤشر الى محاولة تضييق على المواطنين الروس الذين يعدّون أغلبية في جنوب وشرق البلاد، وحرمانهم من حقوقهم الثقافية كمجموعات.
أما في سوريا، فقد حاولت الولايات المتحدة الأميركية ومعها الاوروبيين ان يدفعوا بقرار جديد في مجلس الأمن، مستغلّين توقيت انشغال بوتين لتمرير قرار "إنساني" في مجلس الأمن أرادوا منه أن يكون نافذة لتدخل عسكري في سوريا، أو لتمرير السلاح الى المسلحين وفك الحصار عنهم في بعض المناطق المحاصرة، إلا أنهم فشلوا في ذلك، فتمّ اقرار القرار 2139 في مجلس الأمن بدون عقوبات تلقائية أو تدابير تلقائية ضد الحكومة السورية في حال عدم تنفيذه. وبالتزامن، سرت أخبار وتقارير تمّ تسريبها الى الصحافة عن الاستعداد لفتح جبهة جديدة في الجنوب السوري على الحدود المشتركة مع الأردن، لشنّ حرب نفسية على النظام السوري والقول ان موازين القوى الميدانية ما زالت لصالح المعارضة السورية المدعومة من الغرب الذي سيستغل انشغال بوتين بهجوم على دمشق وإطاحة النظام السوري كما أطاح بالرئيس الاوكراني.
لكن، ما لم يحسب له الغرب حساب، هو أنه استطاع أن يربح جولة في اوكرانيا ولكنه لا يستطيع أن يربح الحرب؛ فالتاريخ والجغرافيا والديمغرافيا تجعل من أوكرانيا امتداد طبيعي لروسيا، ويمتلك الروس مفاتيح عدّة للتأثير والضغط على اوكرانيا، وبيدهم القدرة على انتشال اوكرانيا من الهاوية الاقتصادية، أو التسريع في انهيارها كليًا لتصبح دولة مفلسة بكل معنى الكلمة علما أن الاتحاد الاوروبي يبدو عاجزًا أو غير قادر على إنقاذ اوكرانيا إلا بواسطة صندوق النقد الدولي الذي سيدفع السلطات الاوكرانية الى اعتماد سياسات تقشفية مؤلمة في الداخل، قد تدفع الى مزيد من عدم الاستقرار السياسي. بالاضافة الى الاقتصاد، يمتلك الروس الكثير من القدرات السياسية والجغرافية والديمغرافية التي تسمح بالحفاظ على وحدة اوكرانيا أو تفكيكها.
وكما في اوكرانيا، كذلك في باقي بلدان العالم تغلب السمة الارتجالية على سياسات الغرب والأميركيين، فهم يكتفون بما يحصدونه اعلاميًا او بما يستطيعون أن يسببوه من عدم استقرار في المناطق التي يتدخلون فيها، ولكن التجارب أثببت أنهم باتوا أعجز من أن يستطيعوا تقديم حلول متكاملة والسير بالبلدان التي يتدخلون فيها الى تأسيس مؤسسات ديمقراطية فاعلة ومستقرة، فها هو العراق تركه الاحتلال فريسة للارهاب وعدم الاستقرار الأمني والسياسي والفساد، وها هي افغانستان ستُترك لمصيرها يتنازعها الفقر والعوز والارهاب وقد يؤدي الى عودة طالبان الى الحكم، وها هي ليبيا ومصر.... أما في سوريا، فحدث ولا حرج، دخل الغرب والعرب في حرب على سوريا لا يستطيعون الانتصار فيها، ولا يعرفون كيف ينهونها، ومجرد الحديث الغربي بأن السيناريو الاوكراني يمكن أن ينسحب على سوريا، يدل على جهل قائله، وعدم معرفته بخصوصيات منطقة الشرق الأوسط، وتشعبات الارهاب فيها.