2023/07/08

كيف تتعامل إدارة بايدن مع الإحراج الدولي؟

يوماً بعد يوم، تواجه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ملفات خارجية صعبة وشائكة، تجعلها تبدو كأنها تعاني ازدواجية معايير، أو أن سَير الملفات الدولية التي تواجهها بات ينقلب بعكس ما تشتهيه.

ويتكشّف الإحراج الذي تعانيه الإدارة الأميركية اليوم في مسائل حساسة، تجعلها تظهر كأنها تخلت عن السقوف العالية التي فرضتها سابقاً، وتتراجع هي نفسها عما كانت تطلبه إلى حلفائها، وخصوصاً في مسائل تخص الصراع في أوكرانيا، والعلاقة بالصين.

1- في أوكرانيا:

بعد حرب العراق، توقّف الأميركيون عن استخدام الذخائر العنقودية المحظورة دولياً بسبب خطرها على المدنيين، وخصوصاً الأطفال، لأنها تتسبب بآلام ومآسٍ لا داعي لها، ولا تشكل ضرورة عسكرية، وهو ما يمكن أن يُعَدّ جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي. وعلى الرغم من ذلك، فإن الإدارة الأميركية أعلنت أنها حصلت على تفويض من الكونغرس الأميركي يسمح لها بإمداد أوكرانيا بتلك الذخائر، التي ستشكّل أزمة رأي عام بالنسبة إلى الحلفاء الاوروبيين الموقعين على اتفاقية منع استخدام القنابل العنقودية.

وفي سياق آخر، وبعد وعود طويلة الأمد لكييف بالانضمام الى حلف الناتو، بدأت منذ عام 2008، وتطورت بصورة كبيرة مع إدارة بايدن الحالية التي صعّدت خطابها مع موسكو بشأن الأمر، مؤكدة أن مطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن تعهّد حلف الناتو عدم ضم أوكرانيا وضمان حيادها هي شروط غير مقبولة، لأن أوكرانيا دولة ذات سيادة، ولديها حرية قرارها، بالإضافة الى أن الناتو غير مستعد لأن يتخلى عن سياسة الباب المفتوح وضم أعضاء جدد.

وعلى الرغم من النداءات المتكررة، التي أطلقها الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، من أجل اتخاذ خطوات ملموسة لمنح أوكرانيا عضوية الناتو في قمة حلف شمال الأطلسي، التي ستُعقَد يومي 11 و12 تموز/يوليو الجاري في فيلنيوس، وقيامه بجولة في عدد من دول الناتو لحشد الدعم للانضمام، والحصول على دعم مبدئي من عدد من الدول، ومنها تركيا، بشأن انضمام أوكرانيا الى الناتو، ونشر استطلاع للرأي في ألمانيا يؤيد دخول أوكرانيا الحلف... 

على الرغم من كل ما سبق، فإن الرئيس الأميركي، جو بايدن، أعلن أنّ "الولايات المتحدة لن تتخذ تدابير خاصة لتسهيل انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)". وأضاف: "يجب أن تنطبق على أوكرانيا المعايير نفسها. هذا يعني أننا لن نسهّل أمر" انضمامها، داعياً كييف إلى "الوفاء بجميع متطلبات عضوية الحلف، التي تنطبق على الأعضاء الآخرين".

وأكد مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جيك سوليفان، أن أوكرانيا "لن تنضم إلى حلف "الناتو" في إثر قمة فيلنيوس المقررة الأسبوع المقبل، مشيراً إلى مقابلة الرئيس بايدن الأخيرة مع شبكة "سي أن أن"، والتي أعلن فيها أن إدخال أوكرانيا حالياً يهدد بصدام مباشر مع روسيا.

2- العلاقة الأميركية بالصين:

لطالما حثّت الولايات المتحدة حلفاءها، وخصوصاً الأوروبيين، على تقليل اعتمادهم التجاري على الصين، ودعمت قيام الغرب ببدء إجراءات الاستقلال الاقتصادي وفك الارتباط بالصين.

 وكان بيان قادة مجموعة السبع، في أيار/مايو من هذا العام، أكد السعي لـ"التخلص من المخاطر" التي تشكلها علاقاتها الاقتصادية بالصين، وذلك عبر السعي لاستيراد مزيد من المواد الخام الأساسية من مصادر متنوعة، والعمل على بناء صناعات التكنولوجيا النظيفة المحلية.

وفي المفهوم الاستراتيجي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الصادر في حزيران/يونيو من عام 2022، حضرت الصين لأول مرة في وثائق الناتو، التي عدّت أن "طموحات بكين المعلنة وسياساتها القسرية تتحدى مصالحنا وأمننا وقيمنا". ويؤكد الحلف استعداده لمواجهة "الأساليب القسرية التي تتبعها بكين والجهود المبذولة لتقسيم الحلف".

وبعد جهود وحملة علاقات عامة قامت بها وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض مع الشركاء الأوروبيين، بات الحديث الأوروبي أكثر عدائية تجاه الصين، وأصدرت بروكسل "استراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبي" في 20 حزيران/يونيو 2023، والتي يحاول فيها الأوروبيون تخطي الضغوط الأميركية عبر نهج يوازن بين المخاوف بشأن الاعتماد المفرط على الصين وبين المحافظة على العلاقات التجارية بثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وكان عدد من القادة الأوروبيين دعا الى "الانفصال" بالتدريج عن الصين والتخلص من التبعية الاقتصادية، متوجساً من إمكان تكرار ما حدث مع روسيا بعد الحرب الأوكرانية، واعتماد القارة على الغاز الروسي. ووعدت رئيسة الوزراء الإيطالية الجديدة، جورجيا ميلوني، بالانسحاب من الاتفاقية الموقعة بين إيطاليا والصين منذ أعوام.

وبعكس مسار الضغوط الأميركية على الحلفاء، وبعد مسار من تصعيد إدارة بايدن مع الصين، والذي كانت ذروته زيارة نانسي بيلوسي لتايوان، وإعلان بايدن استعداده لإرسال الجيش الأميركي للدفاع عن تايوان، تكثفت في الأشهر الماضية زيارة المسؤولين الأميركيين للصين، وآخرها زيارة وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، التي قالت إن الرئيس الأميركي، جو بايدن، كلّف إدارته تعميق التواصل مع الصين من أجل حلّ مجموعة من القضايا، وأن "فك ارتباط الاقتصادين الأميركي والصيني مستحيل عملياً"، وإن حدث فإنه "سيؤدي إلى زعزعة الاقتصاد العالمي".

وهكذا، يتضح أن الإدارة الأميركية تدفع حلفاءها إلى تقويض علاقاتهم بالصين، تجارياً وسياسياً واقتصادياً، في وقت تقوم بإرسال وزرائها من أجل تحسين العلاقات بين البلدين وتخطي التباينات التي سببتها السياسات العدائية السابقة بين البلدين.

  

2023/07/03

لبنان... الحوار في ظل تعذّر الانفجار؟

يعيش لبنان منذ عام 2019، أزمات مالية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، أدّت الى إفقار اللبنانيين وتجويع الجزء الأكبر منهم، وهجرة الشباب، وتوقف وانهيار الإدارات والمؤسسات العامة الخ..

وفي ظل هذه الازمة المتفاقمة، يجد اللبناني نفسه مكبلاً بعوامل عدّة، ابرزها:

-      عدم القدرة على التغيير:

إذا كان من المفترض في هذه الحالات أن يثور الشعب ويطيح بحكامه، فإن الشعب اللبناني لا يثور خوفاً من أن تؤدي ثورة جديدة الى تعميق أزمته الاقتصادية، فالتجربة "الثورية" التي خبرها عام 2019، وقيام البنوك بالاقفال وتهريب الاموال وحجز الودائع، وانهيار العملة.. كلها أدّت الى فقدانه أي رغبة في النزول الى الشارع مجدداً.

هذا بالاضافة الى أن أي ثورة تحتاج الى دعم مادي واقليمي ودولي لكي تستمر، ولا يبدو أن الخارج يراهن على نجاح أي تحرك شعبي في تنفيذ تغيير لمصلحته في البلاد، ليدعم قيام ثورة جديدة بعد فشل السابقة في تحقيق أي هدف يذكر.

-      إعادة الطبقة السياسية عبر الانتخابات:

بالرغم من كل الآمال التي كانت معقودة على الانتخابات للتغيير في لبنان، إلا أن الانتخابات النيابية أعادت رسم نفس الخريطة السياسية وأعادت – تقريباً- نفس الوجوه السياسية. وبالرغم من الامال المعقودة على التغيير، لم يستطع نواب التغيير أن يقدموا – حتى الآن- تجربة مختلفة عن الطبقة السياسية السائدة في العمل البرلماني والسياسي.

-      فرض التسوية من الخارج:

تشير التجارب في لبنان منذ عام 2005، ولغاية اليوم الى أن الفراغ الرئاسي والتعطيل كانا من الركائز الأساسية التي شهدتها البلاد منذ خروج الجيش السوري.

وفي تجربة الفراغ الرئاسي، نجد أن تجربتي الفراغ قد تمّ حلّهما أمام بانفجار داخلي واقتتال أهلي، أدّى الى تسوية خارجية انسحبت على الداخل اللبناني وهي تجربة "تسوية الدوحة"، أو أن موازين القوى في المنطقة قد تغيّرت بشكل كبير، وفرضت الظروف الخارجية على الخارج قبول تسوية بين اللبنانيين وهي تسوية عام 2016، بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل وبدعم من حزب الله.

واليوم، يبدو أن الاقتتال الاهلي أو الانفجار الداخلي غير متاح، وذلك بسبب غياب القدرة على ذلك، ولأن الخارج والاقليم غير معني بتفجير الاوضاع في لبنان في وقت يتجه العرب الى المصالحات وتتجه الدول الاقليمية التي تفاهمات بينية، ستنسحب أيجاباً على كل ملفات الصراع في المنطقة وتهدئة الحروب بالوكالة بينها.

وعليه، لا مفر أمام اللبنانيين من الذهاب الى حوار بدون شروط مسبقة وبدون سقوف عالية. لكن هذا الحوار لا يجب أن يكون للاتفاق على رئاسة الجمهورية والحكومة والحصص الوزارية فحسب، بل على برنامج اصلاحي شامل، يؤسس لمرحلة جديدة، تعاد فيها الثقة للمؤسسات، ويفرج عن أموال المودعين، وتسود فيها حكم القانون بحيث يتم محاسبة جميع منتهكي القانون وسارقي المال العام... بدون هذا البرنامح، سيبقى لبنان دولة فاشلة تسير "وعين الله ترعاها". 

مستقبل أوروبا في ضوء التظاهرات الفرنسية

لم تكد التظاهرات في فرنسا بسبب رفض إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّته حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهدأ حتى بدأت موجة جديدة من العنف على خلفية قتل الشرطة الفرنسية مراهقاً وانتشار فيديو يظهر أنَّها قتلته من دون أن تكون هناك حاجة إلى ذلك، إذ لم تكن حياة الشرطي مهددة.

في السنوات السابقة، عرفت فرنسا تظاهرات كبرى عرفت باسم "السترات الصفراء"، التي خرجت بعد قيام الحكومة بفرض ضريبة إضافية على الوقود لتمويل العجز في الخزينة، على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها الطبقات الفقيرة والمتوسطة. 

وكان استطلاع للرأي نُشرت نتائجه في شهر نيسان/أبريل الماضي قد أشار إلى أن أكثر من 70% من الفرنسيين غير راضين عن أداء ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، وأبدى نحو 26% فقط من المشاركين رضاهم عن أدائه، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في آذار/مارس 2023.

واقعياً، لا تختلف الأوضاع العامة في فرنسا كثيراً عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها أوروبا، وإن كانت قد اتخذت منحى عنيفاً أكثر في فرنسا، وأدّت إلى قيام تظاهرات عارمة، فيما تبدو المدن الأوروبية الأخرى أكثر هدوءاً، لكن يبدو مشهد الهدوء الأوروبي كأنه نارٌ تحت رماد لا تُعرف شرارة انفجاره، ويخفي تحته ما يلي:

أزمة اقتصادية اجتماعية

عانى الاقتصاد العالمي بشكل عام، والاقتصاد الأوروبي بشكل خاص، تداعيات الإقفال الذي فرضته جائحة كورونا، ثم أتت الحرب الأوكرانية لتفرض صعوبات من نوع آخر على الأوروبيين الذين عانوا بفعل ارتفاع أسعار الكهرباء والطاقة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، والتضخم غير المسبوق الذي دفع المصارف المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبحه، وهو ما قد يؤدي إلى ركود تضخمي في السنوات القادمة.

ولا شكّ في أن الطبقات الفقيرة والمتوسطة هي الأكثر تأثراً بهذه التداعيات، إذ تقتطع المصاريف الأساسية الثابتة الجزء الأكبر من الرواتب، ما يجعلها تتجه إلى التصويت الاعتراضي (لليمين المتطرف) أو الخروج في تظاهرات ضد السلطة أو غير ذلك.

وفي اتجاه موازٍ، تُثار الشكوك لدى العديد من المزارعين في جميع أنحاء أوروبا، إذ يرون أن سياسات الاتحاد الأوروبي تريد إفقارهم وتجويعهم، معتبرين أنَّ "بيروقراطيي الاتحاد الأوروبي بدأوا في هولندا، وسيأتون إليهم لاحقاً".

ويتظاهر المزارعون في هولندا منذ أشهر، بعدما صدرت قرارات حكومية مدعومة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي تسعى لإجبارهم على بيع أراضيهم، وخفض أعداد الثروة الحيوانية التي يملكونها بنسبة 30%، وإقفال مزارعهم طواعية (في مقابل بدل مادي)، لخفض انبعاثات النيتروجين والوفاء بتفويض الاتحاد الأوروبي بشأن أهداف المناخ.

الإنفاق الدفاعي

فرضت الحرب الأوكرانية وسياسة حلف الناتو على الأوروبيين زيادة الإنفاق الدفاعي وتمويل الحرب الأوكرانية وإمداد أوكرانيا بالمساعدات العسكرية والأموال وسواها، ما يعني زيادة كبرى في الإنفاق الدفاعي لم تعرفه القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

ولا شكّ في أن تعهّد الأوروبيين بإنفاق دفاعي يلامس عتبة 2% من الناتج القومي -كما تنص معاهدة الناتو- سيحرم الخزائن الوطنية من موارد مالية مهمة كان يمكن إنفاقها على الخدمات العامة لتحسين مستوى معيشة السكان من الطبقات المتوسطة والفقيرة، وسيقوّض القدرة على الإنفاق على القطاعات الأخرى، كالصحة والتعليم وسواهما.

ارتفاع الشعبوية

يعاني الغرب بشكل عام انقساماً مجتمعياً وسياسياً يتمحور حول القيم والحريات والمُثل وغيرها. من جهة، هناك اليمين المتطرف الذي ترتفع أسهمه بشكل كبير، والذي يركّز على الهجرة، باعتبارها إحدى أسوأ الكوارث التي تعيشها أوروبا.

يقوم هذا التيار بتحميل السلطات الأوروبية المتعاقبة مسؤولية فتح باب الهجرة، وخصوصاً من الشرق الأوسط وأفريقيا، ويحمّل المهاجرين مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وينبّه من "خطورة تغيير وجه أوروبا الحضاري"، ويحذّر من فقدان الهوية الأوروبية.

في المقلب الآخر، ترتفع شعبوية ليبرالية يسارية تهدف إلى تكريس المثلية الجنسية وتغيير الجنس، ولكنها تجد رفضاً من اليمين والعديد من الفئات المتدينة، ما يخلق انقسامات مجتمعية حادّة.

في النتيجة، تعيش الشعوب والحكومات الأوروبية اليوم على وقع الصراع الدولي القائم في أوكرانيا، الذي يمكن أن يتمدد إلى أماكن أخرى ويستمر لسنوات. وفي هذا الإطار، يبدو من الأفضل للأوروبيين أن تنتهي الحرب الأوكرانية بسرعة، فكلما طال أمدها كانت تداعياتها أكبر على الاتحاد الأوروبي، وقد تصل إلى تهديد وحدته. 

2023/06/26

توقف مسار "أستانا"...تقدم الحل السوري!

ليلى نقولا
بالرغم من تأكيد البيان المشترك الصادر عن الاجتماع في دورته العشرين أن الدول المشاركة في اللقاءات اتفقت على عقد جولة جديدة قبل نهاية عام 2023، كان الاعلان الكازاخي عن انتهاء مسار "أستانا" الذي بات يقود مسار المصالحة التركية السورية مفاجئاً للعديد من المراقبين، وذلك لأن المسار يكاد ينتج اتفاقاً تركياً – سورياً بات اليوم أقرب من أي وقت مضى.
وبالرغم من بعض الاحاديث الاعلامية المعارضة التي أعادت أسباب إنهاء المسار بصيغته الحالية الى خلافات بين كازاخستان وروسيا وعدم رغبة كازاخستان في تحدي الولايات المتحدة، وأن هذا مؤشر على تعثّر المسار وفشله وأنه لم يعد يقدم اي شيء.. لكن المؤشرات حول الملف السوري تجعل من تغيير المكان عاملاً في توسعه و- ربما – تقدمه بشكل أوسع، وذلك من خلال دمجه مع المسار العربي للحل، وذلك بناءً على رغبة موسكو وعدم اعتراض أميركي، للأسباب التالية:
- منذ عودة سوريا الى محيطها العربي، تهتم الدول الكبرى والاقليمية المعنية بالشأن السوري الى إعطاء مزيد من الزخم للانخراط العربي في مسار المصالحة السورية، وعدم إيجاد تضارب أو فتح مسارات متعددة للحل، بل حصرها بمسار واحد تنضوي تحته جميع المسارات التي تسعى لحلّ المشاكل المتشعبة والمعقدة.
- الاعتقاد السائد لدى الدول الفاعلة بأن المسار العربي بات الأقدر والأفعل على إيجاد صيغ حلٍ مقبولة في سوريا، خاصة بعد التقارب السعودي الايراني الذي باستطاعته أن يذلل الكثير من العقبات التي كانت مطروحة سابقاً.
- تسعى موسكو الى توحيد المسارات ودمجها وذلك لقطع الطريق على العراقيل الاوروبية لمسار المصالحة والتطبيع مع النظام السوري، فبعد إنهاء "مسار أستانا" ودمجه بالمسار العربي، يتم إنهاء "مسار جنيف" الذي ودمجه بالمسار العربي أيضاً.
- تريد روسيا إنهاء المسار الاوروبي (جنيف) ونقل التفاوض من سويسرا بسبب الموقف العدائي السويسري المتضامن مع عقوبات الاتحاد الاوروبي (بعد حرب أوكرانيا)، بالاضافة الى نزع ورقة من يد الاوروبيين الذين يحاولون استخدام مسار جنيف الدبلوماسي "المعطّل" وورقة عودة اللاجئين لوقف مسار الحل في سوريا، ولتحقيق مكاسب سياسية لم يستطيعوا الحصول عليها في الميدان.
- ضوء أخضر صريح من الأميركيين للدول العربية الخليجية بالاستمرار بمسار التقارب مع سوريا، وذلك في تصريح لوزير الخارجية الأميركي (حسم الجدل) قال فيه أن الأميركيين متفقين بالاهداف مع ما يقوم به العرب في سوريا، وأنهم (أي الأميركيين) لن يطبعوا مع النظام السوري ولكنهم يفسحون بالمجال للعرب لتطبيق تلك الاهداف من خلال المسار الدبلوماسي الذين يقومون به.
- رغبة أميركية غربية اسرائيلية في إعطاء زخم للمبادرة العربية أملاً في أن يحقق العرب توازناً مقبولاً في سوريا يحدّ من النفوذ الايراني، ويساعد السوريين على تطبيق مبادرة "خطوة مقابل خطوة".
- قدرة العرب على تمويل أي حلٍ يعيد اللاجئين الى ديارهم، وقدرتهم على إعطاء حوافز للحكومة السورية لانحراط أكبر في مسار المصالحات وذلك عبر دعم حكومي وتمويل مشاريع إعادة الاعمار.

 

2023/06/25

خطورة الشركات الأمنية الخاصة: "بلاك ووتر" و"فاغنر" نموذجاً

 

لمدة يوم كامل، عاش العالم يترقّب مصير "الانقلاب" الذي بدأته مجموعة "فاغنر" الروسية على قيادات الجيش الروسي، حيث طالب قائد المجموعة يفغيني بريغوجين بإقالة كل من وزير الدفاع وقائد الأركان الروسي، وإلا إنه سيزحف وقواته إلى موسكو لفعل ذلك بنفسه.

 

ولم يكد النهار يمرّ حتى أدّت وساطة بيلاروسية إلى إنهاء التوتر العسكري، والتوصل إلى تسوية تقضي برحيل بريغوجين وبعض قواته إلى بيلاروسيا، بينما ينضم من يريد من مرتزقته إلى القوات الروسية النظامية.

 

ولا شكّ أن المسألة تلك والتوتر الذي شهدته المدن الروسية، يطرح على بساط البحث مسألة الشركات الأمنية الخاصة، وأهمية دورها وخطورته في آنٍ واحد على الدول التي تستعين بها.

 

- ما هي الشركات الأمنية الخاصة؟

تنقسم الشركات الخاصة بحسب مهامها إلى قسمين: عسكرية، وأمنية. الأولى تقوم بمهام عسكرية شبيهة بمهام الجيوش النظامية، فتقوم بالمهام القتالية والاقتحام ودعم الجيوش وتحرير أو احتلال الأراضي إلخ، بينما تقوم الشركات الأمنية بحماية المنشآت والمقار وحقول النفط، وتستخدم في التدريب والاستخبارات والحروب السيبرانية وغيرها.

 

تهدف الدول التي تستعين بخبرات وخدمات شركات خاصة لتأدية مهام عسكرية إلى تخفيض النفقات والخسائر البشرية لجنودها، خاصة في ظل حروب العصابات التي تؤدي إلى سقوط كمّ من الضحايا-الجنود ما يثير انتقادات واعتراضات داخلية، ويؤثّر على قدرة الدولة على الاستمرار في حرب خارجية بعيدة عن حدودها.

 

هذا إضافة إلى تجنّب الدولة المساءلة القانونية لجنودها النظاميين الذين يكونون مجبرين على احترام القانون الدولي الإنساني وقواعد الحرب، فتوكل للشركات الخاصة ومرتزقتها القيام بالمهام القذرة.

 

-  المسار التاريخي:

يستخدم الجيش الأميركي خدمات الشركات الخاصة للدعم واللوجستيات منذ زمن بعيد، ويعيد بعض الباحثين هذا الاستخدام إلى زمن الحرب الأهلية الأميركية. وكانت الحرب العالمية الثانية نقطة تحوّل، حين كان استخدام المقاولين الخاصين من قبل الجيش الأميركي ميزة بارزة في المناطق الأمامية، وأصبح الممثل الفني للشركة المصنّعة إضافة مرحّب بها في المطارات الأمامية والمستودعات ومرافق الإصلاح.

 

وشجّع التوجيه الصادر عام 1955 جميع الوكالات الفيدرالية على استخدام الشركات الخاصة، الأمر الذي دفع وزارة الدفاع الأميركية إلى استخدام الشركات الخاصة في حرب فيتنام، ما شكّل سابقة في هذا الإطار. في فيتنام، وصل استخدام المتعاقدين العسكريين الخاصين من قبل الأميركيين إلى مستوى غير مسبوق، حيث قاموا بأداء مجموعة واسعة من المهام العسكرية والأمنية المختلفة، وتمّ ونشرهم بأعداد أكبر داخل مسرح العمليات.

 

عام 1985، أصدر الجيش الأميركي "برنامج التعزيز المدني اللوجستي"، ما جعل المقاولين – رسمياً-جزءاً من إجمالي القوة العسكرية في عام 1990. على مدار التسعينيات، وسّع الجيش الأميركي بشكل كبير إطار الاستعانة بالمقاولين، الذين تولواّ تقديم دعم واسع النطاق لكل من عمليات درع الصحراء في العراق (1990) وعاصفة الصحراء (1991).

 

مع بيل كلينتون، باتت الاستعانة بمصادر خارجية أولوية بالنسبة للقوات المسلحة الأميركية، وذلك بعد أن قدّر التوفير المحتمل في الكلفة من الاستعانة بمصادر خارجية بما يتراوح بين 30% و40%.

 

-   الشركات الأمنية في الشرق الأوسط:

بدأت ظاهرة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في الشرق الأوسط بعد الاحتلال الأميركي للعراق، حيث استخدم الأميركيون الشركات الخاصة التي قامت بتجنيد مرتزقة للقتال ولحماية المقار العسكرية. وانتشرت تلك الشركات على نطاق واسع بالتزامن مع الحروب التي اندلعت بعد "الربيع العربي". وتعد شركتا "بلاك ووتر" الأميركية وشركة "فاغنر" الروسية، أشهر شركتين في هذا الإطار.

 

أ‌-"بلاك ووتر" الأميركية

اشتهرت "بلاك ووتر" وذاع صيتها بعدما تمّ تسريب وثائق وصور وفيديوهات توثّق تورّط مرتزقتها بارتكابات جسيمة لحقوق الإنسان في العراق، وتورّطها في قتل المدنيين العراقيين العزل.

 

تأسست الشركة عام 1997 على يد ضابط سابق في مشاة البحرية الأميركية (مارينز)، وحصلت على عقود أمنية واسعة النطاق من الحكومة الأميركية خاصة في العراق عام 2003.

 

قامت الشركة بتجنيد مرتزقة من مختلف أنحاء العالم، استخدمتهم للقتال لقاء مبالغ مالية طائلة. وتورّط مرتزقة الشركة بالعديد من المجازر في العراق، منها مجزرة "ساحة النسور" في بغداد حيث قتل مرتزقة "بلاك ووتر" 17 مدنياً عراقياً وجرحوا 20 آخرين. أُدين 4 مقاتلين منهم في الولايات المتحدة، لكن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عفا عنهم لاحقاً في 22 كانون الأول/ديسمبر 2020، قبيل مغادرته البيت الأبيض.

 

وبسبب سجلها الحافل بالانتهاكات، تمّ تغيير اسمها مرتين xe services عام 2009، ثم academi عام 2011، واستمرّت في الحصول على عقود كبرى من المؤسسات الأميركية الحكومية، بالرغم من كل الضرر الذي تسبّب به المرتزقة لصورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

 

بـ ‌-"فاغنر" الروسية:

اشتهرت "فاغنر" على نطاق واسع بعد اشتراكها في الحرب في سوريا، وليبيا، وفي الحرب الأوكرانية وغيرها. وقد شاركت "فاغنر" في الحرب ضد "داعش"، وجنّدت الكثير من المرتزقة من جميع أنحاء العالم للقتال ولحراسة المنشآت في سوريا بعد عام 2014، وقتل العديد من هؤلاء في غارات أميركية قرب حقول النفط التي كانت تحتلها "داعش" في سوريا.

 

وفرضت واشنطن عقوبات على رئيس مجموعة "فاغنر" يفغيني بريغوجين، كما أدرجت الشركة نفسها على لائحة العقوبات الأميركية.

 

بالنتيجة، مع الانقلاب الذي حاولت "فاغنر" القيام به، ومع الفضائح التي قامت بها "بلاك ووتر" وأضرّت بسمعة الجيش الأميركي نفسه، بات السؤال المركزيّ هو مدى خطورة انتشار ظاهرة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة على الدولة التي تستخدمها، خاصة إذا ما أعطيت أدوراً عسكرية كبرى من دون القدرة على محاسبتها ومساءلتها، كما حصل مع مرتزقة "فاغنر" و"بريغوجين" والتسوية التي سمحت لهم بالانتقال إلى بيلاروسيا من دون محاسبة، أو الإفلات من العقاب لمرتزقة "بلاك ووتر".

2023/06/19

سيناريو المحادثات الإيرانية – الأميركية: أقلّ من اتفاق وأبعد من تفاهم

رغم نفي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن المستمرّ إمكانية إبرام اتفاق جديد بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران بشأن الملف النووي، فإن العديد من الوسائل الإعلامية والتصريحات السياسية المختلفة يشير إلى أن المفاوضات بين الطرفين تسير على قدم وساق، وقد تصل إلى نتائج إيجابية قريباً، وخصوصاً بعدما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني أن بلاده تواصل محادثاتها غير المباشرة مع الولايات المتحدة في العاصمة العُمانية مسقط.

ويناقش الطرفان -بحسب ما تمّ الكشف عنه- مواضيع تجميد إيران الحدّ الأقصى لتخصيب اليورانيوم وتعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مقابل تجميد بعض العقوبات الأميركية المفروضة عليها وتبادل السجناء بين الطرفين.

وكان المرشد الإيراني السيد علي خامنئي قد أعطى الحكومة الإيرانية الحالية الغطاء السياسي والضوء الأخضر للتفاوض مع الأميركيين والتوصل إلى اتفاق مع وضع سقف لحدود التنازلات الممكنة، عندما أعلن بوضوح: "قد ترغبون في إبرام بعض التوافقات، وهذا ممكن. اتفقوا، لكن من دون المساس بالبنى التحتية والتسبّب بتدمير ما أنجزه المسؤولون والمعنيون بالصناعة النووية على مدى السنوات الماضية".

ولا شكّ في أن الإنكار الأميركي والتهرب والتلاعب بالكلمات لتوصيف الاتفاق الذي تنوي الإدارة الحالية عقده مع إيران، والذي يتراوح بين "تفاهم" و"اتفاق مؤقت" و"اتفاق جزئي" وغير ذلك، يعود بشكل أساسي إلى عدم قدرة الإدارة الأميركية الحالية على مواجهة سلسلة من الاعتراضات الداخلية والغربية، وأبرزها:

أولاً: مواجهة اعتراض الكونغرس الأميركي، إذ ألزم المشرعون في الكونغرس في وقت سابق أي إدارة أميركية تريد أن تعقد اتفاقاً مع إيران بعرضه على الكونغرس الأميركي للموافقة عليه.

إضافة إلى ذلك، وفي توجّه يعكس انسحاب معارضة إيران على الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، أقرّ الكونغرس الأميركي في كانون الأول/ديسمبر 2022 مشروع قانون يلزم وزير الخارجية الأميركي بتشكيل مجموعة عمل تضم مسؤولين من الخارجية والاستخبارات ووزارة الطاقة، تتخصص في مراقبة برنامج إيران النووي، على أن تقدم تقريراً فورياً للكونغرس في فترة لا تتخطى 72 ساعة في حال حققت طهران تقدماً ملحوظاً على صعيد السلاح النووي.

 ثانياً: يجد الأميركيون والأوروبيون حرجاً في موضوع تحسين علاقاتهم مع إيران والانفتاح على تفاهم معها، وذلك بعد اتهامها بتقديم دعم عسكري لموسكو في الحرب الأوكرانية، وخصوصاً في إطار بيع الطائرات المسيّرة.

ثالثاً: استمرّ الإعلام الغربي في التحريض على الحكم في إيران واتهامه بقتل المعارضين والتضييق على النساء والناشطين الذين خرجوا في تظاهرات تنادي بمزيد من الحريات. وبناء عليه، إن أي انفتاح إيجابي على الحكم الإيراني وأي اتفاق يتوّج بمصافحات وابتسامات تنقل عبر وسائل الإعلام سوف يسببان حرجاً للدول الغربية ولإدارة بايدن؛ الطرف الرئيسي في تلك الاتفاقيات المزمع عقدها.

أما الإطار الإيجابي الّذي يحضّ الإدارة الأميركية على التوصل إلى اتفاق مع إيران، فيعود بشكل أساسي إلى حاجتها إلى إنجازات في الشرق الأوسط تسجل لبايدن في إطار تجديد ولايته، أهمها الإفراج عن سجناء أميركيين وإنجاز "وضع سقف للتخصيب النووي الإيراني يمنع الإيرانيين من امتلاك سلاح نووي"، وهو ما يريده الإسرائيليون والمشرعون في الكونغرس.

وهكذا، بما أنَّ الأميركيين تيقّنوا بفشل خطة ممارسة الضغوط على إيران لدفعها (من دون مقابل) إلى العودة إلى بنود اتفاق 2015 والعودة إلى سقف 3.75%، وهو سقف التخصيب السابق الذي تخطته إيران بعد خروج ترامب من الاتفاق بصورة أحادية، وبما أن خيار العودة التامة إلى الاتفاق السابق غير متاح للإدارة في الوقت الحالي للأسباب التي تمّ ذكرها، فإنّ التكهّن بمستقبل المفاوضات الإيرانية الأميركية يحيلنا إلى السيناريوهات التالية:

- بقاء الحال كما هي عليه الآن، أي إبقاء نافذة الحوار مفتوحة وعدم السماح بوصول الأمور إلى حائط مسدود. هذا السيناريو واقعي، لكنه لا يقدم أي شيء للإدارة الأميركية التي تريد إنجازاً ما في الشرق الأوسط. وبالرغم من ذلك، يبقى احتمالاً ممكناً.

- الإعلان عن التوصل إلى "تفاهم" على مبادئ عريضة بانتظار الانتخابات الأميركية عام 2024 وعودة الديمقراطيين مجدداً إلى البيت الأبيض، وهو أمر غير واقعي، لأنَّ إيران لن تقبل بتقديم تعهدات مستقبلية بسبب عدم ثقتها بالجانب الأميركي، وعدم وضوح مَن سيكون الرئيس التالي، وإمكانية فوز ترامب في انتخابات 2024.

- الاتفاق على "التجميد مقابل التجميد"، أي تجميد العقوبات في مقابل تجميد سقف التخصيب، الذي يسير على مبدأ تجميد التخصيب على سقف معين، في مقابل تجميد جزء من العقوبات على إيران، وخصوصاً في القضايا التي تعتبرها إيران حيوية لتجارتها الدولية (وخصوصاً الطاقة)، وهو السيناريو الأكثر قابلية للتطبيق واقعياً في حال توافرت الإرادة المشتركة للتوصل إلى اتفاق إيراني – أميركي في الفترة الحالية 

أوكرانيا... مبادرات سلام تنتظر الميدان

وصل وفد الوساطة الأفريقي المكون من رؤساء أربع دول وممثلين عن رؤساء أوغندا والكونغو ومصر وبقيادة رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا الى روسيا بعد زيارة لأوكرانيا لم تكن مشجعة إذ أبلغهم زيلينسكي أنه يرفض أي حوار أو تسوية لا تتضمن انسحاب الروس الى حدود عام 1991.

وبالتزامن، يطرح على بساط البحث ثلاث خطط للسلام في أوكرانيا، وهي كما يلي:

1- المبادرة الأفريقية للسلام:

وتتضمن وقف إطلاق النار وإطلاق مفاوضات للسلام، والتشديد على سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتقديم ضمانات أمنية للجميع، والسماح بتصدير الحبوب، وتقديم الدعم الإنساني للضحايا، وتسوية مسألة تبادل الأسرى وعودة الأطفال، وأخيراً، ضمان إعادة الإعمار بعد الحرب. وذكرت بعض التقارير الاعلامية أن المبادرة تتضمن إلغاء بعض العقوبات على روسيا ووقف التعقّب بحق بوتين من قبل المحكمة الجنائية الدولية، مقابل قيام روسيا بإزالة الأسلحة النووية التكتيكية من بيلاروسيا. وكان الرئيس فلاديمير بوتين قد ردّ على مبادرة الوفد الأفريقي بعرض وثائق اتفاقية سلام سابقة كان قد تمّ توقيعها مع الجانب الأوكراني، بوساطة تركية في بداية الحرب عام 2022، وذكر بوتين أن موسكو التزمت بالاتفاق المبدئي وسحبت قواتها من محيط كييف، الأمر الذي استغله الأوكران للعودة عن ذلك الاتفاق الذي تمّ الاتفاق عليه مع موسكو ونقضه، علماً أنه كان يقضي بحياد أوكرانيا، والتعهد بعدم امتلاك سلاح نووي، وعدم الدخول في حلف الناتو مطلقاً.

2- المبادرة الصينية للسلام:

وتتضمن وقف اطلاق النار والبدء بمفاوضات سلام تقوم على احترام سيادة الدول، والتخلي عن عقلية الحرب الباردة، وحلّ الأزمة الانسانية، وحماية المدنيين والأسرى، والمحافظة على سلامة المنشآت النووية، وعدم التهديد باستخدام الأسلحة النووية أو استخدامها، وتسهيل تصدير الحبوب، ووقف العقوبات الأحادية، وعدم تسييس النظام الاقتصادي العالمي، والبدء والمساهمة الدولية بإعادة الاعمار.

3- مبادرة الفاتيكان:

لم يتم الاعلان عن بنودها رسمياً بعد، ويبدو أن البابا فرنسيس يتريث في الاعلان عن بنود تلك المبادرة لمزيد من التشاور حولها ولاكتشاف مدى قدرته على تحقيق اختراق في الحائط المسدود، والذي يقول البابا أنه بسبب " مصالح إمبراطوريات عديدة هي التي تحرك الحرب في أوكرانيا، وليست روسيا فحسب".

في المحصلة، وبالرغم من المبادرات العديدة التي تسعى لإنهاء الحرب الأوكرانية الدائرة حالياً، فإن مصير السلام مرتبط بما سيتم تحقيقه في الميدان، حيث يشنّ الاوكران بدعم غربي هجوماً عسكرياً مضاداً لاستعادة الأراضي التي احتلها الروس. علماً أن الهجوم لا يجري وفق التوقعات الغربية والاوكرانية المسبقة له، وتشير التقارير الى أن الاوكران يتكبدون خسائر فادحة في الأرواح والعتاد (الغربي).

وهكذا، بانتظار تحقيق نتائج كبرى في الميدان، يأمل الغربيون باستنزاف روسيا والحصول منها على تنازلات مؤلمة وتلقين الصين درساً مستقبلياً حول النزاع في تايوان، أما الروس فهم يريدون تحقيق انتصارات ميدانية، والسيطرة على كامل الاجزاء الشرقية من أوكرانيا، والتي اعترفوا بها كجزء من روسيا الاتحادية بالإضافة الى إعلان حياد أوكرانيا، ونزع أسلحتها، و"إنهاء النازية الجديدة"، والحصول على ضمانات حول عدم ضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي بشكل نهائي.

بالنتيجة، أهداف اقليمية وعالمية كبرى لكل من روسيا والغرب، تنتظر الميدان الاوكراني، الذي سيكون له الكلمة الفصل في النهاية.