2013/11/21
2013/11/17
مستقبل العرب في ظل ثلاثية "ايران- تركيا- اسرائيل" !!
د.
ليلى نقولا الرحباني
كرّست
الزيارة التاريخية التي قام بها وزيرا الخارجية والدفاع الروسيان سيرغي لافروف وسيرغي
شويغو للقاهرة، مزيداً من الدخول الروسي الى منطقة الشرق الأوسط، الذي
لا يمكن له أن يقوى بدون البدء بعلاقات مع الدول الفاعلة في المنطقة ومنها مصر. ويبدو
أن السياسة المصرية بالانفتاح على روسيا، وتنويع مصادر التسليح، منسّقة مع
الحليفين الأبرز لمصر بعد سقوط حكم الأخوان؛ السعودية والإمارات، اللتين ستمولان
صفقة التسلح المصرية والتي تفاوتت التقديرات بشأن حجمها بين مليارين و10 مليارات دولار.
وهكذا،
تزداد توسّع رقعة الدخول الروسي الى المنطقة، بحلف استراتيجي مع ايران وسوريا، وصفقات
أسلحة وتعاون مع حلفاء أميركا التقليديين في المنطقة؛ ومنهم الأردن ومصر على سبيل
المثال لا الحصر.
واللافت
أن إدارة الرئيس باراك أوباما تبدو غير مكترثة بهذا التحوّل لحلفائها التقليديين
نحو روسيا؛ لسببين أما لأنها تدرك بأنه لن يصبح تحوّلاً استراتيجيًا، وأنها مطمئنة
لحجم نفوذها الذي كرّسته على مدى عقود، أو لأنها تقوم فعلاً بتطبيق سياسة التخفف
من أحمال الشرق الأوسط، للتوجه بزخم أكبر الى الشرق الأقصى، وخاصة بعد التقارير
التي أصدرتها وكالة الطاقة الدولية بأن الولايات المتحدة ستتفوق على السعودية وروسيا
لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم في عام 2015 وتقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة
وتقليل اعتمادها على إمدادات أوبك، وأن الصين تتجه لتتحول- في نفس الفترة- إلى أول
مستورد للنفط في العالم بداية من العام 2015.
وهكذا،
تجد الولايات المتحدة أن عليها أن تغيّر سياستها في الشرق الأوسط، فجزء أساسي من
استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق كانت بدافع تأمين ممرات النفط والسيطرة على
منابعه وأمن اسرائيل. وبما أن الأميركيين سيحققون اكتفاءً ذاتيًا في مجالات النفط
والطاقة، فإن علاقاتهم التاريخية مع الدول النفطية الخليجية ستتراجع لحساب علاقات
استراتيجية مع ايران وتركيا واسرائيل، التي ستحاول الولايات المتحدة أن لا يكون
انسحابها من المنطقة قد تمّ إلا بعد أن تحقق لاسرائيل ضمانات لأمنها واستقرارها.
علمًا أن التقاطع الروسي الأميركي في المواقف تجاه اسرائيل يكاد يتطابق.
وهكذا،
قد يكون التفاهم الروسي الأميركي في المنطقة مستندًا الى ثلاثية نفوذ
اقليمية" ايران- تركيا- اسرائيل"، بتحييد الدول العربية التقليدية
النفوذ - حليفة الولايات المتحدة. من هنا، بات على الدول العربية المحورية في
المنطقة، القلقة من توسع النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط برمتها مقابل انحسار
الحليف الأميركي، السعي لاعتماد سياسات ذات بعد نظر استراتيجي، تهدف الى أن يتمّ
استبدال تركيا كدولة سنيّة مركزية، بدولة سنيّة عربية، والمؤهل لهذا الدور في هذه
الفترة بالذات هما دولتان: مصر أو السعودية.
إن
قيام مصر، أو السعودية، بفرض نفسها دولة محورية كبديل عن تركيا، يفترض بهما فهم
التشعبات الاقليمية والدولية المستجدة جيدًا، والقبول بالدور الاقليمي الايراني
الذي يبدو أن هناك إجماعًا دوليًا على التسليم بدورها الاقليمي، والقبول بايران
نووية، ضامنة للاستقرار في الشرق الاوسط.
لكن،
تبدو تركيا اليوم، أضعف من ذي قبل بسقوط الحلم الامبراطوري الاخواني، ويعاني حزب
العدالة والتنمية من تصدع جبهته الداخلية بتصارع أجنحة قد تقلب المشهد التركي في
الانتخابات المقبلة، والمنطقة قد تكون مقبلة على ربيع كردي، سيكون تأثيره على
تركيا أكبر مما كان تأثيره على العراق وسوريا.
في
المقابل، إن الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تعيشها مصر، والأزمات السياسية والاجتماعية
تجعلها غير قادرة في المدى المنظور على لعب هذا الدور المحوري في المنطقة كدولة
عربية سنيّة بديلة لتركيا في ثلاثية "ايران- اسرائيل- تركيا". أما المملكة
العربية السعودية، فإن انغلاقها، وحكمها
التقليدي المحافظ واستمرارها بلعب دور "يبدو" تخريبيًا للتفاهمات التي
تعقد في المنطقة، مقابل انفتاح تركي وحركة دبلوماسية تركية نشطة تعيد التواصل مع
اسرائيل وايران والقبول بالحلول السياسية، يجعل التركي طرفًا أكثر مقبولية، ويزيد
من إمكانية حصول ربيع خليجي يطيح بالنفوذ السعودي المهيمن في منطقة الخليج.
وهكذا إذًا، تبدو المنطقة على أبواب تحوّل استراتيجي
تاريخي، سيعيد رسم مشهد المنطقة بأكملها، الأرجح أن يكون مشابهًا للفترة التي
أعقبت انحسار نفوذ الاوروبيين في المنطقة لصالح الأميركيين في منتصف القرن العشرين
خلال الحرب الباردة، أو للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الاولى، حينما تقاسم
البريطانيين والفرنسيين السيطرة على الشرق الأوسط، مقسمّين الدول بحسب مناطق
النفوذ بينهما. وفي خضّم هذه التحولات الكبرى، تبدو الدول العربية قاصرة عن مواكبة
هذا التحوّل، لعجز أو لقصر نظر، مما سيجعل مراكز النفوذ المتحكمة بالمنطقة
العربية، غير عربية.
2013/11/13
أميركا وايران... اللعب على المكشوف
د. ليلى نقولا الرحباني
تنتشر أجواء التفاؤل في العالم والمنطقة باحتمال قرب
التوصل الى تسوية شاملة في منطقة الشرق الأوسط، وهو تفاؤل مشروع بعد وصول الرئيس
روحاني الى سدة الرئاسة في ايران، ووجود باراك اوباما وفلاديمير بوتين على رأس
السلطة في كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية.
وبالرغم من أجواء التفاؤل المفرطة التي عاد وبددها
ما حصل في الاجتماع الأخير الذي حصل في جنيف بين الدول الست وايران، إلا أن ما
يظهر من السياسات الخارجية لكل من
الولايات المتحدة الأميركية وايران، يظهر قدرة احترافية للطرفين في لعبة الشطرنج،
التي تحتاج هدوء أعصاب وتكتيكات لا يبدو أنها تنقص أحد منهما. وهكذا نجد في لعبة
الشطرنج المشتركة تلك ما يلي:
- توزيع
أدوار غربي واضح بشكل لا لبس فيه، وقد اضطرت الولايات المتحدة الأميركية الى تبرير
ما حصل في الاجتماع من عرقلة فرنسية مدروسة بالقول أن المواقف الغربية كانت منسقة،
وذلك في ظل اتهام للفرنسيين بعرقلة اتفاق تاريخي انتظره العالم لعقود. ونفت باريس
تفرّد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في طلبه خلال محادثات جنيف، إدخال
التخصيب بنسبة 20 في المئة ومفاعل آراك الذي سيصنّع بلوتونيوم، في الاتفاق المرحلي
المقترح، وأكدّت إن فابيوس كان قد نال موافقة تامّة من كيري قبل هذا الطرح.
- تذرّع الطرفين الأميركي والايراني بالمتطرفين
والمتشددين على يمينه لحصد مزيد من المكاسب من الطرف الآخر. فمن ناحية الولايات
المتحدة والغرب، يقوم الأميركيون بالانفتاح على ايران واطلاق التصريحات المتفائلة
حول الدور الايراني الايجابي وإمكانية التوصل الى تسوية، وفي الوقت نفسه يهدد بعض
أعضاء الكونغرس الأميركيين بالتصويت على تشديد العقوبات على ايران، ويقوم
الاسرائيلي بالتهديد بالذهاب الى خيار الضربة العسكرية ضد ايران، علمًا أن
الأميركي، لا يمكن أن يقدم على أي خطوة دبلوماسية أو عسكرية أو سياسية، في منطقة
الشرق الأوسط بدون الأخذ بعين الاعتبار العامل الاسرائيلي ومصلحة وأمن اسرائيل
مسبقًا وقبل أي اعتبار. وما هذا التباين بين التصريحات، إلا نوعًا من ذرّ الرماد
في العيون، وتوزيع أدوار لكسب المزيد من التنازلات من الطرف الايراني.
وفي مقابل ذلك، يلعب الايراني اللعبة نفسها ويتقنها
كما يتقنها الأميركيون تمامًا، ففي خضّم الحديث عن قرب التوصل الى اتفاق في جنيف،
قام المرشد الاعلى علي خامنئي بدعم المفاوضين الايرانيين ولكنّه عبّر - مسبقًا- عن
عدم تفاؤله بنتائج المفاوضات معتبرًا أنه
لا يمكن "الوثوق في عدو يبتسم، فالأمريكيون من ناحية يبتسمون ويعبرون عن رغبة
في التفاوض ومن ناحية أخرى سرعان ما يقولون ان كل الخيارات مطروحة". وفي
الوقت الذي كانت السلطات الايرانية تحاول مدّ جسور التواصل مع الولايات المتحدة
الأميركية والغرب، وتحاول القيام بمبادرات ايجابية لبناء الثقة والظهور بمظهر
المستعد للحوار والانفتاح ولعب دور ايجابي والاسهام بالحلول في المنطقة، كانت
الاحتفالات تعمّ طهران بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لعملية احتجاز الرهائن في
السفارة الاميركية في طهران مع استمرار التمسك بشعار الموت لاميركا، وتأكيد نحو
200 من نواب البرلمان ال290 في بيان مشاركتهم في التظاهرة السنوية التي تقام أمام
مبنى السفارة الأميركية السابقة والهتاف
الموت لاميركا. كما أكد الحرس الثوري ان شعار الموت لاميركا هو رمز مقاومة وتصميم الأمة
الايرانية أمام هيمنة الولايات المتحدة، الأمّة المستكبرة غير الجديرة بالثقة.
أما في المنطقة، فتقوم السياسة الخارجية الايرانية -
وكما الأميركية- على خطين: السير نحو خيار الذهاب الة جنيف 2، والانفتاح نحو تركيا
وبعض الدول الخليجية، سواء من قبل الايرانيين أو من قبل حلفائهم العراقيين، في
مقابل الثبات على الموقف ودعم النظام السوري وعدم التخلي عن بشار الأسد، ومساعدته
ماليًا ولوجستيًا وتقنيًا. وهو ما يفعله الأميركيون تمامًا بتسويق التزامهم بخيار
التسوية التي اتفقوا عليها مع الروس وبضرورة الذهاب الى حل سلمي في جنيف 2، وفي
المقابل يستمرون بدعم المعارضة المسلحة، وتوكيل حلفائهم السعوديين بإطالة عمر
الأزمة ومحاولة تغيير موازين القوى على الأرض لكسب المزيد من التنازلات من الطرف
الآخر.
إذًا، هي سياسة "المصافحة باليد اليمنى،
والمسدس باليد اليسرى" يتقنها جيدًا الفريقان اللاعبان على الساحة الشرق
أوسطية، وبات اللعب مكشوفًا جدًا، وتبقى الشعوب الفقيرة في العالم العربي، رهينة
لعب الكبار في مصيرها، وبانتظار انتهاء اللعبة بيأس أحد الطرفين أو القبول بما
تحقق من التسوية، اقتناعًا من الطرفين بأنه لم يمكن بالامكان أحسن مما كان.
2013/11/10
حلفاء أميركا الخليجيين وأوهام السفينة الغارقة
د. ليلى نقولا الرحباني
يحاول العديد من المحللين أو السياسيين العرب المعروفين بولائهم للولايات المتحدة الأميركية، أن يخففوا من تداعيات ما يحصل مع الجانب الايراني في المفاوضات حول ملفها النووي، وحول أهمية الانفتاح الغربي - الأميركي على القيادة الايرانية، أملاً بالاحتفاظ بمعنويات جمهورهم العالية، وخشية من أن يؤدي القلق من انجاز التسوية على حسابهم الى تداعيات دراماتيكية على حلفائهم الذين قد يهرولون للابتعاد عن المحور الخاسر، أو للحفاظ على جمهورهم الداعم.
ولهذه الأسباب، يقوم هؤلاء بترويج أفكار أو ما يقولون أنها "معلومات" حول سياسة جديدة للرئيس الايراني حسن روحاني والتي تتباين مع سياسة وتوجهات القائد "الخامنئي"، وبأنه - ومن أجل إنقاذ الجمهورية من التدهور الاقتصادي، ومن أجل إراجة الجمهور الايراني في الداخل- مستعد للتخلي عن ملفات رئيسية في المنطقة، والتخلي عن الحلفاء مقابل تخفيف العقوبات الغربية عن بلاده، ومن هؤلاء : حزب الله في لبنان، والرئيس السوري بشار الأسد. ويشير هؤلاء كإثبات الى كلام وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حين قال ان طهران قد تستخدم نفوذها لتشجيع المقاتلين الأجانب في سورية على الانسحاب منها.
الحقيقة، إن من يشير الى هذه المواقف، أو يتكل على تلك الأقوال، يبدو إما أنه يحاول أن يسوّق بروباغندا معاكسة لتعميق الخلاف بين الحلفاء وتشجيع عدم الثقة بين بعضهم البعض، أو أنه لا يفهم التفاعلات الاقليمية في الشرق الأوسط وايران بصورة جدية. وفي الحالتين، يبدو القائل تافهًا وخارجًا عن منطق الأمور، للأسباب التالية:
أولاً: إن ما يقال أنه سياسة خارجية وداخلية لروحاني، تتباين مع نهج المرشد، تؤكد أن قائله لا يدرك أن "الولي الفقيه" في ايران هو الذي يحدد السياسات الاستراتيجية وبيده كل الامور الجوهرية والمفصلية، وما رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية ووزرائه وطاقم إدارته، إلا منفّذين للخطوط الاستراتيجية التي يرسمها المرشد. من هنا، فإن أي رهان على خروج روحاني بسياسة استقلالية عن الخامنئي إلا ضربًا من الخيال، او الانفصال عن الواقع.
ثانيًا، يدرك الايرانيون جيدًا - ومعهم الروس وحزب الله - أن ما عليهم إلا ممارسة قليلاً من الصبر الاضافي، لتنضج التسوية التي ستعترف بانتصارهم في سوريا، فلماذا يقدم الايرانيون تنازلات أو يتخلون عن ورقة رابحة في سوريا، ومقابل ماذا؟ إن الحديث عن التخلي الايراني عن بشار الأسد، يظهر وكأن السياسة الايرانية هي سياسة "جمعيات خيرية"، تضحي من أجل مصلحة الآخرين... وهذا تفكير تافه بالنسبة لأي دولة في العالم، فكيف بايران التي تتقبل التعازي اليوم بممثل الإمام السيد علي الخامنئي ورئيس الشورى المركزية للجنة إمداد الإمام الخميني ، وقد سقط الاسبوع المنصرم في دمشق.
لقد دفع الايرانيون الاموال، والرجال وساهموا مساهمة حقيقية وفعلية في صمود النظام السوري، والتخلي عنها بهذه السهولة يعدّ نوعًا من المقامرة، وهو ما لا يمكن أن يفعله الايرانيون لا في سياساتهم الداخلية ولا الخارجية على حد سواء.
ثالثًا: إن الإدّعاء بأن الايرانيين سيتخلون عن حزب الله، من أجل مصالحهم الخاصة، والقول ان الدعم الذي حصل عليه الحزب كان من قبل الجناح الراديكالي في ايران، تدحضه النظرة الى تاريخ العلاقات الايرانية مع حزب الله، فقد يكون الدعم الأكبر الذي حظي به الحزب على الاطلاق، هو في فترة الرئيس خاتمي الاصلاحي. هذا بالاضافة الى أنه فقهيًا، وشرعيًا ودينيًا، لا يمكن لايران أن تتخلى عن حليفها الشيعي، فكيف وهو يتمتع بهذه القوة الكبرى التي تجعله يدعم نفوذها الاقليمي في المنطقة، ويعطيها توازنًا استراتيجيًا مقابل القوة الاسرائيلية المدعومة من الغرب؟
لكل هذه الأسباب وغيرها، بدءًا باعتراف العالم بدورها الاقليمي، والسعي الحثيث للانفتاح عليها، ومحاولة استرضائها، لا يعدو كل هذا الكلام الذي يسوّقه بعض العرب وخاصة الخليجيين منهم، كونه كلامًا للاستهلاك الداخلي، أو للتعمية عن الخسارة الحاصلة في محور حلفاء أميركا، أو حملة استباقية لعدم انفراط دراماتيكي سريع لمن يتبعون هذا الحلف، بتطمينهم لمنعهم من الهرولة الى الحلف المقابل، أملاً في تخليص أنفسهم من السفينة الغارقة قبل فوات الأوان.
2013/11/07
مسيحيو المشرق.... زوال الخطر الداهم
د. ليلى نقولا الرحباني
الثبات
توالت المؤتمرات التي تعالج الهواجس المسيحية والتي تبحث في قضايا الوجود
المسيحي في هذا الشرق، ودوره الأخطار المحدقة التي تتهدده بعد بروز الحركات
التكفيرية والتيارات الأصولية التي تمارس القتل والتنكيل والفظائع بالمسيحيين
والمسلمين على حد سواء.
وقد تكون هذه المؤتمرات المسيحية أتت متأخرة نوعًا ما، بالرغم من أن الحركة
المسيحية الداعية الى تثبيت المسيحيين في أرضهم، وحثّهم على عدم الهجرة الى الغرب،
كانت قد بدأت منذ سنوات خاصة في عام 2008، بنشوء جمعية "مركزية مسيحيي
المشرق" التي حددت ضمن أهدافها العمل على تجذّر المسيحيين في أرضهم وقراهم
ومحاولة تأمين عيش كريم ولائق لهم، يحفظ لهم كرامتهم ووجودهم، وحددت عملها في دول المشرق المسيحي المهدد في دول ست هي مصر، لبنان، سوريا،
العراق، الاردن، فلسطين.
ونقول بأن هذه
الحركة المسيحية قد أتت متأخرة، ليس لأننا نعتقد أنه فات الأوان بالنسبة للمسيحيين
وبات تهجيرهم أمرًا مفروغًا منه، أو قدرًا لا يمكن ردّه، بل لأن التطورات الحاصلة
في المنطقة قد تخطت ذاك الخطر الداهم، وما كان يُحاك للمسيحيين في المشرق، أسقطته
التطورات المتسارعة التي أطاحت بمعدّي مشاريع الاقتلاع والتهجير، ونستذكر فيها ما
يلي:
- تزايد الخطر
على المسيحيين المشرقيين بشكل كبير، بعد دخول الأميركيين الى المنطقة واحتلالهم
العراق عام 2003، وقد تبين من التطورات العراقية خلال سنوات عشر أن تهجير
المسيحيين لم يكن عَرَضيًا، بل كان سياسة منهجية مدروسة ومخطط لها، وشارك فيها
الكثير من المسلمين والمسيحيين في العراق والمنطقة، ومنها بعض الجمعيات اللبنانية
المعروفة.
- إن تعبير "الفوضى
الخلاّقة" الذي أطلقه الأميركيون، عنى في ما عناه، تقاتل اسلامي اسلامي؛ أي
تقاتل سنّي - شيعي، سنّي - سنّي، سنّي - علوي الخ.. وفي معركة داحس والغبراء
الاسلامية، كان لا بد أن يقتلع المسيحيون لتخلو مناطق التماس المباشرة بين هذه
المذاهب لكي يأخذ الاقتتال مداه، ويتوسع وتتعمّق الخلافات الاسلامية الاسلامية،
بالدم والحديد والنار.
- وبعد
التطورات التي حصلت في العالم العربي، وسعي الغرب الى التحالف مع المشروع الأخواني
الذي حاول أن يعيد عهد الخلافة العثمانية الى سابق عهدها، والممارسة العملية التي
أظهرت حجم الخطر المتأتي من هذا المشروع المدعوم أميركيًا، والذي ظهر في سياسات
إقصاء وإلغاء تامّ لكل مخالف للرأي، أو مختلف مذهبيًا ودينيًا. حينها، كان الخطر
على المسيحيين على أشدّه، فقد اعتبر الغربيون أنه بامكانهم ايجاد وكيل جديد يؤمن
لهم مصالحهم في المنطقة ويحفظ أمن اسرائيل، وما الوجود المسيحي المشرقي المهدد من
جماعات لا تؤمن بحق الاختلاف سوى "خسائر وأضرار جانبية" في معركة الغرب
ضد الشرق، ويجب أن يقدم المسيحيون قرابين على مذبح المصالح الغربية والاوروبية،
التي وعدت بأن تستقبل المسيحيين الهاربين من الاضطهاد كلاجئين في أرضها، وهكذا كان
أمام المسيحيين - فيما لو نجح المشروع- الاختيار بين صفتين "أهل ذمّة في
أرضهم أو لاجئين في الغرب".
- وما أن سقط
المشروع الأخواني على صخرة صمود الحلف المقاوم الداعم لسوريا، ثم أسقاطه في الميدان
السوري عبر هزيمته بالضربة القاضية في القصير، واستكمال المصريين القضاء عليه في
ساحاتهم وشوارعهم، حتى استبدل الغربيون المشروع الأخواني للهيمنة على المشرق
بالمشروع الوهابي الذي لم يعمّر طويلاً، فسقط بعد شهرين في الميدان السوري أيضًا،
ولم تنفع محاولاته استجداء التدخل العسكري الأميركي بضربة عسكرية مباشرة لنظام
الأسد لتعويمه.
- وهكذا، وبعد
هذه التطورات الميدانية والسياسية التي
تسارعت في وقت قياسي، يمكن القول أن مصير المسيحيين لم يعد مهددًا كما كان في
السابق، بل إن سقوط المشروع الغربي في المنطقة بعناوينه الثلاث" الفوضى
والأخواني والوهابي"، وتسليم الأميركيين بتراجع نفوذهم في الشرق، وتقاسمه مع
الروس، يجعل من الخطر الداهم الذي كان على المسيحيين معالجته، أقلّ من ذي قبل.
وتأسيسًا على ما
سبق، وبما أن جبهات مشاريع الاقتلاع باتت تعاني انهيارًا دراماتيكيًا في صفوفها، بات
على المسيحيين المشرقيين تغيير استراتيجيتهم وكيفية التعبير عن مطالبهم، فالخوف
والقلق والخطر المحدق بهم، لم يعد يمسّهم وحدهم بل إن المسيحيين والمسلمين في هذا
المشرق، على حد سواء باتوا أمام خطر أصولي تكفيري يتغلغل في مجتمعاتهم ويهدد أمنهم
وحريتهم وكرامتهم، فإما أن يواجهوه معًا أو أن يسقطوا معًا.
2013/11/03
د ليلى نقولا الرحباني _ الحدث الاخباري / nbn 02 11 2013
http://www.youtube.com/v/En6_zWE8hqo?autohide=1&version=3&showinfo=1&attribution_tag=hQC8VSAIrDMefIIMPTiqWw&autoplay=1&autohide=1&feature=share
2013/10/10
"الإسلاميون الجدد".. وسياسة الانتحار الجماعي
د. ليلى نقولا الرحباني
الثبات
يوماً بعد يوم تتكشف فصول جديدة من الصراع الدامي في سورية، والذي بات أشبه بعملية انتحار جماعية يقاتل فيها الكل ضد الكل، في حرب قد يكون عُرف مصدر شرارتها، وكيف بدأت، لكن لا يمكن لأحد التكهّن بنهايتها أو بأسس حلّها. ولعل الأزمة السورية الطويلة والصمود الذي حققه نظام الأسد في سورية، والتحالف الدولي القوي الذي لم ينفضّ من حوله على الرغم من كل الظروف، هو ما عاد وقلب الأوراق في عالم عربي انتفض فجأة على حكامه الديكتاتورييين ليحلّ محلهم فوضى عارمة واقتتال وعنف وإرهاب، وليضرب الحلم التركي بإعادة زمن "الخلافة"، وليحطم الحلم السعودي باستعادة زمن الشريف حسين وأحلامه بحكم دولة عربية كبرى.
وهكذا، وفي زمن التغييرات السريعة التي حصلت بوتيرة أسرع مما تخيل الجميع يوماً، يمكن رصد مشهد الانتحار الجماعي، خصوصاً مشهد انتحار "الإسلاميين الجدد" بفروعهم المختلفة:
أ- يقوم "الإخوان المسلمون" في مصر بعملية انتحار غير مسبوقة، فهم تحوّلوا من ممسكين بالسلطة بطريقة تعسفية ديكتاتورية، إلى ممارسة عملية الانتحار الجماعي من خلال ممارسة العنف ضد الجيش المصري، وضد الشعب، وتعكير صفو المناسبات الوطنية الكبرى، في مشهد يشير إلى أن هؤلاء لا يتمتعون بحس وطني ولا قومي، وأن المصالح الضيقة وطمعهم بالسلطة قد أعمى بصيرتهم وبصرهم، وجعلهم يتخطون جميع الخطوط الحمراء.
لقد كشف "الإخوان المسلمون" عن وجه عنفي خطير جداً بعد فقدانهم السلطة، وهم وإن كانوا لم يتورعوا عن استعمال العنف في مرحلة الثورة وما بعدها، إلا أن ما يقومون به اليوم في مصر من قتل وإجرام يسقط عن تحركاتهم أي ادّعاء بحق مسلوب، أو شرعية حكم أو سواها.
ب- ولعل تخطي الخطوط الحمراء بشكل مقلق، بات سياسة "إخوانية" بامتياز، فها هو حزب "العدالة والتنمية" التركي يندفع إلى تسهيل مرور "القاعدة" وأخواتها للقتال في سورية، في سياسة خطيرة ومميتة يعرف الأتراك قبل غيرهم خطورة نتائجها، فالمشهد العراقي - السوري ما زال ماثلاً للعيان، وتدفع سورية ثمناً هائلاً لوجود "القاعدة" على حدودها، ولعل سياسة الانتحار تتجلى أيضاً في دفن الرؤوس في الرمال، ففي وقت تعلن السلطات التركية عن بناء جدار على الحدود مع سورية بارتفاع مترين، ووضع أسلاك شائكة فوقه لمنع العبور غير القانوني ووقف حركة التهريب، يتمّ تسريب معلومات عن إرسال الجيش التركي طائرات مقاتلة إلى الحدود السورية، بهدف منع القوات الجوية السورية من الاقتراب من المناطق الحدودية بين البلدين، ثم منعها من شن غارات على هذه المناطق، وهي بالمناسبة المناطق التي تتمركز فيها "داعش"، وتحاول السيطرة عليها لإنشاء "دولة القاعدة" على الحدود مع تركيا.
ج- أما الوهابيون الذين هالهم بداية التقارب الأميركي - الإيراني، والابتسامات الموزَّعة في نيويورك، وخشوا من تسوية يدفعون ثمنها، ومن تخلٍّ أميركي عنهم بسبب إخفاقهم في تنفيذ المهمة المكولة إليهم، فاندفعوا إلى تفكيك هياكل المعارضة السورية السياسية والعسكرية، فقضوا على "الجيش الحر" وكفّروه، وعرّوا معارضة الخارج وجرّدوها من إمكانية الادّعاء بتمثيل - ولو محدود - للقوى الشعبية في سورية.
د- وقد يكون من مؤشرات الانتحار الجماعي أيضاً، الانفصال عن الواقع الذي تعيشه الأطراف في سورية، خصوصاً المعارضة منها. لقد كان مؤكداً أن الإدارة الأميركية لا تريد أن تحارب، لا قبل الأزمة المالية الداخلية ولا بعدها، وقد ظهر جلياً من أزمة الكيماوي السوري أن الإدارة الأميركية ستفعل أي شيء لتتجنّب المواجهة العسكرية المباشرة، وهكذا دفعت المعارضة السورية ثمناً للوهم المتمثل بالقدرة على دفع الكبرى لأن تكون أدوات في أيدي دول إقليمية توهمت بأنها تستطيع أن تهدد وتبتز بوتين، وتدفع أوباما إلى تبني خيارها في إسقاط بشار الأسد بالقوة العسكرية.
مقابل كل هذا الانتحار، تحاول إيران الدفع نحو ممارسة سياسة "الانخراط الإيجابي"، فها هي تنتزع من الدول الكبرى إقراراً بدورها الإقليمي، والتعهد بعدم العمل على تغيير نظامها، والاعتراف بحقها في امتلاك التقنية النووية السلمية، وهناك مؤشران هامان يدلان على عمق الأزمة التي تواجهها الدول الإقليمية المواجهة لإيران:
- تبدّل سياسة إدارة أوباما نحو الحلفاء النفطيين التقليديين للولايات المتحدة، فالرئيس الأميركي يتصرف وكأنه توصل إلى استنتاج أنه ليس في حاجة إلى إرضاء الدول النفطية الخليجية.
- رغبة إيرانية بالتوجّه للأصيل، وعدم القيام بمبادرات تؤدي إلى تنازلات للوكيل، فالثمن الذي يعتقد الإيراني أن عليه دفعه ثمناً للتسوية، سيدفّعه للولايات المتحدة الأميركية، وما على الوكيل حينئذ إلا القبول بنتائج التسوية.
النتيجة أنه لا يمكن لسياسات انتحارية أن تصنع مستقبلاً، والسؤال الأخطر: ما الذي يمكن أن يقدم عليه هؤلاء في حال اقتنع الأميركيون بأن إيران قادرة على تحقيق التوازن والاستقرار وتأمين مصالحهم في المنطقة؟
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
