2017/11/20

تركيا والناتو: هل حان أوان الطلاق؟


ليلى نقولا
في سابقة هي الأولى من نوعها مع دولة حليفة وعضو في حلف الناتو، وجّه الحلف إهانة الى تركيا بوضع صورة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك من ضمن لوائح التصويب الناري، بالاضافة الى خلق حساب وهمي باسم اردوغان في برنامج محادثة ضمن دروس المحاكاة، وذلك للتدريب على "إقامة علاقات مع قادة دول عدوة والتعاون معها". وبالرغم من إعتذار الناتو عن الحادثتين، قرر أردوغان سحب مشاركة الاتراك في تلك المناورات التي عقدت في النرويج.
لطالما اعتبرت تركيا من الركائز الهامة في استراتيجيات حلف الناتو منذ تأسيسه، فقد انضمت تركيا الى الحلف في 18 شباط 1952 ولعبت خلال الحرب الباردة دورًا هامًا في سياسة "الإحتواء" التي قررتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي. وبعد أحداث 11 أيلول 2001، ساعدت الجغرافية التركية المشرفة على آسيا الوسطى، والروابط التي تربط تركيا مع مجموعة الناطقين باللغة التركية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بزيادة أهمية تركيا في ميزان استراتيجيات الحلف الاطلسي، واستمر الحال على ما هو عليه الى أن حصلت الحرب في سوريا، فاعتمد الأميركيون والاوروبيون على تركيا في بادئ الأمر لتطبيق سياساتهم الرامية الى الاطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، الى أن تبدلت الظروف الميدانية بدخول الروس الى الساحة السورية وفشل الأتراك في إسقاط الأسد، وظهور التباينات في الاستراتيجيات الأميركية والتركية في المنطقة.
يومًا بعد يوم، تكبر الفجوة في علاقات حلف الناتو وتركيا، ولعل أبرز الأمور التي تجعل العلاقات بين الطرفين في أسوأ ظروفها اليوم هي ما يلي:
- اعلان تركيا نيتها شراء منظومة دفاع "أس 400" من الروس، ولقد برر الأتراك هذا الأمر بحاجتهم الى سدّ "الفجوة العسكرية" وتعزيز قدراتهم الدفاعية في ظل تقاعس الناتو عن منحهم منظومة دفاع جوي، وخاصة بعد إقدام كل من ألمانيا وواشنطن على سحب بطاريات صواريخ الباتريوت من الأراضي التركية في ظل أزمة إسقاط الطائرة الروسية في الأراضي السورية. ولقد أعلنت تركيا عن هدف استراتيجي عسكري يتجلى في تصنيع منظومة خاصة للدفاع الصاروخي بحلول عام 2025.
وتشير التقارير تراجع استخدام دول حلف الناتو لقاعدة إنجرليك في تركيا إلى ما يتجاوز 75 في المائة، بالمقارنة بفترات سابقة، سواء في العمليات القتالية أو فيما يخص عمليات الإمداد والتموين للمقاتلات الغربية العاملة ضمن التحالف الدولي ضد داعش.
-  إعلان الأتراك رغبتهم بالانضمام الى منظمة شنغهاي للتعاون، مع العلم أنه من الصعب على أي دولة توفق في سياساتها السياسية والعسكرية بين "الناتو" و"شنغهاي" في الوقت نفسه، كون "شنغهاي" تمثل نظاماً أمنياً بديلاً للدول الأعضاء يتضمن توثيق التعاون الأمني والعسكري بين دول المنظمة في مواجهة التهديدات المشتركة.
- الموقف من أكراد سوريا، فقد أعلن الرئيس التركي بعد مباحثاته مع الرئيس بوتين في سوتشي مؤخرًا "أن الروس باتوا يتبنون الموقف التركي بخصوص الشمال السوري"، وذلك يعني أن لدى هامشًا أكبر من الأميركيين يسمح لهم بتقديم التنازلات في الموضوع الكردي وتفهّم هواجس الأتراك في هذا الإطار، في حين يدرك الجميع أنه لم يعد ياستطاعة الأميركيين التخلي عن أكراد سوريا بسهولة في ظل ندرة الخيارات المتوافرة لديهم للتعويل على حليف مقاتل يحفظ لهم نفوذهم في سوريا.
ولعل ما يقلق الأتراك هو التسابق الروسي الأميركي على حفظ موقع الأكراد في مستقبل سوريا، فروسيا كانت قد أعلنت نيتها اشراك الأكراد في مؤتمرات الحل السلمي المرتقبة، قبل ان تتراجع نزولاً عند رغبة أنقرة، ولقد أظهرت مسودة الدستور المسربة سابقًا والتي أعدتها موسكو للنقاش، أن الروس يتصورون إعطاء حكم ذاتي لامركزي للأكراد ضمن سوريا الموحدة. وإن كان على تركيا الاختيار بين أهون الشرّين، فقد يكون الموقف الروسي من الأكراد قابلاً للتفاوض بعكس الموقف الأميركي الذي أعلنه نائب الرئيس الأميركي صراحة عقب لقائه رئيس الوزراء التركي، بأن الأميركيين سيستمرون بالعمل مع أكراد سوريا ودعمهم حتى بعد انتهاء ظاهرة داعش.
وهكذا، تبدو كل المؤشرات متجهة الى زيادة التوتر بين الناتو وتركيا، ولكن لا يمكن التصور ان أردوغان سيعمد الى الانسحاب من حلف الناتو بنفسه، فاستمرار وجوده في الناتو يمنحه قدرة تفاوضية أكبر مع الروس، كما أن تأرجحه بين المحورين يكسبه هامشًا من المناورة والقدرة على استجلاب التنازلات من كلا الطرفين. أما بالنسبة لدول حلف شمالي الأطلسي، فلن يتخلوا بسهولة عن دولة محورية كتركيا بالرغم من كل الابتزاز والتوتر الذي يخلقه اردوغان، إذ لا يمكن أن يدفعوا الأتراك الى الارتماء في أحضان الروس وتحوّل البحر الأسود الى بحيرة روسية. لذا يبدو من المبكر الحديث عن قطيعة أو طلاق بين الناتو وتركيا، أقلّه في المدى المنظور.

Attachments area

2017/11/15

الاميركيون في سوريا: تراجع أو تثبيت انتصار؟

ليلى نقولا
يشير البيان المشترك حول سوريا الذي أعلنه الرئيسان ترامب وبوتين على هامش منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي "إبيك" في فيتنام، إلى اقتناع دولي بأن الخيار العسكري لم يعد يجدي في سوريا، وأن الحلّ السياسي هو الأنسب لسوريا وللمنطقة.

وكانت لافتة العبارة التي تضمنها البيان والتي أشارت إلى أن "الأطراف أخذوا علماً بالالتزام الحديث للرئيس الأسد بإجراء الإصلاحات الدستورية وإقامة الانتخابات..."، وهذه العبارة إن دلّت على شيء فهي تدل على اعتراف أميركي وواضح بشرعية الرئيس السوري، والتعويل الدولي عليه للقيام بمسار الإصلاحات الدستورية وإجراء الانتخابات، وهو يدحض كل ما قاله وزير الخارجية الأميركي تيلرسون منذ مدة وجيزة إن الأميركيين لا يرون مستقبلاً للرئيس السوري بشّار الأسد في مستقبل سوريا وإنه سيضطر إلى التخلّي عن منصبه في إطار عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة.

بالتأكيد، إن الانتصارات العسكرية التي حقّقها الجيش السوري وحلفاؤه في الميدان السوري هي التي فرضت نوعاً من التراجع الأميركي المُتدرّج حول رؤيتهم لمستقبل سوريا والآليات التي ستحكم هذا المستقبل، ولكن عوامل القلق من المستقبل لا تزال تحوم فوق سوريا، خاصة في ظلّ الإنجازات التي حقّقها الأميركيون من خلال حلفائهم في سوريا.

وتتجلّى عوامل القلق من الاستراتيجية الأميركية على مستقبل سوريا، مما يظهر في الميدان السوري من سباق محموم للقوات المدعومة أميركياً لاقتطاع أراضٍ قبل وصول القوات السورية إليها، فقد قامت "قوات سوريا الديمقراطية" بالسيطرة على جغرافية سورية شاسعة، ورتّب الأميركيون انسحاب داعش لصالح تلك القوات في حقل عمر النفطي ما سمح للمقاتلين الأكراد بالسيطرة عليه والتوجّه نحو دير الزور والسيطرة على أكبر مساحة جغرافية ممكنة قبل وصول النظام إليها لتحريرها.

وفي الطريق إلى البوكمال، حاول الأميركيون استباق وصول الجيش السوري وحلفائه إلى المعبر الاستراتيجي الذي يربط العراق بسوريا، إلا أنهم لم يستطيعوا تجنيد مقاتلين من المعارضة المسلحة أو العشائر للقيام بهذه المهمة، وإلا لكانوا أقاموا الترتيبات اللازمة لمقايضة تلك الجغرافيا بين داعش والعشائر السورية.

وقد يكون ما تقوم به حركة "نور الدين الزنكي" المدعومة أميركياً من قتال مع "هيئة تحرير الشام - النصرة سابقاً" في ريف حلب الغربي، هو استباق للمعركة التي سيقوم بها الجيش السوري ضد جبهة النصرة بعد الانتهاء من داعش على الحدود السورية العراقية والتفرغ لقتالها.

ما سبق، يشير إلى رغبة أميركية واضحة بإبقاء السيطرة على مناطق سورية، وتثبيتها بوجود 11 أو 12 قاعدة عسكرية أميركية ( تتضارب التقارير حول عددها)، وهو ما أشار إليه بعض المسؤولين العسكريين الذين قالوا إن الأميركيين لا يمتلكون استراتيجية للخروج من سوريا بعد الانتهاء من داعش.

والمشكلة التي ستبرز في المستقبل حول مستقبل هذه المناطق هي الموقف الروسي، خاصة في ظل توجّه الروس في مسارهم الدولي الحديث بعد أوكرانيا، لتشجيع اللامركزيات وإعطاء هامش من الحرية الموسّعة للأقليات في الدول السيّدة.

وفي هذا الإطار بالذات، نجد أن الموقف الروسي من الاستفتاء الكردي في العراق بقي غامضاً، وقد يُفهم موقفهم هذا بالرغبة بعدم إعطاء فرصة لاتهامهم بازدواجية المعايير كون إية إدانة أو رفض للاستفتاء الكردي باعتباره عملاً غير قانوني، سيضعف موقفهم من قضية ضمّ القرم حيث يتذرّع الروس بأن الاستفتاء الذي أجريَ هناك وضمّ القرم إلى روسيا الاتحادية هو قانوني وشرعي، مستندين بذلك إلى السابقة التي أرساها الأوروبيون في كوسوفو، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول استفتاء كوسوفو، والذي اعتبرت فيه المحكمة أن الاستفتاء لا يخلّ بمبادئ القانون الدولي.

وبالرغم من أن الوضع الكردي في سوريا يبقى مختلفاً عن وضع أكراد العراق، ولكن التسريبات التي تحدّثت عن تفاهمات أميركية روسية غير معلنة حول تقاسم مناطق النفوذ حول الفرات، تؤكّد أنه ما زال أمام السوريين مسار طويل من المعارك لاستعادة كامل التراب السوري، وقد تكون المعارك في إدلب والجنوب السوري سهلة نسبياً مقارنة بتحرير مناطق الشرق والشمال السوري من سيطرة الأميركيين الذين لن يتخلّوا بسهولة عما كسبوه من الجغرافيا السورية.

2017/11/02

سقوط مشروع البرزاني.. هل يُفشل التقسيم في سوريا؟


فرضت التطورات في الشمال السوري نفسها على كل التحاليل السياسية والأكاديمية، وتخوّف البعض من أن تكون الترتيبات التي حصلت ومسار التسوية في آستانة ستؤدي إلى التقسيم في سورية. لعل هواجس التقسيم تتبدى في الهجوم الذي شنّه الأكراد صوب دير الزور مسابقين الجيش السوري للوصول إلى الحدود العراقية - السورية، كما الترتيبات والتسوية التي عقدوها مع "داعش" للسيطرة على حقل عمر النفطي، وهو من أكبر الحقول النفطية في سورية، بالإضافة إلى تحرير الرقة وإطلاق اسم كردي عليها؛ "مدينة اوجلان". كما يشار إلى التقسيم باعتباره واقعاً انطلاقاً من دخول الجيش التركي إلى إدلب، ومحاولة توسيع مناطق نفوذه إلى أقصى حد ممكن.

بالتأكيد، يمكن استشعار الخطر على وحدة سورية وأراضيها من التوسُّع الكردي والتركي واحتلال الأراضي السورية، بالإضافة إلى الدعم الذي يتلقاه الأكراد من الأميركيين، خصوصاً القواعد العسكرية الأميركية التي تنتشر في مناطق الأكراد، لكن التطورات التي حصلت في العراق بعد حصول الاستفتاء ومبالغة أكراد العراق في وهم فائض القوة لتحدي الحكومة المركزية في بغداد، في ظل نظام إقليمي معادٍ، ستدفع أكراد سورية إلى الاتعاظ من تجربة إخوانهم أكراد العراق.

لعل وضع الأكراد في العراق كان الأفضل على الإطلاق في المنطقة، إذ إنهم يتمتعون بالحكم الذاتي منذ عام 1991، وقد حظوا بحماية أممية من خلال قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688، والذي حظّر على الطيران العراقي (خلال عهد صدام حسين) التحليق فوقها، كما تمّ تحديد ما سمي "الخط الأزرق" على الحدود بين كردستان والمناطق العراقية، وقد مُنع الجيش العراقي من تجاوزه، وبعد احتلال الأميركيين للعراق عام 2003، بدأ الأكراد بقضم المناطق العراقية، وكانت اللحظة المؤاتية لهم هي انخراطهم في الحرب على "داعش"، فتوسّعوا وسيطروا على محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين وديالى، بالإضافة إلى سيطرتهم على الحدود والمنافذ الدولية، كالمطارات والمعابر البرية مع تركيا وإيران، وقاموا ببيع النفط العراقي والاستفادة المادية من تصديره بدون العودة إلى الحكومة المركزية في بغداد.

ومؤخراً، مع بدء العمليات العسكرية العراقية ضد الأكراد، كردٍّ على الاستفتاء الذي أجراه مسعود البرزاني بدون موافقة السلطة المركزية العراقية، بدأت تتهاوى مكاسب الأكراد التي حصلّوها على مدى 14 عاماً، أي منذ قدوم الأميركيين في العام 2003 ولغاية اليوم؛ فقد طردت القوات العراقية البشمركة من معظم المناطق المتنازع عليها، خصوصاً من كركوك الغنية بالنفط، والتي تشكّل ما يقارب 85% من الطاقة الإنتاجية النفطية في إقليم كردستان العراق، كما سيطرت القوات العراقية على المعابر التي تربط الإقليم بالخارج، ومنها معبر فيشخابور (سيمالكا من الجهة السورية)، والذي يقع على مثلث هام بين العراق وسورية وتركيا، وهو المعبر الذي يربط أكراد العراق بأكراد سورية، والممر الوحيد لأكراد سورية إلى الخارج (من خلاله كان يتم تزويدهم بالسلاح منذ 2011).

إذًا، بالرغم من كل القوة التي تمتع بها أكراد العراق، لم يستطيعوا الصمود في وجه السلطة المركزية في بغداد، خصوصاً في ظل خط أحمر إيراني - تركي يمنع تشجيع أي نزعة انفصالية كردية في المنطقة، فكيف بأكراد سورية الذين يسيطرون على أراضٍ عربية سورية، ويطالبون بدولة في الشمال السوري (يسمونها كردستان الغربية)، والتي ليس لها أي ذكر في مستندات ووثائق القومية الكردية.

ثم من المعروف أن البرزاني كان حليفًا لرجب طيب أردوغان، وبالرغم من ذلك وقف الأتراك سداً منيعاً أمام الاستقلال الكردي العراقي، فكيف بالأكراد السوريين الموالين لأوجلان، والذين يُعتبرون من الأجنحة الكردية المعادية للدولة التركية، ناهيك عن أن الكرد السوريين لا يملكون رؤية سياسية واحدة، فمنهم من هو حليف النظام ومنهم من يؤيد المعارضة، وبمعظمهم يسيرون في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، والتي لن تضحي بحليفها التركي لتعزيز حلم دويلة كردية غير قابلة للحياة أصلاً، لانها دولة داخلية ومحاطة بأعداء من كل حدب وصوب.

في النتيجة، لن يكون أمام الكرد السوريين سوى المطالبة بنوع من اللامركزية ضمن سورية الموحَّدة، وهو الحل الذي يدعمه الروس، لكن الخطورة تبقى في نوايا أردوغان في الشمال السوري، والتي لا تبشّر بالخير انطلاقاً من تاريخ أردوغان نفسه، ومن تاريخ الأتراك مع سورية، فتجربة الاسكندرون ما زالت ماثلة للعيان، والخوف كل الخوف أن تتحول المناطق التي سيطر عليها الجيش التركي في الجغرافيا السورية إلى جزء من الجغرافيا التركية بحكم الأمر الواقع.

د. ليلى نقولا

2017/10/18

هل تقع سوريا في الفخّ التركي مجدّداً؟



حسناً فعلت الخارجية السورية في بيانها الذي دعا القوات التركية إلى الخروج من الأراضي السورية فوراً، بعد دخول الجيش التركي إلى محافظة إدلب، بتنسيق وتعاون تام مع مجموعات المعارضة المسلحة السورية و"هيئة تحرير الشام" أو ما كان يُسمّى بـ "جبهة النصرة الإرهابية" سابقاً.

 يبدو الهدف التركي واضحاً من العملية العسكرية في إدلب هو وضع اليد على المنطقة السورية المحاذية للحدود
يبدو الهدف التركي واضحاً من العملية العسكرية في إدلب هو وضع اليد على المنطقة السورية المحاذية للحدود
وكانت محافظة إدلب المحاذية للحدود التركية، من أولى المحافظات التي سيطرت عليها المعارضة المسلحة وخرجت عن سيطرة الحكومة السورية، وهي المحافظة التي تمّ على مدى سنوات تجميع المسلحين فيها، من مجمل التوجّهات "المعتدلة" والإرهابية التكفيرية، ونُقل إليها عشرات آلاف السوريين المعارضين بموجب اتفاقات الهدنة والمصالحة، حتى باتت تعيش على صفيح ساخن يُنبئ بالانفجار في أيّ وقت.

ومؤخراً، انضمت إدلب إلى مناطق "خفض التوتر" خلال مؤتمر آستانة ، وكُلّف الجيش التركي بالانتشار ومواجهة المعترضين من المسلحين، وخاصة "جبهة النصرة" التي رفضت ظاهرياً دخول "الجيش الحر" إلى إدلب بدعم تركي، لكن سرعان ما تبيّن أن الجيش التركي قد دخل إلى المحافظة بالتنسيق والتعاون مع جبهة النصرة وأن المجموعة المصنّفة إرهابية قد سلّمت الأتراك مواقعها بشكل سلس.

من هنا، تبيّن للحكومة السورية والقوى الضامنة لاتفاقات خفض التوتر أي إيران وروسيا، أن أردوغان قد يكون قد نصب لهم فخاً في آستانة، وأن دخوله في عملية التسوية في آستانة لا يعود فقط لتحقيق مصالحه في منع تشكّل كانتون كردي على حدوده فحسب، وليس لرغبة صادقة منه بإنهاء ظاهرة الإرهاب في إدلب، بل يكون لهدف أكبر من ذلك بكثير.

تشي التطوّرات المُتسارعة على الأرض السورية، أن أردوغان بصدد إقامة المنطقة العازلة التي لطالما طالب حلفاءه في الناتو بدعمه لتحقيقها وفشل، فالتعاون والتنسيق جارِيان بين الجيش التركي والمجموعات المسلحة، ويقوم الأتراك بتسليم المقار الحكومية إلى ما يُسمّى "الحكومة السورية المؤقتة"، بالإضافة إلى عملية التتريك الممنهجة، والتي تذكّر بمحاولات الدولة العثمانية تتريك بلاد الشام. ناهيك عن وضع صوَر أردوغان في المرافق والمؤسسات الرسمية في المناطق التي سيطرت عليها تركيا ضمن عملية "درع الفرات"، بالإضافة إلى تعليم اللغة التركية في المدارس وغيرها.

إذاً، يبدو الهدف التركي واضحاً من العملية العسكرية في إدلب هو وضع اليد على المنطقة السورية المحاذية للحدود بعمق يتراوح بين 75 و100 كلم، وإقامة منطقة عازلة فيها يسيطر عليها الأتراك والمجموعات المسلحة المدعومة من قِبلهم، تمتد من باب الهوى إلى مدينة جرابلس غرب نهر الفرات، حتى مدينة الباب السورية الاستراتيجية، لتصبح في النهاية، وبحكم الواقع، جزءاً من الجغرافيا التركية، تماماً كما لواء الإسكندرون.

ولعلّ الخطورة الإضافية التي قد تعيشها سوريا مستقبلاً، هي إمكانية اقتطاع بعض الأقاليم والمحافظات بشكل دائم، فيحتفظ الأكراد - بدعم أميركي- على منطقة كبيرة من الشمال والشمال الشرقي السوري والذي يحتوي على كميات هائلة من النفط والغاز، وأن يتذرّع أردوغان بالكانتون الكردي للبقاء في المساحة الممتدة من الحدود التركية وصولاً الى إدلب، خاصة وأنه كان قد صرّح في وقت سابق بأن جيشه لن يخرج من الأراضي قبل القضاء على الإرهاب (الكردي) بشكل كامل.

والنتيجة، أن حلفاء الحكومة السورية قد يكونوا قد وقعوا بفخ الوثوق بأردوغان في آستانة، وحققوا له بالسياسة ما عجز عن تحقيقه بالحرب خلال سنوات ستّ من عمر الحرب السورية، وبات على الحكومة السورية الانتباه لئلا يتحوّل الانتشار التركي إلى احتلال دائم لجزء من الأراضي السورية، كما حصل مع قبرص التي يمنع التواجد التركي فيها إمكانية توحيد الجزيرة.

وعليه، بات على الحكومة السورية، التوجّه إلى حفظ حقّها في السيادة على كامل ترابها الاقليمي، وذلك عبر التوجّه إلى الأمم المتحدة لرفض العدوان التركي على سيادتها بالطرق القانونية وتثيبت حقها فيه، كما عليها التوجه بالتحذير لحلفائها، من مغبّة الوثوق بالنوايا التركية تجاه سوريا، فالمؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، والسوريون الذين فتحوا أبواب المشرق لأردوغان عامي 2009- 2010، عادوا ودفعوا الثمن ابتداءً من العام 2011، وتعلّموا الدرس الأهم في العلاقات الدولية: لا تُبنى الدول وتُحفظ السيادة بالنوايا الطيّبة بل باكتساب القوة ولا شيء غير القوة.

2017/10/12

هل يخرج أردوغان من حلف الناتو؟


د. ليلى نقولا
تأزمت العلاقات الأميركية - التركية على خلفية قيام السفارة الأميركية فى تركيا بتعليق إصدار التأشيرات للأتراك غير المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأميركية، بعد اعتقال موظف تركي في القنصلية الأميركية لاتهامه أنه من أنصار فتح الله غولن، فردّ الأتراك بالمثل وقاموا بتعليق إصدار التأشيرات التركية للأميركيين.

وسابقاً، أصدر البنتاغون بياناً أعرب فيه عن قلقه من رغبة تركيا شراء صواريخ أس-400 من روسيا، وكان واضحاً أن الاتفاقيات التي وقّعها الرئيس بوتين في تركيا قد سببت الكثير من الغيظ الأميركي، باعتبار أن أهداف الرئيس بوتين الاقتصادية من التقارب مع تركيا قد تحققت، وأهمها مشروع خط أنابيب الطاقة (السيل التركي)، وهدفه تحويل أنابيب الطاقة الروسية عن أوكرانيا، واستمرار احتكار إمداد الغاز إلى أوروبا، وقطع الطريق على أنابيب أخرى كان الأوروبيون والأميركيون يودّون استخدامها لإمدادت الطاقة من آسيا الوسطى.

والجدير بالذكر أن العلاقات الأميركية - التركية كانت قد بدأت بالتوتر خلال الحرب على سورية ودعم الأميركيين للأكراد، ثم تزايدت بعد محاولة الانقلاب الفاشل للإطاحة بأردوغان. وفي وقت سابق، عانت العلاقات الاوروبية - التركية من مآزق عدّة على خلفية ملف الهجرة الجماعية للاجئين إلى أوروبا عبر تركيا، ثم ازدادت بعدما عنّف أردوغان المسؤولين الأوروبيين واتهمهم بدعم الإرهاب (الكردي).

ولعل استطلاعات الرأي في الداخل التركي، والتي قامت بها مراكز دراسات محترمة، تشي بتغيّر هام في نظرة الأتراك إلى الأخطار التي تتهدد بلادهم، وإلى نظرتهم إلى الاتحاد الأوروبي، وهي على الشكل الآتي:

1-   الولايات المتحدة هي الخطر الأكبر 66.5%، وتأتي "إسرائيل" بالدرجة الثانية 37.4%، وأوروبا في الدرجة الثالثة 24% (كانت 10.4% سنة 2016)، بينما تناقصت نسبة الخطر الروسي من 34.9% سنة 2016، إلى 18.5% هذه السنة.

2-   بالنسبة للموقف من الحرب في سورية: حوالى 50% اعتبروا أن تركيا يجب أن تكون محايدة ولا تتدخل في القضية السورية، وتقريباً 55% اعتبروا أنهم غير راضين عن سياسة استقبال اللاجئين السوريين.

وهكذا يبدو أن أردوغان يعاني من أزمة ثقة، وتوتر مع حلفائه في حلف شمالي الأطلسي، فهل يدفعه هذا الى التخلي عن الحلف لصالح الانضمام إلى حلف المقاومة؟

الأكيد أن هناك مصالح إيرانية - تركية مشتركة، وأن زيارة أردوغان لإيران كانت تاريخية واستثنائية بكافة المقاييس، خصوصاً في ظل الخطر الذي يستشعره الطرفان حيال انفصال كردستان العراق، والأكيد أيضاً أن هناك مصالح اقتصادية هامة تربط بين إيران وتركيا، وبين روسيا وتركيا.

لكن، بالرغم من ذلك، فإن أردوغان ما زال يحاول ممارسة سياسة حافة الهاوية مع حلفائه مع حلف "الناتو"، وإمساك العصا من الوسط مع حلف المقاومة، فهو يعتمد تأنيب حلفائه واستعمال اللغة التهديدية، بينما يقوم بالاتفاق مع كل من إيران وروسيا اقتصادياً ويسايرهم لفظياً، ثم يقوم بمواجهتهم في كل من سورية (خطابات ضد بشار الأسد)، وأوكرانيا التي أثار خطاب أردوغان فيها حول القرم استياءً روسياً كبيراً.

يدرك أردوغان جيداً قيمة بلاده الاستراتيجية، وأنه مهما فعل فإن كلاً من الحلفين يريد خطب ودّه، فبالنسبة لحلف "الناتو" لا حرب في المنطقة بدون أردوغان، وبالنسبة للروس مع حلف المقاومة، لا سلام ولا تسوية في سورية من دونه.

ويدرك كلٌّ من إيران وروسيا أهمية إبعاد تركيا عن أن تكون رأس حربة في السياسات الأميركية في كل من منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لما لها من نفوذ في كلا المنطقتين، عبر "الإخوان المسلمين" والمجموعات التي تدعمها في الشرق الأوسط، وعبر الشعوب الناطقة باللغة التركية في آسيا الوسطى.

والنتيجة، إن المراهنة على التزام مطلق لأردوغان مع أي من الطرفين تبدو مراهنة سطحية، لأن أردوغان لن يتخلى عن حلف "الناتو" الذي يؤمّن له دعماً استراتيجياً وعسكرياً كبيراً، ولن يتخلى عن موسكو وطهران اللتين تربطه بهما علاقات اقتصادية هامة تحتاجها بلاده في ظل أزماتها الاقتصادية، كما أن مصالحه ضد الأكراد تتقاطع مع طهران التي ستدعمه في إجهاض الحلم الكردي بالاستقلال، وهذا ما لن يقدّمه له الأميركيون أو حلفاؤه في حلف "الناتو"، والأهم ألا يتصور السوريون أن دخول الأتراك إلى إدلب الذي يبدو لمصلحتهم اليوم، أنه قد يكون لمصلحتهم في الغد.

2017/10/03

أميركا - أردوغان: اللعب على حافة الهاوية


ليلى نقولا
تكلّلت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى تركيا بنجاح اقتصادي واستراتيجي، خاصة أنها أتت في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية التركية توتراً غير مسبوق في ظلّ الدعم الذي يقدّمه الأميركيون للأكراد سواء في سوريا أو العراق.
منذ بداية ما يُسمّى "الربيع العربي"، انخرط الأتراك والأميركيون في مشروع سياسي، يقوم على تغيير شامل في الأنظمة الحاكِمة في المنطقة، على أن يكون "النموذج التركي" هو المثال حيث يتم التزاوج بين العلمانية والإسلام، أو ما أطلق عليه "الإسلام المودرن". في بداية تلك المرحلة ومع بدء عهد  أوباما، ازدهرت العلاقات التركية الأميركية خاصة بعدما قام الرئيس باراك أوباما بزيارة تركيا كأول زيارة خارجية له إلى دولة إسلامية بعد تولّيه منصبه.

ومع تعثّر المشروع وسقوط محمّد مرسي في مصر، وتراجع أوباما عن توجيه ضربة عسكرية للإطاحة بالنظام السوري على أثر حادثة الكيماوي، ساءت العلاقات بين أنقرة والولايات المتحدة حيث اتّهم أردوغان الغرب بالتخاذل، وعدم دعمه في فكرة إنشاء منطقة عازلة في سوريا.

في المقابل، بلغ الاستياء الأميركي أشدّه عام 2014 حين رفض أردوغان الدعوات الأميركية المتكرّرة للمساهمة  في عمليات التحالف الدولي ضدّ داعش. ثم عاد وقِبِل ذلك على مضض عام 2015، بعدما لجأ الأميركيون إلى الاستعانة بالأكراد لقتال داعش، وتوسّعت مهام التحالف الدولي إلى الداخل السوري.

وعلى أثر محاولة الانقلاب في تركيا، اتّهم أردوغان الاستخبارات الأميركية والغربية بمحاولة الإطاحة به، فأغلق قاعدة أنجرليك وقطع عنها الكهرباء،  وبدأت البروباغندا المُعادية للغرب والأميركيين تنتشر في المجتمع التركي. ومؤخّراً، أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة "قادر هاس" على عيّنة من ألف شخص  ونُشِر في تموز /يوليو 2017، أن المستطلعين يعتبرون الولايات المتحدة الخطر الأكبر على تركيا، بنسبة 66.5%، بينما كانت تلك النسبة 44.1% عام 2016.

وهكذا، يمكن القول أن الاختلاف بين الحليفين على السياسة في سوريا، دفع الأتراك إلى الانضمام إلى الترتيبات الروسية لمناطق خفْض التوتّر، بمقابل دعم أميركي مُطلَق للأكراد. أما في العراق، فيتّهم الأتراك الأميركيين بتشجيع البرزاني على رفع التحدّي بوجه حليفه رجب طيّب أردوغان والحكومة المركزية في بغداد. ويؤكّدون أن البرزاني لم يكن ليقوم بهذا التحدّي لولا حصوله على ضوء أخضر أميركي.

وهكذا، وإذا صحّ الاتّهام التركي للأميركيين، يكون الاستفتاء الكردي مجرّد نوع من الاستفزاز ومحاولة زرع عدم الاستقرار في كل من إيران وتركيا، لأن فكرة الاستقلال وتأسيس دولة بالقوة تبدو غير واقعية، لأسباب عدّة أهمها:

- أولاً؛ يُدرك الأميركيون جيّداً أن إنشاء دولة كردية قابلة للحياة أمر متعذّر، وذلك لأن الجغرافيا تلعب لغير صالح الأكراد. فدولة كردستان - العراق هي دولة داخلية مُغلقة تعيش في ظلّ محيط اقليمي معادٍ، لن يسمح لها بالحياة، فإن اتّفقت الدول المحيطة بالأكراد على حصارهم، لن يستطيعوا الصمود لوقت طويل.

- ثانياً، من ناحية القانون الدولي، تحتاج الدولة الكردية الوليدة إلى اعتراف الدول بها، كما تحتاج إلى موافقة أعضاء مجلس الأمن لكي تصبح عضواً في الأمم المتحدة، وعلى هذا الأساس، إن العديد من الدول سيحجم عن هذا الاعتراف لعدم تعكير صلاته بدول الجوار.

- ثالثاً، يعاني الأكراد طيلة تاريخهم من انقسام داخلي وتشرذم وتعدّد المرجعيات والأهداف، لذا من غير المُستبعَد أن يكون مصير دولة كردستان كمصير جنوب السودان التي ما إن استقلّت حتى دخلت في حرب أهلية طاحنة حوّلتها إلى دولة فاشلة.

- رابعاً، يمكن لكل من تركيا وإيران التذرّع بمحاربة الإرهاب للقيام بتدخّل عسكري في اقليم كردستان لإخضاعه، كما يمكن للأتراك التذرّع بحماية الأقلية التركمانية للتوسّع عسكرياً في الاقليم.

وهكذا، يبدو أن الأميركيين يحاولون دفْع أردوغان اليوم إلى مأزق اللعب على حافّة الهاوية، فهو لا يستطيع التخلّي عن حلفائه التقليديين والانسحاب من حلف الناتو لصالح الانخراط في حلف مع الروس بسبب إرث من التاريخ المُتناقض وعدم الثقة والاختلاف على سوريا، كما لا يمكنه التخلّي عن الروس الذين تربطهم به علاقات اقتصادية هامة، ويعدونه بتحويل تركيا إلى "محور الطاقة"، ويخشى في الوقت نفسه من أن يعمد الأميركي إلى تنفيذ سياسته بتقسيم المنطقة عبر تنفيذ دومينو انفصالي كردي يبدأ بالعراق ويمتد إلى إيران ولا ينتهي إلا بتقسيم تركيا نفسها.