2018/11/29

المواجهة الاوكرانية الروسية: هل تكون مقدمة لحرب عالمية؟


شكّلت المواجهة الروسية الأوكرانية في بحر آزوف، قلقًا بالنسبة للعالم أجمع، إذ تأتي هذه الأحداث والأزمات في وقت يشهد فيه العالم توترًا غير مسبوق على أكثر من صعيد.
ولعل الهاجس الذي يقلق الجميع، هو السؤال المحوري: هل تنشب الحرب بين روسيا وأوكرانيا وبالتالي تمتد الى إنحاء أخرى من العالم، وهل ينخرط فيها الأميركيون وحلف الناتو، ويضطر معها العالم الى تكرار تجارب الحروب العالمية الكبرى؟
بشكل عام، إن دراسي العلاقات الدولية وتاريخ الحروب خاصة العالمية منها، يجدون أن كثيرًا من التطورات التي نعيشها اليوم، تشبه الى حدٍ بعيد المقدمات التي تؤسس لحروب كبرى، وذلك على الشكل التالي:
أولاً: من مقدمات الحروب عادةً، هو ظهور مجموعة قوى جديدة تريد تغيير أسس النظام العالمي، فتستفيد من ضعف الامبراطوريات أو القوى العظمى لتحل محلها أو تسعى لملء الفراغ الاستراتيجي الذي تتركه. وهو ما نشهده في صعود مجموعة من الدول الكبرى والإقليمية ومحاولتها تحدّي القوة المهيمنة (الولايات المتحدة الأميركية) في أكثر من مكان في العالم.
ثانيًا: غالبًا ما تأتي الحروب الكبرى نتيجة تنافس عالمي محموم بين الدول الكبرى إما على استعمار الدول الأخرى أو على فتح الأسواق لتصريف الإنتاج وغيرها.. وإن كان التاريخ الحاضر لم يعد ملائمًا للإستعمار المباشر لكن سباق النفوذ العالمي الذي تجلّى على أشدّه منذ عام 2011 وما تلاه، يشي بما يشبه الهستيريا العالمية للتوسع.
ثالثًا: تشبه النزعات القومية التي سادت قبيل الحربين العالميتين الى حدٍ بعيد، طفرة الشعور القومي المتنامي في العالم، وخاصة في العالم الغربي، أي في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. إن ارتفاع أسهم اليمين بشكل كبير في كل إيطاليا وإلمانيا والمجر والنمسا والسويد وغيرها، والمظاهرات التي رفعت شعارات النازيين في أكثر من مكان - منها أوكرانيا أيضًا- تؤكد أن الشعوب الأوروبية تبدو مستعدة لتكرار تجاربها التاريخية.
واقعيًا، إن صعود اليمين في أوروبا، ووصول ترامب الى البيت الأبيض، يؤكد أن ما سمي يومًا "نادي الرجل الأبيض" ما زال متجذرًا وبقوة في هذه المجتمعات.
رابعًا: لقد حصلت الحربين العالميتين بعد أزمات إقتصادية كبرى، واليوم ما زال العالم يعيش نتائج الأزمة الأقتصادية العالمية 2008، بدليل أن نتائجها على المجتمع الأميركي قد تكون أحد أسباب وصول ترامب الى الحكم، وهي التي تدفعه اليوم الى تهديد أوروبا ومطالبتها بالأموال..
لكن، بالرغم من تشابه المقدمات هذه، لا يمكننا القول ان العالم يتجه الى حرب كبرى. وحتى لو اتجهت الأمور بين أوكرانيا وروسيا الى تصعيد أكبر فلن تتحول الى حرب عالمية، لأسباب عدّة أهمها:
- لا يبدو الاتحاد الاوروبي معنيًا بإذكاء الحروب في نطاق جغرافي ملاصق لحيّزه الجغرافي، فها هي الحروب التي ساهم الإتحاد في تزكيتها في الشرق الاوسط لم تنتهِ، وما زالت تداعياتها (الهجرة والارهاب وصعود اليمين) تتفاقم لدرجة قد تهدد مستقبل الاتحاد الاوروبي برمته.
- لا يبدو حلف الناتو معنيًا بحرب كبرى مع الروس، ولنا في تجربة التصعيد التركي مع الروس بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية مثال وعبرة.
- ترامب غير معني لا من قريب ولا من بعيد بالحروب العسكرية، فكيف إذا كانت هذه الحرب مع صديقه "فلاديمير بوتين"؟. يعتمد ترامب في سياسته الخارجية على التهديد اللفظي، والأساليب الاقتصادية وحروب التجارة وهو ما يفهم به بحكم خبرته وحياته، لذا لن يفرّط بعلاقته مع بوتين من أجل أوكرانيا.
- من الناحية القانونية، إن قيام الروس بتفتيش السفن التي تمر عبر مضيق كيرتش ( وهو السبب الذي أدرجه الأوكرانيون لمحاولة زيادة قواتهم الحربية في بحر آزوف وهو ما أدّى الى التصعيد الأخير)، هو تطبيق للإتفاقية الموقعة بين البلدين عام 2003، والتي أنهت الخلاف القديم حول بحر آزوف، ووتمّ بموجبها الاقرار بأن بحر آزوف هو بحر داخلي بالنسبة لكل من اوكرانيا وروسيا معًا.
- من الناحية السياسية، لا يبدو الاوكرانيون مجمعون على الأسلوب الأنسب للتعامل مع الأزمة، فالرئيس الاوكراني يصعّد ضد الروس لجذب الناخبين تمهيدًا للانتخابات القادمة في الربيع القادم بعد أن تدنت شعبيته الى حدّ كبير. ويجزم معظم الخبراء الدوليون أن خروج اوكرانيا من الاتفاقيات مع روسيا، وخاصة إتفاقية آزوف سوف يكون مضرًا للاوكرانيين أكثر مما هو مضرّ للروس، هذا ناهيك عن اختلال موازين القوى العسكرية بين الطرفين (خاصة البحرية منها) لصالح الروس.

2018/11/22

مكافحة الارهاب: هل يخلي الأميركيون الساحة الأفريقية؟


في خطوة لافتة ومستغربة، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية  نيّتها خفض عديد قوات مكافحة الإرهاب في أفريقيا بنسبة 10% بهدف تحسين بنية الجيش الأميركي لمواجهة التهديدات الجديدة التي تمثلها دول مثل الصين وروسيا، وذلك تطبيقًا لسلم الأولويات التي وضعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في استراتيجية الأمن القومي، حيث احتل الخطر الارهابي المرتبة الثانية لأول مرة منذ عام 2001، بينما اعتبر "التنافس مع القوى الصاعدة، كالصين وروسيا"، من أبرز التهديدات الأكبر التي تتعرض لها الولايات المتحدة.
وبغض النظر عن الاعلان عن سحب المئات من الجنود الأميركيين، يبقى لأفريقيا مكانة هامة في التخطيط الاستراتيجي الأميركي، وقد عكس وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الأسبق هذه الأهمية حين اعتبر “إن أمن بلادنا وازدهارها الاقتصادي مرتبطان بأفريقيا كما لم يحدث من قبل.” وأشار إلى أن ستة من أسرع عشرة اقتصادات نموًا في العالم هذا العام ستكون أفريقية، وأضاف “لكي يفهم المرء الاتجاه الذي يسير إليه العالم، يجب أن يفهم أن أفريقيا هي المستقبل”.
لماذا يقلّص الأميركيون، إذًا، عديد قوات مكافحة الارهاب الأفريقية؟
عام 2007،  أنشأت الولايات المتحدة قوة "أفريكوم" AFRICOM، وهي وحدة مكونة من قوات مقاتلة موحدة تحت إدارة وزارة الدفاع الأميركية وهي مسؤولة عن العمليات العسكرية الأميركية، وعن العلاقات العسكرية مع 53 دولة أفريقية في أفريقيا عدا مصر، التي تقع في نطاق القيادة المركزية الأميركية.
ولقد توسعت مهمة تلك الوحدة رويدًا رويدًا، لتشمل مهمات غير قتالية؛ كالمساعدة على بناء الدولة والمجتمع والتنمية الشاملة. ولقد برر الجيش الأميركي هذا التوسع المستمر في نطاق مهام أفريكوم، بأن بيئة المنطقة الرمادية بين المهام القتالية وبناء الدولة تبدو معقدة، وأن التهديدات الأمنية تنبع بشكل أساسي من البطالة وعدم التنمية والحرمان بالإضافة الى أن مشاكل الفساد وتصرفات قوات الأمن الحكومية المسيئة تجعل المواطنين الأفارقة "أهدافًا رئيسية للاستغلال من قبل المجرمين ومنظمات الإرهابيين في جميع أنحاء القارة" .
        وكان الرئيس باراك أوباما قد أعلن عام 2012 عن استراتيجية جديدة في إفريقيا تقوم على مفهوم الأمن الوقائي وذلك من خلال تنفيذ خطوات إستباقية في مجالات إنسانية واقتصادية واجتماعية عدّة جنبًا إلى جنب مع الخطوات العسكرية والأمنية بهدف تجفيف منابع الارهاب من جذورها.
وبدت أفريقيا أقل أهمية في الاستراتيجية الأميركية في إدارة ترامب، عندما وصف الرئيس ترامب البلدان الأفريقية بـ”الحثالة”، إلا أنه عاد ووجه رسالة الى رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي أثناء تجمعهم في أديس أبابا، وأرسل زوجته ميلانيا للقيام بجولة في بعض الدول الأفريقية.
وعليه، يدرك الأميركيون أن مكافحة الارهاب في أفريقيا هي جزء من الصراع الدائر بين القوى الكبرى على خيرات هذه القارة والسيطرة على مواردها وأسواقها، لذا لا يمكن أن يكون الاعلان عن تقليص عدد الجنود هو بداية إنسحاب أميركي أو اتجاه لترك فراغ في أفريقيا سيهرع كل من الصينيين والروس لملئه بسهولة. لكن - باعتقادي - قد يقلّص الأميركيون العنصر العسكري ليحل محله العنصر المدني المتخصص، وذلك لعدم زيادة موازنة مكافحة الارهاب من جهة، وللعمل بفعالية أكبر خاصة بعد دخول الروس الى الساحة الأفريقية، بعدما كان التنافس أميركيًا صينيًا لفترة طويلة.
لطالما أعلن الأميركيون أن مكافحة الارهاب في أفريقيا تحديدًا لا تتطلب عملاً عسكريًا بالدرجة الاولى، إذ تشير الدراسات الى أن البطالة وليس الدين هو ما يجذب الشباب للانخراط في بوكو حرام وممارسة الارهاب (على سبيل المثال)، بالاضافة الى استفادة الارهابيين من ضعف الدولة المركزية وغياب التنمية والفقر والجوع وتعسف السلطة لاستغلال الشباب وتجنيده، خاصة في البيئات التي يستطيع فيها الارهابيون أن يقدموا المساعدات الاجتماعية. ولطالما شكا الأميركيون من أن الجيش الاميركي - وضمن نطاق عملياته في أفريقيا- يقوم بمهمات ليست من مهام الجنود أصلاً.
إذًا، إن انسحاب بعض الجنود الأميركيين من أفريكوم، قد يكون هدفه إعادة تموضع، وسحب لبعض العناصر العسكرية تمهيدًا لاستبدالها بقوى ذات طابع غير عسكري، ومن ضمن التنافس مع الصين وروسيا في أفريقيا أيضًا وليس خارجها.

2018/11/07

ما هي فعالية العقوبات الأميركية على إيران؟

ليلى نقولا- الميادين
بدأت الإثنين في 4 تشرين الثاني الحالي، حزمة العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، والتي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما أعلن انسحابه من الاتفاق النووي المُبرَم مع إيران والذي توصّلت إليه مجموعة الدول الست، والذي تحوَّل إلى قرارٍ دولي صادِرٍ عن مجلس الأمن (القرار رقم 2231).

وبالرغم من الترحيب الصادِر عن الإسرائيليين وبعض الإعلام الخليجي بإعادة فَرْض العقوبات على إيران، إلا أن هذه العقوبات يبدو أنها لن تكون على قدر آمال هؤلاء أو آمال الرئيس ترامب بحيث "تحدُّ هذه الإجراءات من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، أو توقِف برنامجها الصاروخي أو تدفعها إلى تغيير سلوكها.."، بحسب تعبير ترامب وأفراد من إدارته.

ويمكن القول إن الاقتصاد الإيراني سيُعاني بسبب عدم قدرة الشركات العالمية على الاستثمار في الداخل الإيراني، خوفاً من التعرّض لعقوباتٍ أميركيةٍ، وسيكون الإيرانيون أمام صعوبات إقتصادية تُضاف إلى الصعوبات السابقة التي يعانونها، والتي تظاهروا من أجلها في السابق. لكن في تقييم مبدأ العقوبات على قطاع النفط بالتحديد، يبدو أنها - وبالرغم من أنها ستكون مؤلِمة وستؤثِّر سلباً على الإقتصاد الإيراني- إلا أنها تبدو لغاية الآن عاجِزة عن تحقيق أيٍّ من أهدافها، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: من المعروف أن الايرانيين يعانون من عزلةٍ وعقوباتٍ إقتصاديةٍ منذ زمنٍ طويلٍ، ولقد اعتادوا على التقشّفِ في الميزانية. ويُصرِّح العديد من الخُبراء والمسؤولين الإيرانيين أن العقوبات السابقة على إيران دفعتها إلى الاعتماد على الذات وتطوير صناعات محلية، ما كانت لتطوّرها لو كان باستطاعتها استيرادها بسهولة من الخارج.

ثانياً: إن إعادة فَرْض العقوبات على إيران والخروج من الإتفاق النووي، أظهر الولايات المتحدة الأميركية كشريكٍ لا يمكن الوثوق به، وهذا ما يُقوّي موقف المُحافظين في الداخل ويدفع بعض الفئات في الداخل الإيراني - خاصة الشبابية - التي عوَّلت على الانفتاح على الغرب وطالبت به، إلى الإحباط والإيمان بعدم الاتّكال على القوى الغربية للمُساعدة، وبالتالي إن المُراهنة على تغيير في سلوك النظام لا تبدو في محلها.

ثالثاً: إن الإعفاءات التي منحتها إدارة ترامب لثماني دولة "حليفة" للاستمرار بشراء النفط الإيراني لفترةٍ محدودةٍ، تقوّض نظام العقوبات قبل أن يبدأ. بحسب التقارير العالمية، إن أهم الدول التي تستورد النفط الإيراني هي: الصين (بالدرجة الأولى) تليها الهند، كوريا الجنوبية، تركيا، إيطاليا، اليابان، الإمارات، إسبانيا، فرنسا واليونان الخ...

وفي نظرةٍ على هذه الدول، وبحسب ما أُعلِن من نظام الإعفاءات، وبعد إعلان الاتحاد الأوروبي وكل من بريطانيا وإلمانيا وفرنسا، عن آليّةٍ خاصةٍ للاستمرار في شراء النفط الإيراني... يبدو أن النفط الإيراني سيستمر بالتدفّق وقد يعود الإنتاج اليومي إلى سابق عهده، بعد أن تنتهي زوبعة الحرب النفسية التي يقوم بها ترامب على أبواب الانتخابات النُصفيّة.

رابعاً: إن اليمينية الشعبوية التي يحاول ترامب نَشْرها في كلٍ من أميركا اللاتينية والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى المُعاملة السيِّئة والضغوطات والكلام القاسي الذي وجّهه في وقتٍ سابقٍ إلى حلفائه الأوروبيين، يدفع هؤلاء إلى مزيدٍ من التحدّي للإدارة الأميركية الحالية، وبالتالي ستستفيد إيران من هذا التبايُن بين الطرفين للظهور بمظهر المُحافِظ على العلاقات الدولية والالتزام بالقانون الدولي، في حين يقوِّض ترامب أُسُس القانون الدولي وخاصة إتفاقية فيينا لقانون المُعاهدات (1969)، والتي دخلت حيِّز النفاذ عام 1980.

إذاً، وفي المُحصّلة، إن الصعوبات الاقتصادية التي سيُعانيها الإيرانيون من غير المُرجَّح أن تدفعهم إلى الاستسلام لشروط ترامب، فالإيرانيون يُتقِنون فن التهرّب من نظام العقوبات وهو ما قاموا بفعله على مدى سنين من العقوبات الدولية الشاملة، هذا بالإضافة إلى امتلاك إيران للعديد من أوراق القوّة الاستراتيجية في المنطقة والتي لم تستخدمها لغاية الآن.


2018/10/31

ماذا بعد خسارة ميركل!


في اعتراف واضح بالهزيمة خاصة بعد الخسارات الانتخابية المتكررة التي مني بها حزبها والأحزاب المتحالفة معه، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها ستتخلى عن رئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي، لكنها ستبقى في منصب "المستشارة" حتى نهاية ولايتها الحالية التي تنتهي عام 2021.
لقد أسهمت سياسات ميركل بتراجع حزبها في الانتخابات المحلية( في منطقة هيسي) حيث لم يستطع الحصول سوى على 27% من الأصوات، متراجعًا 11 نقطة عن عام 2013. كما أثّرت سياسات ميركل على حليفها البافاري الذي خسر الغالبية الانتخابية في بافاريا، لأول مرة منذ عقود.
اللافت أن الناخبين الإلمان يعاقبون ميركل وحزبها وحلفاؤهم ويبتعدون عنهم، علمًا أن السياسات الإقتصادية للمستشارة الإلمانية - وبحسب الخبراء- قد أفادت المواطن الإلماني، والدليل ان معدلات البطالة في إلمانيا ما زالت في تراجع منذ استلام ميركل الحكم بعد أزمة اقتصادية كبرى. وبحسب وكالة العمل الإلمانية، تراجعت نسبة البطالة في إلمانيا خلال شهر أيلول 2018، إلى 5.1 في المئة، لتسجل أدنى مستوياتها منذ توحيد البلاد عام 1990.
إذًا هي سياسة الأبواب المفتوحة التي جعلت ميركل تخسر مستقبلها السياسي، وبسقوط ميركل سوف يتغير وجه أوروبا، على عدّة صعد، أهمها:
- أولاً في الداخل الإلماني: بعد الدرس العميق الذي سوف يستخلصه حزب ميركل بالدرجة الأولى والأحزاب الأاخرى بالدرجة الثانية، سوف يكون من الصعب على أي سياسي إلماني الاستمرار بنفس السياسات القديمة التي انتهجتها ميركل والتي أدّت الى خسارة شعبيتها، بل قد يجنح أكثر صوب اليمين.
وبالرغم من أن ميركل حاولت القيام بتدابير عاجلة لوقف التدهور الحاصل في شعبيتها، وإرتفاع أسهم اليمين في إلمانيا وفي أوروبا، كأن تقوم بعرض الأموال على لبنان والأردن لاستضافة اللاجئين، أو تضغط على دول الاتحاد للقبول بتوزيع اللاجئين، ووافقت على عقد اللقاء الرباعي في اسطنبول وعودتها لتبني الخطاب الروسي الأساسي حول الأزمة وهو "مكافحة الارهاب" ، والابتعاد عن السياسة الاوروبية المعتمدة منذ سبع سنوات حول "إسقاط الأسد".. بالرغم من كل ذلك، إلا أن الأزمات المستفحلة والمشاكل المتفاقمة وأعداد اللاجين الكبيرة كانت أكبر من قدرة الشعب الإلماني على تقبلها.
ثانيًا، على صعيد الإتحاد الأوروبي:
يعاني الإتحاد الاوروبي من مشاكل عديدة ليس أقلها خروج بريطانيا من الإتحاد والمفاوضات الصعبة التي يجريها الاتحاد مع لندن من أجل إيجاد صيغة خروج مقبولة للجميع. إن إضعاف ميركل سوف يؤدي الى إضعاف الاتحاد ككل، وإعطاء زخم أكبر للمتشائمين بمستقبل الاتحاد الاوروبي.
أما بالنسبة لفرنسا، والتي كان لميركل التأثير الأكبر في منع اليمين الفرنسي من الوصول الى الحكم، ووصول إيمانويل ماكرون من خارج الطاقم السياسي التقليدي، فسيكون الأمر مختلفًا نوعًا ما، حيث قد يعود التنافس الفرنسي الالماني على تزعّم أوروبا الى الواجهة.
يعاني ماكرون - كما ميركل- من إنخفاض شعبيته الى أقل من 30% خلاف فترة 18 شهرًأ من تسلمه الحكم، وذلك بسبب غروره وتكبّره، والفضائح التي لاحقته، والأهم فشل الاصلاحات الإقتصادية التي وعد بها، وارتفاع البطالة الى 10%.
إن ماكرون المنتشي بنفسه، سيحاول استغلال ضعف حليفته ميركل ليكرّس نفسه زعيمًا للإتحاد الاوروبي، معوّلاً على الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي ستعقد في شهر أيار من سنة 2019. وقد يكون ماكرون قد بدأ يميّز نفسه عن ميركل، وكان الأبلغ في هذا المجال تصريحه الفجّ والذي ردّ فيه على إعلان ميركل أنها قررت تعليق تصدير أسلحة إلى السعودية بعد جريمة قتل خاشقجي، والذي قال فيه إن "الدعوة لوقف بيع السلاح" الى السعودية إثر مقتل الصحافي جمال خاشقجي هي "من باب الديماغوجية البحت".

2018/10/04

ما هي جدية شنّ الحرب الاسرائيلية على لبنان؟

يومًا بعد يوم، يثبت التفاهم الذي عقده التيار الوطني الحر وحزب الله، قدرته على الإستمرار بالرغم من كل التحديات التي واجهها في مفاصل عدّة، ومنها الإنتخابات النيابية الأخيرة. وقد يكون استمرار هذا التفاهم هو نتيجة لما يؤمن به الطرفان من مبادئ وطنية، تتجلى في مقاومة العدو، ومحاربة الفساد، وبناء الدولة القوية العادلة، وهو ما يتمظهر في كل مناسبة وحدث جلل.

لقد تكاملت كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإجراءات التي قام بها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الذي دعا السفراء الأجانب لجولة في مطار بيروت دحضًا لأكاذيب نتنياهو حول أسلحة حزب الله، مع التهديد الذي وجهه السيد نصرالله الى "اسرائيل"، بأن حزب الله يملك صورايخ دقيقة، وإن فرضت إسرائيل حرباً على لبنان ستواجه مصيراً وواقعاً لم تتوقعه في يوم من الأيام.

لقد دعا الرئيس عون دول الأمم المتحدة الى "الاستفادة من دروس التاريخ، لأن الظلم يولد الانفجار، وانتفاء العدالة والكيل بمكيالين يولدان شعورا بالنقمة ويغذيان كل نزعات التطرف وما تستولده من عنف وإرهاب، مؤكدًا أن انعدام العدالة أشعل حروبًا كثيرة في الشرق الأوسط وأوجد مقاومة لن تنتهي إلا بانتفاء الظلم وإحقاق الحق"، وأكد في لقاءاته الصحفية ومع الجالية اللبنانية على أهمية الدور الذي قام به حزب الله في مكافحة الإرهاب ومنعه من الإعتداء على لبنان، بالإضافة الى مقاومة العدو الإسرائيلي.

أما وزير الخارجية جبران باسيل، فلقد قرر المواجهة الدبلوماسية على شتى المستويات، بالرغم من إدراكه أن تلك المواجهة سوف تفتح عليه أبوابًا جديدة من الإنتقادات الداخلية، خاصة من قبل بعض الأطراف التي ترى ضرورة إضعاف حزب الله تمهيدًا لعزله ونزع سلاحه...

وهكذا، وبتكامل المواجهة العسكرية والدبلوماسية والسياسية اللبنانية، تكتمل عناصر القوة اللبنانية، وتكون المواجهة مع العدو قد تطورت لصالح لبنان بحسب المراحل التالية:

المرحلة الأولى: قبل حرب تموز 2006: كانت إسرائيل تملك قرارين أساسيين في المواجهة سواء مع لبنان أو مع أي دولة عربية: قرار الدخول في الحرب وقرار الخروج منها وإنهائها ساعة تشاء، وبالشكل الذي تريد. لقد شكّل تفوق الجيش الاسرائيلي العسكري والقدرة الجوية والتكنولوجية التي يملكها عاملاً مساندًا لإسرائيل في تحقيق هيمنتها على المنطقة، حيث استمرت اسرائيل في الاقتناع بأنه يكفي قرار سياسي بالنزهة الى لبنان، حتى تصل قوات الجيش الاسرائيلي الى حدود الليطاني.

المرحلة الثانية: تجربة حرب تموز 2006، والتي أدخلت مفهوم التوازن الردعي لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، والتي بيّنت أن قراراً واحداً فقط كان بيد إسرائيل، وهو قرار الدخول في الحرب، لكنها خسرت في المقابل ما يلي:

-القدرة على اتخاذ قرار الخروج من الحرب وبأي ثمن وبأي خسائر لأول مرة في تاريخها، ولم تستطع استعادته لغاية الآن، بالرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الاسرائيلية بناءً على توصيات لجنة فينوغراد.

-القدرة على أخذ "الحرب إلى أرض العدوَ"، بحيث يعيش الشعب الاسرائيلي بأمن وسلام، بينما تقوم الطائرات الاسرائيلية بتطبيق "سياسة الأرض المحروقة" في البلاد العربية. لقد عانى الاسرائيليون في حرب تموز وما بعدها، لأول مرة في حياتهم من الخوف من صواريخ المقاومة التي استطاعت أن ترسي معادلة "عاصمتنا مقابل عاصمتكم، مطارنا مقابل مطاركم" كما حددها السيد حسن نصرالله.

-خسرت اسرائيل قوة التأثير من خلال التهديد والتهويل بالحرب، التي تهزم العدو إدراكيًا ونفسيًا قبل شنّ الحرب عليه، فيقوم بتنفيذ بما تريده أن يقوم به، أو يمتنع عن القيام بما لا تريده أن يفعله، وذلك من دون أن تضطر لشنّ الحرب.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الحرب السورية وانخراط حزب الله في قتال التكفيريين، بحيث امتلك من الخبرة القتالية ما يجعل الاسرائيلي يخاف من "حفيف الشجر، وضربات المعاول…" على الجزء اللبناني من الحدود كما قال الأمين العام لحزب الله في إحدى خطبه، وباتت المقاومة تعلن جهارًا امتلاكها صواريخ دقيقة، وأن مقاتليها يتدربون على سيناريو اقتحام الجليل في أي حربٍ مقبلة.

والنتيجة، أن اسرائيل التي تهدد يوميًا بشنّ حرب على لبنان، من المؤكد أنها باتت تتمنى الحرب وتخشاها في نفس الوقت؛ لذا لن تدخل اسرائيل في مغامرة لا تستطيع التأكد من انتصارها الحتمي فيها، والأكيد أنها لن تخرج الى مغامرة شبيهة بحرب تموز 2006، بالرغم من اطمئنانها الى مواقف بعض الدول العربية التي ستأتي أكثر جهرًا بالمساندة هذه المرة.

وعليه، إن حسابات الربح والخسارة في أي حرب مع لبنان لن تكون لصالح اسرائيل، والمنطقي والواقعي أن لا تلجأ اسرائيل الى الحرب، ولكن هذا لا يعني أن لا يتحسب اللبنانيون لأي جنون متفلت، ويحصّنوا وحدتهم في وجه الاسرائيلي، ويرسلوا له رسالة شديدة اللهجة بأن حلم عزل حزب الله داخليًا لن يحصل، وإن لبنان السياسي والدبلوماسي والعسكري مستعد للقتال في أيّ مواجهة قادمة، وسننتصر، وسيندم الاسرائيليون ندمًا شديدًا.