2017/12/20

أفق المبادرة الفرنسية: الحديث مع الأسد وتحويله للمحاكمة؟


ليلى نقولا
كما كان متوقعًا، انتهت مفاوضات "جنيف 8" الى فشل يضاف الى جولات من الفشل انتهت اليها مؤتمرات جنيف السابقة. وقد تكون الأسباب التي أدت الى فشل الجولات السابقة مشابهة لهذه الجولة وهي؛ عدم اقتناع الأطراف المتحاورة بانتهاء وظيفة الميدان، بالإضافة الى أن رعاة المعارضة من القوى الدولية لم يخسروا الرهان على قدرتهم على الكسب بالسياسة ما خسروه في الميدان، أي الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، كما قيام الروس بفتح مسارات موازية لجنيف ما يعني أنهم لم يعودوا معنيين بانجاح مسار جنيف طالما أثبتت المسارات الموازية قدرتها على تحقيق نجاحات لم تستطع جنيف أن تقدمها.

وكان لافتًا الحديث الذي أدلى به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبر قناة "فرانس 2" وتحدث فيه عن ما أسماه "المبادرة الفرنسية" لدعم مسار الحل المدعوم من الأمم المتحدة، والتي تهدف الى جمع الأطراف السورية مجددًا ضمن طاولة حوار جديدة في مطلع العام المقبل، وقد يكون الأبرز في حديثه أن أولوية فرنسا هي "إنهاء داعش وليس بشار الأسد"، الذي وصفه بأنه "عدو للشعب السوري"، وكشف عن رؤيته لمرحلة ما بعد داعش بالقول: "سيكون بشار الأسد موجوداً... سيكون هناك لأنه محميّ من الذين فازوا بالحرب على الأرض، سواء إيران أو روسيا... لكن سيتعيّن عليه الرد على جرائمه أمام شعبه، وأمام العدالة الدولية".

وانطلاقًا من العبارة الأخيرة لماكرون والتي تبدو نوعًا من التهديد بتحويل الرئيس السوري الى العدالة الدولية، ما هي أفق المبادرة الفرنسية؟

لمناقشة أفق المبادرة الفرنسية؛ يجب أن نعود الى الأسس التي يمكن من خلالها محاكمة رؤساء الدول أمام المحاكم الدولية وذلك لارتكابهم جرائم دولية كبرى؛ كالإبادة أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني الخ، ولهذه المحاكم أنواع ثلاث: الخاصة، والمختلطة، والمحكمة الجنائية الدولية الدائمة في لاهاي.

- بالنسبة للمحاكم الخاصة Ad hoc، والتي تنشئ بقرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، فإن قدرة فرنسا على إنشائها مرتبطة بتجاوز الفيتو الروسي والصيني.

- بالنسبة للمحاكم المختلطة Hybrid ، والتي تنشئ باتفاقية بين الدولة المعنية والأمم المتحدة، فأمرها مستحيل لأن الحكومة السورية التي سيبقى على رأسها الرئيس السوري بشار الأسد ( كما اعترف ماكرون) هي التي ستعقدها، إلا إذا كان ماكرون يراهن على مفاوضة الرئيس بشار الأسد لتسليم السلطة للمعارضة وهذا توقّع ساذج في ظل الانتصارات التي يحققها الجيش السوري على الأرض، وبعد قدرة النظام على الصمود والانتصار.

- بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية ICC ، فإن قدرتها على النظر في النزاع السوري، مرتبطة بأحد أمرين: أن تكون سوريا طرفًا في اتفاقية المحكمة (نظام روما الأساسي) وهي ليست كذلك الآن، ولا يمكن أن تنضم في ظل حكم الرئيس السوري بشار الأسد،  أو بقرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، وهذا صعب أيضًا بسبب الفيتو.

في النتيجة، إن كانت المبادرة الفرنسية كما طرحها ماكرون تبدو سلة متكاملة، فهي وُلدت ميتة، لأنها متناقضة، لأسباب عدة أهمها:

أولاً: إن تجارب العدالة الانتقالية في العالم، أثبتت أنه لا يمكن إقامة المحاكمات كجزء من الانتقال التفاوضي، وذلك لأن الأطراف المتفاوضة، تشترط ضمانات بالحصانة القضائية. كما أن التجارب دلّت أن المحاكمات لا تحصل إلا في حالة انهيار النظام السابق وانتقال السلطة الى نظام جديد يقيم المحاكمات للنظام السابق المنهار سواء عبر الحرب أو الانقلاب أو المظاهرات أو سواها. وهذا عكس ما هو حاصل في سوريا.

ثانيًا: إن الأحلام التي تراود الفرنسيين باقناع الروس بعدم استخدام الفيتو لاستصدار قرار في مجلس الأمن بتحويل قضية النزاع السوري الى المحكمة الجنائية الدولية، يبدو نوعًا من الأوهام، لأن الروس ليس سذجًا وأي محكمة دولية ستنشأ قد تمتد لتحاكم الضباط والقادة الروس على ما يسميه الغرب "ارتكاب الطيران الروسي مجازر في سوريا"، كما ليس من مصلحة دول "التحالف الدولي" أن يُفتح ملف الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا أمام محكمة دولية، لأن الناشطين الحقوقيين كانوا قد وثقوا العديد من المجازر التي ارتكبها التحالف خلال قصفه الرقة وغيرها.

ثالثًا: إن تاريخ المحاكم الدولية أثبت أنها محاكم المنتصر، أي أن المنتصرين في الحروب هم الذين يقيمون المحاكمات للمهزومين، وهذا ما تدل عليه جميع المحاكم منذ نورمبرغ و امتدادًا الى يوغسلافيا ورواندا الخ... وهذا - بحسب موازين القوى الميدانية الحالية-  يجعل النظام السوري يقيم المحاكمات للمجموعات المسلحة وليس العكس.

2017/12/13

المسيحيون والقدس: هلموا الى المقاومة


يعيش العالم اليوم على وقع التصعيد الذي افتعله دونالد ترامب بتوقيع القرار القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة للدولة الاسرائيلية، مما لفت الأنظار الى ما يحاك في الخفاء للقضية الفلسطينية وخاصة الضغوط التي تمارس على الفلسطينيين لقبول بما يسمى "صفقة القرن" والتي انخرط فيها بعض العرب، للضغط على الفلسطينيين للتنازل التام عن الحقوق.
وقد يكون الموقف اللبناني بشكل عام، والمواقف الرسمية للدولة اللبنانية من النوادر حيث لم يشهد اللبنانيون وحدة تجاه أي قضية خارجية أو داخلية، كما توحدوا في مواجهة تهويد القدس، وضد قرار ترامب.

وانطلاقًا من أهمية المقاومة اليوم، يبدو من المفيد اليوم، ومن ضمن خطة المواجهة والمقاومة أن تنضم كل الكنائس الشرقية كما المؤسسات الدينية الاسلامية الى الأصوات السياسية الداعية الى المواجهة وعدم السماح باغتصاب القدس وإنهاء القضية الفلسطينية.
ننطلق من القدس، لما لها من أهمية دينية تاريخية، تشكّل مصدر إلهام روحي لجميع الديانات التوحيدية الثلاث، وتدخل في معادلة تكوينهم الثقافي وهويتهم الحضارية والتاريخية، لذا باستطاعتها أن تكون الجامع والإطار الذي تنطلق منه القوى العربية لرفض هدر الحقوق التاريخية للفلسطينيين في أرضهم ومقدساتهم، وهذا مطلوب من المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

في الأساس، تنظر المسيحية بمختلف مذاهبها إلى القدس على أنها "مدينة الرب" لأنها المدينة التي شهدت الاحداث الاكثر أهمية في حياة السيد المسيح وقيامته؛ فقد ارتبط اسم القدس في الانجيل بمحطات أساسية في حياة يسوع المسيح، فقد أخذ والدا يسوع - الطفل إلى المعبد المقدسي "ليقدّماه إلى الرب"، وتحادث الطفل ذو الاثني عشر عاماً مع علماء الدين في المعبد... وارتبطت في هذه المدينة بمحطات آلامه الكبرى ودرب جلجلته، وقيامته. إذاً، في الفكر المسيحي ما عادت القدس مدينة أرضية، بل سماوية، فيها تكوّنت أول كنيسة مسيحية، وكانت مكاناً برزت فيه أولى دعوات الرسل للتبشير بالله واستشهاد أول مسيحي.

وبالرغم من هذه الأهمية الدينية، يختلف مسيحيو المشرق عن المسيحيين الغربيين في النظرة الى القدس ليس من منطلق ديني بل من منطلق سياسي قومي، فالقدس أو "أم الكنائس المسيحية" هي مدينة عربية بامتياز بالنسبة للكنائس الشرقية، أهلها عرب وجذورها عربية بالرغم من كل الإدعاءات التي حاولت تشويه صورة المدينة منذ أقدم العصور.
وقد تكون الضربة التي تلقتها الكنائس العربية، كانت حين تمّ تنصيب بطريرك يوناني وتسلّمه مقدرات الكنيسة الأرثوذكسية، فعلى أثر الفتح العثماني للقسطنطينية بات البطريرك القسطنطيني رئيس "الملّة الأرثوذكسية" في السلطنة، ونظر إليه العثمانيون على أنه ممثل جميع الأرثوذكس في السلطنة، مما أدى الى سيطرة البطريركية القسطنطينية ومن خلالها الإكليروس اليوناني على جميع البطريركيات الأرثوذكسية الخاضعة للأستانة. فتمت "يَوْنَنَة" البطريركية الأورشليمية في القرن السادس عشر، وحلّ البطاركة اليونان مكان العرب في الأبرشية، وهو ما أدى الى ضياع الكثير من الاماكن المقدسة، فقد قام البطاركة اليونانيون ببيع الأراضي المقدسة وأوقاف الكنيسة وفرطوا بالمقدسات، كونهم لا ينتمون الى هذه الارض العربية، ولا يتجذرون فيها.

أما بالنسبة للكنائس الغربية، فنجد أنهم، بشكل عام، لم يهتموا يوماً للقضية العادلة والمحقة في فلسطين عموماً والقدس خصوصاً الا من منطلق قدرتهم للوصول الى الاماكن المقدسة للحجّ. وبالفعل اتخذ الفاتيكان موقفا دينياً أضعف الموقف السياسي للمسيحيين الفلسطينيين بتوقيعه اتفاقاً مع إسرائيل في 30/12/1993 للاعتراف المتبادل وإشارته فقط إلى تسهيل حجّ المسيحيين إلى الأماكن المقدسة المسيحية، وهو ما ردّ عليه المطران اللبناني جورج خضر بالقول:
"...ان المدينة المقدسة أقدس شيء فيها حق سكانها عليها. فالانسان دائماً خير من المكان مهما عظم وسما. ولهذا يبدو لي تدويل القدس موقفاً فاسداً من أساسه لانه مشتق من قدسية الاثار ومحجّر لهذه القدسية على حساب حق الناس وتالياً حق الله...."

ويبقى هناك بعض الكنائس البروتستانية في أميركا، وهم الذين رحبوا بقرار ترامب نقل السفارة الأميركية الى القد، التي تذهب الى أكثر من ذلك، حيث يقرأون في نفس الكتاب الذي يقرأ به اليهود ويعتقدون بأن ما فعله ترامب اليوم سوف يؤجج النزاعات والصراعات وبالتالي سوف يسرّع في تحقق نبوءة "هرمجدون" وبالتالي مجيء المسيح الثاني.

وهكذا، نستطيع القول أن اليهود استطاعوا - على مرّ الزمن- اختراق موقف الكنائس لتأمين سيطرتهم الآحادية على القدس وإدعاء ملكيتها التاريخية، لكن مسيحيو المشرق ومسيحيو فلسطين خاصة ما زالوا يرفضون ويقاومون كل مخططات التهويد. لكن ما هو مطلوب اليوم أبعد من ذلك، مطلوب موقف مسيحيي عارم، ينطلق من الكنائس والمدراس والرهبانيات والبطاركة الخ...
في ظل الخطر الذي يحيط بالقضية الفلسطينية والمواجهة التي فرضت نفسها على الجميع ضد سمي "صفقة القرن"، إن السكوت جريمة، والحياد خيانة، ويصحّ اليوم قول المسيح: "مرثا مرثا، تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب واحد"... المطلوب من الجميع اليوم وقفة مع الذات ومع الحق انتصارًا للعدل والسلام، وإلا علينا وعلى الدنيا السلام.


Attachments 

2017/11/30

التسوية السورية: هل يسلّم الأميركيون لثلاثي أستانة؟

ليلى نقولا
تقترب نهاية "داعش" في سورية والعراق، وباتت المعركة على الكيلومترات المتبقية من مساحة الجغرافية السورية والعراقية، خصوصاً في المناطق الممتدّة على الحدود الموازية للمنطقة التي يسيطر عليها الأكراد.

وتشير التقارير من الشمال الشرقي السوري أن قوات سورية الديمقراطية  "قسد" تقدّمت بسرعة نحو الحدود العراقية- السورية قرب البوكمال، وشكّلت نوعاً من الحزام العسكري الذي يقطع بين الجيش السوري و"داعش" في الصحراء الممتدة قرب الحدود العراقية، فيما يبدو أنه نتيجة تفاهمات أدّت إلى انسحاب"داعش"وتسليم مناطقها للقوات الكردية.

وبعد انتهاء "داعش"، هل فعلاً ستسلك التسوية مسارها الطبيعي في سورية؟ وهل سيستطيع لقاء القمة في سوتشي (روسيا وإيران وتركيا) فرض تصوُّرهم للحل على الولايات المتحدة؟

يبدو أن الولايات المتحدة ليست بوارد التسليم بسهولة في سورية، بل يبدو من مسار المعارك في البوكمال والتشويش الأميركي على اتصالات الجيش السوري وحلفائه المقاتلة على جبهة البوكمال ضد"داعش"، كما التحشيد الذي يقوم به الأميركيون وتوسيع قواعدهم العسكرية مؤخراً في الشمال السوري، وزيادة أعداد الجنود الأميركيين في المناطق السورية .. كل ذلك يشير إلى أن الاستراتيجية الأميركية المستقبلية في سورية ستكون سياسة وضع خطوط حمراء أمام تقدُّم الجيش السوري لتحرير المناطق التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية.

منذ بداية الهجوم السوري والزحف نحو البوكمال، تحسّست الولايات المتحدة الأميركية خطورة إعادة فتح معبر القائم –البوكمال على استراتيجتها لاحتواء نفوذ إيران الإقليمي، وقطع التواصل الجغرافي بين العراق وسورية، وتتابُعاً قطع الخط الذي يصل طهران ببيروت.

وفعلياً تسيطر الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها على    الحصة الأكبر من معابر الحدود بين سورية والعراق؛ فمعبر اليعربية (سورية) - الربيعة (العراق) يسيطر عليه المقاتلون الأكراد، كذلك معبر سيملكا – فيشخابور الاستراتيجي، والذي يقع على مثلّث بين سورية والعراق وتركيا، وقد حاولت القوات العراقية السيطرة عليه بعد الاستفتاء الكردي واستردادها للمناطق التي كان الأكراد قد استغلوا انفلات الوضع الأمني للتوسع فيها، لكنّ الأميركيين دعموا موقف الأكراد في منع القوات العراقية من استعادة السيطرة عليه، وهذا ماحصل، فبقي الأكراد يسيطرون على هذا المعبر من الجهتين العراقية والسورية.

كما يسيطر الأميركيون على معبر التنف-الوليد، ويقيمون قاعدة عسكرية هامة، ويبقى المعبر الرسمي الوحيد الذي يسيطر عليه الجيش السوري هو معبر القائم –البوكمال الذي تمّ تحريره من "داعش"مؤخراً.

وهكذا، يبدو أن الأميركيين ليسوا بوارد الانسحاب، بل هم بصدد التحضير للقتال ومنع الجيش السوري وحلفائه من الاقتراب وتحقيق مزيد من المكاسب الميدانية، وقدي تجلى الهدف الأميركي في أحدأمرين: إما إبقاء الوجود العسكري الأميركي إلى مالا نهاية في سورية، أو استعمال المناطق الكردية كورقة تفاوضية تستطيع من خلالها الولايات المتحدة فرض مسار تسوية سياسية سورية ترضيها وتحقق لها مصالحها على المدنيين المتوسط والطويل.

لتحقيق الهدف الأول، يحتاج الأميركيون إلى إبقاء جزء من الجغرافية السورية خارج سيادة الدولة السورية أي إنشاء كونتون كردي مستقل يوقّع معه  اتفاقية عسكرية تسمح ببقاء قواتهم وقواعدهم فيه، وهذا أمر يصعب تحقيقه، خصوصاً في ظل الرفض التركي والإيراني والعراقي والسوري لهذا الخيار، وعدم استعداد الأميركيين للتضحية بالحليف التركي ودفعه إلى أحضان روسيا،لما في ذلك من إضرار بمصالح الولايات المتحدة في كل من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

ويبقى الهدف الثاني الأقرب للواقع،إذ يمكن للأميركيين منع أي جهة عسكرية من الاقتراب من الحدود التي يسيطرعليها حلفاؤها،من خلال التهديد باستعمال القوة،وتحقيق الردع من خلال استعراض يومي للقوة، خصوصاً بعدما كان الإيرانيون قد أعلنوا أن المعركة المقبلة بعد الانتهاء من "داعش" ستكون التوجُّه لتحرير الرقة، وهكذا فإن إبقاء جزء من الجغرافية السورية بيد الأميركيين – أقلّه في الوقت الراهن – سيعرقل قدرة الدول الراعية لأستانة (روسيا وتركيا وإيران) من الانفراد بصياغة الحل السياسي، وسيعطي الأميركيين قوة تفاوضية هامة للمشاركة في رسم مستقبل سورية والمنطقة.

وما يعزز الخيار الثاني، أن الأكراد السوريين يُدركون أنهم محكومون بالجغرافيا؛ تماماً كما أكراد العراق، الذين دفعوا غالياً ثمن الاستفتاء ومحاولة الانفصال، كما هم محكومون بعدم قدرة الولايات المتحدة على إغضاب الحليف التركي، مايعني عدم قدرتهم على استعداء الروس، إذ جلّ مايمكنهم الوصول له بعد انبلاج الأزمة في سورية هوالحصول على بعض الاستقلالية عبر اللامركزية الإدارية الموسَّعة التي يطرحها الروس في الدستور السوري الجديد.

2017/11/29

مقابلة حول نجاح أو فشل التسوية السورية في جنيف

التعامل مع اسرائيل: كيف سقطت المحرمات؟



ليلى نقولا
جاء اعتقال القوى الأمنية اللبنانية لناشطة فلسطينية وممثل لبناني بتهمة التعامل مع اسرائيل، لتلقي الضوء والتساؤلات على مدى وحجم الاختراق الاسرائيلي للمجتمعات العربية خاصة تلك المحيطة بها أو ما يسمى دول الطوق، ولعل التفاعل مع قضيتهما وقبلهما المخرج زياد الدويري الذي عاش في اسائيل وتواصل مع السلطات الاسرائيلية لتصوير فيلمه؛ لتكشف عمق انقسام مجتمعاتنا على ذاتها ومدى كره الذات الذي نعيشه في موضوع التعامل مع اسرائيل بدليل خروج بعض الشخصيات السياسية والاعلامية للدفاع والتشكيك، واعتبار الأمر يستحق جائزة كما في حالة زياد الدويري.
الأكيد أن التجسس وتجنيد العملاء ظاهرة قديمة جدًا لطالما استخدمتها الدول لاختراق أسرار الدول والمجتمعات الأخرى، فلا يقتصر عمل الجواسيس على اختراق الأسرار العسكرية والأمنية بل أيضًا يطال المجالات الدبلوماسية وكافة مجالات العلوم والتكنولوجيا والاختراعات وغيرها من دعائم اقتصاديات الدول. وهذا يعني أن مهمة الجاسوسية لا تقتصر على أوقات الحرب فقط بل تكتسب أهميتها أيضًا في أوقات السلم، ولا تكون موجهة الى الإعداء فحسب بل تطال الأصدقاء أيضًا، وهذا ما كشفته قضية الجاسوس الاسرائيلي جوناثان بولارد الذي كان عاملاً في البحرية الأميركية وتمّ اتهامه بتسريب المعلومات لإسرائيل عام 1985، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدى الحياة عام 1987، كما فضيحة التنصت الأميركي على المستشارة الالمانية أنغيلا ميركل خلال عهد أوباما وغيرها.
أما بالنسبة لاسرائيل، فتشير الدراسات أن نشأة الإستخبارات الإسرائيليّة سبقت نشوء الكيان الإسرائيلي بكثير، ففي عام 1914، أنشئت أول منظمة استخبارية اسرائيلية باسم "يلي" لجمع المعلومات عن القوات التركيّة والألمانية، وقد نجحت في سرقة أسرار غـاز "الخردل" وبعض الأسلحة الألمانيَّة الحديثة ونقلها إلى بريطانيا.
ومع تأسيس الدولة، أنشأت اسرائيل مجموعة من الأجهزة الاستخبارية كان أشهرها عالميًا جهاز الموساد الذي أنشئ عام 1951 بقرار من دايفد بن غوريون.

إذًا لقد حاولت دائمًا اسرائيل اختراق الدول العربية وتجنيد العملاء، وتطورت وسائلها بعد اجتياح لبنان الى تأسيس جيش من العملاء (جيش لحد) يعمل لصالحها وينفذ الاعمال القذرة والتعذيب وملاحقة الوطنيين والمقاومين.
لطالما إعتُبر التعامل مع اسرائيل عملاً مشينًا ملاصقًا للخيانة العظمى، وكانت النظرة الاجتماعية تنظر للعلاقة مع اسرائيل باعتبارها عملاً منبوذًا ومدانًا حتى لو لم تكن علاقة تجسسية الطابع، الى أن بدأت الحرب في سوريا، وتوالى سقوط المحرمات وباتت المجاهرة بالصداقة مع الاسرائيليين وطلب ودّهم لا تثير أي نوعٍ من عقدة الذنب أو الشعور بالخطيئة.
ويمكن لنا أن نذكر في هذا الإطار العديد من الشواهد على سبيل المثال لا الحصر:

- مجاهرة العديد من رموز المعارضة السورية بزيارة اسرائيل والمشاركة في مؤتمر هرتسيليا، والظهور على وسائل الاعلام الاسرائيلية، ومحاولات إغراء الاسرائيليين بمبادرات تُسقط حق السوريين في الجولان المحتل، كمبادرة "الجولان المحتل" التي أطلقها بعض المعارضين في المانيا، أو الدعوات التي أطلقت من البعض الآخر لإقامة  "منطقة آمنة في الجنوب السوري" تسيطر عليها اسرائيل وتحظّر الطيران فيها.

- الاختراق الذي حصل في حاسوب مدير في مكتب نتنياهو، والذي كشف عن علاقات واسعة مع سوريين ولبنانيين قدموا معلومات سرية في الملف السوري وغيره.

- بعد انقلاب موازين القوى الميدانية لصالح الجيش السوري، أطلقت بعض المجموعات المعارضة على الانترنت وبكل جرأة، دعوات لاسرائيل "لمساعدتهم في إسقاط النظام" وانقاذ المعارضة من الهزيمة.

- اللقاءات الاسرائيلية مع السعوديين في واشنطن والتي جاهر بها الطرف السعودي واعتبرها أمرًا طبيعيًا في ظل عداء الطرفان لايران. ثم زيارة أنور عشقي لإسرائيل على رأس وفد من الأكاديميين ورجال الأعمال السعوديين والذي اعتبرت من قبل الصحافة الاسرائيلية "إنجازًا كبيرًا” لنتنياهو.

- أثبتت قضية المخرج اللبناني زياد الدويري - والذي زار تل أبيب لتصوير فيلم - أن هناك جمهورًا لبنانيًا وشخصيات سياسية وعامة - من خارج فئة المتعاملين السابقين مع اسرائيل خلال الحرب الاهلية - لم يعد يعتبر التواصل مع اسرائيل أو إقامة علاقات مع الاسرائيليين أمرًا مثيرًا للاستغراب أو الاستهجان بل أمرًا طبيعيًا بحجة الانفتاح والثقافة علمًا أن القانون اللبناني كان واضحًا في تجريم "أي اتصال بالعدو أو دخول أراضيه".

وهكذا، سقطت المحرمات في الوعي العربي، واستطاعت اسرائيل التسلل من بوابة الخراب الذي حلّ في العالم العربي بعد العام 2011 لكيّ الوعي العربي، والتأسيس لخلق قناعات جديدة تنحرف عن الهدف الأصلي باسترداد الحقوق المسلوبة وتقزّيم القضية المركزية لتصبح كل مطالبة بعدم التطبيع نوعًا من اللغة الخشبية المنبوذة، وقد بدأ ذلك بعدما نجح الاسرائيليون بتحويل وجهة الصراع من عربي اسرائيلي الى صراع عربي فارسي  وسنّي شيعي، حتى اختلطت في وعي بعض الفئات مفاهيم العدو والصديق والمقاومة والارهاب.