2017/08/30

معارك الجرود: انتصار أم خيانة؟


د. ليلى نقولا
انتهت عمليتا "فجر الجرود" و"أن عدتم عدنا" اللتان أعلنتا لتطهير الحدود اللبنانية السورية من داعش، على ضفتي الحدود، وذلك باستسلام ارهابيي داعش، واعلان عن نتيجة التفاوض بين داعش وحزب الله، الذي أمّن بالتوافق مع الدولة السورية خروج الارهابيين من القلمون الى دير الزور.
ومع اعلان الاتفاق وكشف مصير العسكريين اللبنانيين المخطوفين، انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعترض، وعلت الأصوات المستنكرة لهذا الاتفاق، وضجّت الساحة السياسية والاعلامية بأصوات تطالب باستمرار القتال وإفناء مقاتلي داعش في الجرود، وعدم السماح لهم بالافلات من العقاب، خاصة بعدما تبين أن التنظيم الارهابي كان قد أعدم عسكريي الجيش اللبناني ودفنهم في القلمون السورية.
وينقسم أصحاب الاعتراض فعليًا الى فئتين:
فئة أولى تريد تفويت أي فرصة على حزب الله لاعلان انتصار ما،  وتسعى دائمًا لتجيير أي عمل يقوم به لصالح ايران والنظام السوري، وهذه الفئة تطالب الجيش اللبناني اليوم باستكمال المعركة والانتقام لأرواح شهدائه العسكريين، علمًا أن هؤلاء هم أنفسهم الذين طالبوا بمحاكمة الجيش واتهموه بارتكاب الجرائم، عندما حاول التمهيد للقضاء على الارهابيين بحملة استباقية في مخيمات عرسال التي كانت تأوي ارهابيي جبهة النصرة وغيرهم من الارهابيين، كما دلّت المعارك الأخيرة.
فئة ثانية من المواطنين اللبنانين والسوريين الغيورين الذين هالهم أن يخرج الارهابيون بهذه الطريقة بدون عقاب، واعتبروا أن خروج هؤلاء من الجرود الى مناطق سيطرة داعش في دير الزور، إنما يبدو كمكافأة للارهابيين على احتلالهم وقتلهم المدنيين والعسكريين، إضافة الى ان إفلاتهم من العقاب يعتبر بمثابة خيانة لدماء الشهداء.
بالنسبة للفئة الأولى التي لها حساباتها السياسية التي تريد تصفيتها مع المقاومة، فكل كلام منطقي لا يبدو أنها ينفع معها، إذ ينطبق عليهم المثل "عنزة ولو طارت".
أما بالنسبة للفئة الثانية، فالمنطق والعلم يقولان ما يلي:
أولاً: يقول العلم أن الحرب ليست هدف بحد ذاتها إنما هي وسيلة لتحقيق أهداف سياسية. لذا، عندما خرج الجيش اللبناني الى معركة "فجر الجرود"، كانت أهداف تلك الحرب، تطهير الأراضي اللبنانية من الارهابيين، وكشف مصير العسكريين اللبنانيين واسترجاعهم. أما الحرب التي خاضها حزب الله والجيش السوري في الجهة المقابلة من الحدود فكان هدفها طرد الارهابيين من الاراضي السورية المحاذية للبنان. وبهذا المعنى، إن أهداف الحرب التي خاضها الجيش اللبناني، والتي خاضها في الجهة المقابلة حزب الله والجيش السوري قد تحققت بالكامل، وهذا الأهم.
ثانيًا: في العلم أيضًا، أن صاحب القرار العقلاني يقوم بدراسة المعطيات ويعمد الى اتخاذ القرار الأقل كلفة والأكثر ربحًا - بناء على المعطيات المتوافرة لديه. ومن هنا، فإن المعركة في الجرود لم تكن نزهة، علمًا أن الجيش اللبناني كان قد قسّم عملية فجر الجرود الى مراحل، وكانت المرحلة الأخيرة أي مساحة 20 كلم متبقية، تعتبر الأصعب على الاطلاق إذ أن داعش مارست القتال التراجعي، وبما أن المساحة المتبقية هي الأخيرة المتبقية لديهم، فإن الكلفة البشرية للمعركة الأخيرة كانت ستكون كبيرة جدًا، لأن الداعشي يقاتل وهو يعلم أنه ميت، ولأن الطبيعة الجغرافية للجرود تسمح لهم بالتخفي والقنص والاختباء في المغاور ما يصعّب على المهاجم مهمته ويكبده خسائر كبيرة.
ثالثًا؛ بالنسبة للمقاومة والجيش السوري، إن رحيل الارهابيين من الحدود اللبنانية السورية لا يعني ان المعركة معهم انتهت، بل تأجلت الى ظروف ميدانية مختلفة، أي أن قتال هؤلاء والقضاء عليهم قد تأجل الى وقت لاحق والى ظروف ميدانية قد تكون أفضل.
رابعًا، بعكس ما يشيع البعض أن الرابح من خروج داعش هو النظام السوري، إن الرابح الأول من خروجهم هو لبنان الذي أنهى المعركة بأقل خسائر بشرية ممكنة، علمًا أن الدولة السورية استفادت أيضًا من التسوية ولكن بشكل محدود، فهي ربحت انهاء ملف الحدود اللبنانية السورية للتفرغ لملف الحدود مع الاردن ثم العراق وتركيا ، وأمّنت العاصمة دمشق، ولكنها لم تنهِ معركتها معهم بل أجلّتها الى وقت لاحق.

في المحصلة، انتصر لبنان بتحرير أرضه من الارهابيين.. وتبقى المشكلة أن جزءًا من اللبنانيين هم الذين سهّلوا وتواطؤوا لإدخال هؤلاء المسلحين، والمشكلة الأكبر، أن هؤلاء أنفسهم هم الذين يريدون الاستمرار في المعارك حتى إبادة المقاتلين ذاتهم الذين تحوّلوا من  صفة "الثوار" الى "داعش".

2017/08/16

ترامب لمعارضيه: أنا أو الحرب الأهلية!

د. ليلى نقولا
منذ استلامه السلطة، يعاني الرئيس دونالد ترامب من معارضة شديدة في الداخل، ومحاولة عزل وهجوم حاد من الاعلام والسياسيين في داخل أميركا وحتى في اوروبا.
ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث على الاقل، يعاني رئيس أميركي من اعتراضات بهذا الحجم، وتسيير مظاهرات في الشارع مباشرة بعيد انتخابه، كون النظام الأميركي لطالما أعطى شرعية للرئيس ومنحه صلاحيات واسعة، وأكسبه هالة تعينه على تنفيذ سياسة خارجية قوية، يفرضها في الخارج باعتبار الولايات المتحدة هي القوة الأعظم في العالم، وتحتاج دائمًا الى ابراز القوة والهيبة على حلفائها وأعدائها على حد سواء.
وفي الأشهر المنصرمة، صدرت العديد من الأصوات المطالبة بعزل الرئيس وتقديمه للمحاكمة أو استقالته.  وقد قام عضو الكونغرس الأميركي الديمقراطي آل غرين بالتعاون مع عضو الكونغرس الجمهوري بتقديم لائحة اتهام مطالبين بمحاكمة الرئيس "لعرقلته العدالة"، في معرض أقالته مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي. علمًا أن الدستور الأميركي، يجيز تقديم الرئيس للمحاكمة، في حال ارتكابه " سوء الممارسة أو اهمال واجباته كرئيس "، وقد ضيّق المشترع الأميركي تفسيره لهذه الجريمة، وحددها بـ "الخيانة العظمى، وتلقي الرشوة". وهذا يعني أن "عرقلة العدالة" كما يشار اليها هنا، لا تنطبق على "سوء الممارسة" لمحاكمة الرئيس أو تجريمه، كون الرئيس الأميركي يتمتع بصلاحيات واسعة منها حقه في إقالة من يشاء وتعيين من يشاء بدون مبررات.
وبالرغم من كل هذا، اشتدت الضغوط على الرئيس ترامب وفريق إدارته وتوالت الفضائح حول علاقة مقربين منه بالروس، ووصلت التحقيقات الى داخل بيته. وكما هو معروف في الممارسة السياسية الدولية، فإن إحراج الرؤساء في الداخل عادة ما يدفعهم الى التوجه الى الخارج للحرب أو التهديد بالحرب أو استخدام الذرائع حول "وجود عدو" لإسكات الأصوات في الداخل كون "العدو يتربص بنا"، و"نحن في معركة مصير ووجود" أو "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".... وهي كلها من السلوكيات المعروفة لدى قادة الدول.
ولم يشذ ترامب عن هذه القاعدة، فعندما اشتد الضغط عليه في المرحلة السابقة، قام بتهديد الرئيس السوري بشار الأسد، فافتعلت المجموعات المسلحة في سوريا "حادثة خان شيخون الكيمياوية"، التي أعطت الذريعة لترامب، لقصف مطار الشعيرات، وهو ما أدى الى خروج كثيرين ممن كانوا يعارضونه للترحيب والتصفيق لتلك الضربة، باعتبار ترامب "بات اليوم رئيسًا للولايات المتحدة" كما عبّر دايفد اغناتيوس.
لكن سرعان ما خفت وهج تلك الضربة وبات مطلوبًا من ترامب تقديم المزيد من العسكرة والتدخل المباشر في سوريا، وهو أمرّ حذر منه البنتاغون، إذ أتت الرسائل الروسية واضحة ومنبّهة من مغبة التمادي في الاستفزاز في سوريا.
وعندما ازداد سيل الفضائح واشتدت الحملات السياسية وبدأت التحقيقات تتوالى وتصل الى أقرب الدوائر المحيطة بترامب، برزت أزمة كوريا الشمالية، وقام ترامب بالتصعيد ملوحًا بحرب نووية، سرعان ما تبين أنها ستكون صعبة وسيكون بمقدور كوريا الردّ على التهديد الأميركي بتهديد مماثل.
وفي خضّم هذا الجو المحموم دوليًا، وخروج الأصوات المحذّرة من خطورة أي حرب نووية على مصير العالم برمته، تبين أن الخيار بالهروب الى الامام من خلال حرب في الخارج قد لا يكون بمتناول ترامب، برزت حوادث شارلوتزفيل Charlottesville  في فيرجينيا بين القوميين البيض ومعارضيهم، والتي شهدت انتشار ميليشيات مسلحة تروّع المواطنين، وأدّت الى اعلان حالة الطوارئ، لتعطي انذارًا واضحًا بما قد تؤول اليه الأمور في حال عزل ترامب أو اغتياله أو دفعه الى الاستقالة.
الحرب الاهلية في الولايات المتحدة، قد لا تكون ضربًا من الخيال أو التنبؤات، ولكن كل شيء يشي بأن هناك نارًا تحت الرماد في المجتمع الأميركي، وأن القوميين البيض الذي استطاعوا ايصال مرشح يتكلم لغتهم الى البيت الأبيض ويخاطب وجدانهم وعنصريتهم، لن يسمحوا بإخراجه بالقوة أو محاكمته... ويبدو أن ترامب الذي عرف جيدًا كيف يستغل غضب هؤلاء وعنصريتهم للنجاح في الانتخابات، ما زال قادرًا على استخدامهم لتهديد خصومه في الداخل، بمعادلة: أنا أو الحرب الأهلية.

2017/07/13

تحرير الموصل...هل انتهت وظيفة التوحش؟


د. ليلى نقولا
يؤشر انتصار العراقيين على "داعش" وتحرير الموصل إلى بداية نهاية التنظيم الإرهابي في نسخته المشرقية، والتي ستكون حافزاً للسوريين للانتهاء من ظاهرة "داعش" في سوريا، علماً أن السباق لوراثة الأراضي التي يحتلّها "داعش" اليوم في سوريا وملء الفراغ الذي سيخلّفه انتهاء "داعش" يشكّل المعركة الجدّية للمحاور المتصارعة.
بعد نهاية "داعش" في المشرق، ما هو مصير هذا التنظيم الإرهابي؟ وهل سيتمّ استخدامه في مناطق أخرى كما تمّ استخدامه في العراق وسوريا؟
بداية، يجب الإشارة إلى أنه من الواضح أن "داعش" وسواه من المجموعات الإرهابية، مازالت وسيلة ممتازة للاستخدام في تقويض استقرار الدول، بهدف اخضاعها وتفتيتها، أو بهدف إغراق الجيوش والمجتمعات في معارك لا طائل لها تستنزف كل طاقتها البشرية والمادية والنفسية، لذا لن تكون نهاية "داعش" هي نهاية الإرهاب العالمي، بل إن انتهاء وظيفة "داعش" في ساحة من الساحات ستؤدي إلى إعادة تصدير الإرهابيين إلى أماكن أخرى لوظائف ومهام أخرى.
ويمكن القول إن نشاط التنظيم الإرهابي قد يتحوّل إلى شمال أفريقيا، لدعم "بوكو حرام"، خصوصاً المنطقة الحدودية بين الكاميرون وتشاد ونيجيريا، وآسيا الوسطى، لاسيما في أفغانستان، حيث ينشط التنظيم منذ 2014 باسم ولاية خراسان، وجنوب الفليبين، حيث تعمل جماعة "أبو سيّاف".
وفي كل من المناطق المذكورة أعلاه، يمكن أن تستفيد الدول الكبرى من وجود "داعش" ومحاربته، لكننا سنركّز في ما يلي على أهمية ووظيفة تحوّل "داعش" إلى أفغانستان:
يعمد "داعش" - أفغانستان، أو ما يسمى "ولاية خراسان"، منذ فترة إلى شنّ هجمات إرهابية متكررة على العديد من المناطق، خصوصاً على المراكز الدينية الشيعية، بالإضافة إلى تصعيد خطابه ضد الحكومة، ومحاولة توسيع نفوذه على حساب "طالبان"، واتهامها بالكفر.
ولعل وجود "داعش" وتمدّده في ما يسمى ولاية خراسان، يحقق أهدافًا عدّة، منها:
أولاً: محاولة تقويض الاستقرار والأمن في إيران، وذلك عبر تغلغل "داعش" في مناطق البلوش (بلوشستان)، والتي تتوزع اليوم بين ثلاث دول: باكستان وأفغانستان وإيران. وتشير التقارير المختلفة إلى أنه ومنذ مطلع القرن العشرين والحركات القومية البلوشية تحاول أن تؤسس دولة مستقلة لها في بلوشستان، واتخذ الصراع طابعاً مذهبياً بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران عام 1979، ويتغلغل "داعش" وبعض المجموعات الإرهابية في تلك المناطق، مستغلين الحاجة والفقر والدِّين لتجنيد المقاتلين، خصوصاً ضد إيران.
ولعل ما يزيد أهمية الأمر، اكتشاف حقول نفطية تحتوي على مخزون هائل من الغاز الطبيعي في منطقة بلوشستان، ووقوعها على طول المسار المقترح لخط "أنابيب السلام"، والمصمَّم لنقل الغاز الطبيعي من إيران إلى الهند عبر باكستان، وهو ما يغري "داعش" للسيطرة عليها كما سيطر على حقول النفط في سوريا والعراق وليبيا في وقت سابق.
ثانياً: يمكن لولاية خراسان (داعش أفغانستان) أن تُستخدم كما تمّ استخدامها في العراق؛ لزيادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وبالتالي إعادة نشر قوات أميركية في ذلك البلد، لما لتلك المنطقة من أهمية حيوية في الصراع الجيوسياسي؛ الأميركي - الروسي والأميركي - الصيني.
ثالثاً: يمكن لتمدد "داعش" (خراسان) في دول آسيا الوسطى، والتي تعاني من مشاكل عديدة منذ التسعينات بعد بروز حركات "الإسلام السياسي" الراديكالي، خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وإعلان الاستقلال، أن يؤثر سلباً على طريق الحرير الجديد، الذي تقوم الصين بإنشائه لتطوير التجارة بين الصين وأوروبا، مستخدمة التنمية كأداة لفرض هيمنة جيوسياسية اقتصادية في تلك المنطقة.
ثالثاً: تؤمّن ولاية خراسان عمقاً استراتيجياً للايغور المسلمين الصينيين، الذين يقطنون مقاطعة صينية تتمتع بنظام إداري خاص، تقع في أقصى شمال غرب البلاد، وتمرّ فيها طريق الحرير الجديد، علماً أن التقارير أشارت في وقت سابق إلى أن 5000 من الايغور الصينيين قد التحقوا بـ"داعش" في سورية في السنوات السابقة.
رابعاً: من شأن ازدياد نفوذ "داعش" في آسيا الوسطى أن يهدد الأمن القومي الروسي، وذلك لأن أمن روسيا مرتبط إلى حدّ بعيد بأمن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ولأن إغراء التطرُّف الديني قد يمتد كالنار في جميع جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.
إذاً، انتهت وظيفة "داعش" في العراق، وعاجلاً ستنتهي وظيفته في سوريا، وسيتحوّل إلى مناطق أخرى يزرع فيها الرعب ويمارس التوحش ويقوّض استقرار الدول، خصوصاً في المناطق الاستراتيجية والنفطية.

2017/06/29

ماذا يريد ترامب من بيان الكيماوي السوري؟


د. ليلى نقولا

تباينت المواقف في واشنطن حول التحذير الذي أطلقه البيت الأبيض من أن النظام السوري يستعد لشنّ هجمات كيميائية محتملة، محذرًا الرئيس الأسد من أن هذا الفعل سوف يكلفه غاليًا.
ولقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز أن الاستخبارات الأميركية ووزارتا الدفاع والخارجية، تشكك في صدقية بيان البيت الأبيض بشأن ما سمّاه احتمال استخدام السلاح الكيميائي في سوريا، بل على العكس من ذلك، تبيّن أن الجهات المكلفة بعمليات جمع المعلومات الاستخبارية في سوريا وحتى بالتحضير للردّ العسكري، ليست على علم بما أثاره البيت الأبيض!.

وبعد تراجع البيت الأبيض عن التهديد، وإعلان الأميركيين أن الرئيس السوري قد فهم الرسالة الأميركية جيدًا وتراجع عن استخدام الكيميائي، تطرح على بساط البحث، أسئلة حول الأهداف الحقيقية للرسالة الأميركية والتهديد بتدخل عسكري.

وقد تكون من جملة الأهداف، ما يلي:
- الردّ على انتصارات الجيش السوري وحلفائه في الميدان، إذ تذكر التقارير الواردة من الميدان السوري تقدم القوات السورية على جميع الأصعدة ووصوله الى الحدود العراقية السورية، وسعيه الحثيث للوصول وتثبيت تمركزه على الحدود الأردنية ومع فلسطين المحتلة كما تقدمه باتجاه تحرير دير الزور.

وتمامًا كما في حادثة كيماوي خان شيخون وما تلاها من قصف لمطار الشعيرات، كان الجيش السوري متقدمًا ميدانيًا، ما يعني عدم حاجته لاستعمال أي سلاح كيميائي وهو القادر على تكبيد المسلحين خسائر كبيرة بالقصف العادي لذا لا حاجة لاستعمال سلاح قد يستخدم كذريعة للغرب للرد العسكري ضده.

- حاجة ترامب لإظهار القوة أمام حلفائه الغربيين، خاصة قبل ذهابه الى باريس في حال قرر تلبية دعوة الرئيس الفرنسي. ولم يتأخر الفرنسيون والبريطانيون، فقد سارعوا الى التعبير عن استعدادهم للتدخل العسكري، ولعل الرئيس الفرنسي الشاب الذي يحتاج كما ترامب لإظهار قوته كان الأسرع فلقد زايد على ترامب معلنًا استعداده لقصف من جانب آحادي فرنسي في حال استخدام السلاح الكيميائي.

- حاجة ترامب لعمل ما يخفف عنه الضغوطات الداخلية خاصة في ظل التحقيقات المستمرة بعرقلته للعدالة، والتحقيقات حول تورط من حوله ومنهم صهره، بالتخابر مع الروس. لم ينسَ ترامب كيف حصد تشجيعًا وتصفيقًا من قبل معارضيه حين قام بقصف مطار الشعيرات في سوريا، فقد يكون بحاجة لعمل شيء ما، يخفف عنه وطأة الضغوط الداخلية التي تكبله وتقلقه بشكل أكيد.

لكن، لم تطابق حسابات البيدر مع حسابات حقل ترامب، فالرسائل الروسية والايرانية والسورية أتت واضحة غير ملتبسة، بأن حلفاء سوريا لن يسكتوا عن أي عدوان يقوم به ترامب أو مغامرة يريد أن يفكّ فيها أزمته الداخلية.

فالايرانيون حذروا من اللعب بالنار، ولكن الردّ الروسي أتى بشكل أكثر وضوحًا وقوة وذلك على مستويات متعددة، من وزارة الخارجية الى الكرملين، وحتى من قبل رئيس الأركان الروسي الذي اصطحب الرئيس السوري بشار الأسد معه في طائرة عسكرية، لزيارة قاعدة حميميم الخ.. وفي ذلك رسالة واضحة وجليّة حول طبيعة الردّ الروسي على أي عدوان أميركي على سوريا، واستعداد الروس للقتال للحفاظ على مصالحهم في سوريا، وحتى للدفاع عن الرئيس السوري بشار الأسد.

ثانيًا، كان التسريب الذي قامت به نيويورك تايمز واضحًا لجهة عدم قبول الجنرالات الأميركيين بأي مغامرة متهورة غير محسوبة النتائج في الميدان السوري، وخاصة أنهم سارعوا الى إفراغ بيان البيت الأبيض من الصدقية وشككوا فيه، ما يعني نزع الشرعية الداخلية عن أي عمل عسكري يريد ترامب القيام به في سوريا.

ثالثًا، في التاريخ الحديث ما زالت ذاكرة الدول والشعوب حافلة بالأكاذيب التي أطلقها جورج بوش الأبن ووزير خارجيته حول امتلاك العراق لإسلحة الدمار الشامل وشنّ حرب مدمرة ما زالت المنطقة تنوء تحت ثقل نتائجها لغاية الآن. لذا، فإن التذكير الروسي بذلك وإعلان وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون استعداد بلاده للمشاركة العسكرية "بشرط أن يكون التدخل مبررًا وقانونيًا"، يشير الى أن زمن تخطي القانون الدولي والعدوان على الدول السيدة، بذرائع وأكاذيب مفبركة صار من الماضي. 

2017/06/22

ما هو مصير داعش بعد انتهاء مهمته في المشرق؟


د. ليلى نقولا
أعلنت العديد من التقارير الاعلامية أن داعش قد فجّر الجامع النوري الكبير، أحد أبرز مساجد العراق التاريخية، ومئذنته "الحدباء" التي تعتبر من أهم الآثار التاريخية والتي يطلق على الموصل اسم الحدباء تيمنًا بها.
مسجد "النوري الكبير"، بناه مؤسس الدولة الزنكية، الأمير نور الدين محمود زنكي عام 1173، بمدينة الموصل، وهو المكان الذي ألقى فيه أمير داعش أبو بكر البغدادي  خطبته الشهيرة والتي أعلن فيها الخلافة، حيث كان لاختيار ذلك الجامع بالتحديد رمزية تاريخية، باعتبار أن المساحة التي كان داعش ينوي السيطرة عليها واعلان خلافته فيها هي نفسها المساحة التي سيطر عليها نور الدين زنكي قبل حوالى تسع قرون.

ويأتي تفجير الجامع النوري، مؤشرًا مبكرًا لانتهاء داعش في بلاد الشام، فالتنظيم الارهابي بات يتقهقر في كل من سوريا والعراق بعد أن أدّى العديد من المهام، فنشر الفوضى والقتل والرعب في كل أرجاء المنطقة بتنفيذه عمليات انتحارية في كل من دول المشرق، كما زاد الشرخ بين المذاهب الاسلامية السنية والشيعية، وقضى على وحدة المجتمعات بقيامه بالفظائع ضد الاقليات الدينية في المنطقة وسبي النساء وتعذيبهن وبيعهن في سوق الرقيق.
هذا على الصعيد الاجتماعي والسياسي، أما على الصعيدين العسكري والاستراتيجي، فقد قام داعش لفترة ليست بقصيرة بإلغاء الحدود التاريخية بين سوريا والعراق، واستنزف الجيشين العراقي والسوري، لكنه بالمقابل أدّى الى ظهور الحشد الشعبي العراقي المدعوم ايرانيًا، كما أدّى الى عودة الأميركيين عسكريًا الى العراق وتشكيل تحالف عسكري دولي لمحاربة التنظيم، والأهم أنه سمح للأميركيين بالتواجد عسكريًا في سوريا، لأول مرة في تاريخهم، وتأسيس قواعد عسكرية ضمن هذه الدولة تحت ستار مكافحة الارهاب الداعشي.

واليوم، يتقهقر داعش أمام الضربات التي يتعرض لها في كل من سوريا والعراق، وتتقلص المساحة التي يسيطر عليها، ويبدو أن مهمته المشرقية قد انتهت وما هي إلا شهور قليلة حتى يُعلن انتهاء التنظيم في بادية الشام، بعد أن يكون كل طرف قد استفاد من رقعة جغرافية "حررها من قبضة داعش"، فيحصل الأكراد على جزء من الجغرافية السورية يأملون تأسيس دويلتهم عليها، ويسيطر الأميركيون على جزء آخر على الحدود المشتركة بين العراق وسوريا والاردن، ويقيمون قواعد عسكرية فيها وفي مناطق الأكراد، ويسيطر الأتراك على جزء جغرافي في الشمال السوري، ويبقى الجيش السوري مشغولاً بمحاولة تحرير ما تبقى من الجغرافيا السورية التي خرجت بفعل الحرب عن السيادة السورية.

فما هو مصير داعش بعد انتهاء مهمته في المشرق العربي؟

على ما يبدو هناك 3 طرق سيسلكها عناصر داعش المهزومين في المنطقة:

- الطريق الاول: بقاء بعض عناصر التنظيم من أبناء العراق وسوريا في المنطقة، وذلك من خلال خلع بدلة داعش والالتحاق ببعض المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام السوري وذلك لإشغال الجيش السوري وحلفاءه لأطول مدة ممكنة.

- الطريق الثاني: شمال أفريقيا
رغم فقدان داعش لمراكزه الثابتة في ليبيا، لكن التنظيم يتمتع بحضور وانتشار في الداخل الليبي، ويبدو أن مهمة داعش في ليبيا لم تنتهِ وما زال التنظيم الارهابي مصرًا على التواجد في ليبيا، واعتمادها مقرًا للانطلاق الى الدول المجاورة، للتغلغل في أفريقيا ولتهديد كل من تونس ومصر والجزائر ومالي ونيجيريا وغيرها.

- الطريق الثالث: أفغانستان
بالرغم من محدودية الجغرافيا التي يسيطر عليها داعش في أفغانستان، إلا أن بروزه بشكل مفاجئ وسيطرته على مناطق استراتيجية هامة، ومنها تورا بورا المقر التاريخي لزعيم القاعدة أسامة بن لادن  والذي خسرها فيما بعد، كما قتاله ضد طالبان، والأخطر صدور تقارير وتصريحات روسية رسمية(لافروف) تشير الى أن طيرانًا "مجهولاً" يلقي الاسلحة والمساعدات لداعش في أفغانستان غازمًا من قناة البنتاغون وحلف شمالي الاطلسي اللذان نفيا الأمر.... كل ذلك يشير الى أن ظهور داعش المفاجئ وسيطرته المستغربة على مساحات واسعة من العراق وسوريا وليبيا قد تتجدد في أفغانستان.

ولعل من المهم الإشارة الى أن بروز داعش في أفغانستان وسيطرته على مناطق حيوية، سيؤدي الى مزيد من الاضطرابات في آسيا الوسطى ودولها، ما قد يدفع الأميركيين الى الاسراع في إرسال آلاف الجنود الى هناك لمحاربة داعش.

وقد يكون من المجدي التذكير بأن أمن آسيا الوسطى مرتبط الى حد بعيد بالأمن القومي الروسي والأمن القومي الصيني، كما بطريق الحرير الجديد الذي تقوم من خلاله الصين بتجارة بريّة سريعة مع اوروبا، تهدف من خلالها الى تفعيل طريق الحرير القديم، وهو يتضمن حاليًا 7 خطوط تنقل البضائع بريًا بين اوروبا والصين بمعدل 18 يومًا للرحلة.

وفي كلا الحالتين الأخيرتين، سيشكّل داعش قلقًا للصين سواء في افريقيا حيث تتغلغل شركاتها وتنافس بقوة، أو في آسيا الوسطى وفي الدول المجاورة للصين والتي ستؤثر بشكل كبير على استقرار الصين الداخلي خاصة في ظل انضمام الآلاف من الايغور الصينيين الى داعش في وقت سابق.