2023/06/12

السعودية من "الحزم" الى "صفر مشاكل" الى "الحياد الايجابي"

ليلى نقولا

كان عام 2015 مفصلياً في تاريخ المملكة العربية السعودية، حيث استلم الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في المملكة، وعيّن ابنه محمد بن سلمان وزيراً للدفاع، بالإضافة إلى تعيينه رئيسًا للديوان الملكي ومستشارًا خاصًا للملك، ثم أتبعه بأمر ملكي آخر يقضي بإنشاء مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية
برئاسة نجله أيضاً.
استلم الأمير محمد بن سلمان وزارة الدفاع، ودفة الحكم في السعودية (باسم والده) في فترة تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط مشاكل كبرى، بعد اشتعال ثورات الربيع العربي وتحوّلها الى فوضى عارمة وحروب في كل من اليمن وسوريا .... وفي ظل اشتداد الخلاف الخليجي الخليجي بسبب تلك الثورات، وكذلك العداء بين كل من السعودية من جهة وإيران وتركيا من جهة أخرى وغير ذلك من المشاكل الأمنية والسياسية وتفشي الارهاب.
بدأ بن سلمان حكمه عام 2015 بإطلاق تحالف عسكري من عشر دول تقوده السعودية سمي بـ "التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن" ، وانخرط في حرب اليمن مطلقاً ما سماه "عاصفة الحزم لاستعادة الشرعية وهزيمة الحوثيين". وفي نفس السنة، توترت العلاقات بشكل كبير بين إيران والسعودية بسبب حادثة تدافع مِنى التي راح ضحيتها العديد من الحجاج الايرانيين، وانقطعت العلاقات كلياً بين الدولتين في كانون الثاني /يناير من عام 2016 بعد اعدام "الشيخ نمر النمر" في السعودية، وقيام المتظاهرين الايرانيين بالاعتداء على القنصلية والسفارة السعودية في إيران، ما دفع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الى اعلان قطع العلاقات بين البلدين.
لا شكّ أن احداثاً كثيرة وقعت خلال الفترة الممتدة من 2015 ولغاية عام 2022، حيث طبع التشدد والتصعيد والتشدد سياسة المملكة داخلياً ضد المعارضين، وخارجياً من ايران الى تركيا الى لبنان ومصر والاردن الخ... وسمحت العلاقات الممتازة لولي العهد السعودي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بممارسة تشدد إضافي وصل الى حدّ القيام بحصار قطر، وتهديد إيران الخ...
برحيل ترامب، بدأ الأميركيون سياسة جديدة في المنطقة وأعلن بايدن أنه "سيجعل السعودية دولة معزولة"، ثم ما لبث أن تراجع عن ذلك بعد الحرب الاوكرانية وحاجة الأميركيين للسعودية لضبط أسعار النفط.
كان عام 2022 مفصلياً، حيث ظهر أن بن سلمان يقود المملكة في 3 خطوط استراتيجية رئيسية:
- داخلياً: تحقيق نمو اقتصادي، وانفتاح سياسي واجتماعي وتقليص سيطرة رجال الدين.
- اقليمياً: الانطلاق في سياسة "صفر مشاكل" عبر التخلص من إرث السياسة المتشددة الحربية السابقة، والسعي الى التهدئة في المنطقة حيث أعرب بن سلمان عن رؤيته لتحقيق التنمية والازدهار والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط ككل.
- دولياً: اتخذت السعودية موقفاً جريئاً بعدم الانحياز لأي طرف في الحرب الاوكرانية، ورفض بن سلمان طلب بايدن بتخفيض أسعار النفط، وأبلغه أنه ملتزم بقرار أوبك بلس، وهو أمر استفادت منه روسيا بشكل كبير.
أما عام 2023، فيمكن أن نقول ان السعودية انتقلت من "صفر مشاكل" في المنطقة الى سياسة "الحياد الايجابي" في المنطقة والعالم، بعكس تركيا التي تعتمد مع أردوغان سياسة "التحوط الاستراتيجي"، والتي تعني فعل الشيء وعكسه في السياسة الخارجية لمواجهة تهديد استراتيجي (راجع مقالنا في هذا الموضوع) .
اليوم، نجد أن السعودية تحاول أن تستفيد من الاستقرار السياسي الداخلي وقدرة الدولة الاقتصادية والنفطية والاستثمارية لخلق ظروف خارجية مواتية لعلاقات متساوية ومتبادلة المنفعة في المجال الاقتصادي، وفي الوقت نفسه محاولة لعب دور اقليمي يسمح لها بالاستفادة من التغييرات في النظام العالمي لتكريس نفسها دولة فاعلة في النظام، اي باختصار ممارسة "الحياد الايجابي".
وطد الأمير محمد بن سلمان علاقات السعودية الدولية الاقتصادية والسياسية مع كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وتصالح مع إيران برعاية صينية، وأعاد سوريا الى الجامعة العربية، ودعى الرئيس الاوكراني فلوديمير زيلينسكي ليلقي كلمة في القمة العربية، ويرعى حالياً محادثات إطار للحل في السودان، واستقبل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبيل ساعات قليلة من وصول وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن، وتلقى اتصالاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مباشرة بعد مغادرة بلينكن الخ..
الحياد الايجابي السعودي هو سياسة جديدة أبعد من أن تكتفي السعودية بتصفير المشاكل، وأوسع من عدم الانحياز في العلاقات الدولية، ولا يعني النأي بنفسها عن المشاكل الاقليمية والدولية، بل على العكس من ذلك تعمل لأن تكون لاعباً فاعلاً، ووسيطاً مقبولاً يمتلك علاقات جيدة مع جميع الأطراف، ما يسمح لها بتحقيق مكانة دولية واقليمية فاعلة.
في الخلاصة، لقد انتقلت السعودية في أقل من عقد من الزمن من "السياسة الهجومية" الى "صفر مشاكل" الى "الحياد الإيجابي"، أي الحياد النشيط، المتفاعل إيجابياً وساعياً لدور فاعل في القضايا الدولية والإقليمية.
All reacti

إدانة ترامب: هل تمنعه من الترشّح والفوز بالرئاسة؟


وجّهت وزارة العدل الأميركية تهماً جنائية فدرالية إلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بعد اكتشاف وثائق سرّية في منتجع مارالاغو في فلوريدا، تتضمّن معلومات عسكرية ونووية ومعلومات استخبارية عن دول أجنبية إلخ... وقد تمّ توجيه الاتهام لترامب بجرائم تصل عقوبتها إلى السجن لعدة سنوات (تتراوح بين 10 و20 سنة) في حال تمّ إثبات التهم الموجّهة إليه، وهي تهم بالتجسس والتآمر لعرقلة العدالة والإدلاء بتصريحات كاذبة، وتوجيه موظفيه لإخفاء الوثائق عن المحقّقين والإدلاء بتصريحات كاذبة عن وجودها.

ولا شكّ أن اتهام رئيس أميركي سابق بهذه التهم، هو سابقة فريدة من نوعها في الولايات المتحدة الأميركية، وهنا يمكن أن ندرج الملاحظات التالية في مدى الأثر الذي ستتركه تلك المحاكمات على الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024، وأبرزها ما يلي:

اليمين المسيحي: "حرب مقدّسة"

يشكّل ترامب حالة استثنائية وفريدة في التاريخ الحزبي في الولايات المتحدة الأميركية، فإضافة إلى الخطابات الشعبوية والقدرة على حشد التأييد ومهارته في مهاجمة الخصوم، استطاع ترامب أن يتحوّل إلى زعيم أشبه بزعماء العشائر في دول العالم الثالث، حيث يتمتع بنفوذ استثنائي، وقدرة على التأثير على من يؤيّدونه، خاصة لدى المحافظين أتباع الكنائس الإنجيلية، الذين يصفونه بصفات "الزعيم الملهم" "المرسل من عند الله" وغيرها.

مباشرة بعد توجيه الاتهامات، اعتبر العديد من قادة اليمين المسيحي أنّ جو بايدن يشنّ حرباً "روحية" على دونالد ترامب لدفاعه عن القيم المسيحية الأساسية وقيم العائلة وسواها، واعتبر آخرون أن "جو بايدن يستخدم وزارة العدل لتوجيه الاتهام إلى خصمه السياسي الأكبر، تماماً كما استخدمها سابقاً لملاحقة "الوالدَين" الذين يريدون حماية أطفالهم فاعتبرهم "إرهابيين محليّين"، وللتجسّس على الأبرشيات الكاثوليكية، ولترويع ومضايقة المسيحيين المؤيّدين للحياة".

وهكذا، يبدو أن ترامب سيستخدم الاتهام لتقوية نفوذه في أوساط "اليمين المسيحي" الأميركي، باعتباره "يدفع فاتورة الدفاع عن القيم المسيحية المؤيدة للحياة والرافضة للإجهاض والمثلية وسواها".

 

الجمهوريون: مكيدة ضد المعارضين

تُعدّ مواجهة رئيس سابق لاتهامات فدرالية مشكلة كبيرة في حد ذاتها، فكيف إذا كان هذا الرئيس هو الرئيس الأكثر شعبية لدى الجمهوريين والمرشح الأكثر تقدّماً في استطلاعات الرأي في الحزب الجمهوري والذي يُتوقّع أن يخوض السباق الرئاسي ضد الرئيس الحالي جو بايدن؟.

يعتبر العديد من الجمهوريين أن لائحة اتهام ترامب من قبل وزارة العدل الأميركية هي مكيدة مدبّرة من قبل الرئيس جو بايدن ضد ترامب الذي يُتوقّع أن يهزمه في انتخابات 2024. وتذكر بعض المواقع الصحافية التابعة للجمهوريين أن تعيين المحامي الخاص لإصدار لائحة اتهام ترامب هي مجرّد غطاء سياسي لمؤامرة سياسية يقوم بها بايدن.

وقالت حملة ترامب إن الاتهام يمثّل "إساءة استخدام غير مسبوقة للسلطة من وزارة العدل، ومحاولة للتدخّل بالانتخابات، وإن إدارة بايدن تقوم بمحاكمة شاملة لزعيم المعارضة من خلال تلك الخطوة، وإن "هجمات الدولة العميقة أضحت أكثر شراسة مع تنامي هيمنة ترامب".

وتفنّد بعض المقالات الصحافية الاتهامات المساقة ضد ترامب، فتعتبر أن قانون السجلات الحالي الذي يسمح للرئيس بالوصول إلى الوثائق، ويسمح بالتفاوض مع من يمتلكون تلك الوثائق بحسن نية، هو ما تمّ تطبيقه مع الرئيس جو بايدن الذي تمّ اكتشاف ملفات سرية قديمة مخزّنة في مرأب منزله إلى جوار سيارته، بينما لم يطبّق القانون نفسه على دونالد ترامب الذي يتم اتهامه بإحدى وثلاثين تهمة بـ "الاحتفاظ المتعمّد بمعلومات الدفاع الوطني" وهي تنتهك قانون التجسس القديم والذي نادراً ما يتمّ تطبيقه مع مسؤولين ورؤساء سابقين.

وهكذا، يتهم الجمهوريون الحزب الديمقراطي والرئيس جو بايدن بأنهم يريدون أن يحوّلوا انتخابات عام 2024 استفتاءً على ترامب، وتحويل الأنظار عن فشل بايدن في الاقتصاد والتضخّم والركود الذي تعاني منه الولايات المتحدة الأميركية وعن سوء أداء الإدارة الحالية التي تحوّل أموال دافعي الضرائب إلى أوكرانيا.

قدرة ترامب على الترشّح والفوز بالرئاسة

قال ترامب على منصته Truth Social إنه بريء، وإنّه سيكون حرّاً في تنظيم حملته الانتخابية حتى لو أدين وأرسل إلى السجن.

ينصّ دستور الولايات المتحدة على أن المرشح الرئاسي يجب أن يكون مواطناً أميركياً ولد في الولايات المتحدة الأميركية، ويبلغ من العمر 35 عاماً وما فوق، ويعيش في البلاد منذ 14 عاماً، ولا يشير الدستور المذكور إلى أي مانع للترشّح كتوجيه اتهام له أو السجن أو غير ذلك.

 وعليه، إن التهم الجنائية الموجّهة لترامب لا تمنعه من الترشّح والاستمرار بحملته الانتخابية، والأكثر من ذلك لا تمنعه من تولّي الرئاسة في حال أدين بها. ويقول خبراء قانونيون إنه لن يكون هناك أساس لمنع أداء اليمين كرئيس حتى لو سُجن.

في المحصّلة، سيستخدم ترامب تلك الاتهامات إلى أقصى حد في حملته الانتخابية، لجني التبرّعات، ولكسب التأييد والتعاطف باعتباره ضحية مكيدة سياسية من قبل الديمقراطيين، والادّعاء بأنه يدفع ثمناً لتأييده للقيم المسيحية المحافظة وحماية العائلة. والمعضلة الأميركية الرئيسية تتجلّى في: ماذا لو تمّت إدانة ترامب وفاز بالانتخابات الرئاسية؟

x

2023/06/06

أوروبا: خسرنا روسيا إلى الأبد

لطالما أكَّد الباحثون أنَّ الهوية مكوّن أساسي من محددات السياسة الخارجية الروسية، وخصوصاً النظرة إلى العلاقة مع أوروبا بشكل أساسي، إذ شكّلت عامل انقسام بين الروس حول تشكيل هُويتهم وتحديد أولوياتهم ونظرتهم إلى العالم.

يشير العديد من المؤرخين إلى أن "كاثرين العظيمة"، وبوحي من صداقاتها مع شخصيات التنوير الفرنسية، أقرّت انتخابات "اللجنة التشريعية" عام 1767. وعام 1815، انخرطت روسيا بفاعلية في "نظام الوفاق الأوروبي"، وكانت جزءاً من النظام السائد الذي انهار بعد خسارتها الحرب في شبه جزيرة القرم عام 1856.

أما الصراع حول الهوية في روسيا، فيعود إلى القرن التاسع عشر، مع الانقسام بين التيار السلافي الذي يعتقد أنَّ الروس هم أصحاب حضارة خاصة، والتيار الغربي داخل روسيا الذي يعتقد أنَّ الحضارة الروسية جزء من الحضارة الأوروبية، وأن عليها الاستفادة من عقلانيتها. 

أدت هذه الطبيعة المتضاربة للمجتمع الروسي دوراً مهماً للغاية في تحديد هُويته الذاتية الوطنية، وخصوصاً علاقته بالحضارة الأوروبية. ولطالما استفاد الغرب من هذه التوجهات لمحاولة تأسيس حالات اعتراضية داخل روسيا نفسها، إذ شكّل التيار الغربي نواة المعارضة وجذب الشباب إلى المفاهيم الغربية الأوروبية.

فكرياً، كان دوستويفسكي وبوشكين من أنصار التيار الثاني، لكنهما اعتبرا أن الحضارة الروسية هي حضارة عالمية ذات مهمة إنسانية عالمية، وأنها تتضمّن في داخلها الحضارة الأوروبية.

في الفكر السياسي، كان لينين أول من ناصر فكرة الاتحاد مع أوروبا قبل أن يغيّر رأيه في ما بعد، ويعدّ خروتشوف وغورباتشوف من أبرز القادة السوفيات المنادين بعلاقة وطيدة مع الغرب. وعلى الرغم من النزعة الوطنية لبوتين، التي تعتبر روسيا حضارة عظيمة بحد ذاتها، فقد ظلّ إلى ما قبل الحرب الأوكرانية يطلق على الأوروبيين والغرب بشكل عام صفة "الشركاء".

التخلّي عن فكرة "روسيا الأوروبية"

في تسعينيات القرن العشرين، ازدهر التيار الفكري المنادي بانضمام روسيا إلى أوروبا والغرب، لكنه سرعان ما تراجع بعدما عامل الغرب روسيا كدولة مهزومة. ومنذ عام 2012، بدأ الإعلام الروسي يركّز على الاتحاد الأوروبي بصفته مؤسسة غير أخلاقية تسوّق للمثلية الجنسية وتريد تقويض أوراسيا أخلاقياً من الداخل.

يرى العديد من المفكرين في الغرب اليوم، ومعهم عدد من المفكرين الروس، أنَّ هذا التاريخ الحضاري المشترك بين روسيا والغرب تغيّر بعد الحرب الأوكرانية، وأن مساراً حضارياً طويلاً من التفاعل والانتماء بينهما منذ القرون الوسطى وحتى اليوم انتهى.

ويقول أحد المعلّقين الروس الليبراليين، المعروف بانتمائه إلى التيار الروسي الغربي، والذي كان مديراً لمركز "كارنيغي"-روسيا لفترة طويلة، ديمتري ترينين: "عندما تنتهي الحرب، لن تسعى روسيا لتكون جزءاً من الغرب... هذا الفصل من تاريخ روسيا انتهى".

في المقابل، بات هناك اعتقاد واسع داخل النخبة الروسية بأنَّ على روسيا حسم هذا الجدال الهوياتي التاريخي، والتخلّي نهائياً عن فكرة الانخراط في الغرب لمصلحة فكرة روسيا كحضارة قائمة بذاتها، وأن على الروس أن يقفوا على الطريق الصحيح من التاريخ والانضمام إلى "الغالبية العالمية".

روسيا كجزء من "الغالبية العالمية"

يؤمن الروس منذ روسيا القيصرية، مروراً بالاتحاد السوفياتي ولغاية اليوم، بأهمية بلادهم، وبأنها "إمبراطورية" عظمى. على الرغم من الاختلافات الداخلية على الحكم أو في التوجهات السياسية، سواء كانوا مؤيدين للتقارب مع أوروبا، أو مؤمنين بالأوراسية، أو المسيحية الأرثوذكسية الشرقية أو أنصار التوجه الإسلامي... فإن العنصر الموحد في الثقافة السياسية الروسية المعاصرة هو الصورة الذاتية لروسيا كقوة عظمى.

وفي هذا الإطار، وبما أن الروس لا يعتبرون أنفسهم دولة من دول العالم الثالث أو من دول العالم النامي الذي يطلق عليه الغرب الآن مصطلح "الجنوب العالمي"، وبما أنهم حسموا خيارهم بأنهم لن يكونوا جزءاً من الغرب الذي "يتأكّل سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً وقيمياً"، كما يقولون، ولا يريدون حصر أنفسهم بكونهم جزءاً من أوراسيا، حيث ستكون الصين صاحبة النفوذ الأقوى... لذا، فإن فكرة "الغالبية العالمية" تأتي بحلول للمعضلة الروسية حول ملامح الهوية الجديدة في الصراع العالمي المقبل.

وفي هذا الإطار، يشير الاقتصاديون الروس إلى أن الكثافة البشرية في الكون، ومعظم الناتج المحلي الإجمالي في العالم، يتكدس خارج العالم الغربي، إذ يمثل الغرب نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. لذا، إن انضمام روسيا إلى النسبة المتبقية البالغة 70% يصب في مصلحتها.

 في المحصلة، أدّت الحرب الأوكرانية إلى تغييرات عميقة داخل روسيا دفعت التيار الأوروبي إلى التخلي عن فكرة "الاتحاد مع الغرب" التي لطالما ألهمت العديد من الشباب، وأدّت -من ضمن أمور أخرى- إلى تفكيك الاتحاد السوفياتي.

لكن يبقى استمرار هذه التغييرات وترسيخها مرتبطاً بنجاح نظام "الأغلبية العالمية"، البديل للنظام الليبرالي الذي فرضه الغرب في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذا النجاح يحتاج إلى تأسيس آليات اقتصادية موازية لآليات بريتون وودز، وإعادة الاعتبار إلى المضامين الناظمة للعلاقات الدولية، وأهمها السيادة ومبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" للدول الأخرى، وهي مبادئ أقرتها القوانين والمواثيق الدولية منذ عام 1945، لكنها لم تُطبق عملياً، وبقي التدخل سمة العلاقات الدولية السائدة.

ويبقى الأهم هو حسم الصراع القيمي الحالي حول مفاهيم "العائلة والمثلية والدين والحريات الأساسية وحريات التعبير" وغيرها، إذ نجد أنَّ الصراع ليس بين الغرب و"الأغلبية العالمية" فحسب، بل بات حول هذه المفاهيم داخل الغرب ذاته أيضاً، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، التي يشتد فيها الصراع بين الليبراليين والمحافظين ليدخل في كلّ مضامين الحياة السياسية والاجتماعية والقضائية والتربوية، وحتى الرياضية. 

2023/06/05

القرار 2254...القرار الضائع في سوريا

استدركت قوى المعارضة السورية التطورات المتسارعة في المنطقة والتي تتمثل بالمصالحة بين كل من سوريا والدول العربية في مسار أول، وبين سوريا وتركيا في مسارٍ ثانٍ ترعاه كل من روسيا وإيران. وقامت قوى المعارضة بالدعوة إلى استئناف المفاوضات المباشرة مع النظام برعاية الأمم المتحدة، لتطبيق الحل السياسي الشامل وفق منطوق قرار مجلس الأمن الدولي 2254.

وتشكّل الدعوة من قبل المعارضة الى تطبيق القرار المذكور بدون ذكر بيان جنيف (2012)، إدراكاً بأن التطورات باتت تسبقها، وتجدر الاشارة الى الملاحظات التالية:

1-   القرار 2254 "حمالة أوجه":

يشكّل قرار مجلس الامن الدولي رقم 2254 "حمالة أوجه"، حيث يستطيع كل طرف أن يستقي منه ما يريده. فالحكومة السورية تعتبر ان القرار يستوجب "القضاء على الإرهاب وإعادة إنعاش الأوضاع الاقتصادية وإزالة العقوبات على سوريا المفروضة من الدول الغربية"، وذلك بحسب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد. بينما تركّز بعض القوى المعارضة على أن القرار المذكور يؤكد تأييده لبيان جنيف 2012 "كأساس لانتقال سياسي بقيادة سورية"، ويشير الى "تشكيل هيئة حكم ذات مصداقية، وتشمل الجميع وغير طائفية".

وبالتالي، ليس هناك خارطة طريق واضحة وجازمة في نص القرار يمكن الاستناد إليها، علماً أن المقاربة الواقعية اليوم، وبعد كل التطورات، تعطي تفسيرات جديدة للقرار بعيدة كل البعد عما تطمح اليه المعارضة السورية وهو "تشكيل هيئة حكم انتقالية تطيح بالاسد وتسلم الحكم للمعارضة"، وهو أمر غير واقعي ولن يحصل.

 

2-   الميدان يفرض نفسه:

واقعياً، دائماً ما يفرض الميدان نفسه على المفاوضين وليس العكس، فالحرب ليست هدف بحد ذاته بل هي وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.

وعليه، إن ما تحاول أن تحييه قوى المعارضة وتشير إليه وهو "تسليم الحكم في سوريا الى هيئة حكم انتقالية" قد تخطاها الزمن وباتت من أشبه المستحيلات خاصة بعد عام 2015 وما تلاه من تطورات سمحت للدولة السورية بالسيطرة على 75 بالمئة من الجغرافيا السورية.

والجدير بالذكر، أن القمم العربية المتعاقبة منذ صدور القرار 2254، كانت قد أتت على ذكره وعلى بيان جنيف (2012) في بياناتها الختامية منذ عام 2016 ولغاية عام 2019، لكن قمتي عام 2022 و2023 لم تشيرا الى ذلك القرار مطلقاً، ما يعني أن التطورات قد تجاوزته ولم يعد قابلاً للتطبيق.

 

3-   الاقليم يفرض نفسه

لا شكّ أن الوقت لعب لصالح الحكم في سوريا، فقد تبدلت مواقف الدول العربية وتركيا من الرئيس السوري بشار الأسد، ولم تعد تطالب برحيله بل باتت تعتبره جزءًا أساسياً من الحلّ في المنطقة.

تبدلت الأولويات التركية مع مرور الزمن، وبات الجانب التركي يريد مصالحة مع الرئيس بشار الأسد تضمن له إعادة اللاجئين السوريين في تركيا، وتأمين الأمن القومي التركي عبر إزاحة التهديد الذي تشكّله وحدات حماية الشعب الكردية في شمال شرقي سوريا.

كذلك تبدلت مواقف الدول العربية بعد فشل المعارضة المسلحة في تحقيق المطلوب منها، وباتت أولوية إعادة اللاجئين، ووقف إطلاق النار، ووقف تهريب المخدرات أولوية الدول العربية التي لم تعد معنية بالاطاحة ببشار الأسد كما كانت في بداية الحرب.

4-   حرب أوكرانيا تفرض نفسها

لا شكّ أن انخراط الدول الغربية في حرب مع روسيا بالوكالة في اوكرانيا، وأولوية أوكرانيا في الصراع الدولي الحالي، ترخي بظلالها على المواقف الدولية بخصوص سوريا.

وبالرغم من البيانات التي أطلقتها بعض الدول  مؤخراً، كوزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا التي أيدّت محاكمة الأسد، والموقف الأميركي الذي قال انه لا يشجع التطبيع مع الأسد.. إلا أن الحقيقة تكمن في مكان آخر.

في بيان صحفي رسمي صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، في 25 كانون الثاني / يناير من عام 2023، اعتبر ممثلو كل من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة مع المبعوث الأممي الخاص غير بيدرسون لمناقشة "حلّ الأزمة في سوريا بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم "2254، والعمل مع "الشركاء في المنطقة ومع المعارضة للمشاركة بشكل كامل ضمن إطار العمل هذا، بما في ذلك عبر عملية متبادلة خطوة بخطوة".

واقعياً، إن مقاربة "خطوة مقابل خطوة" التي تمّ الاتفاق عليها مع الحكومة السورية، والتي تحدث عنها بيان الخارجية الأميركية،تنسف فكرة الحل السياسي في سوريا على أساس القرار 2254، علماً أن القرار المذكور أتى نتيجة توافق أميركي روسي في حينه، والحلّ السياسي الشامل اليوم يحتاج الى توافق دولي(خاصة بين الروس والأميركيين) غير ممكن في المدى الزمني المنظور. 

2023/05/29

فوز إردوغان: نجاح استراتيجية "التحوّط" الاستراتيجي

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان فوزه بجولة الإعادة في انتخابات الرئاسة التركية على منافسه كمال كليجدار أوغلو، وتوجه بالشكر إلى الشعب التركي، خلال المؤتمر الشعبي الذي عقده في مدينة إسطنبول، على تجديد الثقة به وتحميله المسؤولية لفترة رئاسية جديدة.

 

داخلياً، وعلى الرغم من أن المعارضة استطاعت أن تحقق إنجازاً كبيراً لتقارب النتائج بين إردوغان ومنافسه، فإنَّ فوز إردوغان بفترة رئاسية ثانية يعني أنَّ حزب العدالة والتنمية ما زال يحظى بشعبية واسعة داخل المجتمع التركي، رغم كل المصاعب الاقتصادية وتأثير الزلزال وانهيار سعر صرف الليرة والتضخم الذي تشهده تركيا، والذي ألقى بظله على الانتخابات الحالية.

 

أما خارجياً، فكان واضحاً أن الغرب كان يميل بشكل عام إلى كليجدار أوغلو ويعوّل على هزيمة إردوغان لتحقيق العديد من المكاسب، منها إبعاد تركيا عن روسيا والصين، والسماح للسويد بدخول حلف الناتو، وغيرها من الأهداف التي كان الأوروبيون والأميركيون يمنّون النفس بهزيمة لإردوغان لتحقيقها.

 

وبما أنَّ النجاح حالف إردوغان، فهذا يعني أن الشعب التركي منحه تفويضاً للوفاء بما كان قد وعد به خلال فترة الترشح، ومنحه الثقة للاستمرار بالسياسة الخارجية التي يعتمدها، ومنها سياسة "التحوّط" الاستراتيجي التي كان قد بدأها بعد فشل محاولة الانقلاب عام 2016.

 

ما هي استراتيجية "التحوّط" الاستراتيجي؟

استعار باحثو العلاقات الدولية مصطلح "التحوّط" من الدراسات المالية. التحوط المالي هو طريقة لتقليل مخاطر الخسارة الناجمة عن تقلبات الأسعار في الأسواق، وهي تتلخص بشراء أو بيع كميات متساوية من السلع نفسها أو سلع متشابهة جداً في وقت واحد تقريباً، في سوقين مختلفين، مع توقّع أن التغيير المستقبلي في السعر في إحدى الأسواق سيعوّضه تغيير معاكس في السوق الأخرى. وبالتالي، يأمل المتحوّط حماية نفسه من الخسارة الناتجة من تغيرات الأسعار عن طريق تحويل "المخاطرة" إلى "مضاربة" تعتمد على مهارته في التنبؤ بحركة الأسعار.

 

أما في العلاقات الدولية، فإن نظرية "التحوّط الاستراتيجي" تعني اتخاذ دولة ما (دولة متوسطة أو صغيرة) خياراً وسطياً متوازناً يستخدم مبادئ التوازن الاستراتيجي الصلب والناعم، وذلك عبر اعتماد سلسلة من الخيارات تقوم على مزيج من التعاون والمواجهة لمصدر التهديد.

 

وهكذا، تحتسب الدولة "المتحوطة" خياراتها تجاه التهديدات المتزايدة لأمنها، فتجد أنَّ القدرات غير متناسبة بينها وبين الدولة المهدِدة، وبالتالي تجد أنها غير قادرة على تغيير موازين القوى لمصلحتها، فتقوم بمزيد من التعاون مع مصدر التهديد لتجنّب الدخول في صراع غير متكافئ. وفي الوقت نفسه، تقوم بمواجهة التهديد عبر تطوير قدراتها العسكرية والانخراط في تحالفات سياسية أو عسكرية مع الدول المنافِسة لمصدر التهديد.

 

باختصار، هناك عاملان أساسيان لفهم سياسة التحوّط: أولاً، يحدث التحوط عند التعرض لتهديدات ومخاطر لا يمكن السيطرة عليها أو تغييرها. ثانياً، التحوط هو العمل في اتجاهين معاكسين في وقت واحد.

 

الخيار التركي باعتماد استراتيجية التحوّط

بعد تدخّل الأتراك في سوريا، ومحاولة إردوغان جرّ حلف الناتو إلى استخدام المادة 5، وإحجام الناتو عن مجاراة تركيا في تدخلها العسكري المباشر في سوريا، قام الأتراك بإسقاط طائرة روسية في سوريا، فردّ الروس بعقوبات اقتصادية أضرّت الاقتصاد التركي الذي يعتمد على الغاز الروسي والسياحة والتجارة مع الروس وغير ذلك، ثم كان عام 2016 مفصلياً، إذ جرت محاولة انقلاب فاشلة ضد إردوغان، اتهم بعدها قاعدة "أنجرليك" لحلف الناتو بأنها كانت وراء الانقلاب، وأن الأميركيين ساهموا في التخطيط والتحضير له.

 

توترت العلاقة بين الأتراك والأميركيين، وزاد التوتر بعد إعلان إردوغان رغبته في شراء منظومة دفاع "أس 400"، الأمر الذي اعتبره الأميركيون مساساً بأمن حلف الناتو، فهددوا تركيا بعقوبات، وتراجعوا عن صفقة طائرات "أف 35"، كانت تركيا مساهمة فيها. وفي وقت لاحق، هدد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بفرض عقوبات على الأتراك في حال لم يطلقوا سراح أحد الأميركيين الذين تتهمهم تركيا بالضلوع بمحاولة الانقلاب.

 

وعلى الرغم من تباين العلاقة بين روسيا وتركيا في سوريا، إذ تدعم روسيا الحكومة السورية، فيما تدعم تركيا الجماعات المسلحة المناهضة للرئيس السوري بشار الأسد، وعلى الرغم من التباين في قضية القرم، وخصوصاً قضية التتار، والتباين في الموقف من الحرب بين أرمينيا وأذربيجان والحرب الأوكرانية... فقد دفعت استراتيجية التحوّط التركية ضد التهديد الأميركي (الحليف في حلف الناتو) إلى تقارب مع روسيا تجلى في تدشين أنبوب "السيل التركي"، والسير بمسار أستانة - سوتشي للحل في سوريا، ومؤخراً قيام كلّ من إيران وروسيا برعاية مصالحة بين الأتراك والسوريين تمهّد لخروج القوات التركية من سوريا وإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

 

وهكذا، عوّل الغرب على نجاح كليجدار أوغلو لإخراج تركيا من سياسة التحوّط الاستراتيجي التي يتبعها إردوغان، ولإعادتها إلى سابق عهدها؛ دولة تابعة في حلف الناتو تسير في فلك الولايات المتحدة، كما كانت خلال فترة الحرب الباردة. وراهن الأوروبيون على قدرتهم على أخذ المكاسب من كليجدار أوغلو مع إعلان رغبته في العودة إلى السياسة الخارجية التركية القديمة الساعية إلى الدخول في الاتحاد الأوروبي.

 

لكنّ النتيجة أتت مغايرة لما يتمناه الغرب، وفاز إردوغان في الانتخابات الرئاسية في تركيا، وحصد تحالف حزبه مع الأحزاب الأخرى غالبية مقاعد البرلمان التركي. وبالتالي، من المتوقع أن تستمر سياسة "التحوّط" الاستراتيجي التي اعتمدها، ومن المتوقع أيضاً أن نشهد تسارعاً في المصالحة التركية السورية، ما سيؤدي إلى استقرار أكبر في منطقة الشرق الأوسط، وفي استقرار سوريا بعد عودتها إلى الجامعة العربية.

اللاجئون السوريون: دقت ساعة العودة

بفوز أردوغان بانتخابات الرئاسة التركية، ستعاود الاجتماعات التنسيقية والتحضيرية لمصالحة تركية سورية، وذلك بدعم روسي إيراني، بعدما أدّى مسار المصالحة الى اجتماع  وزراء الخارجية مطلع شهر أيار/ مايو الجاري.

واتفق وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران وسوريا في اجتماع رباعي في موسكو على تكليف نوابهم "لإعداد خريطة طريق لتطوير العلاقات بين تركيا وسوريا، بالتنسيق مع وزارات الدفاع والاستخبارات للدول الأربع"، واقترح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن تقوم كل دولة (سوريا- تركيا) بتحديد القضايا ذات الأولوية بالنسبة لهما.

لا شكّ، تشكّل الأولوية بالنسبة لسوريا استعادة سيطرتها على كامل أراضي البلاد، وانسحاب الجيش التركي من جميع الأراضي السورية، بينما تنطلق الاولويات التركية من ضمان أمن الحدود بين سوريا وتركيا والتي يبلغ طولها 900 كلم حيث تعتبر تركيا أن وجود حزب العمال الكردستاني في شمال شرق سوريا وسيطرته على اجزاء واسعة من الراضي السورية تهديداً للأمن القومي التركي، وفي مرتبة موازية في الأهمية تشكّل عودة اللاجئين السوريين في تركيا الى بلادهم أولوية للحكم في تركيا بعدما تصاعدت موجات الكراهية للسوريين في الداخل التركي.

وكان  لافروف قد شدد على "أن تسهيل العودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين السوريين إلى مكان إقاماتهم الدائم يعد مبدأ أساسياً في المفاوضات".

هذا على الجانب التركي، أما على الجانب العربي، فقد ركزت اللقاءات الثنائية واجتماعات الجامعة العربية على ضرورة إيلاء بند العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين إلى بلادهم أولوية قصوى، وكان بيان جدّة وبيان وزراء الخارجية العرب  قد أكدوا على ضرورة إعادة اللاجئين الى بلادهم والى تطبيق "بيان عمان" في هذا الاطار.

وتضمن بيان عمان، الذي صدر عن اللقاء التشاوري لوزراء خارجية السعودية ومصر والأردن والعراق وسوريا، بنوداً أساسية وخطة طريق لإعادة اللاجئين السوريين، جاء فيها:

-         العودة الطوعية للاجئين السوريين أولوية قصوى يجب اتخاذ الخطوات اللازمة لبدء تنفيذها فورًا.

-        تعزيز التعاون بين الحكومة السورية والدول المستضيفة للاجئين والتنسيق مع الهيئات الأممية لتنظيم عمليات عودة طوعية وآمنة للاجئين.

-         تبدأ الحكومة السورية بتحديد الاحتياجات اللازمة لتحسين الخدمات العامة المقدمة في مناطق عودة اللاجئين للنظر في توفير مساهمات عربية ودولية فيها.

-        العمل على تسريع تنفيذ مشاريع التعافي المبكر، بما في ذلك في المناطق التي يتوقع عودة اللاجئين إليها.

-        التعاون بين سوريا والاردن لتنظيم عودة طوعية لنحو ألف لاجئ سوري من الأردن، تضمن الحكومة السورية توفير الظروف والمتطلبات اللازمة لعودتهم، وتقوم هيئات الأمم المتحدة بتوفير احتياجاتهم الحياتية.


أما الموقف الأوروبي من قضية عودة اللاجئين السوريين الى بلادهم، فلم يتغير. فالموقف الرسمي للاتحاد الاوروبي يقول أن عودة اللاجئين السوريين يجب أن تترافق مع انتقال سياسي في البلاد، وذلك بحسب بيان جنيف 2012، وتشكيل حكومة انتقالية. وبما أن هذا الشرط لم يتحقق، فالاتحاد ضد إعادة اللاجئين الى سوريا، وعلى الدول المضيفة الاستمرار في استقبالهم، بل ودمجهم في المجتمعات المضيفة وتأمين مقومات الحياة والاستقرار لهم.

هذا في المواقف، أما في الواقع، فالتطورات تتسارع ولم تعد الدول الفاعلة في الشرق الاوسط تنتظر الموقف الاوروبي من عودة اللاجئين السوريين. ومن سخرية القدر أن الاوروبيين الذين يحتفظون بورقة اللاجئين للضغط على النظام لتقديم تنازلات سياسية للمعارضة، وجدوا أن هذه الورقة انتقلت من يدهم الى يد الحكومة السورية التي تستخدمها لحصد التنازلات من دول الجوار وأهمهم تركيا.

وحدها الحكومة اللبنانية تبدو متمهلة منتظرة ضوءًا أخضر أوروبياً أو أميركياً يسمح لها بالسعي لمحادثات بينها وبين الحكومة السورية لإعادة اللاجئين، وعلى ما يبدو لن يأتي... وبغيابه، سيظهر العقم اللبناني بأبهى تجلياته. 

2023/05/22

مناورة حزب الله...اسرائيل تدرس العقيدة الروسية لحزب الله

مناورة حزب الله...اسرائيل تدرس العقيدة الروسية لحزب الله

بحضور إعلامي محلي وأجنبي، أقام حزب الله مناورة عسكرية بالذخيرة الحيّة في بلدة عرمتى الجنوبية في لبنان، استعرض فيها قدرات مقاتليه والأسلحة التي يملكها، وقدَّم محاكاة لهجمات بالطائرات المسيّرة، وسيناريو اقتحام مستوطنة إسرائيليّة، ونفّذ عملية اقتحام الشريط الحدودي وهدم جدار مشابه لذاك الذي وضعته "إسرائيل" مع لبنان، إذ قام المقاتلون بالعبور منه إلى الداخل الإسرائيلي، إضافةً إلى مهاجمة عربات عسكرية سحبوا "جثة" من إحداها ونقلوها عبر الحدود، فيما يبدو أنه تنفيذ ومحاكاة لعملية أسر جنود إسرائيليين.

تعدّدت التفسيرات والتأويلات في لبنان والخارج، وفي "إسرائيل"، لأهداف العملية والرسائل التي أراد حزب الله إرسالها من خلالها، علماً أنها ليست المناورة الأولى التي يقوم بها، فقد سبقتها مناورات أخرى، ومنها -على سبيل المثال- المناورة التي حصلت في بلدة القصير السورية بعد تحقيق الانتصار فيها عام 2013.

وتأتي مناورة حزب الله في لبنان، في وقت أجرت "إسرائيل" في الآونة الأخيرة مناورة بعنوان "شمس زرقاء" في قبرص، بعد مناورة السنة الماضية التي حملت عنوان "مركبات النار"، وهي من ضمن مناورات إسرائيلية سنوية تقام في قبرص، التي تمّ اختيارها لإقامة تدريبات في بيئة جغرافية مشابهة للجنوب اللبناني. ومن المفيد النظر إليها وإلى دلالتها لسبر رسائل حزب الله الحربية المضادة.

أولاً: تسمية "مركبات النار"

منذ المؤتمر الصهيوني الأول، يحاول الإسرائيليون التركيز على البعد الديني، ويغلّفون كل ما يقومون به، حتى الحروب والقتل والتهجير، باستعارات دينية.

أما تسمية "مركبات النار"، فتشير إلى أسطورة توراتية، إذ قام الله بحماية النبي اليشع بعدما أحاط به وبالمدينة جيش عظيم من الأعداء، فصلّى اليشع وطلب معجزة من الله. بعدها، قام الله بإرسال "الخيول ومركبات النار" لحمايته. 

وبالاستناد إلى هذه الاستعارة، يهدف الإسرائيليون إلى محاكاة البعد الإيماني - التوراتي لدى الجمهور عبر إعطاء حروب الاحتلال والسيطرة بعداً دينياً عقائدياً.

ثانياً: مواجهة العقيدة الروسية لحزب الله

بالعودة إلى هدف المناورات في قبرص، يشير الإسرائيليون إلى أنها تحاكي حرباً طويلة ومكثّفة على جبهات متعددة تحاول الاستفادة من دروس حرب تموز 2006، ودروس الحرب مع غزة عام 2021، ودروس الحرب الأوكرانية التي انكبّ الإسرائيليون على دراستها بعمق.

يقول الإسرائيليون إنهم درسوا العقيدة العسكرية الروسية، وهي عقيدة مركزية وجامدة، وكيف أن حزب الله، الذي قاتل جنباً إلى جنب مع القوات الروسية في سوريا خلال الحرب، قام بدمج العقيدة الروسية مع عقيدته الأساسية، وأنه تعلّم من الروس التخطيط والتصميم للعمليات، إضافة إلى دمج قدرات أكثر تقدماً في عقيدته.

لذلك، سيدمج الإسرائيليون في مناوراتهم ما تعلّموه من مواجهة حزب الله في لبنان، إضافة إلى الدروس والعبر من الحرب الأوكرانية والأداء العسكري الروسي فيها، وذلك لمواجهة التقدم النوعي الذي حققه حزب الله بعد الحرب السورية.

وبناء عليه، تقوم المناورات الإسرائيلية على تدريبات مشتركة لذراعي الجو والبر، تشمل تدريبات على خوض قتال في مناطق لبنانية وعرة ومعقدة وغير معروفة للمقاتلين، كما يجري التدرب على نقل الجنود جواً وإنزالهم إلى أرض المعركة، إضافة إلى اختبار مستوى التنسيق بين ذراعي الجو والبرّ.

ثالثاً: التركيز على الحرب البرّية

وفي دراسة لعِبَر حرب تموز، أدرك الإسرائيليون وجوب تطوير قدرتهم على الاقتحام البرّي، بعدما تبين أنَّ القصف الجوّي لبنك واسع من الأهداف لا يمكن أن يحقّق وحده انتصاراً في المعركة.

ويعتبر الإسرائيليون أن "الجيش" الإسرائيلي، في حال نشوب حرب واسعة النطاق ومتعددة الجبهات، سيحتاج إلى إغراق الطرق السريعة في جميع أنحاء البلاد بقوافل من المركبات المدرعة والدبابات، وحماية القوافل العسكرية من أعمال الشغب داخل "إسرائيل".

وهنا، يمكن أن تُفهم إحدى رسائل حزب الله من خلال مناورته الحيّة الأخيرة، إذ اعتبر الإعلام الإسرائيلي أن المناورة "كشفت أن قدرات حزب الله البرية تنامت بشكل كبير، ما يعني قدرته على إعاقة أي تقدم برّي إسرائيلي مستقبلي"، وأشار البعض الآخر إلى أن "تشكيلات الراجمات المتعددة الفوهات المحمولة على سيارات متحركة التي عرضها حزب الله، والتي تستطيع إطلاق الكثير من النيران، ستشكّل تحدياً لمنظومات القبة الحديدية"، كما أشار أحد المعلّقين الإسرائيليين.

رابعاً: معالجة القصور اللوجستي

يذكر "الجيش" الإسرائيلي أنّه تعلّم من الفوضى التي أحاطت بالخدمات اللوجستية التي سمحت للجيش الأوكراني بتدمير آلاف الدبابات والمنصات الروسية في بداية الحرب.

وكان "الجيش" الإسرائيلي قد واجه مشكلات لوجستية خلال عدة حروب؛ فخلال حرب تموز -على سبيل المثال- واجه الإسرائيليون صعوبة في إيصال الإمدادات إلى قواتهم على الأرض، وعانت القوات الإسرائيلية نقصاً الغذاء في حربها مع غزة عام 2012. وبناء عليه، من المنطقي أن يقوم حزب الله بتدريب عناصره على قطع الإمداد اللوجستي العسكري والغذائي في أي حرب مقبلة.

 في الحصيلة، لا شكّ في أنَّ الإسرائيليين سيدرسون بدقة ويستخلصون العبر من مناورة حزب الله الرمزية التي سُمح لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية بتغطيتها، وهو أمر يهدف منه إلى توسيع إطار الرسائل إلى أبعد مما هو معتاد بين لبنان و"إسرائيل"، ويسلط الضوء على حجم قدراته الهجومية، إضافة إلى قدراته الدفاعية، للقول إنّ أي حرب مقبلة لن تحصل على الأراضي اللبنانية فحسب.